حوار مع الباحث حمزة حموشان حول “كوب 28” والرأسمالية الخضرا

البيئة27 ديسمبر، 2023

يَنعقد مؤتمر المناخ “كوب 28” في دولة الإمارات، منذ 30 نوفمبر الفارط إلى 12 ديسمبر الحالي، في جوّ من التوتر على خلفية تمسّك الدول النفطية والغازيَّة -على رأسها دول الخليج- والشركات الاستِخراجية الكبرى بمُواصلة أنشطتها وسياساتها المُلوِّثة والمُستنزِفة للموارد الطبيعية، وكذلك بسبب التضييق على حركة النشطاء البيئيين ومُمثلي المنظمات غير الحكومية. حتى أن بعضهم تحدّثَ عن “أكبر حملة تضييقات على منظمات المجتمع المدني في تاريخ مؤتمرات المناخ”. ولم يَقتصر التضييق على الاحتجاجات ذات الطابع البيئي، بل تعدّاهَا ليَشمل التحركات المتضامنة مع الفلسطينيين وغزّة التي تتعرض للإبادة.
قمّة الإمارات هي الثانية على التّوالي التي تُعقَد في المنطقة العربية بعد كوب 27 في مصر. هذه المنطقة تُعدّ الأكثر عرضة لٱثار ومخاطر التغيّرات المناخية في العالم، وهي كذلك من أكبر منتجي ومصدّري الطاقات الأحفورية. هذه الوضعية تجعَل المنطقة العربية في قلب مسألة الانتقال الطاقي واستراتيجيات مُجابهة الأزمات المناخية. هل هي جاهزة لهذا الانتقال، وماذا أعدَّت للمستقبل؟ ما هي أهم التمايزات بين دول المنطقة العربية، وما الذي يُميزها عن بقية دول العالم بخصوص مواجهة المسألة الطاقيّة؟
هذه بعض التّساؤلات التي طرَحتها المفكرة القانونية على الباحث والمناضل الجزائري حمزة حموشان، مُنسّق برنامج شمال إفريقيا في “المعهد العابر للقوميات” (The Transnational Institute)، بمناسبة صدور المؤلف الجماعي الذي أسهَم في كتابته وأشرف -رفقة كایتي ساندویل- على تحريره: “تحدي الرأسمالية الخضراء: العدالة المناخية والانتقال الطاقي في المنطقة العربية”.[1] ويتكوّن الكتاب من ثلاثة أقسام؛ يَضُمّ كل واحد منها مجموعة مقالات لكاتبات وكتّاب تناولوا بالبحث والتحليل مُختلف المسائل الطاقية في دول المنطقة العربية من الخليج إلى المغرب الأقصى، مرورا بفلسطين، ضمن إطار مفاهيمي وَثيق الارتباط بمسائل العدالة المناخية والاستعمار والرأسمالية والسيادة الوطنية والديمقراطية.

المفكرة القانونية: في السنوات الأخيرة كثُرَ الحديث عن الاقتصاد الأخضر والطاقة الخضراء. يَبدو أنكم تشكّكون في هذه الصورة الخضراء الجميلة وتفضّلون استعمال عبارات وتوصيفات مثل “رأسمالية خضراء” و”استعمار أخضر” و”استحواذ أخضر” و”غسيل أخضر”. ماذا تعنيه هذه المصطلحات، ولماذا لستم مقتنعين بكل هذا “الاخضرار” الذي تُبشّر به كبرى الدول والشركات في العالم؟

