قلة الأجور عند العمال تعني كثرة الأرباح عند الرأسمالييين
بقلم؛ سعيد الريشة
إلى ما انتهى “مسلسل الحوار الاجتماعي” في آخر دورة له شهر أبريل 2026؟ يختلف الجواب حسب موقع المجيب.
بالنسبة لحكومة الواجهة هذا هو الجواب: “تنعقد هذه الجولة في سياق يتميز بحصيلة غنية من المنجزات التي تحققت بفضل تضافر جهود كافة الشركاء المعنيين وانخراطهم الإيجابي في تفعيل مخرجات الاتفاقات الاجتماعية، وهو ما مكَّن من الرفع من دخل الشغيلة وتحسين قدرتهم الشرائية وتعزيز حمايتهم الاجتماعية”. ويسرد بلاغ هذه الحكومة أرقاما للدلالة على ما اعتبره تحسينا في دخل الشغيلة.
أما بالنسبة للطرف النقابي فله جواب آخر: اعتبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن جولة أبريل من الحوار الاجتماعي المركزي بين الحكومة وشركائها الاجتماعيين لم تأتِ بأي جديد ولم تقدم إجابات حقيقية عن الملفات الأساسية والحساسة التي طرحتها المركزيات النقابية على طاولة الحوار، وفي مقدمتها الزيادة في الأجور والمعاشات وتخفيف العبء الضريبي على الدخل، مؤكدةً أنه أمام هذه الجولة “الفارغة” فإن محطة فاتح ماي المقبل بداية لمسار احتجاجي جديد. [1].
ما الذي يفسر إذن هذا الاختلاف في التوصيف؟ إنه واقع يمد جذوره في أعماق المجتمع الرأسمالي: لا يمكن للأرباح أن تتنامى إلا بالضغط على الأجور.
تسرد الصحافة الاقتصادية- أو بالأحرى الرأسمالية إذ الصحافة العمالية بعيدة عن الاهتمام بهذا الموضوع- بحبور ما تحققه الشركات من أرباح ومكاسب، رغم سياق الأزمة الاقتصادية والسياق العالمي: “من المتوقع أن تحقق الشركات المدرجة في البورصة مستوى جديداً من الربحية. ووفقاً لتوقعات BMCE Capital Global Research، من المتوقع أن يصل صافي أرباحها الإجمالية إلى 41,2 مليار درهم مغربي في عام 2025، بزيادة كبيرة مقارنة بعام 2024، قبل أن ترتفع مرة أخرى إلى 44,4 مليار درهم مغربي في عام 2026”. [2]
يتناول هذا الجرد الشركات المدرجَة في البورصة لوحدها، وليس كل الشركات والمقاولات الرأسمالية المغربية. يبلغ إذن ربح هذه الشركات المدرجة في البورصة 41.2 مليار درهم سنة 2025، ومن المتوقَع أن ترتفع إلى 44.4 مليار درهم سنة 2026. هذه الحفنة من الشركات الرأسمالية تحقق إذن من الأرباح ما اعتبرته الحكومة في بلاغها تحسينا في وضع مئات آلاف شغيلة القطاع العام (الإدارة العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وقطاع التعليم والصحة)! إذ ورد في البلاغ: “لتبلغ بالتالي الكلفة المالية الإجمالية السنوية لكافة الأجراءات المتخذة لفائدة القطاع العام، بما فيها الإجراءات المتعلقة بمراجعة الضريبة على الدخل، ما يناهز 48.3 مليار درهم متم سنة 2026، وستصل إلى 49.7 مليار درهم سنة 2027”.
الحصيلة: لمئات الآلاف من شغيلة القطاع العام 48.3 مليار درهم سنة 2026، ومن المتوقع أن تبلغ 49.7 مليار رهم سنة 2027، وللشركات الرأسمالية المدرجة في البورصة صافي أرباح إجمالية بلغ 41.2 مليار درهم سنة 2025، ومن المتوقع أن يبلغ 44.4 مليار درهم!
ولنأخذ مثالا ملموسا أكثر. حسب بلاغ الحكومة بلغ تحسين دخل شغيلة قطاع الصحة 4 مليارات درهم. لنقارن هذا الرقم الهزيل مع مكاسب المصحات رأسمالية: “يُعد قطاع الصحة من بين أكثر القطاعات ديناميكية. ومن المتوقع أن يقفز حجم مبيعاته بنسبة +34% في عام 2025 (8,85 مليار درهم) وبنسبة +24,4% في عام 2026 (11 مليار درهم)” [3]. وإذا أخذنا كمثال مصحة رأسمالية واحدة، هي مصحة أكديتال الشهيرة، فإن الواقع يصبح أكثر دلالة: “ستستفيد شركة Akdital استفادة كاملة من استراتيجيتها التوسعية، مع نمو بنسبة 52,8% في صافي ربحها بعد الضرائب في عام 2025”. [4].
