زاكورة العطشى للماء وللحرية

Print Friendly

بقلم هاجر الفاتحي

الخميس 26 أكتوبر 2017

يعيش المغرب على وقع احتجاجات واسعة ومستمرة تشمل العديد من المناطق بخاصة في الريف والجنوب الشرقي، آخرها احتجاجات سكان مدينة زاكورة المهمشة للمطالبة بحقهم في المياه الصالحة للشرب (انتفاضة العطش كما يسميها البعض)، التي اعتقل على إثرها يوم 08 أكتوبر الجاري أزيد من 28 شخص، أغلبهم قاصرين. احتجاجات ليست وليدة اللحظة،  وإنما ترجع لسنة 2012 بعدما طفح  كيل ساكنة زاكورة وأرهقتهم الوعود الزائفة من أجل حل مشكلة  ندرة المياه وملوحتها التي تفوق بكثير الحد الأدنى المسموح به وما نتج عن ذلك من تبعات صحية وصلت في بعض الحالات حد انتشار عدوى قمل الرأس في صفوف الأطفال.

إلى جانب قسوة الظروف المناخية (مناخ شبه صحراوي) والطبيعية المتمثلة أساسا في ندرة المياه الجوفية، وضعف التساقطات المطرية، يعاني إقليم زاكورة، كذلك، من الاستغلال المفرط لموارده المائية الضعيفة أصلا بعد أن توجه الكثير من الفلاحين إلى تخصيص مساحات مهمة من أراضيهم لزراعة البطيخ الأحمر، مساحات بلغت، في سنة 2013، أزيد من 2500 هكتار حسب المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، هذه الزراعة المعروفة باستهلاكها لكميات هائلة من المياه، حيث يتطلب إنتاج الهكتار الواحد من البطيخ الأحمر من 6000 الى 7000 لتر مكعب من الماء، بمعدل يقارب 12 مليون متر مكعب سنويا، كما أنها  تؤدي في كثير من الأحيان الى الاستنزاف الكلي للعناصر الغذائية الموجودة في التربة، كل ذلك بتشجيع من طرف الدولة المغربية في إطار ما يسمى بمخطط المغرب الأخضر(1)، الذي من بين أهدافه الحد من هيمنة الحبوب على المناوبة الزراعية عن طريق تقديم الدعم المادي للفلاحين الكبار لتشجيع الانتاجات الفلاحية المختلفة حتى تتماشى ومتطلبات الأسواق الدولية وتمكينهم من التقنيات الزراعية الحديثة كتقنية الري بالتنقيط الذي تعتمد عليه زراعة البطيخ الأحمر،  في ظل تجاهل شبه تام للواقع المائي بالمغرب عامة وبالجنوب  بصفة خاصة.

هذا، وقد انتقلت عمليات الحفر للوصول إلى المياه الجوفية  بإقليم زاكورة من عمق 8 أمتار في بداية الثمانينيات إلى 43 متر في سنة 2013، نتج عن ذلك استنزاف شبه كلي للفرشة المائية وارتفاع نسبة ملوحة المياه المتوفرة وجفاف 540 بئر بكل من عبدي، أم الرمان، تامساهلت، تيوريرين، ملال، آيت مسعود والنقوب.  كما أن بعض الفلاحين الكبار يحفرون آبار تصل إلى أعماق 310 متر في مجموعة من المناطق، متجاوزين العمق المسموح به وهو 120 مترا، وقد وصلت الآبار المخصصة لسقي البطيخ الأحمر (وليس لتلبية عطش الفقراء طبعا) في سنة 2013 إلى 7000 بئر في مجموع تراب زاكورة، في ضرب صارخ لمقتضيات القانون رقم 10.95 المتعلق بالماء. كل هذا، طبعا، بهدف مراكمة الأرباح التي تتيحها زراعة البطيخ الأحمر التي تتراوح بين 6 و10 ملايين سنتيم للهكتار الواحد، وهو ما لا يمكن أن يجنيه، المستثمرون في زاكورة، من أية زراعة أخرى.