حَمزة حموشان: منذ ثلاثة عقود، صارَ الحديث عن الاقتصاد الأخضر أو المُستدام والانتقال نحو الطاقات الخضراء يتكرّر باستمرار. في الحقيقة، بدأ الحديث عن هذا الموضوع منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، عندما بدأ التشكيك في النظام الاقتصادي العالمي وآثاره البيئية المُدمرة. منذ خمسين عاما بدأ العديد من العلماء والباحثين والخُبراء يُنبّهون إلى الأزمة البيئية، لكن بطبيعة الحال أصحاب القرار السياسي والشركات والطبقات الرأسمالية المُهيمنة لم يأخذوا بعين الاعتبار هذه التنبيهات. لكن عندما بدأت الآثار تُوَثَق في دراسات علمية جادّة لا يمكن التشكيك فيها، حدَثَ تحوّل نسبي نحو الاقتصاد الأخضر والاستدامة والحفاظ على الموارد، والتخفيض من الانبعاثات الكربونية. نحن في كِتابنا الصادر مؤخّرا نقول أن ترويج مفهوم “الاقتصاد الأخضر” هو مجرّد “تَخضير” للرأسمالية. ما نَقصده بـ”الرأسمالية الخضراء” هو الغسيل الأخضر للرأسمالية وإظهارها للمجتمعات وكأنها بصدد التحوّل إلى نظام مُستدام، وأنها صارت تأخذ بعين الاعتبار الأزمة البيئية والمُناخية المتفاقمة عامًا بعد عام. وهذا ما اعتمدَته الرأسمالية للتغطية عن مسؤوليتها. النظام الرأسمالي يتأقلم بطبيعة الحال مع هذه الأزمات ويُغيّر خطابه للحفاظ على مصالح القطاع الخاص وأربَاحِه. ولا يقتصر الأمر على التأقلم، بل هناك سَعي إلى احتواء الخطاب حول الأزمة البيئية وتوجيهِهِ نحو المُحافظَة على مُراكمة الأرباح ورأس المال، وهذا ما وقعَ بالضبط في قِمم المناخ المُتعَاقبة.

المُفكّرة: لقد استعمَلتم في كتابكم المنشور حديثا مفهوم “الانتقال الطاقي العادل” كأساس لتحقيق العدالة المُناخية، هل بإمكانك أن تشرحَ لنا وجَاهة استخدام مفهوم الانتقال الطاقي العادل؟

حموشان: اعتمدنَا في الكتاب على عدة أطر مفاهيمية، والانتقال الطاقي العادل هو أحد هذه الأطر. هناك أيضا الاستعمار الأخضر والاستحواذ الأخضر والرأسمالية الإيكولوجية وغيرها. أمّا بخصوص الانتقال العادل، فسأعطِي نبذة تاريخية مُختصرة حتى نفهم جذور هذا الخطاب وتَشَكّله كمَشروع. ظهر مفهوم الانتقال العادل منتصف سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية عندما حدَثَ تقارب بين ثلاث حركات: الحركة العمّالية وحركة العدالة البيئية وحركة حقوق الشعوب الأصلية. نشأ هذا التّحالف من أجل التصدّي لشركات الصناعات الكيمياوية المُلوِّثَة التي كانت تَستغلّ العمّال وتُدمّر البيئة وتستولي على أراضي الشعوب الأصلية ومواردها. هذه الحركات الثلاث فهِمَت أنه يَجب أن يَحصل تقاطع بين استراتيجياتها وتكتيكاتها، كي تستطيع محاربة نظام واحد مُدَمِّر؛ النظام الاقتصادي العالمي المهيمن الذي تمثّله الرأسمالية. الانتقال الطاقي العادل هو الانتقال من نظام رأسمالي استخراجي مُدمّر يستغل الطبقات العاملة والبيئة نحو نظام مُستدام ومُنصف لكل أعضائه.

المُفكرة: هل أن إنجاز الانتقال الطاقي من الوقود الأحفوري إلى الطاقات البديلة كفيل بضمان العدالة؟ بمعنى ما، هل أن استبدال طاقة مُلَوِّثة بطاقة خضراء نظيفة كافٍ للقطع مع نمط الإنتاج الرأسمالي السائد الذي يستنزف موارد الطبيعية لفائدة أقلية من البشر؟

