غزة.. معنى الكارثة، الإبادة من منظور التاريخ العالمي: الطبعة العربية لكتاب جلبير الأشقر عن الإبادة

صدرت عن دار الساقي الطبعة العربية لكتاب جلبير الأشقر عن حرب الإبادة في غزة بعنوان: غزة.. معنى الكارثة، الإبادة من منظور التاريخ العالمي (صدر أولا بالفرنسية في مايو العام 2025 عن دار Ladispute ). ننقل لقارئ/ة العربية مراجعة للكتاب عند صدوره الأول هذا بقلم سيمون بيرسون Simon Pearson، مع التنويه إلى أن الطبعة العربية مزيدة بتعقيب: في استخدام العنف في الكفاح ضد الاحتلال: حالة فلسطين.

وصف الكاتب والأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب الكتاب بأنه “البحث الأكثر عمقا وشمولا في هذه الإبادة الجماعية”، معتبرا أن العمل ضروري لفهم الأسباب الجذرية للعنف الذي يزعزع استقرار المنطقة والعالم.

مراجعة بقلم: سايمون بيرسون

ليس كتاب جلبير الاشقر نداءً للتعاطف. إنه سلاح سياسي. وقد كُتب في خضم الإبادة الجماعية، مجرِّدا الخطاب من تعبيراته الملطفة، ومن مسرحه الدبلوماسي، ومن ضبابه الأخلاقي. ويؤكد المؤلف أن هذه الحرب مشروع استعماري.  تسارعت وتيرتها حتى وصلت إلى أشد أشكالها وحشية، وتحظى بالدعم الكامل من القوى الغربية المدعية الدفاع عن حقوق الإنسان. يسلط الأشقر الضوء على النظام، ويتتبع بنيته التاريخية، ويتهم ليس فقط إسرائيل، بل أيضًا النظام العالمي الذي يجعل ذلك ممكنًا. هذا ليس كتابًا للحزن. إنه نداء للفعل.

ليس كتاب جلبير الأشقر عن غزة مجرد كتاب إضافي عن غزة. إنه صك اتهام. وليس فقط لإسرائيل، حتى وإن ظهر اسم هذا الكيان في معظم الصفحات. إنه لائحة اتهام للنظام العالمي الذي جعل الإبادة الجماعية ممكنة، وقانونية، ومقبولة، بل وحتى حتمية من الناحية البيروقراطية. إنه ليس كتابًا عن مأساة. إنه كتاب عن جريمة. وهذه الجريمة، كما يؤكد الأشقر منذ البداية، ليست فعل التدمير وحده، بل المنطق الذي جعل هذا التدمير قابلاً للتصور.

منهج الأشقر: تسمية النظام

لطالما تميزت أعمال جلبير الأشقر عن نمط النواح الليبرالي. الأشقر، الماركسي المنتمي إلى المدرسة المناهضة للإمبريالية، لا يكتب لتشخيص المأساة، بل لكشف بنيتها. وقد نشأ في لبنان وعمل لفترة طويلة في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، لا يكتفي بإضفاء ذاكرة تاريخية عميقة على كل أزمة، بل يتناولها بتحليل ثاقب أيضاً. فقد قام كتاب صدام الهمجيات (2002) بتشريح النظام العالمي ما بعد 11 سبتمبر قبل أن يتبنى التيار الليبرالي هذا الموضوع بوقت طويل. أما كتاب «العرب والمحرقة» (2010) فقد ساءل في الآن ذاته كلا من الاستغلال الصهيوني للمحرقة وفقدان الذاكرة التاريخية العربية. في كل حالة، تكون المنهجية هي نفسها: تفكيك البناء الأيديولوجي، وكشف البنية الجيوسياسية، وإعادة تسليح اليسار بوضوح مفاهيمي.

ويتجلى هذه الوضوح ذاته في كتاب «حرب إسرائيل على غزة»، وهو جدال موجز وعاجل نشرته دار «ريزيستانس بوكس» في ديسمبر 2023، كُتب بينما كانت القنابل تتساقط والعبارات الملطفة تُصاغ. وقد عرض فيه الأشقر ما رفض كثيرون تسميته: لم يكن قصف إسرائيل لغزة مجرد رد، بل إبادة، «ليست أقل من إبادة جماعية». وقد حذر في وقت مبكر جدًا من أن نكبة ثانية ليست مجرد خطر، بل هدف استراتيجي. وفضح تواطؤ الحكومات الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. لم يكن ذلك سلبية دبلوماسية، بل تعاونا نشطا. «إن رفض الحكومات الغربية الدعوة إلى وقف إطلاق النار»، كما كتب، «يجعلها متواطئة في جرائم ضد الإنسانية».