الحصيلة: لشغيلة الصحة 4 مليارات درهم ولرأسمالي المصحات الخاصة 8.85 مليار درهم!
أما القطاع الخاص، حيث النقابة أضعف وأهزل إن لم تكن منعدمة، فإن ما اعتبره بلاغ الحكومة تحسينا للدخل، فلا يعدو أن يكون مجرد كلام. تحدث البلاغ عن:
* الرفع من الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية (SMIG) بنسبة %20، حيث انتقل الأجر الشهري الصافي من 2828.71 درهم، قبل سنة 2021، إلى 3422.72 درهم ابتداء من فاتح يناير 2026، أي بزيادة شهرية تقدَّر بـ 594 درهم.
* كما تمت الزيادة في الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة الفلاحية (SMAG) بنسبة %25، حيث انتقل الأجر الشهري الصافي من 1994 درهم، قبل سنة 2021، إلى 2533، ابتدء من فاتح أبريل 2026، أي بزيادة شهرية تقدَّر بـ 539 درهم.
هذه الأرقام بدل أن تعبَّر عن “تحسين الدخل”، فإنها تبيِّن بجلاء حجم الكارثة الاجتماعية التي يرزح تحتها شغيلة القطاع الخاص، متمثِّلة في أجور بؤس: أجر شهري صافي في القطاع الفلاحي يبلغ 1994 درهم قبل 2021 ليبلغ 2533. وهذه الزيادة، حتى إن طُبقت فإن التضخم (الغلاء) وخوصصة الخدمات العمومية يقضمها ولا يترك منها شيئا للشغيل… لنتصور أسرة عمالية في قطاع الفلاحة تعيش بأجر صافي كان بالكاد يناهز 1994 درهم قبل 2021، وحاليا لن يتعدى 2500 درهم!
حتى هذه الزيادات تبقى كلاما في كلام، فالذي سيفرض على رأسماليي القطاع الخاص تنفيذ التزامات “الحوار الاجتماعي” ضعيف، إن لم يكن منعدما: القوة العمالية. إذا كانت الدولة ذاتها تتملص من تنفيذ التزامات “الحوار الاجتماعي” ما يستدعي تذمرا مستمرا من طرف القيادات النقابية، فما بال المرء في قطاع خاص حيث صحراء نقابية وقمع لأضعف جنين تنظيم نقابي. لهذا لم يتضمَّن بلاغ الحكومة أي رقم إجمالي بخصوص الزيادات المرتقبة في أجور شغيلة القطاع الخاص، كما هو شأن تلك المتعلقة بأجور شغيلة القطاع العام.
إن ما اعتبره محمد الحطاطي عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، مستعينا بالأرقام الرسمية: “ارتفاعاً في نسب النمو والمداخيل الضريبية، وانتعاشاً في قطاعات كالفلاحة والسياحة”، ليس سوى نتاجا لاستغلال الطبقة العاملة واعتصارها وتقليل أجورها لتنعكس على شكل أرباح للرأسماليين. هذا الاعتصار وذاك الاستغلال سماه محمد الحطاطي، بلباقة: “بفضل جهود الطبقة العاملة”، وأمِلَ القائد النقابي ما يلي: “مما يستوجب انعكاس ذلك على أوضاعهم الاجتماعية”، أي أوضاع الشغيلة الاجتماعية.
يبيِّن هذا مدى تغلغل الأيديولوجية الرأسمالية في أفئدة القادة النقابيين. فالقول بأن “ارتفاع نسب النمو وانتعاش القطاعات… يستوجب انعكاسا على الأوضاع الاجتماعية للشغيلة”، ليس إلا تكرارا، بلغة نقابية، لنظرية البنك الدولي المسماة: “نظرية الانسياب”. ومفادها تشجيع القطاع الخاص (الرأسماليين) وانتظار ثمار النمو التي ستنساب مع الزمن من أعلى (أي من الرأسماليين) إلى أسفل (أي إلى العمال). لكن كل نموٌّ في أرباح الرأسماليين إنما “يستوجب”، بالعكس، ضغطا على الأجور والحقوق الاجتماعية. فالربح هو نتاج فائض القيمة الذي يُنتجه الشغيلة، وهو بلغة بسيطة: العمل المجاني الذي يؤديه العمال لصالح الرأسمالي، جزء من يوم العمل الذي لا يتقاضى مقابله العمال أي درهم، بينما يشكل الأجر جزءا واحدا من يوم العمل ذاك. ذلك الجزء الذي يمنح للعمال إمكانية تجديد قوة عملهم (مأكل، ملبس، مسكن، تناسل…)، لكي يكون جاهزين للالتحاق بالاستغلال في اليوم الموالي، وفي نفس الوقت ولادة وتربية قوة العمل المستقبلية.