حموشان: نحن رَكّزنَا على مسألة الطّاقة والانتقال الطاّقي في الكتاب. لكن ما يَجب توضيحه هنا أن مفهوم الانتقال العادل أوسع وأشمل، فهو لا يخصّ فقط الطاقة والمناخ، بل يتعلّق بالتغيير الجذري للنظام السياسي والاقتصادي والبيئي السائد نحو البديل المُستدام والمُنصف المنشود وفق مبادئ محددة؛ إذ أنّ الانتقال العادل مسألة طبقية تَخصّ مسألة السلطة ومَن يتحكّم بموارد المجتمع ومَن يستفيد منها، وهو أيضا مسألة جندرية ومُعادية للعنصرية. الانتقال العادل الذي نتحدّث عنه سيكون مختلفا باختلاف الأماكن. الانتقال العادل يجب أن يكون أيضا ديمقراطيا ومُعاديا للاستعمار. هو ليس انتقالا تقنيا أو تكنوقراطيا من الوقود الأحفوري والفحم نحو الطاقات المُتجددة مع الحفاظ على نفس البُنى السّلطوبة الجَشِعة المتسببة في الأزمة. يجب أن تكُون الطّبقات العاملة والمجتمعات المحلية في صلب هذا الانتقال وأن تَستفيد منه وأن لا تتضرّر.

المفكّرة: تبدو مسألة الانتقال الطاقي العادل ضرورية ومغرية، بل وحتى “سهلة” حسب ما يُفهم من كلام بعض الباحثين والناشطين البيئيين. لكن، هل الأمور حقّا بهذه البساطة؟ هل تمتلك دول المنطقة العربية والجنوب العالمي عُموما الموارد البشرية والتقنية والمالية للسّير في درب هذا الانتقال؟

حموشان: هنا يكمن الخلاف مع خطاب بعض المنظمات والحركات البيئية التي تتحدّث عن الانتقال الطاقي من منطلق تقني-نيوليبرالي مُرتبط باقتصاد السوق والشركات الأجنبية الكبرى. هذا الخطاب يَتغافَل عن حقيقة أن الانتقال الطاقي -حتى غير العادل- هو مسألة سياسية بامتياز مُرتبطة بالاقتصاد السياسي في بلداننا. الأمر مُرتبط بالكيفية التي تُريد أن تُنجز بها الانتقال الطاقي. هل سيكون ذلك عبر تعزيز تبعيّتَك السياسية والاقتصادية والتكنولوجية؟ إذا كان هذا ما تُريده فالأمر سهل، تأتي بالخبراء الغربيين فيقومون بكل العمل، لكن هذا سيَزيد من ديونك وارتهانِكَ اقتصاديا للسوق العالمية. يجب أن ننظر للانتقال الطاقي على أنه مسألة سيادة وطنية وشعبية على مواردنا وطاقاتنا. ثم قد تَجد بعض الناس في دول الجنوب يتساءلون: لماذا يجب علينا أصلا أن نُنفق على الانتقال الطاقي، لدينا عدة مشاكل أخرى يجب أن نعالجها كالبطالة والتنمية والأزمة المناخية والشّحّ في المياه، إلخ. لذلك نحن نؤمن بأن مسألة الانتقال الطاقي العادل يجب أن تَضعَ، كأولوية، مسؤولية الغرب الصناعي في الأزمة المناخية.

عمليًّا، ليست لدينا القدرات التقنية والتكنولوجية لإنجاز هذا الانتقال، ومازلنا نُعوّل بشكل كلّي على القطاع الخاص الأجنبي. تأتي الشركات الأجنبية فتُنجزَ المشاريع لكنّها لا تنقل التكنولوجيا. إذا لم تُجبِر الشركات الأجنبية والعواصم الغربية خلال توقيع العقود الاستثمارية واتفاقيات التبادل الحر على أن تَنقل لكَ التكنولوجيات، فهي لن تصلكَ أبدا. للأسف هناك نظام عالمي لاحتكار التكنولوجيا. الصين مثلا عوّلَت على نفسها في الحصول على التكنولوجيا وكسبَت الرهان.

في بلدان، مثل تونس، هناك إمكانيات هائلَة في مجال الطاقات المتجددة، يجب التفكير في حلول جديّة لاستغلالها، وفي الوقت نفسه إرساء سياسة تصنيعية تُخفّف من الارتباط بالخارج. وسيتطلّب ذلك عقودا من الزمن، وسيُواجَه حتما بضغوط قوية من الاتحاد الأوروبي والشركات الكبرى. تونس والدول الشبيهة لا يُمكنها أن تُواجه هذا الضغط لوحدها، يجب أن تتحالف مع دول وشعوب أخرى من الجنوب العالمي. وهذا بالطّبع مشروع سياسي تحرّري طويل الأمد.