لم يكن كتاب «حرب إسرائيل على غزة» مجرد سجل للأحداث، بل تدخلاً سياسياً. فقد رسم ملامح حجة أطول: لم يكن ما كنا نشهده انتهاكا صارخا معزولا، بل انفجاراً لتناقض تاريخي عالمي. كان الأمر يتعلق بعجز الدولة الاستعمارية عن كبح الوعي القومي للشعب الذي حاولت محوه. يستند كتاب «غزة، معنى الكارثة» إلى هذا النص، لكنه أكثر شمولاً، وأفضل تنظيماً، وأكثر دقة على الصعيد السجالي. يتتبع الأشقر، في أربعة أقسام، المسار الطويل الممتد من النكبة إلى الإبادة الجماعية، ومن التواطؤ الليبرالي إلى فقد الاعتبار الأطلسي، ومن وعود اتفاق أوسلو الكاذبة إلى سياسة مجلس حرب نتنياهو الحارقة. وإذا كان الكتيب بمثابة جرس إنذار، فإن هذا الكتاب تصفية حساب سياسي.

لا رحمة في تحليل الأشقر، لكنه لا يستسلم أبداً لليأس. منهجه جدلي، وليس أخلاقيّاً. فهو لا يسأل عما يجب أن نشعر به، بل عما يجب أن نفعل. وبذلك، فإنه يسير عكس تيار الاستياء الاستعراضي ويقودنا إلى ميدان الاستراتيجية السياسية.  ليست كارثة غزة مجرد عنوان لهذا الكتاب. إنها الحقيقة التي تتكشف أمام أعيننا. وهي لا تفرض علينا الملاحظة وحسب، بل الفعل أيضًا.

أولا:  الإبادة الجماعية بما هي استراتيجية

يستهل الكتاب بـ«تأملات حول الإبادة الجماعية في غزة وأبعادها التاريخية العالمية». يتوخى الأشقر الدقة: إنها إبادة جماعية، ليس بالمعنى المجازي، بل بالمعنى الحرفي. ويقيم مقارنة بين تصرفات إسرائيل (قصف المناطق المدنية، والحرمان من الغذاء، وتدمير البنية التحتية) وتعريف منظمة الأمم المتحدة للإبادة الجماعية. ويستشهد بلغة غالانت التي تنزع الصفة الإنسانية، والعقيدة العملياتية للجيش الإسرائيلي، وتصريحات الوزراء الإسرائيليين. نية التدمير ليست مضمرة، بل معلنة.

تتمثل إحدى أفكار الأشقر الأكثر وجاهة في نقده لاستراتيجية حماس العسكرية: «هذه الاستراتيجية غير عقلانية لأنه من غير المنطقي مهاجمة الأعداء في الميدان نفسه الذي يحظون فيه بتفوق غير قابل للتجاوز.» وهو ينتقد خيار حماس باللجوء إلى الكفاح المسلح، الذي يصفه بأنه غير واقعي ويجلب نتائج عكسية، ويكتب أنه “ما من مبرر لما مثَّل أسوأ حساب خاطئ وأكثره كارثية في تاريخ النضال ضد الاستعمار”.

