هل المَلكية أكثر تقدُّمية من المجتمع؟

سياسة23 يناير، 2026

بقلم، سعيد الريشة

بعد أحداث نهائي كأس أمم أفريقيا، انطلقت حملة عنصرية شعواء ضد الأفارقة السود، ودعوات لانغلاق عن القارة الأقريقية وتجميل للعلاقات مع الكيان الصهيوني. صدر بلاغ عن الديوان الملَكي تضمن العبارة التالية: “لا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا”… مباشرة بعد البلاغ تبخَّرت الحملة العنصرية من وسائل التواصل الاجتماعي، لكن المثير هو انطلاق أصوات “حداثية” و”تقدُّمية” تُعلن أن “المَلكية أكثر تقدمية من الشعب” و”أكثر تقدمية من “تدوينات بعض الرفاق اليساريين”. فهل فعلا الملَكية أكثر تقدمية من الشعب وبعض اليساريين؟

كانت هناك مواقف أخرى مناهضة للعنصرية من “بعض الشعب”، فلماذا لا يصرِّح هؤلاء “الحداثيون والتقدميون” بأن “بعض الشعب أكثر تقدمية من بعضه الآخر” بدل القول بأن “الملَكية أكثر تقدمية من الشعب”. كما هناك أيضا أصوات يسارية رفضت حملة العنصرية، وضمنها بيان اللجنة الوطنية للقطاع الحقوقي للحزب الاشتراكي الموحَّد (21 يناير 2026)، فلماذا لم يقل هؤلاء “الحداثيون والتقدميون”، بأن موقف “بعض اليسار أكثر تقدمية من بعض اليسار الآخر”؟

ليست هذه أول مرة يُطلق هذا الوصف على المَلكية، فقد سبق لإسماعيل العلوي، أمين عام سابق لحزب التقدم والاشتراكية، أن أعلن أن هناك انفصام “داخل المجتمع بين عناصر متقدمة في تفكيرها (شيئا ما) ومجموعة واسعة من المواطنين أو فئات أو شرائح مهمة ما زالت تعيش في زمن آخر، زمن القرون الوسطى أو على الأقل زمن لا يساير مقتضيات الحداثة”. [1]. طبعا قصد إسماعيل العلوي بـ “العناصر المتقدِّمة” الملكيةَ، لأن الفقرة أعلاه تلتها الفقرة التالية: “نلاحظ أن عددا كبيرا من الأفكار الهامة والنيرة التي ترد في هذه الخطابات [الملكية] لم تترجَم في غالب الأحيان بشكل قوي على أرض الواقع. أوعز شخصيا هذا العجز إلى كون مجتمعنا يفتقر إلى العدد الكافي ممن يكونون ‘النخبة'”. [2].

مشكلة الأصوات المعلِنة “الملكيةَ أكثر تقدمية من الشعب وبعض اليسار” هي عزلها لبلاغ الديوان المَلكي الأخير عن مجمل سياسة المَلكية الداخلية والخارجية، ما يسمح لتلك الأصوات بإضفاء فضائل أيديولوجية على بلاغ بعينه. فلا يمكن عزل هذا البلاغ عن سياسة الملكية تجاه القارة، وهذه السياسة ليست إلا وكالة للمستعمِر القديم (الاتحاد الأوروبي) والجديد (الولايات المتحدة الأمريكية) في أفريقيا. وما قصده البلاغ الملكي بـ “التعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا”، ليس بدوره إلا فتحا جديدا لأفريقيا أمام الرأسمال العالمي الذي يتنافس من أجل نهب ثروات قارتنا السمراء. لقد رضي النظام المغربي بحصته في قسمة العمل الدولية الجديدة، أي أن يكون منصَّة إطلاق للاستثمارات الرأسمالية العالمية تجاه القارة. [3].

كيف تكون “المَلكية أكثر تقدمية من الشعب ومن بعض الرفاق اليساريين”، وهي التي تتعاون عسكريا وأمنيا مع الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، وهي التي تعتبر نفسها قطعة في رقعة شطرنج التنافس الإمبريالي على القارة بين الغرب الإمبريالي والصين الإمبريالية؟

كيف تكون “المَلكية أكثر تقدمية من الشعب المغربي ومن بعض الرفاق اليساريين”، وهي التي قبلت انتقاء ترامب لها لكي تكون عضوا في مجلسه سلامه الخاص بغزة، أو بالأحرى “مجلس الحرب” الذي سيسهر على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في الوقت الذي تسلِّح فيه إسرائيل المستوطنين لقمع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟

نعم إن حملة العنصرية تجاه الأفارقة، سواء أتت من شرائح شعبية كادحة أو من نخب تعتبر نفسها يسارية، هي حملة مكروهة، وهي تستدعي المحاربة الشديدة، ولكن هذا لا يستدعي تجميل وجه نظام استبدادي يقمع شعبه وفي نفس الوقت يساهم في إنجاح مخططات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة وفي أفريقيا. وإذا كان للبلاغ المَلكي أن يحقق نجاحا، فإن هذا النجاح هو في استمالة أصوات “حداثية” تصوِّرُ المَلكيةَ أكثر تقدمية من الشعب!