المفكرة: يَرى البعض أنّه في ظل “تخلّف” دول الجنوب ونُقص مواردها العمومية وثِقل بيروقراطياتها الحكومية، قد يكُون من الأجدى مَنح القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب دورًا رئيسيا في تنفيذ وتسريع مخططات الانتقال الطاقي. هل هناك بعض الوجاهة في هذه الرؤية أم أنها مُجانبة للصواب؟

حموشان: صراحة أفَضّل أن يَكون القطاع العام هو المعني الأول والمُشرف على سياسات الانتقال الطاقي باعتبارها مسألة سيادة وطنية. الطاقة مسألة استراتيجية لا يمكن أن تُوكَل إلى القطاع الخاص الذي لا يُحّركه إلا هاجس الربح. بالإمكان، عملياّ، مَنح أدوار محدودة للقطاع الخاص في مسألة الطاقة على المدى القصير والمتوسط، لكن مع فرض رقابة عمومية تعديلية. عندما ننظر إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) في مختلف دول العالم، وخاصة في منطقتنا، نكتشف بكل سهولة أن المقصود بها هو خصخصة الأرباح وتعميم الخَسارة. إذا كان القطاع الخاص المحلّي قادرا على تطوير مهارات وخبرات تقنية وتصنيعية بالتعاون مع القطاع العام فيمكن الاستفادة من هذا الأمر. لكن على المدى الطويل أفضّل شخصيا أن تكون الطاقة، مثلها مثل قطاعات مهمة أخرى كالصحة والنقل والتعليم، خدمات عمومية مجانيّة تُوفّرها وتُشرف عليها الدولة.

المفكرة: للوهلَة الأولى تبدو المنطقة العربية مُتجانسة كجزء من الجنوب العالمي الخاضع لهيمنة الشمال. لكن الأمور -وهذا ما يظهره مؤلّفكم الجماعي- أكثر تعقيدا فيما يخصّ مجال الطاقة والعدالة المناخية ومدى التعرّض للأضرار البيئية والمسؤولية عنها. من أين تنبع هذه التمايزات؟

حموشان: مُعظَم الدّول العربية دخَلت إلى الاقتصاد الرأسمالي من باب التبّعية، وهذا منذ الفترة الاستعمارية. كنّا في موقع الخضوع والتبعية، وأَجبَرت القوى الإمبريالية الدول المستقلة على بناء  اقتصادياتها عبر استخراج مواردها وتصديرها بشكل خام ورخيص، مع استيراد المواد المُصنّعة. هذه العلاقة غير المتوازنة يُسمّيها كثيرون بالتبادل الاقتصادي والإيكولوجي اللامتكافئ. أين الدول العربية من هذا التقسيم؟ أغلبها يُصَدّر الطاقات الأحفورية والمعادن والمحاصيل الفلاحية المستنزفة للأرض والمياه بشكل يكرّس التبعية الغذائية. هذا النمط الرأسمالي الاستخراجي-الاستنزافي هو الذي يَخلق التراتبيات في السوق العالمية ويكرّس التبعية.

عند تدقيق النظر في المنطقة العربية، نَكتشف أن هناك لا تكافؤا واضحا وعميقا. الوَجه الأبرز لهذا اللاتكافؤ هي دول الخليج. هذه الأخيرة تَلعب دورا أساسيا في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ويُمكن أن نُسمّيها دول شِبه طَرَفيّة (من الأطراف)، وإن كُنت شخصيا أفضّل تسميتها بدول “شبه إمبريالية” أو “إمبريالية بالوكالة”. لا تقتصر هذه المُعاينة على النمط الاستخراجي للطاقة، بل تَشمل الجانب السياسي الاقتصادي ككل. أولاً دول الخليج أغنى بكثير من دول الجوار، ولا يُمكننا بأي شكل من الأشكال مقارنة مثلا السعودية باليمن أو الإمارات المتحدة بلبنان. ثانيا، دُول الخليج تَلعب دورًا هاما في مصادرة فائض القيمة على المستوى الإقليمي، وهي تُعيد إنتاج نفس العلاقة بين المركز والأطراف؛ علاقة تقوم على الهيمنة والاستغلال ونهب ومصادرة الأراضي. فحجم الأراضي التي استحوذت عليها السعودية والإمارات في مصر والسّودان وأثيوبيا مَهول، وهي تَستغلّها مثلا لإنتاج الأعلاف الحيوانية التي تُصدّر فيمَا بعد لدول الخليج.