لكن الحجة الأعمق هي أن غزة لا تكشف فقط طبيعة السياسة الإسرائيلية، بل أيضًا استنفاد النظام العالمي الليبرالي. إن المصطلح الذي استخدمه الأشقر (الليبرالية الأطلسية) يلخص جيدًا الإجماع الذي ساد بعد العام 1945، ألا وهو تعزيز الديمقراطية من قبل الولايات المتحدة، والخطاب الإنساني، والتعددية القائمة على القواعد.  تمزق غزة، مثل العراق من قبلها، هذا القناع. إن دعم بايدن غير المشروط لحملة نتنياهو، وشلل الأمم المتحدة، وصمت الاتحاد الأوروبي، ليست إخفاقات دبلوماسية. إنها حقائق هيكلية. صرح بايدن، في 18 أكتوبر 2023، قائلاً: «لو لم تكن هناك إسرائيل، لكان علينا أن نخترع واحدة… ليس من الضروري أن تكون يهودياً لتكون صهيونياً».  يربط الأشقر ذلك بما يسميه «التعاطف النرجسي»، أي الميل الغربي إلى قصر التعاطف على من يُعتبرون قريبين ثقافيًّا. ووفقًا له، «تعمق كثيرا وصف بايدن لنفسه بالصهيوني» بفعل صور 7 أكتوبر الصادمة، ولا سيما صور مهرجان «نوفا» الموسيقي. ويكتب الأشقر إن حملة الإبادة الجماعية التي تلت ذلك جرت باستعمال هذا الانتهاك غطاء سياسيا.

ويرى الأشقر، من خلال هذا الانهيار، أمراً آخر: صعود تشكل أيديولوجي جديد. ليس عصر النيوفاشية وشيكاً. بل هو قائم بالفعل.

ثانياً: من أوسلو إلى الإبادة

يعود القسم الثاني الموسوم «نحو الكارثة» إلى المجال الذي يلم به الأشقر: التنقيب التاريخي. لكن ليس المقصود هنا وضع سياق ليبرالي، بل تشخيص هيكلي. يبدأ الأشقر بمساءلة تلاعب أوروبا بذاكرة المحرقة. فبدلاً من أن تحول المحرقة دون وقوع فظائع لاحقة، تم استغلالها سياسياً لتقديس دولة إسرائيل وإسكات الأصوات المنتقدة. ويوضح الأشقر أن الصهيونية أصبحت مشروع «تبييض»، يضع المستعمرة اليهودية في صف الكتلة الحضارية الغربية.

ثم يتطرق إلى فشل عملية السلام. بنظره لم تكن اتفاقية أوسلو أبداً مرادفاً للسلام. بل كانت بمثابة حصار تحت المراقبة. وقد انهارت بمجرد إدراك الفلسطينيون أن تبادل الأراضي كان في الواقع ضمّاً، وأن إقامة دولة تعني استعباداً دائماً. ويشرح الأشقر بالتفصيل كيف نشأت حركة حماس في أعقاب انهيار اتفاقية أوسلو، ليس كمجرد حركة مقاومة، بل كقوة دينية تعوض عن الهزيمة السياسية.

إن انتقاده لحركة حماس قاسٍ، لكنه سياسي. يصف استراتيجيتها بأنها «غير واقعية»، ونضالها المسلح بأنه يؤدي إلى نتائج عكسية، وأيديولوجيتها بأنها رجعية. «من يريد بجدية مواجهة قوة عظمى نووية بأربع مقاليع؟»، مستشهداً بيحيى السنوار، الرجل الذي شن هجوم 7 أكتوبر.

لكنه لا ينجر إلى توازن زائف. فتدمير غزة ليس رد فعل على حركة حماس. إنه مشروع طويل الأمد. «إن الإبادة الجماعية في غزة اندلعت بفعل جملة عوامل»، يقول الأشقر، ولا سيما «النية المتعمدة لإلحاق أقصى قدر من الضرر… تحت إشراف تحالف من الفاشيين الجدد والنازيين الجدد… والغضب الفتاك للجيش الإسرائيلي، مقترناً بنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين”.

ثالثاً: حصيلة فورية

يجمع الأشقر في القسم الثالث، «غزة، النكبة، الإبادة الجماعية»، تدخلاته السياسية التي كتب على مدار تطور الكارثة. لا يتعلق الأمر بمقالات أكاديمية، بل بمقالات سجال عاجلة، صيغت على الفور. هدفها استراتيجي: تسمية الإبادة الجماعية، وكسر العبارات الملطفة، وإسقاط قناع الإمبراطورية الليبرالي.

لا يتنازل الأشقر عن أي شيء على صعيد اللغة. وتبلغ حدة انتقاداته ذروة عندما تستهدف «التكافؤ الأخلاقي» الذي تروج له وسائل الإعلام الغربية والقادة السياسيون، مؤداه أن هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر والحملة العسكرية الإسرائيلية هما عمليتا عنف متكافئتان. «إن مساواة مذبحة 7 أكتوبر بالإبادة الجماعية في غزة،» كما يكتب، “هي إنكار للتفاوت الجوهري بين المستعمِر والمستعمَر.”

