المواجهات بين الإمبرياليات وحدودها

بلا حدود, سياسة18 أبريل، 2026

 

بيتر دراكر

مقدمة لمناقشات اللجنة العالمية للأممية الرابعة

– الجزء الثاني: الصين وروسيا والشرق الأوسط

جزيل الشكر لآنا كريستينا. وإني لأشاطرها ما عرضت للتو. اتفقنا على أن أكمل عرضها بتناول مسألتين:

أولاهما، الأساس فهمنا النظري للإمبريالية الصينية والروسية؛

والثانية، دور الشرق الأوسط اليوم في الإمبريالية، وفي مقاومة الإمبريالية.

ننطلق في هذه المناقشة من النظرية اللينينية للإمبريالية، كما تطورت عبر مختلف الحقب منذ العام 1916. لم تكن هذه النظرية، منذ البداية، كما ذكرت آنا كريستينا، نظريةَ لينين وحده؛ فقد شاركت فيها لوكسمبورغ وهيلفردينغ وآخرون إسهامات أساسية.

أود أن أؤكد على نقطة أساسية: إذا كان غير الماركسيين يتصورون الإمبريالية بنحو أساسي تدخلا عسكريا، فإننا نحن الماركسيين نعتبر الإمبريالية العسكرية والجيوسياسية مستندة إلى الإمبريالية الاقتصادية. أي: تطور الرأسمالية المتفاوت، وتصدير رؤوس الأموال، والتنافس على المواد الخام، والتبادل التجاري غير المتكافئ، إلخ. في أوكرانيا، على سبيل المثال، يُمارس النفوذ الإمبريالي الأوروبي على الأقل بنفس القدر بواسطة القوة الاقتصادية – وأشكال أخرى مما يُسمى بنحو بالغ التضليل بـ«القوة الناعمة»، مثل الميز الجنسي والهجمات على الأشخاص المتحولين جنسياً، كما تؤكد بيني دوغان – بقدر ما يتم من خلال إمدادات الأسلحة أو بواسطة حلف الناتو.

هذا لا يعني بتاتا أن لا أهمية للقوة العسكرية بالنسبة للإمبريالية. أتفق مع إريك توسان في أن الولايات المتحدة في عهد ترامب تحاول أن تعكس أفولها النسبي بالاعتماد على قطاعات تحظى فيها الولايات المتحدة بقوة خاصة: المجمع الصناعي العسكري وصناعة الطاقات الأحفورية. أما مدى الفعالية الممكنة لاستراتيجية ترامب، فتلك إصة أخرى.

كما أوضحت آنا كريستينا، تباينت حدة المواجهات بين الامبرياليات باختلاف حقب الإمبريالية. فقبل الحربين العالميتين، أدى التنافس على الإمبراطوريات الاستعمارية مرتين إلى حروب إمبريالية عالمية. ومن الحرب الباردة إلى الأزمة المالية للعام 2008، كانت المنافسات أقل حدة، حيث كانت الإمبريالية الأمريكية تهيمن على العالم الرأسمالي وتخضع الإمبرياليات الأخرى لقوتها.

واليوم، في عصر ترامب والقومية النيوفاشية اليمينية المتطرفة، تعود التنافسات بين الإمبرياليين بقوة، على سبيل المثال بين الولايات المتحدة والإمبرياليات الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا. ومع ذلك، فإن تصور أي تعارض بين إمبريالية ترامبية ضارة وإمبرياليات أوروبية أقل ضررًا أمر غير معقول.

صعود الفاشية الجديدة واضح في أوروبا بقدر ما هو جلي في الولايات المتحدة، سواء في بعض البلدان (كما نرى بالفعل في المجر وسلوفاكيا والتشيك وسلوفينيا، ومن يدري في أي بلد آخر غدًا) أو في المؤسسات الأوروبية (لا سيما من خلال اتفاقات اليمين التقليدي مع اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي).

