مصر: إضراب عمال المحلة بمصر في مواجهة التقشف

Print Friendly

 

 

 

 

 

مرة أخرى الطبقة العاملة المصرية في واجهة الأحداث السياسية والاجتماعية. مرة أخرى جزأ من عمال مصر يقدمون على استعمال سلاح الإضراب الجماعي عن العمل باعتباره خيار المقاومة الوحيد الممكن لتحدي سياسة القمع والتقشف التي تنهجها سلطة الثورة المضادة، مستفيدة من حالة التراجع النضالي والسياسي التي فرضتها بإعدام المتظاهرين في الشوارع والمنع واعتقال عشرات الآلاف من النشطاء وسعيها الحثيث لتجفيف كل ينابيع المقاومة السياسية والاجتماعية.

هذا الصعود النضالي الجديد لإحدى أهم قلاع الحركة العمالية المصرية ليس جديد، فأكبر زيادة في الأجور انتزعها عمال مصر، في فبراير 2008، كانت بفضل انتفاضة عمال المحلة وصمودهم، وحسبما جاء في بيان الاشتراكيين الثوريين الصادر في 07 غشت الجاري تضامنا مع إضراب عمال المحلة فإن حكومة الثورة المضادة في 2013 لم تُقِر الحد الأدنى للأجور رغم عدم رقيه لطموحات العمال إلا بعد موجة إضرابات عارمة اضطرت السلطة إلى تهدئتها.

انطلق الإضراب الجديد لعمال غزل المحلة، مساء الأحد 06 غشت الجاري وتمكن، رغم الهجمة المسعورة التي شنها ضده إعلام الثورة المضادة، من قبل بعد صموده لمدة أسبوعين كاملين من انتزاع تعهدا مكتوبا من إدارة الشركة ونواب البرلمان بالاستجابة لمطالب العمال المتعلقة بتحسين أجورهم في سياق مطبوع بتدهور القيمة الحقيقية لأجورهم أمام معدلات التضخم المتفاقمة، أجرت جريدة المناضلة هذه المقابلة مع الرفيق مصطفى بسيوني، عضو الاشتراكيين الثوريين والصحفي العمالي المهتم بالشأن العمالي منذ سنوات، التي يشرح من خلالها أهمية هذا الإضراب في سياق الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تعيشها مصر في الفترة الحالية. والأسباب الرئيسة التي أدت إلى اندلاعه، وكيفيات تنظيمه، ورد العمال على مناورات إدارة الشركة الساعية لإفشاله.

  • أي تأثير الملموس للإجراءات الاقتصادية والمالية للدولة (تعويم الجنيه، رفع الدعم عن المواد الأساسية، رفض تطبيق زيادة العلاوات والأجور التي قررها السيسي سابقا…)؟

تأثير الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها النظام كان مركبا، فمن ناحية، أدى قرار تحرير سعر الصرف لمضاعفة أسعار السلع المستوردة أو التي يدخل فيها مكون أجنبي، وهي أغلب السلع بالفعل، ثم أدت قرارات رفع أسعار الوقود المتتالية إلى دفعة أخرى للأسعار، تمثلت في ارتفاع أسعار المواصلات وارتفاع تكلفة نقل البضائع وبالتالي زيادة أسعارها، أضيف إلى ذلك أثر تطبيق ضريبة القيمة المضافة، ولم يتوقف الأمر بل أضيف إليه رفع أسعار الخدمات والمرافق التي تقدمها الدولة مثل الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات، هذه الموجات التضخمية المتتالية دفعت معدلات التضخم الشهري تتجاوز 34 في المائة، وهي نسب غير مسبوقة، وربما لم تتكرر منذ عهد الحروب، والجانب الثاني للسياسات الاقتصادية هو تثبيت الأجور، فمع موجات تضخم هائلة لم تشهد أجور العاملين بأجر تحسن يذكر، فمخصصات الأجور في موازنة 2016/ 2017 لم تزد إلا بنسبة 4.5 في المائة، أي أن الأجور الحقيقية انخفضت بنسبة قد تصل إلى 25 في المائة جراء التضخم وتثبيت الأجور.

  • ما هي المطالب الرئيسة لإضراب عمال المحلة؟ وما حجم المشاركة العمالية فيه؟

مطالب عمال المحلة الأساسية في الإضراب كانت وثيقة الصلة بالسياسات الاقتصادية، أو يمكن القول إنها كانت رد فعل مباشر على تلك السياسات، فقد طالب العمال بعلاوة غلاء معيشة بنسبة 10 في المائة، وعلاوة اجتماعية بنفس النسبة ورفع بدل الوجبىة إلى عشرة جنيهات يوميا نتيحة ارتفاع الأسعار، وهي المطالب التي تعبر بالضرورة عن تأثر العمال بالتضخم وارتفاع الأسعار، وتعبر أيضا وهو الأهم عن إمكانية مقاومة العمال للسياسات الاقتصادية.

  • طبعا قوة أي إضراب عمالي تكمن في تماسكه التنظيمي واستناده على لجان وهيئات تضمن مشاركة نشيطة وواعية للقاعدة العمالية في تسييره وتوجيهه. ماذا عن الإضراب الأخير من هذه الناحية؟

 لا يتوفر الكثير عن التنظيم الداخلي للإضراب، فعلى مدار السنوات الماضية دأبت الدولة على تصفية قيادات الحركة العمالية في الشركة بالفصل والنقل، وقامت بالفعل بتفكيك الشبكة القيادية، والإضراب الأخير لم يظهر فيه قيادات، أو شبكات تنظيمية أو لجان، وهو ما بدا مقصودا من قبل العمال لحماية العمال الطليعيين، وقد تكون تلك إحدى علامات نضج الحركة. ولكن استمرار الإضراب لمدة أسبوعين ومشاركة كل عمال الشركة فيه والصمود أمام التهديدات والضغوط وإدارة التفاوض والخطوات التصعيدية المحسوبة، كلها أمور تؤكد أن الإضراب كان على درجة راقية من التنظيم.