استبطان الأيديولوجية الرأسمالية من طرف القيادات النقابية هو أحد أسباب هذا الواقع. فالثقة في القوة العمالية هي الوحيدة القادرة على تحسين وضع الشغيلة في المجتمع الرأسمالي، واعتبار ذلك التحسين رافعة لإنماء القوة العمالية تلك للقضاء على كل استغلال. لكن للقيادات النقابية رأي آخر، إذ بدل الثقة في النضال والقوة العمالية، توجِّه أنظار الشغيلة إلى سبيل آخر: “الحوار الاجتماعي الجدي والممأسس” هو الضامن لـ”تحسين الدخل”، وهو ما صرح به محمد الحطاطي (كدش): “كان هذا اللقاء محط أنظار الطبقة العاملة وعموم الموظفين والأجراء، الذين انتظروا حلولاً ملموسة لملفاتهم العالقة”. وعندما يخيب أمل القيادة النقابية من “الحلول الملموسة للملفات العالقة”، تُهدد بـ”تفاقم الوضع الاجتماعي المثير للقلق” وتتوعد بـ”مسار احتجاجي جديد”، كما جاء في تصريح محمد الحطاطي. ولكن دون توفير شروط إنجاح هذا المسار الاحتجاجي، إذ كما العادة يُحصر تقريره وتنفيذه في الأجهزة التنفيذية: “سيتم عقد اجتماع للمكتب التنفيذي لتفعيل قرارات المجلس الوطني، وبحث كافة الصيغ النضالية المتاحة للدفاع عن حقوق ومطالب الشغيلة المغربية”، حسب تصريح محمد الحطاطي.
هكذا تكون نتيجة ذلك التهديد والوعيد خداع القاعدة العمالية وليس الضغط على الدولة والرأسماليين. وهي صيغة أخرى لتكريس الانتظارية في صفوف الشغيلة: انتظارية تجاه لقاءات “الحوارات الاجتماعية”، وانتظارية تجاه “مكتب تنفيذي” قد يعقد أو لا يعقد اجتماعا “لتفعيل قرارات المجلس الوطني”… خصوصا مع ربط الصيغ النضالية بكلمة “المتاحة”، فهذا يعني أن قيادة كدش، ومعها كل القيادا النقابية القائمة حاليا، لا تريد، إن لم تكن تتخوف من قتالية الطبقة العاملة، وتسعى إلى كبحها في “صيغ متاحة”، وهي بلغة الواقع: صيغ نضالية لا تهدد أرباح الرأسماليين.
فقط توحيد قوة الشغيلة من أسفل وإنماء نضاليتهم وديمقراطية أدوات نضالهم والقطع مع أوهام “الحوارات الاجتماعية الجدية والممأسسة”، وأوهام إمكانية التوفيق بين نمو الأرباح وتحسين دخل الشغيلة، هذا وحده هو ما سيمكِّن من تحسين أوضاع الشغيلة كسبيل للتحرر النهائي من الاستغلال الرأسمالي.
=================
[1]- مدار 24 (18-04-2026)، “الـ”سي دي تي”: جولة أبريل لم تأتِ بجديد وفاتح ماي محطة للاحتجاج”، https://madar21.com/421003.html.
[2]- Fatima Ezzahra Rachidi, (17-10-2025), «Entreprises cotées : plus de 40 MMDH de bénéfices attendus en 2025 (BKGR)», https://medias24.com/sujet/benefices-des-entreprises-en-2025-et-2026/.
[3]- Fatima Ezzahra Rachidi, (17-10-2025), «Entreprises cotées : plus de 40 MMDH de bénéfices attendus en 2025 (BKGR)», https://medias24.com/sujet/benefices-des-entreprises-en-2025-et-2026/.
[4]- نفسه.
اقرأ أيضا