وهناك أدوار أخرى لا تَقلّ خطورة؛ تُوجد مثلا شركة إماراتية اسمها “الكربون الأزرق” (Blue Carbon). هذه الشركة متخصّصة في الائتمان الكربوني (Carbon offsets and credits) أو تجارة الكربون القائمة على توفير ائتمانات كربونية، وهي في الواقع “رُخَص تَلويث” تُباع إلى الشركات الكبرى حتى تُواصل أنشطتها الاستخراجية النفطية والغازيّة ضمن سياسة “صافي الانبعاثات الصفري . هذه الشركة الإماراتية ذهبَت إلى خمسة بلدان إفريقية (زمبيا والزيمبابوي وكينيا وتنزانيا وليبيريا) واقتنَت ملايين الهكتارات من الأراضي والغابات بلغت 10 بالمئة من مساحة ليبيريا و20 بالمئة من مساحة زيمبابوي، والنّسب مشابهة في بقية البلدان.

المفكرة: تُبرِز المساهمات المُخصصة للمنطقة المغاربية في كتابكم تمايزا كبيرا بين الدول على مستوى إنتاج واستهلاك الطاقة الأحفورية والتبعية للخارج. ويبدو أن مساعي الانتقال الطاقي في كل بلد على حدة تُعمّق هذا التمايز، خاصة في ظل الحرب الروسية-الاوكرانية وتطبيع المغرب مع إسرائيل. هل سيُعقّد هذا التفاوت الأمور أكثر في المنطقة؟

حموشان: يبدو أنه يتوجّب علينا بداية أن نتساءَلَ، هل بإمكاننا الحديث عن منطقة مغَاربية واحدة في ظلّ كلّ هذه التمايزات؟ كان يُفترض أن يَكون بين هذه الدول تكامل اقتصاديّ وسياسيّ. لكن للأسف كل هذا غير موجود لعدة اعتبارات؛ أبرزها الاختلاف الكبير بين النظامين المغربي والجزائري -طبعا بخصوص قضية الصحراء الغربية- والآن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني. وإضافة إلى كل هذا ثمة فوارق في البُنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

دعنا نَعود الآن إلى مسألة الطاقة، الجزائر مثلاً لدَيها نفس مواقف الدول الخليجية من استخراج واستغلال الطاقة الأحفورية. فالمسؤولون يرون أن النشاط الاستخراجي الأحفوري سييستمرّ لفترة طويلة، أي ثلاثة عقود على الأقلّ. لا تُوجد أيّ نظرة جدية واستراتيجية للانتقال الطاقي في الجزائر، بسبب النظام غير الديمقراطي والريعي القائم على استخراج البترول والغاز. السياق العالمي الراهن -خصوصا الصراع الروسي الأوكراني وارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي- مُلائم للرؤية الرسمية في الجزائر الراغبة في إطالة عمر النظام الاستخراجي والريعي المُدمّر للبيئة، والذي لا يخدم مصالح الشعب على المدى المتوّسط والطويل.

تونس تَسير حاليّا في طريق الانتقال الطاقي، وتعتمد استراتيجيتها في مجابهة التغيّر المناخي على تخفيف حدة الآثار. وهذا غريب جدا عندما نعرف أن المسؤولية التونسية عن انبعاث الغازات الدفيئة لا تتجاوز 0،07 في المئة من الإجمالي العالمي. يُفترض بتونس، خاصة في ظل أزمتها المائية، أن تتبنّى سياسة تأَقلُم، وأن تُخصّص التمويلات لمشاريع توفير المياه وتغيير النمط الزراعي القائم على التصدير. الاختيار الخاطئ الذي سلَكَته تونس فيه خضوع لتوجيهات جهات أجنبية مثل الوكالة الألمانية للتعاون الفني (GIZ) والبنك الدولي. وحاليّا هناك مشروع الربط الكهربائي عبر البحر بين تونس وإيطاليا، بِمنح وقروض من “البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية” و”البنك الدولي”. تَنظر أوروبا إلى تونس كمُستعمَرة طاقيّة تُنتج الطاقات النظيفة وتُحوّلها إلى الخارج. وتتنزل مَساعي خصخصة قطاع الطاقة في تونس ضمن هذا التصور.