الإمبريالية الصينية

إنه في هذا السياق جرت، بكيفيات متباينة، إعادة الرأسمالية وانبثاق الإمبرياليات في الصين وروسيا. وليس صعود الإمبرياليتين الصينية والروسية سببا وحيدا لتصاعد  أوجه تنافس الإمبرياليات؛ بل يندرج في سياق أوسع. لكن كما قالت آنا كريستينا، لسنا بعد  إزاء حرب عالمية. إلى أي مدى قد تحتد المواجهات بين الإمبرياليات اليوم؟

الصين هي أسطع مثال عن قوة اقتصادية ناشئة، يُنظر إليها على نطاق واسع بما هي منافسة للولايات المتحدة. كما يوضح مقال إيليا ماتفييف1، لا تزال الولايات المتحدة اليوم القوة العسكرية المهيمنة في العالم بفارق كبير، لكن الصين أصبحت أكبر قوة صناعية في العالم. في البداية، لم يعتبر صعودها ع تهديدا للإمبرياليات التقليدية؛ بل على العكس، كانت الصين تُعتبر لاعباً رئيسياً في إرساء النظام النيوليبرالي، بفضل نوع من التكافل مع الشركات متعددة الجنسيات الغربية. أصبحت الإمبرياليتان اليوم متشابكتين بنحو وثيق لدرجة أنه يبدو من المستحيل تصور فصلهما، كما ذكرت آنا كريستينا.

إن التنسيق الوثيق الذي يميز عادة الدول الإمبريالية والشركات الرأسمالية متعددة الجنسيات – بين الدولة الهولندية وشركة شل متعددة الجنسيات، على سبيل التمثيل – يتم ضمانه في الصين، بشكل فريد، من قبل الحزب الشيوعي، الذي تشكل لجان الحزب فيها الأجهزة الرئيسة لإدارات المنشآت. في كل تدخل صيني دولي (سواء في السيطرة على ميناء بيرايوس اليوناني، أو القاعدة الصينية في جيبوتي، أو المشاريع الصينية في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية)، ترتبط مصالح الصين الجيوسياسية بتوسع البلد الاقتصادي.

اشتد في السنوات الأخيرة الصراع بين الإمبريالية الصينية والغربية بشكل متزايد، لا سيما حول السيطرة على ممرات الملاحة الاستراتيجية. وقد جرى التأكيد بشكل واسع على أوجه التشابه مع التوترات الإمبريالية المتزايدة التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

روسيا، حالة خاصة

روسيا أضعف اقتصاديًا من الصين، وأكثر اعتمادًا بكثير على قوتها العسكرية سبيلا للحفاظ على هيمنتها الاقتصادية الإقليمية. يمكننا أن نرى هنا تشابهًا مع الإمبريالية القيصرية قبل الحرب العالمية الأولى – ولنلاحظ أن الفقر والتخلف الاقتصادي لروسيا لم يثنِ لينين عن وصفها بالإمبريالية.

اليوم، وخاصة منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والمعمقة (ALECA) بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي بعد حركة ميدان، تريد روسيا الاندماج في المجال الاقتصادي للاتحاد الأوروبي.

وكما أن اندماج قسم كبير من بولندا في السوق الروسية، في عهد لينين، لم يكن ممكناً إلا بفضل الهيمنة السياسية القيصرية، فإن القوة العسكرية الروسية هي التي يمكنها اليوم أن تجعل انتقال أوكرانيا إلى «الفضاء الأوراسي» الذي تهيمن عليه روسيا أمراً ممكناً.

هذه هي حقائق الإمبريالية الصينية والروسية – حقائق يرفض أنصار «الاصطفافية» الاعتراف بها.

الشرق الأوسط

فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وبخاصة فلسطين، نلاحظ أن الصراعات بين الإمبرياليات لها حدود واضحة – حدود لا تتوافق مع رؤية اصطفافية للجيوسياسية.

