نظرية ثورية: استراتيجية المطالب الانتقالية

الثورة, الحزب, سياسة29 يناير، 2026

المقال منشور في العدد 87 من جريدة المناضل -ة

يبيّن إرنست ماندل* آلية اشتغال المطالب الانتقالية عبر وصل النضال اليومي المباشر بنضال استراتيجي يرمي إلى إسقاط سلطة الرأسمالية، كما ورد في نصه حول الرقابة العمالية والمجالس العمالية (1973).

يرى ماندل أن كل إضراب واسع النطاق ينطوي، في جوهره، على هدف الصراع الطبقي النهائي، أي تقويض سلطة الرأسماليين الصناعيين والطبقة الرأسمالية داخل المجتمع والدولة. غير أن تطور هذا الصراع وفق منطقه الحاسم يظل مشروطًا بميزان قوى مواتٍ. ومع ذلك، لا يكتفي الماركسيون بمراقبة الحياة الاجتماعية والسياسية أو بالتعليق عليها، ولا ينظرون إلى ميزان القوى باعتباره معطى ثابتًا أو قدرًا لا يُردّ، ولا يكتفون بتقدير فرص التغيير في أفق بعيد. بل إنهم يتدخلون تدخلاً واعيًا ومقصودًا، سعيًا إلى تعديل ميزان القوى بين رأس المال والعمل، عبر تعزيز ثقة العمال بقوتهم الذاتية، ورفع مستوى وعيهم الطبقي، وتوسيع أفقهم السياسي، وتقوية تنظيمهم ووحدتهم، والعمل على بلورة طليعة ثورية قادرة على قيادتهم في مسار النضال والانتصار.

لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، تجاهل القيود الموضوعية التي تفرضها الظروف القائمة، والتي قد تجعل، في سياق معيّن، من المتعذر تحويل أشكال الإدارة الذاتية والدفاع الذاتي العمالي إلى أجهزة فعلية لسلطة مزدوجة. ومع ذلك، كان لافتًا كيف عاد العمال الإسبان، بعد أكثر من ربع قرن من الفاشية والديكتاتورية العسكرية، وبشكل شبه غريزي، إلى نمط من التنظيم داخل المصانع يستند إلى تقاليد الثورة الإسبانية الأصيلة، ممثلاً في لجان العمال (Comisiones Obreras).

سعى قادة الحركة العمالية السرية في إسبانيا، من المعتدلين والانتهازيين، ولا سيما قيادة الحزب الشيوعي الإسباني، إلى تحويل هذه اللجان إلى نقابات شبه قانونية، وهو ما كان سيصبّ في مصلحة أرباب العمل. غير أن العمال أدركوا، بحدسهم الطبقي، أن العمل النقابي المحض، في ظل دكتاتورية سياسية مباشرة لرأس المال، لا يمكن أن يقتصر على المطالب الأجرية أو القضايا الاقتصادية الضيقة. ومن ثمّ، استوعبت لجان العمال أن منطق الوضع القائم يفرض عليها التحول إلى هيئات تمثيلية شاملة للدفاع عن العمال، تعالج مختلف القضايا الناجمة عن الخصوصية السياسية والاجتماعية لإسبانيا آنذاك. ولذلك ناضلت من أجل الحقوق الديمقراطية بقدر ما ناضلت من أجل الحقوق المادية، ودافعت عن ضحايا القمع وعن العدالة الطبقية، وطالبت بالاعتراف بحقها في التفاوض باسم مجموع العمال. غير أنها، رغم ذلك، لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى أجهزة حقيقية للسلطة المزدوجة، ما دامت الدكتاتورية لم تكن بعدُ على وشك السقوط بفعل انتفاضة ثورية جماهيرية واسعة.

ويؤكد ماندل أن الطليعة الماركسية الثورية لا تستطيع «افتعال» أو استحضار حالات ما قبل ثورية، فضلًا عن الثورات ذاتها. فهذه لا تنشأ إلا نتيجة تزامن عدد كبير من التحولات الجزئية أو «الخفيّة». صحيح أن بعض هذه التحولات يمكن التأثير فيها مباشرة عبر عمل ثوري واعٍ، وأن بعضها الآخر يمكن استشرافه، لكن ثمة تحولات لا يمكن التنبؤ بها على الإطلاق، في حدود معارفنا الراهنة. ومع ذلك، فإن ما يمكن للطليعة الثورية فعله، بل ما يتعيّن عليها فعله، هو تهيئة الشروط الملائمة لانخراط العمال في المسار الاشتراكي، عبر بناء أجهزة للسلطة المزدوجة في ذروة المرحلة ما قبل الثورية، وضمان أن تفضي المرحلة الثورية نفسها إلى الاستيلاء على السلطة.