وهو ينتقد بشدة المعلقين الليبراليين والمنظمات غير الحكومية التي تتجنب مصطلح «الإبادة الجماعية»، مشدداً على أن المصطلحات الإنسانية لا تُستخدم للتوضيح، بل للتعتيم. وفي أحد أكثر مقالاته حدة، كتب: “إن الفاحشة القصوى هي المساواة الأخلاقية بين الإبادة الجماعية في غزة ومذبحة 7 أكتوبر.”

ويتميز هذا القسم أيضًا بتحليله لوسائل الإعلام. إذ يحلل بلا رحمة طريقة استعمال عبارات مثل «الدروع البشرية» و«أنفاق الرعب» و«الضربات الجراحية» لتبرير ما لا يمكن تبريره. ووفقًا له، لا تكتفي هذه العبارات الملطفة بتخفيف حدة العنف فحسب، بل تُضفي عليه الشرعية. إنها تشكل قاموس التواطؤ.

هدف الأشقر إعادة إضفاء الطابع السياسي على النقاش. ليس لإثارة المشاعر، بل للتفكير، ثم الفعل.

  1. التقارب الإمبريالي

ليست الخاتمة، تحت عنوان «ظهور ترامب على الساحة”، ملحقا، بل ملخصا لاستدلال الأشقر الهيكلي: ليست الإبادة الجماعية في غزة انحرافًا عن الليبرالية، بل أحد أعراض أفولها. ويؤكد الأشقر أن عودة ترامب ليست بداية لشيء جديد، بل ترسيخ لتشكيل نيوفاشي كان قيد التكوين منذ فترة طويلة.

يبدأ الأشقر بالتنديد بما يسميه «وباء الأوهام المنتشر» في الحقبة التي سبقت إعادة انتخاب ترامب في العام 2024. كان ذلك أملًا غير عقلاني، شاطره حتى المراقبون الليبراليون أو اليساريون، في أن ولاية ثانية لترامب قد تجبر نتنياهو على الانصياع. بدلاً من ذلك، يذكرنا الأشقر بأن ترامب كان بالفعل الرئيس الذي:

  • نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس،
  • اعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية،
  • خفض المساعدات المقدمة إلى الأونروا والسلطة الفلسطينية،
  • وساهم في إبرام اتفاقيات أبراهام.

لم تكن أي من هذه الإجراءات استثناءً. بل كانت، على العكس، الهدف المنشود. وكما يقول الأشقر، كان ينبغي لأي شخص «يتمتع بقدر معقول من الوعي» أن يتوقع استمرارًا، بل وتصعيدًا.

لكن الأشقر يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو يكشف النقاب عن الكواليس المتعلقة بتأثير ترامب على سياسة نتنياهو الحربية. بدا، إبان حملة العام 2024، أن نتنياهو يعرقل اقتراح وقف إطلاق النار الذي تفاوضت عليه الولايات المتحدة، ليس فقط لأسباب استراتيجية داخلية، بل أيضًا للتودد إلى ترامب. وجاءت عبارة كاشفة لنتنياهو في يوليو 2024 – «نحن نعمل على ذلك» – مباشرةً بعد لقائه مع ترامب في مار-أ-لاغو. لم يكن ذلك مصادفة، بل كان تكريمًا.

يشرح الأشقر بتفصيل كيف تعاون نتنياهو مع مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف (مستثمر عقاري، وزميل في لعب الغولف)، الذي تربطه علاقات وثيقة بترامب ورأس المال الخليجي، من أجل جعل تنفيذ وقف إطلاق النار يتزامن مع انتخاب الرئيس. وهكذا تصبح الإبادة الجماعية في غزة ليس فقط حملة استراتيجية، بل أيضًا قربانًا انتخابيًا، يوائم بين مصالح زعيمين استبداديين بفضل مسرح سيطرة مشترك.

وهذه خلاصة أطروحة الأشقر: غزة ميدان اختبار لنمط جديد من الحكم الإمبريالي، لا تحدده قواعد أو معايير، بل تعاون «متحمس» بين قادة متعصبين. وتصبح الإبادة الجماعية وسيلة دبلوماسية، أداة ليس للسلام، بل للتوافق بين نيوفاشيين.