نفس الشيء في المغرب وربما أكثر بأشواط. هذا البلد ليس لديه مخزون كبير من الطاقات الأحفورية، ومن المنطقي أن يُفكّر في الطاقات البديلة، لكن المشكلة أن القطاع الخاص يُهيمن على مسار الانتقال الطاقي في المغرب. صحيح أن المغرب خَطا خطوات في هذا المسار. لكن بعيدا عن الدعاية المبالغ فيها ما زال 80% من إنتاج الكهرباء في المغرب يَعتمد على الطاقة الأحفورية. والمشكلة الثانية أن المغرب منخرط بقوة في المشاريع التصديرية الكبرى، مثل إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر. وهذه المشاريع تَنقل الأعباء البيئية والاجتماعية من دول الشمال إلى دول الجنوب.

المُفكّرة: التّركيز في كتابِكم على دَور بعض دول الجنوب في الاقتصاد الاستخراجي وسَعيِها لاستدامته، أليس فيه بعض التّماهي مع الخطاب الأخضر التّطهّري لدول الغرب الصناعي الذي استغلَّ لمدة طويلة الطاقات المُلوّثة لتطوير اقتصادياته ومُراكمة الفوائض وتدعيم هيمنته؟ ألن يؤدّي حرمان بعض دول الجنوب من عائدات الوقود الأحفوري بشكل سريع إلى انهيار اقتصادياتها وتفقيرها وتعميق تبعيتها؟

حموشان: هذه التّساؤلات والمَخاوف مشروعة، وهي تُحيلنا إلى مفهوم الاستعمار الأخضر -الذي تناولناه في الكتاب- القائم على نقل الأعباء الاجتماعية والبيئية للانتقال الطاقي من دول المركز نحو الأطراف. بهذا الشّكل تَكون الأولويات الطاقية والبيئية لمنطقة محدودة من العالم على حساب بقية البلدان. نفس علاقات الاستحواذ والاستغلال القديمة يُعاد إنتاجها باسم الاستدامة والانتقال إلى الطاقات النظيفة. لذلك نردّد دائما أن الانتقال الطاقي العادل لن يتِمَّ بنفس الشكل ولا الوتيرة في كل بلدان العالم، بل حسب المسؤوليات التاريخية والإمكانيات الاقتصادية والمشاكل البيئية لكل بلد.

العدالة المناخية، وهذا ما تتبنّاه الأمم المتحدة أيضا، لا تتجاهل التفاوتات بين البلدان. صحيح أن مُواجهة التغيّرات المناخية والحفاظ على الموارد الطبيعية هي ضرورة مشتركة بين كل البشر، لكن المسؤوليات والإمكانيات مختلفة. دول الجنوب -مع وعينا بوجود تمايزات بينها- لها الحق في التنمية واختيار أولوياتها. ولا يَحق لدول الشمال التي استغلت لعشرات السنوات الوقود الأحفوري وغيره من الطاقات المُلوثة أن تطلب اليوم من الدول الأفقر التخلي بسرعة عن مواردها من الطاقات الأحفورية والفحم والمعادن وتُنجز انتقالا طاقيا نظيفا سريعا.

في الوقت نفسه، لا يجب أن تكون التنمية تعلّة لدول مُنتِجة للطاقات الأحفورية، مثل الجزائر والعراق، حتى تتملّصَ من ضرورة السّير في طريق الانتقال الطاقي. فهي تتمتع أيضا بموارد كبيرة من الطاقات النظيفة يُمكن أن تستفيد منها لإنجاز انتقال طاقي مدروس ويحفظ مصالح البلاد والعمّال والمجتمعات المحلية.