ويقوم هذا العمل التحضيري على أربعة عناصر أساسية. أولها، نشر الأفكار البرنامجية القادرة على تمكين الجماهير من الرد ردًّا ثوريًا موضوعيًا فور اندلاع النضال العام، وذلك بشكل متواصل داخل ال9*/طبقة العاملة. ثانيها، تشكيل طليعة من المناضلين في المصانع والورش والمكاتب والموانئ وغيرها من مواقع العمل، تتولى شرح هذا البرنامج لزملائها، وتكتسب من المصداقية والنفوذ ما يؤهلها لمنافسة القوى الأخرى على قيادة الجماهير منذ اللحظات الأولى للنضال العام. ويلي ذلك تجميع هؤلاء المناضلين في منظمة وطنية وأممية، تضم عمالًا يدويين ومثقفين وطلبة وفلاحين فقراء ثوريين من قطاعات ومناطق وبلدان مختلفة، بما يسمح بتجاوز ضيق الأفق الناتج عن التجربة النضالية المحدودة لكل عامل على حدة، وإبطال آثار تقسيم العمل وتشوه الوعي الناجم عنه. وبواسطة ممارسة ثورية أممية، تتيح هذه المنظمة للعمال الولوج إلى نظرية شاملة تعالج قضايا الإمبريالية والثورة الاشتراكية في كليتها، بما يرفع نضالهم العملي إلى مستوى أعلى من التنسيق والفعالية. أما العنصر الرابع، فيتمثل في ضرورة تجاوز هذه المنظمة الطليعية، أو على الأقل بعض فروعها، لمرحلة الدعاية والنقد اللفظي، لتصبح قادرة على إطلاق حملات نضالية نموذجية تُجسّد، بصورة ملموسة، أهداف الاستراتيجية الاشتراكية الثورية التي يدافع عنها الماركسيون، في مواجهة الإصلاحية والنيوإصلاحية التي تميز منظمات الحركة العمالية التقليدية والبيروقراطية.

تهدف استراتيجية المطالب الانتقالية — التي يُطلق عليها في بلجيكا تسمية «الإصلاحات البنيوية المناهضة للرأسمالية» — إلى إخراج نضالات العمال من التناقض البنيوي الملازم للحركة العمالية، ولا سيما في البلدان الإمبريالية، منذ نشأة منظماتها الجماهيرية. فمن المؤكد أن نضالات العمال ستظل موجهة، بحكم الواقع، نحو أهداف فورية، كالمطالب المادية، والتشريعات الاجتماعية، والحقوق السياسية، ومقاومة الأنظمة القمعية أو الانقلابات الرجعية. ولهذا السبب، انصبت أنشطة معظم المنظمات التي تدّعي الانتماء إلى الحركة العمالية تاريخيًا على هذه الأهداف المباشرة، مقرونة أحيانًا — لا دائمًا — بدعاية مجردة لصالح «الاشتراكية» أو «الثورة الاشتراكية» أو «ديكتاتورية البروليتاريا».

وبهذه الكيفية، ظل الهدف التاريخي للحركة العمالية منفصلًا عن ممارستها النضالية اليومية. وينطبق ذلك سواء على الإصلاحيين، قدامى وجدد، الذين يختزلون السياسة العمالية في الحركة من أجل المطالب الآنية ويجعلون «الهدف النهائي» بلا قيمة، أو على «اليساريين المتطرفين» الذين يحتقرون النضال من أجل المطالب المباشرة ولا يعترفون إلا بالنضال من أجل الاستيلاء على السلطة أو تحطيم الدولة. وفي الحالتين، تؤدي الممارسة العملية إلى النتيجة نفسها: تعميق القطيعة بين النضالات الملموسة اليومية للعمال وبين الهدف الاستراتيجي المتمثل في إسقاط الرأسمالية.

تأتي استراتيجية المطالب الانتقالية محاولةً لتجاوز هذه الثنائية. وتنطلق، في هذا السياق، من الاعتراف بحقيقة أساسية في الرأسمالية المعاصرة، مفادها أن قدرة هذا النظام على الاستمرار حتى الآن تعود إلى إمكانية استيعابه لمجمل المطالب الفورية، مهما بدت جذرية، ما دامت لا تمسّ جوهره، أي هيمنة رأس المال على وسائل الإنتاج والعمل والدولة.

ولا شك أن مدى استعداد الرأسمالي لمقاومة مطلب معين أو قبوله — كزيادة الأجور، أو السماح بممارسة حق الإضراب، أو التفاوض الحر حول الأجور — يتوقف على الظرف الاقتصادي وعمق الأزمة البنيوية التي تهدد النظام. غير أن أياً من هذه المطالب، مهما بلغت حدتها، لا يشكل في حد ذاته خطرًا قاتلًا على الرأسمالية، ولا يعجز النظام، في نهاية المطاف، عن تلبيته. فعندما يواجه حركة جماهيرية ذات إمكانات ثورية حقيقية، يفضّل النظام عادة تقديم التنازلات على المجازفة بفقدان سلطته. كما يمتلك، ما دام يحتفظ بزمام السلطة الفعلية، وسائل متعددة لتحييد الآثار المزعزعة لأي تنازل من هذه التنازلات.

أما إذا انطلقنا من الانشغالات المباشرة للعمال، وصغنا مطالب لا يستطيع النظام الرأسمالي استيعابها، واقتنع العمال بضرورة النضال من أجلها، فإننا نكون قد خطونا خطوة حاسمة نحو دمج النضال من أجل المطالب الآنية بالنضال الاستراتيجي الطويل الأمد من أجل إسقاط الرأسمالية. ففي هذه الحالة، يصبح النضال من أجل المطالب الانتقالية بالضرورة نضالًا يهزّ الأسس العميقة للنظام الرأسمالي، ويدفع رأس المال إلى مواجهته بعنف وشراسة. ويُعدّ النضال من أجل الرقابة العمالية المثال الأبرز والأكثر دلالة على هذا النوع من المطالب الانتقالية.

* كان إرنست ماندل قائدا في الأممية الرابعة ومنظرا ماركسيا. توفي في عام 1995

المصدر : /https://anticapitalistresistance.org/the-strategy-of-transitional-demands

شارك المقالة

اقرأ أيضا