غزة: أي وقف لإطلاق النار؟
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 449 فلسطينياً. وانتهكت إسرائيل شروط وقف إطلاق النار ما لا يقل عن 969 مرة.
بقلم: ياسمين داف
احتفل أحمد أبو سعدي بإعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. في أواخر ديسمبر، تزوج من زوجته ولاء جها في حفل صغير أقيم في مخيم للنازحين في غزة، حضره من بقي من أحبائهم. غاب جميع أشقائه الخمسة، قُتلوا في الإبادة الجماعية. كان الزوجان يبلغان من العمر 20 عامًا. بعد ثلاثة أيام، انهار جدار على خيمتهما وقُتلت ولاء بينما كانا مستلقيين معًا على السرير. في مقاطع الفيديو والصور التي التقطت له بعد ذلك، يظهر أحمد مستلقياً على فراشهما وبجواره بركة من الدماء، رافضاً أن يتحرك من المكان الذي قُتلت فيه زوجته. بينما يحاول السياسيون ووسائل الإعلام في الغرب رسم صورة لنهاية الحرب وبداية عهد جديد من السلام، يدخل سكان غزة في الواقع طورا جديدا من الجحيم.
قُتل، منذ توقيع وقف إطلاق النار، أكثر من 449 فلسطينياً. وانتهكت إسرائيل شروط وقف إطلاق النار 969 مرة على الأقل. تنتشر آلاف الخيام بين أنقاض المباني التي قصفت، وتحت الأنقاض ما يقدر بـ 9000 جثة. تسيطر إسرائيل على أكثر من 50 في المائة من غزة، ودمرت بشكل منهجي 2500 مبنى منذ وقف إطلاق النار، بعضها على بعد أكثر من 270 متراً خارج ”الخط الأصفر“ الذي يحدد السيطرة الإسرائيلية. يُجبر الفلسطينيون مثل نيفين نوفل، 35 عاماً، على مشاهدة أحيائهم وهي تُسوى بالأرض. قالت لصحيفة نيويورك تايمز: ”تحولت آمالنا وأحلامنا إلى أكوام من الأنقاض“.
ظل ما يُسمى بالخط الأصفر الذي ترسمه إسرائيل لحدود احتلالها غير مرئي في البداية. ثم بدأت إسرائيل تضع كتل خرسانية صفراء خارج الخيام والمنازل. وتشكل هذه الكتل الآن الحدود، ويمكن لأي شخص يقترب منها أن يتعرض لإطلاق النار والقتل على يد القوات الإسرائيلية. بعد وقت قصير من بدء وقف إطلاق النار، حث وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتامار بن غفير، الجنود على إطلاق النار على ”الأطفال والحمير“ الذين يقتربون من الحدود. كما دخلت القوات الإسرائيلية المناطق التي يتحكم بها الفلسطينيون لتطلق النار وتقتل فلسطينيين. ولم تكف الصواريخ. في نوفمبر، شن الجيش الإسرائيلي موجة من الضربات الصاروخية بالمُسيَّرات على شمال غزة ووسطها، ما أسفر عن مقتل 22 شخصًا. وفي يناير، هوت الصواريخ على الأراضي المحيطة بالخيام، وقتلت ما لا يقل عن 13 شخصًا. أفادت قناة الجزيرة أن إسرائيل هاجمت غزة في 82 يومًا من أصل 97 يومًا حتى 14 يناير.
تعرضت غزة، منذ نوفمبر، لعواصف شديدة. دمرت الرياح العاتية مئات الخيام مرارًا ، ما أجبر الناس على بناء خيام جديدة من مواد رديئة لأن إسرائيل تمنع دخول أعمدة الخيام إلى الأراضي. الآن، تقع الخيام في الوحل العميق. وتنتشر الأمراض في هذه المخيمات القذرة، المغمورة بالمياه بشكل كامل من حين لآخر. يموت الكثيرون، ولا سيما الأطفال، بسبب انخفاض درجة حرارة الجسم. علاوة على ذلك، أنقاض المباني المقصوفة غير مستقرة، وقد انهار بعضها، ما أدى إلى مقتل سكانها. ومع ذلك، يضطر الأشخاص الذين لا يجدون مكاناً آخر يذهبون إليه إلى النوم في مبانٍ مدمرة جزئياً ومائلة بشكل خطير.