المفكرة: خُصِّصَ أحد فصول كتابكم لتحليل كيفية استغلال إسرائيل “ريادتها” في الانتقال الطاقي الأخضر للتغطيّة على جوهرها الاستعماري وكمنصّة للتطبيع. هل يمكن فصل “العلمي” عن “الأخلاقي”، أي الاستفادة من “الخبرات” الإسرائيلية نظرا لاستعجالية المسألة البيئية، حتى وإن كان ذلك على حساب فلسطين التي تُواجه اليوم حرب إبادة، أم أنّ في ذلك تعارضا مع مفهوم العدالة المناخية؟

حموشان: سأجيبك بكل وضوح؛ أتباع “الواقعية السياسية” الذين لا يَرون حرجًا في التعامل مع “إسرائيل” والاستفادة من خبراتها مرتبطون برؤية سياسية ليبرالية استعمارية تُسَوِّق للخضوع. دافعهم سياسي وليس علميّا أو تقنيّا. لماذا لا يعوّلون على الصين مثلا إذا كانت غايتهم الاستفادة التكنولوجية والعلمية؟ وهناك دول أخرى بالطبع. اختيار إسرائيل كشريك هو خيار سياسي بحت يرتبط بموقعك في العالم وبمصالح الطبقات التي تُوجّه هذه الرؤية. لا يمكننا الحديث عن انتقال طاقي عادل وتصدّ للاستعمار الأخضر في المنطقة مع تجاهل ما يحدث في فلسطين.

إسرائيل تَغسِل أو تَطلي بالأخضر جرائمها الاستعمارية، وهي تُسوّق لريادة خضراء تُعتبَر جزءًا من مشروعها الاستعماري. ومن بين تكتيكات هذا المشروع هو التطبيع البيئي العربي. كلّمَا اتّسعت رقعة التطبيع مع إسرائيل داخل المنطقة العربية وخارجها كلّما تراجَعت مكانة القضية الفلسطينية. وهذا خيار إسرائيلي استراتيجي. إسرائيل موجودة اليوم على حدود الجزائر في المغرب، وهي تعقد هناك شراكات في عدة قطاعات، وكذلك الحال في مصر والأردن.

معظم سكان الأردن من أصول فلسطينية، لكنّ الطبقات الحاكمة هناك سارَت في  طريق التطبيع السياسي والاقتصادي والبيئي. تستورد الأردن جزءًا هامّا من استهلاكها من الغاز الطبيعي من إسرائيل. وهناك مشروع آخر تم الاتّفاق حوله في 2022 وتوقف الآن مؤقتا بسبب ما يجري في فلسطين، لكنه سيُستأنَف عندما “تهدأ الأمور”، هو مشروع “الازدهار الأزرق” و”الازدهار الأخضر” (Prosperity). يقوم مشروع “الازدهار الأزرق” على تزويد إسرائيل للأردن بالمياه عبر تحليَة مياه البحر الأبيض المتوسط، لكنّه يُغفل حقيقة أن إسرائيل سرِقَت طيلة عقود مياه فلسطين والأردن وسوريا. وهكذا تظهر إسرائيل في صورة الجار الطيب الذي يُساعد جاره الأردني في حل مشاكل شحّ المياه. تحلية المياه تتطلب كميات كبيرة من الطاقة، فمن أين تأتي بها إسرائيل؟ هنا يأتي دور “الازدهار الأخضر”، وهو مشروع إنتاج طاقة من المصادر المتجددة تُنجزه الأردن على أرضها بإشراف شركة “مصدر” الإماراتية، ويَذهب كل الإنتاج إلى إسرائيل لتستعمل بعضه في مشروع تحلية المياه، وتستغلّ البقية في الترويج لصورتها كبلد يَسير في طريق الانتقال الطاقي.