إن استخدام الأشقر للسخرية (عبارات وصفية مثل «صديق قديم للرئيس، وشريكه في لعب الغولف، ومحاميه السابق، ومضارب عقاري مثله، على شراكة مع الدول العربية النفطية الغنية») يعزز فكرته: فالمسألة ليست انحرافاً، بل مسرحية هزلية تشكل بنية النظام ذاتها. ليست غزة مجرد مسرح مأساة، بل هي الساحة التي يتجلى فيها نظام دولي جديد.

ليس ترامب، ضمن هذه القراءة، زيغا أمريكيًّا، بل تجسيدًا لهذا النظام. إنه يمثل التقارب الإمبريالي الذي لاحظه الأشقر على امتداد كتابه: واشنطن، وتل أبيب، وملكيات الخليج، التي لم تعد تختبئ وراء خطاب إنساني، بل تعمل علناً ككتلة من الرأسمالية العنصرية والتنسيق الأمني. وهنا تنتهي الليبرالية. ليس في التناقض، بل في التواطؤ.

ملحق: معاداة السامية، الصهيونية والمعركة حول التعريف

يستعرض ملحق الكتاب بيانًا مهمًا، شارك في صياغته جلبير الأشقر ورائف زريق، ونُشر لأول مرة في صحيفة «ذا غارديان» عام 2020 (ونُشر باللغة الفرنسية على موقع «ميديابارت» في 30 نوفمبر 2020). لا يتعلق الأمر بتأمل لاحق. بل هو تدخل سياسي، صُمم لكشف الأرضية الأيديولوجية التي يدور عليها الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في الخطاب الغربي.

السياق واضح: ثمة جهود متزايدة، لا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية، للخلط بين معاداة السامية ومناهضة الصهيونية بترويج تعريف معاداة السامية الذي وضعه «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست» واعتماده. ويؤكد الأشقر وزريق أن هذه المناورة لا تهدف إلى حماية اليهود من الكراهية، بل إلى نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية وإسكات المدافعين عن حقوق الفلسطينيين.

“كان ضروريا، بوجه الضغط المتزايد من قبل المؤيدين لإسرائيل من أجل [اعتماد] تعريف لمعاداة السامية يُساوي بين أي انتقاد للصهيونية والدولة الصهيونية وبين شكل من أشكال معاداة السامية، أن يتخذ المثقفون العرب موقفاً في هذا النقاش.”

يبدأ البيان بتأكيد ضرورة النضال ضد معاداة السامية الحقيقية وملحاحيته: كره اليهود بصفتهم يهودًا، المتجذرة في الصور النمطية ونظريات المؤامرة وإنكار المحرقة والكراهية العنصرية. لكن يجب أن يقوم هذا النضال على مبادئ، وليس «استعمالا» لخدمة أغراض دولة.

“يجب النضال ضد معاداة السامية وافقادها الاعتبار. ولا يمكن التسامح مع كره اليهود بصفتهم يهودًا في أي مكان، مهما كان الذريعة”.

لكن هذه المعركة، كما يضيفان، يتم استغلالها من قبل الحكومة الإسرائيلية وحلفائها:

“لقد تم استغلال مكافحة معاداة السامية بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، […] في إطار جهد منهجي يروم نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية وإسكات المدافعين عن حقوق الفلسطينيين”.

ويكمن جوهر هذه الانتقادات في الخلط بين اليهودية والصهيونية، وبين دولة إسرائيل و”حق جميع اليهود في تقرير المصير”.

إن تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، رغم ادعائه الحياد، يمحو هذا التمييز، ملمحاً إلى أن أي انتقاد لإسرائيل هو بالضرورة معاداة للسامية. ووفقًا للأشقر وزريق، هذا الأمر عديم النزاهة فكريا وخطير سياسيًّا.

“من خلال بعض «الأمثلة» التي يعرضها، يفترض تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست أن كل يهودي هو صهيوني، وأن دولة إسرائيل في واقعها الحالي تجسد حق تقرير المصير لجميع اليهود. ونحن نختلف بشدة مع هذا الافتراض. “

ويذهبان إلى أبعد من ذلك باقتراح مبدأ مضاد: إن دعم حقوق الفلسطينيين ليس معاداة للسامية، وتصويره على أنه كذلك يضر بمكافحة معاداة السامية الحقيقية.

