الأول من مايو والجبهة الموحدة

بقلم؛ خوسيه كارلوس مارياتيغي

الأول من مايو، في جميع أنحاء العالم، يوم لوحدة البروليتاريا الثورية، تاريخ يجمع كل الشغيلة المنظمين في جبهة دولية موحدة ضخمة. في هذا اليوم، تتردد كلمات كارل ماركس، المسموعة والمحترمة بإجماع: «يا عمال كل البلدان، اتحدوا». في هذا اليوم، تسقط تلقائيًا جميع الحواجز  التي تقيم داخل الطليعة البروليتارية تمايزا  بين مجموعات ومدارس مختلفة وتفصلها بعضا عن بعض.

ليس الأول من مايو  ملكا لأي منظمة أممية معينة، بل هو تاريخ جميع الأمميات. الاشتراكيون والشيوعيون واللاسلطويون من جميع الاتجاهات يندمجون ويتمازجون اليوم في جيش واحد يسير نحو المعركة النهائية.

هذا التاريخ، باختصار، هو تأكيد وإلحاح على أن الجبهة العمالية الموحدة ممكنة وقابلة للتطبيق، وأنه لا يوجد أي مصلحة أو متطلب حالي يتعارض مع تحقيقها.

يدعو هذا اليوم الدولي إلى الكثير من التأملات. لكن التأمل الأشد إلحاحاً والأكثر ملاءمة، بالنسبة لشغيلة البيرو، هو ذلك الذي يتعلق بضرورة الجبهة الموحدة وإمكانها. فقد حدثت مؤخراً محاولات تقسيم

ومن العاجل التفاهم، ,اتخاذ إجراءات ملموسة لمنع هذه المحاولات من أن تكلل بالنجاح، وتجنب أن تقوض وتنسف الطليعة البروليتارية الناشئة في بيرو.

لقد كان موقفي، منذ انضمامي إلى هذه الطليعة، دائماً موقف مؤيد مقتنع، وموقف داعية متحمس للجبهة الموحدة. أتذكر أنني أعلنت ذلك في إحدى المحاضرات الأولى من دورة دروسي لتاريخ الأزمة العالمية. رداً على بوادر المقاومة والقلق الأولى من بعض اللاسلطويين القدامى والمتحجرين، الذين يهتمون بصلابة العقيدة أكثر من فعالية العمل وخصوبته، قلت حينها من منبر الجامعة الشعبية: “ما زلنا قلة قليلة لدرجة لا  تتيح انقساما. فلنحجم عن التمييز بين التسميات والألقاب “.

وقد كررت هذه الكلمات أو ما شابهها لاحقاً. ولن أتعب من تكرارها. إن الحركة الطبقية لا تزال عندنا في مهدها، ومحدودة جداً، ما يستبعد التفكير في تقسيمها وتجزيئها. وقبل أن يحين وقت الانقسام، الذي قد يكون حتمياً، يتعين علينا القيام بالكثير من العمل المشترك، والكثير من العمل التضامني. علينا أن نخوض معاً معارك مديدة عديدة. يقع على عاتقنا، على سبيل المثال، إثارة وعي طبقي وشعور طبقي لدى غالبية البروليتاريا البيروفية. هذه المهمة تقع على عاتق الاشتراكيين والنقابيين، والشيوعيين واللاسلطويين على حد سواء. علينا جميعاً واجب زرع بذور التجديد ونشر الأفكار الطبقية. علينا جميعاً واجب إبعاد البروليتاريا عن التجمعات الصفراء و«المؤسسات التمثيلية» الزائفة. علينا جميعاً واجب النضال ضد الهجمات والقمع الرجعي. علينا جميعاً واجب الدفاع عن المنبر والصحافة والتنظيم البروليتاري. علينا جميعاً واجب دعم مطالب العرق الأصلي المستعبد والمضطهد. في أداء هذه الواجبات التاريخية، هذه الواجبات الأساسية، ستلتقي طرقنا وتتحد، مهما كانت غايتنا النهائية.