المفكرة: تُعقد حاليا قمة المناخ COP 28 في دولة الإمارات التي تُعدّ من كبار منتجي الوقود الأحفوري، ويترأس القمة سلطان الجابر وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ورئيس مؤسسة النفط الحكومية، وهو أيضا مهندس مخطّط الإمارات لإنتاج الطاقة النظيفة ورئيس مؤسسة “مصدر” الرائدة في المجال. هل هناك تناقض بين مختلف هذه القبّعات التي يرتديها الجابر أم هي مسارات متكاملة؟

حموشان: التناقضات موجودة، لكن يجب أن نضَعها في مسار قِمم المناخ خلال السنوات الثلاثين الأخيرة. يَجتمع قادة الدول والحكومات والمنظمات ووسائل الإعلام وكذلك لوبيات الشركات، بما فيها شركات الوقود الأحفوري، ويكرّرون نفس الكلام من دون تأثير فعلي في انبعاثات الكربون وتفاقم الأزمة البيئية. هذه القمم العقيمة تمّ السطو عليها من قبل الشركات الربحية التي تُريد الاستفادة من الأزمة عبر الترويج لحلول وهمية، مثل الائتمان الكربوني والحلول المستمدة من الطبيعة، إلخ. شركات الطاقات الأحفورية ودول الخليج لا ترَى تناقضا بين مواصلة النشاط الاستخراجي الأحفوري والاستثمار في إنتاج الطاقات البديلة، فهي تنظر إلى الانتقال الطاقي كفُرصة لمراكمة أرباح إضافية. الأمر يتجاوز الغسيل الأخضر، إذ أصبحت الطاقات البديلة قطاعا استثماريا يُضَخ فيه جزء من أرباح الإنتاج الطاقي الأحفوري.
المفكرة:كوب 28 في الإمارات وقبله كوب 27 في مصر، والبلدين ليس لديهما سجل “ذهبي” في احترام حقوق الإنسان والحريات، وهذا ما أثار حفيظة الكثيرين. ما المشكلة في عقد قمّة مناخ في دول غير ديمقراطية، أليس الانتقال الطاقي عملية تقنية علمية بحتة؟ وهل الديمقراطية ضمانة صلبة للانتقال الطاقي العادل، إذ أن صناديق الانتخابات ووسائل الإعلام الحرة قد تخدم مصالح قوى وشخصيات معادية للعدالة المناخية؟

حموشان: هذا يتوقف على فهمنا للديمقراطية. شخصيّا أتبنّى فهمًا يَربط المسألة الاقتصادية والاجتماعية بالمسألة السياسية، ومنظورا طبقيا يسعى لإقحام الطبقات العاملة وصغار الفلاحين والعاطلين في المسألة السياسية. صحيح أنه ليس هناك اختلاف جذري بين قمّة مناخية تُعقد في باريس وأخرى تُعقد في شرم الشيخ، فكلتاهما تخدم مصالح الرأسمالية، لكن توجد فروقات؛ هناك تحرّكات سياسية أستطيع القيام بها في دول الشمال ولا يُمكِنني ذلك في البلدان التي تَحكمها أنظمة قمعية. وهي بالمناسبة أنظمة مدعومة من قبل الدول الغربية “الديمقراطية”.

في قِمم المناخ التي عُقِدت في دول الشمال كان هناك مجال لعقد قمم مُضادة مثّلَت فضاءً للنقاش ووضع الاستراتيجيات لتمكين الشعوب والطبقات العاملة والمناضلين من الضّغط أكثر على صنّاع القرار. لكن هذا لم يحدث في قمة مصر والإمارات. اختيار هذين البلدين يُعبّر عن توجّه لا ديمقراطي وإقصائي يُريد حصر النقاش والاجتماعات بين الخبراء والشّركات وصناع القرار.

الانتقال الطاقي العادل مرتبط بالديمقراطية، لكن ليست الديمقراطية البرجوازية التمثيلية، بل تلك التي يُسمّيها سمير أمين: “الدّمقرطة”، أي دَمقرَطة الأنظمة السياسية والأنظمة الاقتصادية. والديمقراطية مُرتبطة أيضا بعلاقات الهيمنة والتبعية؛ إذا لم تكن هناك سيادة وطنية وشعبية على الموارد والأرض فلا يُمكن الحديث عن الديمقراطية والانتقال الطاقي العادل.


[1]  تحدي الرأسمالية الخضراءالعدالة المناخية والانتقال الطاقي في المنطقة العربية (مؤلف جماعي من تحرير حمزة حموشان وكايتي ساندويل) دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2023. (متوفر أيضا باللغتين الفرنسية والانجليزية)

المصدر: موقع المفكرة القانونية

شارك المقالة

اقرأ أيضا