“لا يجوز تحويل مكافحة معاداة السامية إلى حيلة لنزع الشرعية عن النضال ضد اضطهاد الفلسطينيين، وضد إنكار حقوقهم، والاحتلال المستمر لأرضهم.”

يدعو البيان إلى رفض أي إطار «يحول الضحايا إلى جلادين»، ويختتم بالتأكيد على أن للفلسطينيين الحق في مقاومة اضطهادهم والتعبير عن واقعهم (سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً) دون إسكاتهم باستعمال مغرض للصدمة اليهودية.

في سياق الكتاب، يعزز الملحق الفرضية الأوسع التي يطرحها الأشقر: لا تقتصر الهياكل الأيديولوجية التي تتيح الإبادة الجماعية على العقيدة العسكرية أو منطق المستوطنين. بل إنها مدمجة في اللغة نفسها المستخدمة لتعريف الكراهية. ومن خلال مقاومته للخلط بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل، يطعن الأشقر في أحد الركائز الخطابية المركزية للصهيونية الليبرالية، ويدافع عن الحق (بل ضرورة) في تسمية الإبادة الجماعية عندما تحدث.

النيوفاشية: ابتذال الإبادة الجماعية

تحليل الأشقر ثاقب بنحو خاص عندما يحدد المنطق الأيديولوجي الذي يحرك الحكومة الإسرائيلية: فالمسألة لا تقتصر على اليمين المتطرف فحسب، بل تتعلق بفاشية جديدة تتماشى مع تيار عالمي.

لا يتردد الأشقر في كتابه عن استخدام هذا المصطلح. ويصف التحالف الحاكم في إسرائيل بأنه «مؤلف من أقصى قوى اليمين تطرفاً، والصهيونيين المتدينين، والمتشددين الأرثوذكس في البلاد”، مؤكداً أن الإبادة الجماعية في غزة ليست مجرد نتاج للعسكرة أو الاستعمار، بل هي تعبير عن مشروع سياسي نيوفاشي يعمل خلف واجهة ديمقراطية.

وكما كتب في مقال عصر الفاشية الجديدة وبما يتميّز (5 فبراير 2025)

“فإن الفاشية الجديدة تدّعي مراعاة شروط الديمقراطية بدل إقامة دكتاتورية عارية كما فعلت سالفتها، وإن كانت تُفرغ الديمقراطية من مضمونها بقضم الحريات السياسية الفعلية…”

بعبارة أخرى، يمكن أن تستمر الانتخابات، لكن النظام يصبح فارغًا، خاليًا من أي تمثيل للفلسطينيين وللمعارضين الإسرائيليين على حد سواء. يدمج الأشقر في كتابه هذا التحليل في تحليله التاريخي العالمي للإبادة الجماعية، مشدداً على أن الشروط الأيديولوجية المسبقة للحرب على غزة لم تكن مجرد خطاب بل كانت هيكلية: تطبيع الصهيونية العنصرية، والهجمات القضائية على الديمقراطيين الإسرائيليين، وترسُّخ فاعلين داعمين صراحةً إلى الإبادة الجماعية داخل الحكومة.

يضع الأشقر الحكومة الإسرائيلية بوضوح ضمن هذا المنطق النيوفاشي: فأحزاب سياسية كانت تُعتبر في السابق إرهابية أصبحت اليوم جزءًا من الحكومة؛ وتتم ترقية أيديولوجيي التطهير العرقي إلى مناصب وزارية. إنه نظام فصل عنصري تتحكم فيه الدولة، يعتمد الأداة الانتخابية غطاء والاحتلال سياسة. ولا يكتفي الجهاز الاستعماري بالاستمرار فحسب. بل يتصاعد بشكل كبير في ظل ظروف النيوفاشية.

