استقالة أخنوش ليست حدثا سياسيا
بقلم: سعيد الريشة
ليست استقالة رئيس حكومة الواجهة من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، وبالتالي إعلانه نية عدم الترشح إلى الانتخابات المقبلة حدثا سياسيا. الحدث السياسي الحقيقي هي الديناميات السياسية التي تفاعلت منذ الأشهر الأخيرة وأدت تطوراتها إلى إعلان الاستقالة. وعلى رأس هذه الديناميات حَراك- جيل زد الذي تمكَّن في لحظة معيَّنة من جعل المطالبة برأس عزيز أخنوش و”حكومته” مطلبا متَّفقا عليه.
أغلب التحاليل المتناولة لموضوع الاستقالة تسكت عن هذا الحدث السياسي العظيم الذي هزَّ أعماق المجتمع، وإن تمكَّنت الدولة من هزمه بالقمع الشرس (ثلاثة شهداء وآلاف المعتقَلين والمحكومين قضائيا)، إلا أنها لم تتمكَّن من درء نتائجه السياسية المتعلقة بالترتيبات السياسية للانتخابات المقبلة ولِما أُطلق عليه “حكومة المونديال”، التي كان يبدو أن الدولة كانت تُعد لأن يبقى عزيز أخنوش على رأسها. فهذا الأخير، وقبل أسابيع قليلة “كان يبشر باستمراريته لولاية ثانية على رأس الحكومة المقبلة، بالنظر إلى أن خصومه ليس لهم بديلا في مستواه”. [1]
مرة أخرى يتأكد أمر تسعى الدولة وإعلامُها وأيديولوجيوها إلى محوه من الأذهان: ليست الدولة أقوى من الشعب، ويتمكن هذا الأخير عبر خَضَّاتِه النضالية العفَوية من إفشال ما تُعده من ترتيبات سياسية، ويُذكرنا هذا بمآل الائتلاف الحكومي (تحت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة) الذي كانت تُعده لتولي حكومة الواجهة، فإذا بحَراك العشرين من فبراير 2011 والسياق الثوري الإقليمي يفرضان على الدولة التخلي عن ذلك الترتيب وتُولِّي حزبا كانت تريد قصَّ أجنحته واجهةَ تلك الحكومة، أي حزب العدالة والتنمية.
والأهم هنا هو هذا الدرس: إذا كانت الهَبَّات النضالية العفوية بهذا الحجم من القدرة بحيث تتمكن من إفشال مخططات الدولة وتعديل ترتيباتها السياسية، فكيف سيكون الأمر بنضال منظَّم واعٍ يضم كل شرائح الشعب وذي أفق سياسي جذري واضح؟
ليست استقالة أخنوش حدثا سياسيا. فهذا الأخير ينسحب من المسرح دون أن ينال ما تفرضه كل ديمقراطية أصيلة: المحاسبة. وهو ما عبَّرت عنه فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن “فدرالية اليسار الديمقراطي” بقول: “هروب متأخر من ميزان المحاسبة… إن من تولى رئاسة الحكومة لا يغادر المشهد بمجرد جملة عابرة، بل يستوقفه سؤال ثقيل: ماذا أنجز؟ ومن خسر؟ فالسياسة ليست وظيفة مؤقتة تُترك، بل مسؤولية تاريخية يحاسَب عليها… الاعتزال لا يمحو الأثر، ومن قاد الحكومة لا ينسحب بخطاب، بل يواجَه بحصيلة: غلاء أنهك القدرة الشرائية، وهشاشة اجتماعية اتسعت، وشعور عام بأن السياسات انحازت للأقوى وتركت الفئات الضعيفة تدفع الثمن” [2]. مع إدراكنا جيدا أن الطرق الدستورية الشرعية لا توفر لضحايا تلك السياسات أي إمكانية لتلك المحاسبة، وليس هذا حصرا على دول استبداد مثل المغرب، ولكن ينسحب على مجمل الديمقراطية البرجوازية، التي تحصر الديمقراطية في حق الشعب أن يتوجه مرة كل خمس سنوات إلى صناديق الاقتراع ليختار من يقمعه ويضطهده. وهذا ما يستوجب النضال من أجل ديمقراطية فعلية ناجزة حيث كل المسؤوليات تكون ناتجة عن سلطة الانتخاب التي لا تكون خاضعة لسلطة التعيين كما هو الحال عليه حاليا بالمغرب، ديمقراطية تتيح للناخبين- ات رقابة من وضعوهم في مواقع المسؤولية وبالتالي محاسبتهم وعزلهم.