  • لماذا في رأيك قرر العمال مواصلة إضرابهم رغم تعليق النقابة العامة للغزل والنسيج لمنشور تدعي فيه أنها ستتخذ وعدا بشأن صرف علاوة غلاء المعيشة للعمال في حال انتظام العمل وفض العمال للإضراب، ولماذا قبلوا تعليق الإضراب بعد ذلك؟

 تعليق الإضراب بعد أسبوعين كاملين جاء بعد تعهد مكتوب من الشركة ويضمنه نواب البرلمان بالبت في قرارات العلاوة ومطالب الإضراب خلال فترة محددة، وهو ما يعد انتصارا هاما للعمال، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن كل التحركات العمالية في الفترة السابقة تمت مواحهتها بقمع شديد، وتم تقديم العمال للمحاكمات وإصادار أحكام مشددة عليهم بتهمة الإضراب، حدث هذا مع عمال هيئة النقل العام، وشركة طرة الأسمنت والترسانة البحرية وشركة إفكو للزيوت، أن يخوض عمال المحلة إضرابا لمدة أسبوعين في ظل تلك الظروف ويتمكنوا من الاستمرار ويقرروا تعليقه بعد تعهد مكتوب، فهذا تحول هام في وضع الحركة العمالية أنجزه العمال. وما ينبغي ملاحظته أيضا على تعليق الإضراب أنه يعبر عن ثقة العمال في قدرتهم على إعادة تنظيم الإضراب إذا لزم الأمر، فقبل الإضراب كانت هناك عدة محاولات لتنظيم إضراب آخرها كان في مارس الماضي، وفشلت بسبب إرهاب العمال والضغط الأمني، ورغم الفشل المتكرر نجح العمال في تنظيم الإضراب الأخير، وهم واثقون أنهم قادرون على إعادة تنظيمه مرة أخرة.

  • كيف يتصرف المناديب النقابيين في سياق هذا الإضراب وما هي المواقف العملية للنقابات العمالية في قطاع النسيج م هذا الإضراب؟

 التنظيم النقابي الرسمي تابع بالكامل للدولة، ولا يوجد في شركة غزل المحلة نقابات خارج التنظيم الرسمي، حقيقة الأمر لم يتحرك النقابيون الرسميون إلا بعد الإضراب لإقناع العمال بفضه، وتنظيم الإضراب كان بعيدا عن النقابات الرسمية بالكامل.

  • هل يتضح أن النضال الحالي يحتوي على عناصر تراكم نضالي وخبرة مستمدة من تجربة المعارك السابقة؟

 بالتأكيد، شركة غزل المحلة بالأساس أحد أهم مراكز تراكم الخبرات العمالية، وهناك تراكم كبير لخبرات إيجابية وسلبية، وما بدا خلال الإضراب أن هناك استفادة حقيقية بين العمال من خبرات الحركة سواء السلبية أو الإيجابية، وحتى مع تصفية القيادات القديمة للحركة في المحلة بقيت الخبرات مؤثرة بوضوح بين العمال.

  • جاء في بيان الاشتراكيين الثوريين الصادر مؤخرا تضامنا مع إضراب عمال المحلة، أن “الراية التي يرفعها عمال المحلة اليوم لن تبقى مرفوعةً إلا إذا امتدت كل الأيادي لترفعها معهم”. هل من تضامن سياسي أو نقابي مع إضراب عمال المحلة؟

 للأسف لم يشهد الإضراب حالة تضامن حقيقية، فلم تلعب القوى السياسية والأحزاب دورا حقيقيا في دعم الإضراب والتضامن معه، ربما بعض البيانات التي صدرت من أحزاب وقوى سياسية، وعماليا صدرت أيضا بيانات من بعض التنظيمات العمالية والنقابية المستقلة للتضامن مع العمال، وشركة النصر للصباغة والتجهيز بالمحلة هي فقط من نظم عمالها وقفة تضامنية مع عمال المحلة.

  • في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها نضال الشعب المصري يبدو أن الطبقة العاملة تصارع الصمت باعتصام هنا وإضراب هناك. هل الاضراب الحالي مؤشر على عودة النضالات العمالية الاقتصادية وما أثرها على الوضع النضالي العام بمصر؟

الحركة العمالية رغم تراجعها بقيت أكثر المراكز نشاطا ضد سياسات النظام، فأهم الأحداث الاحتجاجية التي شهدتها مصر في السنوات السابقة كانت ذات طابع اجتماعي وعمالي، مثل احتجاجات الموظفين ضد قانون الوظيفة العامة الجديد، وإضراب المحلة يمثل نقطة تحول هامة في الحركة العمالية، فحجم الإضراب الذي شارك فيه 16 ألف عامل يمثل حدثا فريدا في الفترة الحالية، وصموده لمدة أسبوعين أيضا يمثل دفعة قوية للحركة العمالية، وتعليقه دون قمع أمني أيضا خطوة هامة، والأهم هو ارتباط مطالب العمال بالسياسات الاقتصادية التي تمثل عبئا شديدا على كل العمال في مصر، بما يعني أنه يرسم طريقا لكل العمال لمقاومة تلك السياسات.

الخميس 24 غشت 2017

أجرى الحوار جريدة المناضل-ة