إسرائيل الكبرى؟ عزم على بسط الهيمنة الإقليمية
مقال منشور في العدد 66 من أسبوعية جريدة المناضل-ة
إدوارد سولييه
تتبلور خلف شعار «إسرائيل الكبرى» معالم استراتيجية بسط هيمنة إقليمية، تمر عبر التفوق العسكري وضغط دائم على البلدان المجاورة، بدعم حاسم من الولايات المتحدة الأمريكية. يتجلى هذا المنطق في الهجوم على إيران والتصعيد العسكري الإقليمي، حيث تسعى إسرائيل إلى منع بزوغ أي قوة قادرة على تحدي هيمنتها.
شهد شهر تشرين الأول/أكتوبر 2023 تسارعاً في تنفيذ المشروع الاستعماري المزدوج الذي تطرحه إسرائيل. فمن ناحية، إنشاء منطقة استيطان عن طريق مصادرة الأراضي التي ترها ملكا لها؛ ومن ناحية أخرى، فرض «التطبيع»، أي قبول إسرائيل كقوة عسكرية وحيدة ومهيمنة في المنطقة. ونظراً لانعدام حدود واضحة، فإن هذا «التطبيع» قائم بداية على تفوقها العسكري ودعم القوى الغربية.
إخضاع القوى الإقليمية الأخرى
إن منظور «إسرائيل الكبرى» — أي أرض «تاريخية» ممتدة إلى حد كبير على أنحاء البلدان المجاورة — يظل عملياً بعيد المنال، ويقوم بوجه خاص على شعار ذي طابع دعائي. لكن، منذ ثلاث سنوات، قامت إسرائيل بتكثيف عمليات تقدمها الإقليمي: توسيع نطاق التحكم بالمنطقة ج، و«الخط الأصفر» في غزة، وضم هضبة الجولان، وفتح ممر في سورية، والقيام منذ شن التعدي على لبنان، بفرض «خط أصفر» جديد في جنوب البلد.
تقدم إسرائيل نفسها في آن واحد على أنها قلعة محاصرة وقوة قادرة على بسط نفوذها. يكمن هذا التناقض في صلب عقيدتها: التذرع بتهديد وجودي، مع الإسهام في الوقت نفسه في خلقه عبر تحركاتها الخاصة. إنها نبوءة ذاتية التحقق يتم استخدامها لإخضاع القوى الإقليمية. يندرج الهجوم على إيران في إطار هذا المنطق: يجب أن تظل إسرائيل القوة المهيمنة في المنطقة. ولتحقيق ذلك، لا بد من فرض فكرة أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، وأنها رأس جسر للغرب بوجه همجية شرقية مزعومة، وصون تفوق عسكري ساحق. تقوم هذه السياسة التي تنهجها الدولة المارقة منذ ما يفوق 80 عاماً، بالضغط على جميع البلدان المجاورة وإجبارها على تكييف سياستها، غالباً على حساب رفاهية شعوبها.
عقيدة «الميزة العسكرية النوعية»
في الواقع، تتمتع إسرائيل بتفوق عسكري واضح على جميع البلدان المجاورة، سواء على صعيد التدريب والتنظيم والانضباط أو من حيث جودة المعدات. وبذلك، فإنها تحظى بميزة (edge) على جميع البلدان الأخرى بالمنطقة. على سبيل المثال، تمتلك إسرائيل ما يناهز 250 طائرة مقاتلة، لا سيما من طراز F-16، بالإضافة إلى عشرات الأجهزة الحديثة للغاية مثل مقاتلات F-35. وعلى سبيل المقارنة، فإن مصر، على الرغم من أن عدد سكانها يزيد بعشر مرات، لا تمتلك حتى ضعف هذا العدد. تعتزم إسرائيل شراء 55 طائرة مقاتلة جديدة بحلول عام 2026، نصفها تقريبًا من طراز F-35.
لا يأتي هذا التفوق بمحض الصدفة. بل يقوم على «الميزة العسكرية النوعية» (QME)، وهي عقيدة أمريكية موروثة من الحرب الباردة ترمي تأمين «مقدرة إسرائيل على التصدي لأي تهديد عسكري تقليدي حقيقي صادر عن دولة أو تحالف دول محتمل أو جهات فاعلة غير حكومية، ودحره، مع تكبد أضرار وخسائر طفيفة، بفضل استخدام وسائل عسكرية فائقة التطور». بعبارة أخرى، يعني ذلك مواصلة صون تقدم إسرائيل العسكري، عن طريق تزويدها بأحدث الأسلحة والحد من — أو تأخير — حصول جيرانها على معدات مماثلة.
وقد أُدرجت هذه العقيدة في القانون الأمريكي عام 2008: يجب ألا تؤدي أية عملية بيع للأسلحة الأمريكية إلى بلد في منطقة الشرق الأوسط إلى النيل من تقدم إسرائيل العسكري. إنها تعمل في الواقع على إضفاء الطابع الرسمي على ممارسة قائمة بالفعل منذ عام 1967. وهكذا، حازت إسرائيل على طائرات F-15 في عام 1976، أي قبل ست سنوات من حصول المملكة العربية السعودية عليها، ثم على طائرات F-16 في عام 1980، أي قبل ثلاث سنوات من قيام مصر باقتنائها. وفي عام 2010، سمحت إدارة أوباما ببيع 20 طائرة إضافية من طراز F-35 لإسرائيل لصون ميزتها العسكرية النوعية، رداً على بيع أسلحة إلى المملكة العربية السعودية.
صناعة عسكرية قيد التوسع
يعزز هذا الدعم مكانة إسرائيل كقوة مهيمنة، حيث تستخدمه أيضًا لتوطيد صناعتها العسكرية. وبذلك بلغت حصة إجمالي صادرات أسلحتها في العالم نسبة 4.4% في الفترة 2021-2025، مقابل نسبة 3.1% بين عامي 2016 و2020. باتت إسرائيل سابع أكبر مصدر للأسلحة في العالم، متقدمةً على بريطانيا. وفي الوقت نفسه، لا تزال تحتل المرتبة الرابعة عشرة عالمياً من حيث استيرادها: تأتي معظم أسلحتها من الولايات المتحدة الأمريكية (68٪)، ثم ألمانيا (31٪). لا تتوقف ميزانيتها العسكرية عن الزيادة: ارتفعت من 25 مليار دولار قبل عام 2023 إلى 45 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى ما يناهز 60 مليار دولار في عام 2026. وللمقارنة، تناهز الميزانية العسكرية في فرنسا 45 مليار دولار. كما أعلن نتنياهو عن خطة بقيمة 108 مليارات دولار على مدى عشر سنوات لتطوير صناعة أسلحة إسرائيلية أكثر استقلالية.
يستمر نفس الحديث عن بلد مستقل و«محاصر»، في حين تظل إسرائيل معتمدة على 5 مليارات دولار من المساعدات الأمريكية المباشرة وامتيازات مرتبطة بمبدأ الميزة العسكرية النوعية (QME). تبعث الحرب على إيران رسالة واضحة إلى المنطقة بأسرها: تسعى إسرائيل إلى التمكن من فرض قانونها في كل مكان وعدم التسامح مع أية منافسة. بصفتها دولة إمبريالية واستعمارية وقائمة على ممارسة الإبادة الجماعية، فإنها تتمتع بدعم أمريكي لا يروم الدفاع عنها وحسب، بل أيضاً تعزيز هيمنتها الإقليمية.
إدوارد سولييه
الرابط:
https://lanticapitaliste.org/arguments/international/grand-israel-une-volonte-hegemonique-regionale
اقرأ أيضا