خصوصية المغرب كبلد يرزح تحت الاستبداد السياسي، أن هذا الأخير هو من يوجه الحياة الحزبية حسب ما يراه صالحا للتحكم في وضبط الوضع الاجتماعي والسياسي. حتى استقالة أخنوش من رئاسة الحزب لم تُعرَض على أجهزة الحزب، أي المجلس الوطني، الذي كان أخنوش قبل يوم الاستقالة عن “النجاحات والاستعداد للفوز في الانتخابات المقبلة” [3].
كما لا يغيب عن البال أن ما نفَّذه أخنوش، طيلة ولايته على حكومة الواجهة، ليس من تقريره هو، بل من تقرير الحاكم الفعلي للبلد؛ أي المؤسسة المَلكية، التي تخدم مصالح الرأسماليين، وضمنهم عزيز أخنوش. هذه المَلكية التي تشكِّل أغنى الرأسماليين، وبالتالي تحكم نيابة وأصالة عنهم.
لن تغيِّر استقالة أخنوش شيئا من وضعه السياسي الفعلي. فبعد الاستقالة سيظل كما هو رأسماليا كبيرا، أي “مَلكا اجتماعيا” يتصرف في ملكية شركاته ورساميله ويغتني كما سبق له أن كان. وسيعاني الشعب المغربي من تبعات ما نفَّذه عندما كان في موقع تنفيذي في حكومة الواجهة: قانون الإضراب، إصلاح صندوق المقاصة، التضخم… إلخ.
استقالة أخنوش كانت نتاجا لما كان قبلها من ديناميات نضالية وسياسية واجتماعية. والدولة مرة أخرى تضطر إلى الخضوع لهذه الديناميات وتعديل ترتيباتها السياسية. وستعمل وزارة الداخلية، كما عادتها، على هندسة الواجهة الحكومية بما يخدم نفس الاختيارات الاقتصادية التي قُررت طيلة العقدين السابقين. والمجال لا يزال مفتوحا بشكل واسع أمام الدولة لترتيب واجهتها الحكومية، بما يضمن استمرار نفس الخدعة: التناوب على الواجهة الحكومية الشكلية بينما يظل القرار الحقيقي في يد الحاكم الفعلي للبلد: المؤسسة المَلكية. وستستمر التنافسات الانتخابية بين أحزاب تتبنى كلها برنامج الملك (نموذجه التنموي)، متيحة تجديد الواجهة الحكومية، وقد يكون الترتيب القادم نوعا من الائتلاف الحكومي يضم حزب الأحرار إلى جانب “غريمه” حزب العدالة والتنمية. فتركيز عبد الإله بنكيران في خرجاته الإعلامية الأخيرة على شخص عزيز أخنوش بوجه الخصوص، إلى جانب توقه الشديد للرجوع إلى موقع التدبير الحكومي، قد يعني قَبولَه بأن يكون طرفا في حكومة يكون فيها حزب الأحرار، كما كان ذلك سابقا، عندما كان عزيز أخنوش وزيرا للفلاحة والتنمية القروية في عهد ولاية بنكيران لحكومة الواجهة وبعده سعد الدين العثماني.
مرة أخرى… فقط الهبَّات النضالية العمالية والشعبية، والنضال المنظَّم والواعي هو القادر وحده على تخليص الشعب من دولة تقمعه وتضطهده مختفية وراء قناع ديمقراطي يتغلف بالتناوب على واجهة مؤسساتية لا سلطة فعلية لها.
إحالات
[1]- إسماعيل حمودي (11-01-2026)، https://chamaly.ma/2026/01/11/بين-الشخصي-والسياسي-كيف-نفهم-استقالة-ع/.
[2]- لكم (12-01-2026)، https://lakome2.com/politique/405262/.
[3]- إسماعيل حمودي (11-01-2026)، https://chamaly.ma/2026/01/11/بين-الشخصي-والسياسي-كيف-نفهم-استقالة-ع/.
اقرأ أيضا