ألا يتساءل أصحاب طرح “المَلكية أكثر تقدمية من الشعب”، عن الأسباب التي جعلت من الشعب لاهثا وراء انتصارات وهمية، تنسيه هموم كدحه اليومي وضنك عيشه، ثم حين تُحبط آماله في تلك الانتصارات الوهمية، يبحث عن كبش فداء، يجده في “الآخرين”: مرة أفارقة وأخرى جزائريين… إلخ. إن ظروف العيش القاسية الناتجة عن نظام رأسمالي تابع هي ما يدفع شرائح شعبية عديدة وراء هذا النوع من “الإنجازات الوهمية”، وهذا النظام الرأسمالي تحرسه المَلكية وتخدم بقاءه، فهي قسم من الرأسمال الكبير الذي يحكم البلد في تحالف وطيد مع القوى الإمبريالية العالمية، وهذا التحالف يمتد ليشمل أيضا الأفارقة.

هذه المَلكية التي يعتبرها بعض “الحداثيين والتقدميين” “أكثر تقدمية من الشعب ومن بعض اليساريين”، هي نفسها دركي أوروبا وحارس حدودها من تدفقات هجرة الكادحين-ات الأفارقة والمغاربة على حد سواء. ألم يكن النظام المغربي وشرطته مساهما في مذبحة الأفارقة على الأسلاك الشائكة لمدينة مليلية في صيف 2022؟ ألا يستعمل النظام المغربي ملف الهجرة لابتزاز مواقف الدول الأوروبية فيما يخص قضية الصحراء، وفي نفس الوقت يتقاضى أتاوة على دوره كحارس حدود أوروبا، حيث صرَّح وزير الخارجية بوريطة، بعد أحداث مليلية قائلا: “أوروبا لا تمنحنا حتى 20% من التكلفة التي يتحملها المغرب في محاربة الهجرة غير الشرعية”.[4]

في عمق تصريحات “بعض الحداثيين” عن أن “الملَكية أكثر تقدمية من الشعب” رعب رهيب من هذا الشعب، وهو سلوك قديم للقوى الليبرالية التي تعتبر الاستبداد السياسي سدَّا منيعا في وجه الشعب، فهذا غير مأمون جانبه تقدميا كان أو رجعيا. وبينما الحداثيون يعتبرون الملَكية حصنا في وجه التوجُّهات المحافظة والرجعية، وهذه الأخيرة تعتبر المَلكية حامي حمى الملة والدين. وهكذا تتحول المَلكية إلى رمانة ميزان، تصدم قوى المجتمع بعضُها مع بعض، موفِّرة لنفسها بذلك سبُل الدوام والاستمرارية، كونها ممثلة للأصالة والمعاصرة. وهي آلية تقليدية استطاعت عبرها المَلكية تحييد واستقطاب حركات معارضة وحركات نضال: الحركة الأمازيغية التي اعتبر أقطابُها المَلكية حامية الحقوق الأمازيغية في وجه التيار العروبي، والحركة النسائية التي اعتبرت بدورها المَلكية حامية حقوق النساء في وجه التيار الرجعي المحافظ… إلخ.

لا يمكن محاربة العنصرية بالاستناد على نظام استبداد رأسمالي يمارس العنصرية تجاه الشعب المغربي ذاته، ويعتبر الشعبي المغربي غير قادر على حكم نفسه بنفسه، مبرِّرا بذلك الاستبداد السياسي، ألم يقل الحسن الثاني ذلك بالحرف: “لا يمكنني أن أجعل ممارسة الحكم أقل مباشرة. لماذا؟ لأن شعبي غير مستعد ليُعبَّأ حول برنامج أو مذهب، إنه في حاجة إلى المشي خلف رجل أو فريق..” [5]. كيف لاستبداد يحتقر الشعب أن بكون “أكثر تقدُّمية من الشعب ومن بعض اليساريين”؟

التقدمي الحقيقي يصطف دوما إلى جانب الشعب، وإن كان الشعب على خطأ فهو يعمل بجد وبعمل تنويري صبور وطويل النفس كي يساعد الشعب على تصحيح ذلك الخطأ، لكن التقدمي الحقيقي لن يصطف يوما إلى جانب الاستبداد ويعتَبره أكثر تقدمية من الشعب، لمجرد أن هذا الأخير يحمل أفكارا رجعية أو شوفينية.

============

إحالات

[1] – إسماعيل العلوي (2017)، “النضال الديمقراطي في المغرب، رهانات الماضي وأسئلة الحاضر”، أنجز الحوار وقدم له: عبد الله البلغيتي العلوي، مركز الأزمنة الحديثة، ص 134.

[2] – نفسه، ص 150

[3] – وائل المراكشي (29-01-2017)، ” استثمارات المغرب في إفريقيا: دور صغير في استراتيجية الرأسمال الإمبريالي”، https://www.almounadila.info/archives/4763.

[4] – علي أموزاي (23-08-2022)، ” أحداث مليلية: المغرب كحارس لحدود أوروبا”، https://www.7iber.com/أحداث-مليلية-المغرب-تحرس-حدود-أوروبا/.

[5] – موريس بوتان (2014)، “الحسن الثاني.. ديغول.. بن بركة.. ما أعرفه عنهم”، دفاتر وجهة نظر ع 29، الطبعة الأولى، ص 60

شارك المقالة

اقرأ أيضا