بعد ضغط شعبي استمر لشهور تم عقد اجتماع في أكتوبر 2014 بحضور مجموعة من المسؤولين الجهويين والمحليين وكذلك الوزير المكلف آنذاك بقطاع الماء لمناقشة إمكانية إصدار قانون لمنع زراعة البطيخ الأحمر في إقليم زاكورة، مضت، منذ ذلك الاجتماع، ثلاث سنوات، وها نحن اليوم على مشارف سنة 2018، ولا زال سكان زاكورة المنتفضون ضد العطش  ينتظرون صدور هذا القانون الذي كان من المفروض أن يوقف زحف البطيخ الأحمر على أراضيهم واستنزافه لمواردهم المائية.

هذا التماطل المقصود والامتناع عن سن قوانين تمنع بعض المنتوجات الزراعية نظرا لتعارضها وسياسات التدبير المستدام للفرشة المائية لا يمكن إلا أن يكون له معنى واحد وصريح، وهو كون سياسة المغرب المائية  تخضع بالدرجة الأولى لإملاءات اللوبي الفلاحي الذي يخضع بدوره لإملاءات الاتحاد الأوربي في إطار “اتفاقية” التبادل الزراعي والمنتوجات البحرية بين هذا الأخير والمغرب.

إن انتفاضة ساكنة زاكورة ليست الأولى من نوعها، بل سبقها قبل ذلك سكان إيمضر، أصحاب أطول اعتصام إيكولوجي في التاريخ، من أجل الحق في الماء الذي سلب منهم بسبب الاستغلال المفرط  لثروتهم المائية في عمليات الاستخراج المنجمي التي يسهر عليها لوبي “مناجم”،  أما على مستوى شمال إفريقيا،  فقد عرفت كل من مدينتي قفصة وقرقنة التونسيتين في السنوات الأخيرة موجة احتجاجات عارمة ضد استخراج الفوسفاط وشركات الغاز والنفط الدولية، وكذلك منطقة عين صالح بالجزائر التي خرج سكانها في مسيرات شعبية للمطالبة بإيقاف استخراج الغاز الصخري هناك.

لقد آن الأوان لكي تضع الحركات النقابية والاجتماعية المسألة البيئية  ضمن أولويات جدول أعمالها وأن تكف عن التعاطي مع النضال البيئي كنضال مناسباتي لا أهمية استراتيجية له, ذلك لارتباطه الوطيد وباقي القضايا الجماهيرية وخاصة في ظل التدهور غير المسبوق للموارد الطبيعية بسبب الاستغلال المفرط  تحت ذريعة تحريك عجلة الاقتصاد وهو في حقيقة الأمر ليس إلا تسهيل لعملية مراكمة الرأسمال من طرف الشركات المتعددة الجنسية على حساب الجماهير العريضة.

لقد أضحت المطالب البيئية اليوم تشكل جزءا لا يتجزأ من واقع نضالات شعوب دول الجنوب، لكونها أكثر الشعوب تأثرا بتبعات التغير المناخي الطبيعي والبشري المنشأ،  وهو ما يطرح، على كاهل كل القوى المعادية للنموذج الرأسمالي الاستنزافي والمدمر للبيئة، مهام تكثيف الجهود وتقوية العمل المشترك من أجل تكوين جبهة موسعة للنضال ضد المنهج الاستخراجي الحالي و من أجل العدالة المناخية باعتباره مدخلا أساسيا للنضال العام ضد النظام الرأسمالي العالمي و أنظمته التابعة في المنطقة.

  1. – انتعشت زراعة البطيخ الأحمر في ظل التحفيزات والامتيازات التي منحها مخطط المغرب الأخضر للفلاحين حيث يبلغ الدعم 100% لتكاليف تجهيز المساحات الأقل من 5 هكتارات. و8 % للمساحات الأكثر من 5 هكتار…وقد أدت هذه السياسة الفلاحية (التي تراعي أرباح الرأسماليين وحاجيات التصدير دون مراعاة حاجيات الساكنة المحلية) إلى هبوط مستوى المياه الجوفية بمنطقة الفايجة من 8 أمتار إلى 24 مترا في سنة 2006 ليصل في 2013 إلى 43 مترا.

ملاحظة:  جل المعطيات المستعملة هنا مستمدة من تقرير أنجزته هسبريس في ديسمبر 2013 تحت عنوان “دلاّح زاكورة.. هل تُصَدِّرُ الصّحرَاء مَا تَبَقّى مِن مِيّاهِها الجَوفِيّة؟ وكذا من المديرية الجهوية للاستثمار الفلاحي بورزازات.