إن الجبهة الموحدة لا تلغي الشخصية، ولا تلغي انتماء أي من مكونيها. وهي لا تعني الخلط أو دمج جميع المذاهب في مذهب واحد. إنها عمل عرضي وملموس وعملي. يأخذ برنامج الجبهة الموحدة في الاعتبار الواقع المباشر حصراً، بعيداً عن أي تجريد أو أي يوتوبيا. إن الدعوة إلى الجبهة الموحدة ليست، إذن، دعوة إلى الخلط الأيديولوجي. يجب على كل طرف، داخل الجبهة الموحدة، أن يحافظ على انتمائه وأيديولوجيته الخاصة. يجب على كل طرف أن يعمل من أجل قضيته الخاصة. لكن يجب على الجميع أن يشعروا بالوحدة من خلال التضامن الطبقي، وأن يكونوا مرتبطين بالنضال ضد العدو المشترك، ومترابطين بنفس الإرادة الثورية، ونفس الشغف بالتجديد. تشكيل جبهة موحدة يعني اتخاذ موقف تضامني أمام مشكلة ملموسة، وأمام حاجة ملحة. إنه لا يعني التخلي عن العقيدة التي يخدمها كل طرف ولا عن الموقف الذي يشغله كل طرف في الطليعة، فالتنوع في الاتجاهات وتعدد الفروق الأيديولوجية أمر لا مفر منه في ذلك الفيلق البشري الهائل المتمثل في البروليتاريا. ليس وجود تيارات ومجموعات محددة ودقيقة أمراً سيئاً؛ بل هو على العكس من ذلك علامة على حقبة متقدمة من العملية الثورية. ما يهم هو أن تعرف تلك المجموعات وتلك التيارات كيف تتفاهم في مواجهة الواقع الملموس اليومي. ألا تتخد طابعا أبديا بطريقة بيزنطية في عمليات نبذ متبادلة. ألا تُبعد ن الجماهير عن الثورة بمشهد الخلافات العقائدية بين دعاتها. ألا تستخدم أسلحتها أو تبدد وقتها في إيذاء بعضها البعض، بل في محاربة النظام الاجتماعي ومؤسساته وظلمه وجرائمه.

فلنحاول أن نشعر بكل مودة بالرابطة التاريخية التي توحدنا بجميع مناضلي الطليعة، جميع دعاة التجديد. إن الأمثلة التي تأتينا يومياً من الخارج لا حصر لها ورائعة. وأحدث هذه الأمثلة وأكثرها إثارة هو مثال جيرمين بيرتون. جيرمين بيرتون، مناضلة لاسلطوية، أطلقت النار بدقة من مسدسها على أحد منظمي و الإرهاب الأبيض والمحرضين عليه، انتقاماً لاغتيال الاشتراكي جان جوريس. إن العقول النبيلة والراقية والصادقة للثورة تدرك وتحترم، على هذا النحو، متجاوزة كل حاجز نظري، التضامن التاريخي لجهودها وأعمالها. إن امتياز عدم الفهم والأنانية العصبوية هو من نصيب العقول الصغيرة، التي تفتقر إلى الآفاق والأجنحة، والعقليات الدوغماتية التي تريد تجميد الحياة وتقييدها في صيغة جامدة.

ولحسن الحظ، فإن الجبهة العمالية الموحدة هي بيننا قرارا وتطلعا واضح للبروليتاريا. الجماهير تطالب بالوحدة. الجماهير تريد الإيمان. ولهذا، فإن روحها ترفض الصوت المدمر والمفكك والمتشائم لمن ينكرون ومن يشككون، وتبحث عن الصوت المتفائل والودود والشبابي والمثمر لمن يؤكدون ومن يؤمنون.

تاريخ الكتابة: 1924.

الطبعة الأولى: El Obrero Textíl، المجلد الخامس، العدد 59، ليما، 1 مايو 1924.

المصدر: خوسيه كارلوس مارياتيغي، تنظيم البروليتاريا، اللجنة السياسية للجنة المركزية للحزب الشيوعي البيروفي (محررون). ليما: دار النشر ”بانديرا روخا“، 1967.

أعد للنشر على الإنترنت: أرشيف الماركسيين على الإنترنت، 2000.

  مصدر : https://www.marxists.org/espanol/mariateg/1924/may/01.htm

نبدة عن حياة خوسيه كارلوس مارياتيغي

(1894-1930)

ولد خوسيه كارلوس مارياتيغي في موكيغا عام 1894. غادر والده المنزل وهو لا يزال طفلاً. غادرت والدته، ماريا أماليا لا شيرا باليخوس، موكيغا متجهةً أولاً إلى ليما، ثم انتقلت إلى هواتشو حيث كان لديها أقارب يمكنهم مساعدتها في إعالة أطفالها الثلاثة: خوسيه كارلوس، وشقيقه خوليو سيزار، وشقيقته غيليرمينا. في عام 1902، دخل خوسيه كارلوس المستشفى في ليما بسبب إصابة خطيرة في ساقه اليسرى، نتيجة سقوطه. كانت الآثار المترتبة على الإصابة خطيرة، وعلى الرغم من أربع سنوات من النقاهة، ظلت الساق المصابة هشة ولم يتمكن من مواصلة دراسته. كان لهذه الإصابة آثار طويلة المدى على صحته الهشة أصلاً.