في أوائل يناير، كتبت إيمان أبو زيد أن وقف إطلاق النار قد ”أخفى“ الفلسطينيين. وهذا صحيح بلا شك، حيث استخدمته العديد من الشخصيات السياسية في الغرب حجة على أن الحرب قد انتهت وأن المظاهرات التضامنية مع فلسطين يجب أن تنتهي. وعلى وجه الخصوص، حجب وقف إطلاق النار دور إسرائيل المستمر في قتل الفلسطينيين. يمكن عرض العواصف والفيضانات ودرجات الحرارة المتجمدة على أنها كوارث طبيعية. لكن إسرائيل تمنع وصول مواد البناء والمساعدات التي من شأنها أن تتيح للفلسطينيين النجاة من هذه الأحداث. في نهاية نوفمبر، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك للصحفيين: ”لا يوجد مستشفى واحد في غزة يعمل بكامل طاقته“. فقط 18 مستشفى من أصل 36 مستشفى في القطاع تعمل بشكل جزئي، بعد قصف العديد منها في أشد أشهر الإبادة الجماعية.
أعلنت حكومة الولايات المتحدة، في 15 يناير، بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار. وفي اليوم نفسه، قصفت القوات الإسرائيلية منزلين تابعين لعائلتي الحولي والجارو في بلدة دير البلح الوسطى، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص، بينهم شاب يبلغ من العمر 16 عاماً.
ستنفذ المرحلة الجديدة لجنة يشرف عليها ”مجلس السلام“ الذي سيرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وسيضم المجلس صهر ترامب، جاريد كوشنر، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وتوني بلير الذي قاد بريطانيا إلى حرب العراق. كان ترامب وكوشنر وويتكوف من أبرز الداعمين للمذبحة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. وقد منحت حكومتهم، كما فعلت الإدارة الديمقراطية لجو بايدن خلال المرحلة الأولى من الإبادة الجماعية، نظام إسرائيل حرية مطلقة في إحداث أكبر قدر ممكن من الدمار. والآن، وضع هؤلاء الوحوش أنفسهم مسؤولين عن مستقبل غزة.
وسيترأس اللجنة الأوسع نطاقاً علي شعث، نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية. توصف هذا اللجنة على نطاق واسع بأنها تكنوقراطية، ومكونة من بيروقراطيين بدلاً من شخصيات سياسية. لكن أعضاء اللجنة تمت الموافقة عليهم من قبل الولايات المتحدة، ما يعني أنها من أشخاص تعرف الولايات المتحدة أنهم قابلون لإخضاعهم لإرادتها. العديد من أعضاء اللجنة الحاليين كانوا في السابق بيروقراطيين في السلطة الفلسطينية.
لطالما حكمت السلطة الفلسطينية الضفة الغربية بأداء دور شرطة في خدمة إسرائيل، وقمعت المعارضة الفلسطينية واعتقلت الشخصيات السياسية التي تعارضها وتعارض إسرائيل. وهي تدير أكبر قوة شرطة في العالم قياسا بعدد السكان، وتستخدمها لإجراء اعتقالات جماعية ومراقبة وقمع الفلسطينيين نيابة عن إسرائيل. وقبل 7 أكتوبر، تعاونت قيادة فتح في السلطة الفلسطينية مع إسرائيل في قمع الفلسطينيين في غزة وقتلهم. تواجه السلطة الفلسطينية أزمة شرعية وتحكم بطريقة هرمية، ما أدى إلى احتجاجات في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، رفضت إسرائيل تزويدها حتى بالموظفين المدنيين الأساسيين اللازمين لبدء الإدارة.
لن يحضر ترامب ونتنياهو وبلير للفلسطينيين سوى الرعب. ومن غير المرجح أن تقف اللجنة في وجههم بجدية. في هذه الساعات المظلمة، لا يمكن لمن يقفون مع فلسطين أن يغضوا الطرف. فذلك يعني السماح للمجرمين الذين يديرون عالمنا بالإفلات من أسوأ جرائم جيلنا.
المصدر : https://redflag.org.au/article/gaza-what-ceasefire/
اقرأ أيضا