ويوسع نطاق رؤيته إلى ما وراء القدس. في مقال السلام بين النيوفاشيين والحرب ضد الشعوب المقهورة» (18 فبراير 2025)، يلاحظ الأشقر:

“نشهد اليوم تقاربًا بين النيوفاشيين على حساب الشعوب المقهورة… “

هذا التقارب هيكلي. يوضح الأشقر، في كتابه عن الإبادة الجماعية كما في مقالاته، كيف باتت واشنطن وموسكو وتل أبيب تعملان الآن ليس على الرغم من الليبرالية، بل بفضل تصاعد النيوفاشية. ويضيف: “الولايات المتحدة متواطئة تمامًا في الحرب الإبادة الجماعية التي تُشن ضد الشعب الفلسطيني في غزة… “

بنظر الأشقر ليس منطق الإبادة الجماعية في غزة عارضًا، بل نتاج مشترك للتحالف الإمبريالي، وتُروَّج له وسائل الإعلام من خلال عمليات نقل الأسلحة، والتغطية الدبلوماسية، والتصوير العنصري للمقاومة الفلسطينية.

يشرح مقاله “النيوفاشية الجديدة والتغير المناخي” بمزيد من التفصيل كيف أن أسلوب الحكم هذا هو أسلوب بيوسياسي، ينكر الواقع البيئي، ويستهدف المهاجرين، ويستخدم الأزمة البيئية غطاء للإقصاء العرقي: 1

” أن الفاشية الجديدة تدفع العالم نحو الهاوية بعداء معظم فصائلها السافر للإجراءات البيئوية الضرورية “، من خلال تعزيز “سيادة الإقصاء”¹.

وهكذا يُظهر تحليل الأشقر أن الأنظمة الاستعمارية لا ترث منطقًا عنصريًّا فحسب، بل ترث أيضًا إنكارًا بيئيًّا. وهذا يمثل اندماجا خطيراً بالنسبة لمستقبل قطاع غزة المحاصر. وهو مكان تتلاقى فيه الحرب والنزوح والانهيار المناخي في إطار منطق الحكم الاستبعادي.

في سياق كتابه عن غزة، توضح نظرية الأشقر حول النيوفاشية الاستمرارية بين اليمين المتطرف الإسرائيلي واليمين المتطرف العالمي، بين سموتريتش وترامب، وبين غفير وبوتين. هذه ليست استعارة، بل منطق تطور.

يكتب:

«لقد دخلنا عصر النيوفاشية الجديدة… وهو أسوأ لأن القوة الإمبريالية الأكبر تقود التحالف النيوفاشي.»2

وبالتالي، فإن موقف الأشقر السياسي مزدوج: دولي على الصعيد التحليلي، ومحلي على الصعيد المادي والملموس. ليست الإبادة الجماعية الإسرائيلية فريدة في فظاعتها، لكنها فريدة بواجهتها الديمقراطية. آلة تدمير حركة حماس تتوافق تمامًا مع عصر النيوفاشية: الذكاء الاصطناعي الموجه، وعقيدة «صفر جرحى»، والخطاب العنصري، والدعم العالمي في مجال التسلح.

هذا التشخيص ليس مبالغة بلاغية ولا ذعرًا تاريخيًا. إنه بصيرة هيكلية. فليست النيوفاشية، بنظر الاشقر، علامة على التطرف. إنها تقنية دولة، ونظام أيديولوجي تغدو فيه الإبادة الجماعية سياسة.

خلاصة: ضد تلطيف التعبير، ضد الإمبراطورية

كتاب الأشقر عن غزة غير مطمئن. فهو لا ينتهي بنبرة متفائلة ولا يمنح أي ثقة في القانون الدولي. تكمن قوته في وضوحه. لا يتذمر الأشقر. إنه يسمي الأشياء بأسمائها، وفي وقت يُعد فيه التسمية بحد ذاتها عملاً تخريبيًّا، وليس هذا بإنجاز هين.

لم تكن الكارثة خطأً سياسيًا. بل كانت قرارًا استراتيجيًا. أنقاض غزة ليست تحذيرًا من التاريخ. إنها كشف عن الحاضر.

إنه النظام. يجب معارضته. ليس بالسخط فحسب. بل بالسياسة، بجمع تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة، مدعومين بالأمل.

إحالات

1- « Une Europe qui vire au noir et au brun », 24 juin 2024, Éric Toussaint, CADTM.

2- « Neofascism, imperialism, war and revolution in the Middle East », Gilbert Achcar &amp ; Rodrigo Utrera, 30 juillet 2025, New Politics,.

شارك المقالة

اقرأ أيضا