مشروع مدرسة الريادة: من الرفض إلى المطالبة بالانخراط والتعويض

بقلم: محمد آيت أحمد، أستاذ مفروض عليه التعاقد

عندما انطلق تنزيل مشروع المدرسة الرائدة رفضت أغلبية رجال ونساء التعليم الانخراط في هذا المشروع، خصوصا أنهم مُنحوا إمكانية الاختيار بين الرفض والقبول بالانخراط. وللوهلة الأولى بدا ذلك الرفض كتعبير عن وعي جماعي بأن ما يسمى الإصلاح يجب أن ينطلق من مشاكل المدرسة العمومية كما يعيشها الاستاذ (ة) والتلميذ (ة)، لا من مكاتب التخطيط والبرامج الجاهزة، ولكن اتضح بعد مرور الوقت أن الأمر بعيد كل البعد عن الاقتناع بالرفض المبرر من موقع المسؤولية التاريخية اتجاه المدرسة وأدوارها.

لقد نجحت الدولة مرة أخرى في تمرير ما أرادت دون أي مقاومة تذكر، اعتمادا على أسلوبها المعروف:  التدرج، إذ لم يُفرض المشروع دفعة واحدة، بل عبر مراحل، تجربة هنا، وتوسيع هناك، إلى أن أصبح اليوم واقعا مفروضا، فمع التدرج قد يتغير المشروع وفق ما واجه من إشكالات خلال التنزيل دون المساس بالجوهر طبعا، ولكن المعضلة هي أن يتغير معه كذلك موقف أغلبية الشغيلة اتجاهه.

في البداية بدا أن الشغيلة يرفضون الانخراط في المشروع لعلمهم بأنه لا يهدف فعلا إلى تغيير واقع المدرسة العمومية. لكن مع مرور الوقت، ومع فرض الأمر الواقع، انزاح النقاش من جوهر المشروع إلى نقاش تفاصيله، أي مما بدا موقفا جماعيا إلى حسابات فردية تنتصر لمصلحة الفرد لا لمصلحة المدرسة ومستقبلها.

وهكذا انتقلنا من الرفض إلى المطالبة بالانخراط مقابل تعويضات لا تغني ولا تسمن من جوع، إذ أصبح المشروع مقبولا لا لأنه يخدم التعليم العمومي، بل لأنه يرافق منطق “الاستفادة والامتيازات”، حيث استفاد المفتش والمدير وغضب البقية لاسثتناءهم.

ظاهريا يبدو المطلب منطقيا وعادلا، ولكن في الجوهر هو نتيحة لسياسة تقوم على تفكيك الموقف الجماعي وتحويله إلى مطالب مادية فردية بعيدا عن مستقبل مدرستنا العمومية، فبدل أن يعمل الشغيلة على تعزيز رفضهم وتقوية موقفهم الموحَّد عبر طرحهم للسؤال الجوهري: أي مدرسة نريد؟ يجري دفع كل فئة للتفكير في نصيبها من الكعكة وفي موقعها من هذا المشروع بغض النظر عن أهدافه وغاياته الحقيقية.

لقد استطاعت الدولة مرة أخرى أن تحول نقاش الإصلاح من قضية تهم المجتمع ككل إلى ملف تقني تناقش فيه الامتيازات بعيدا عن نقاش الاختلالات البنيوية التي يعاني منها التعليم العمومي.

لا شك أن التعويض عن المهام الإضافية والاستفادة من الزيادة في الأجر حق من حقوق الشغيلة، ولكن المرفوض هو استعمال هذا الحق كوسيلة للسماح بتمرير اختيارات كبرى لها عواقب كبيرة على مستقبل مدرستنا العمومية (المضمون – المجانية…).

صحيح أننا لا نملك القدرة على المواجهة كأفراد ونضطرر إلى الانخراط رغما عنا، كما لا تتوفر حتى شروط الرد الجماعي حاليا، لكن ذلك لا يبرر أن نصفق لخياراتهم دون فهم طبيعتها وغاياتها من أجل بضع دريهمات قد تفتح بابا لكن تغلق عشرات الأبواب أمام مستقبل أبناء هذا الشعب.

الفهم اولا، تم المواجهة بعد ذلك.

شارك المقالة

اقرأ أيضا