في سن الرابعة عشرة، بدأ العمل ساعيا في صحيفة «لا برينسا»، حيث أصبح لاحقاً كاتباً. في عام 1916، ترك عمله الأول وانتقل إلى صحيفة «إل تيمبو» اليومية، التي كانت ميولها السياسية أكثر يسارية. بعد عامين، أطلق مجلته الخاصة، لكن مالكي «إل تيمبو» رفضوا طباعتها. فأنشأ بشكل مستقل صحيفته الخاصة، La Razón. ودعم فيها بشدة نضال الطلاب ضد الإصلاح الجامعي، ومطالب الحركة العمالية الشابة. وضع راديكاليته الشرسة الصحيفة في موقف حرج مع حكومة ليغيا، ويُروى أن خوسيه كارلوس مارياتيغي وُضع أمام خيار السفر إلى أوروبا أو الذهاب إلى السجن.

سواء كانت هذه الشائعة صحيحة أم لا، فقد سافر مارياتيغي فعلاً إلى أوروبا في عام 1920، وتجول لمدة عامين عبر فرنسا (حيث تعرف على هنري باربوس ومجموعة كلارتيه)، وألمانيا، والنمسا، وإيطاليا، حيث تزوج آنا تشيابي، التي أنجب معها العديد من الأطفال. كان موجودًا في إيطاليا عام 1920 أثناء احتلال مصانع تورينو، وفي يناير 1921 حضر مؤتمر ليفورنو للحزب الاشتراكي الإيطالي، حيث حدث الانشقاق التاريخي الذي أدى إلى تشكيل الحزب الشيوعي. عندما غادر البلاد عام 1922، كان موسوليني في طريقه للاستيلاء على السلطة.

في كتاباته في تلك الفترة، يلاحظ مارياتيغي أن الفاشية هي رد على أزمة اجتماعية عميقة، وأنها تعتمد على البرجوازية وعلى عبادة كبيرة للعنف. ووفقاً لتحليله، فإن الفاشية هي الثمن الذي تدفعه مجتمع في أزمة مقابل إخفاقات اليسار.

بعد عودته إلى بيرو عام 1923، بدأ في كتابة مقالات عن الوضع في أوروبا، ودراسة الوضع في بيرو من منظور الماركسية. كما اتصل بفيكتور راؤول هايا دي لا توري، زعيم التحالف الشعبي الثوري الأمريكي. في أكتوبر 1923، اضطر هايا دي لا توري إلى المنفى في مكسيكو، تاركًا مارياتيغي على رأس مجلة كلاريداد. سيُكرس العدد الخامس من هذه المجلة للينين (مارس 1924).

في عام 1924، اضطر مارياتيغي إلى بتر ساقه المصابة. وفي عام 1926، أسس صحيفة أماوتا لتوفير منبر للتعبير عن الاشتراكية والفن والثقافة في بيرو وجميع أنحاء أمريكا اللاتينية.

في عام 1928، بدأ في تأسيس الحزب الاشتراكي، الذي تم تشكيله أخيرًا في أكتوبر وأصبح هو أمينه العام (أصبح هذا الحزب لاحقًا الحزب الشيوعي في بيرو). كما نشر ”سبع مقالات لتفسير الواقع البيروفي“، حيث يدرس الوضع الاقتصادي والاجتماعي في بيرو من منظور ماركسي. يُعتبر هذا العمل أول وثيقة تحليلية للمجتمع اللاتيني الأمريكي. يبدأ الكتاب بالتاريخ الاقتصادي للبلاد، ثم يتابع بعرض ”المسألة الهندية“، التي يربطها مارياتيغي بـ”المسألة الزراعية“. وتُكرس الفصول الأخرى للتعليم والدين والإقليمية والمركزية، بالإضافة إلى الأدب.

في نفس الكتاب، ينتقد مارياتيغي الملاك العقاريين بسبب وضع البلد الاقتصادي وظروف المعيشة البائسة للسكان الأصليين في المنطقة. ويشير إلى أن بيرو لا تزال تحتفظ بالعديد من سمات المجتمعات الإقطاعية. ويدافع عن فكرة أن الانتقال إلى الاشتراكية يمكن أن يتم على غرار أشكال الجماعية التقليدية كما كان يمارسها الهنود.

في عام 1929، شارك مارياتيغي في تأسيس الاتحاد العام للعمال البيروفيين (CGTP).

توفي في 16 أبريل 1930، متأثراً بمضاعفات صحية مرتبطة بإصابة تعرض لها في شبابه.

 المصدر: https://www.marxists.org/francais/bios/mariategui.htm

شارك المقالة

اقرأ أيضا