أما الإمبرياليات الغربية، فقد كان النفط تاريخياً، ولا يزال حتى اليوم، محورياً لتراكم رأس المال، مع عواقب مدمرة بشكل متزايد على المناخ العالمي وعلى الشعوب. كان النفط، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عنصراً مركزياً للإمبريالية الأمريكية في شبه الجزيرة العربية والخليج، في سياق اقتصاد عالمي قائم منذ الخمسينيات على الصناعات البتروكيماوية والبلاستيك، كما أوضح آدم هنية2. إن الأزمات المعاصرة للإمبريالية تتحدد تضافريا بالكوارث البيئية.

مع تصاعد المقاومة العربية للاستعمار، خاصة بعد الثورة المصرية عام 1952، بات الحفاظ على النظام في العالم العربي رهاناً رئيسياً للإمبريالية. وكما أوضح جلبير الأشقر، جعل ذلك التحالف بين الولايات المتحدة والدولة الاستعمارية إسرائيل فرصة سانحة لرأس المال الأمريكي. إن المساعدة الأمريكية السنوية لإسرائيل، البالغة قرابة أربعة مليارات دولار، تكلف الإمبريالية الأمريكية أقل بكثير من كلفة التدخل المباشر.

اليوم، عصر ترامب هو أيضاً عصر نتنياهو، الذي كان، من نواحٍ عديدة، أحد رواد القومية اليمينية المتطرفة في العالم. منذ أكثر من عامين، يقود ترامب ونتنياهو معاً هجوماً إبادةً ضد غزة.

وبرغم الإدانات الشفوية، من قبل أغلبية ساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، سلّم مجلس الأمن، في نوفمبر الماضي، غزة إلى ترامب من بإنشاء ما يسمى بـ«مجلس السلام»، بدعم من الاتحاد الأوروبي وامتناع روسيا والصين عن التصويت. نحن نعلم الآن أن قوات خمسة بلدان ستطبق مبادئ ترامب: إندونيسيا والمغرب وألبانيا وكازاخستان وكوسوفو. هذا هو المكافئ الحالي لـ«تحالف المتطوعين» الذي أنشأه جورج دبليو بوش قبل 20 عاماً لغزو العراق.

الدرس واضح: إن نضالات الفلسطينيين والفلسطينيات، وكذلك الشعوب المضطهدة الأخرى، هي التي تحدد الحدود الحقيقية للسلطة الإمبريالية، وليس الاعتماد على الإمبرياليات المتنافسة.

نحن، الماركسيون، لسنا عاجزين عن فهم المصادر العاطفية للنزعة الاصطفافية. فالشباب على وجه الخصوص يغمرهم اشمئزاز أخلاقي إزاء الإبادة الجماعية والدمار في غزة. ونحن نشاركهم هذا الاشمئزاز الأخلاقي. ومن المفهوم أن تبدو المذابح والدمار اللذين تسبب بهما بوتين في أوكرانيا، بالمقارنة، أقل مأساوية، وأكثر ثانوية. لكن التزامنا المطلق بمكافحة الإبادة الجماعية في فلسطين لا يمكن إلا أن يتعزز بمعارضة قوية وحازمة للإبادة الجماعية في أوكرانيا.

ولا يمكن إلا أن يتعزز كفاحنا ضد الإمبريالية النيوفاشية بمعارضة صعود الاستبداد الليبرالي. إن يمين الوسط النيوليبرالي ويسار الوسط يقتربان بشكل متزايد من كره الأجانب والعنصرية والقمع التي يدعو إليها اليمين المتطرف. إن محاربة إمبريالية اليمين المتطرف تتطلب مرونة تكتيكية وإبداعاً، لكنها تتطلب أيضاً محاربة الرجعية بجميع أشكالها في الوقت نفسه.

21 فبراير 2026

  • Ilya Matveev, “A Disjointed World: China, Russia and the Coming Era of Inter-imperialist Rivalry”, Spectre Journal6 (12), octobre 2025.
  • . Adam Hanieh, Crude Capitalism: Oil, Corporate Power, and the Making of the World Market, Londres : Verso, 2025

https://fourth.international/fr/comite-international/940/asie/763

 

 

 

 

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا