تفتيش الشغل بالمغرب: أداة لحماية العمال أم آلية لضبط الاستغلال؟
بقلم؛ المعطي
يُقدَّم جهاز تفتيش الشغل في المغرب رسميًا باعتباره آلية رقابية تهدف إلى ضمان احترام مقتضيات قانون الشغل، وحماية حقوق الأجراء. بيد أن الوقوف على واقع علاقات العمل اليومي، في ظل تفشي الهشاشة واتساع رقعة القطاع غير المهيكل، يثير سؤالاً جوهريًا: هل يقوم هذا الجهاز فعلاً بوظيفته المفترضة في الحماية، أم أنه يؤدي دورًا مختلفًا تمليه طبيعة الدولة وخياراتها الاقتصادية؟ تنطلق هذه الورقة من منظور ماركسي في تحليل موقع تفتيش الشغل داخل بنية الدولة، وفي سياق التحولات النيوليبرالية واندماج الاقتصاد المغربي في سلاسل القيمة العالمية.
تفتيش الشغل داخل دولة غير محايدة
إن الدولة ليست جهازًا محايدًا يقف على مسافة واحدة من جميع الفئات الاجتماعية، بل هي انعكاس لتوازن القوى بين الطبقات. وانطلاقًا من هذا التصور، لا يمكن النظر إلى تفتيش الشغل باعتباره هيئة تقنية صرفة، بل لا بد من فهمه كجزء من منظومة شاملة تسعى إلى تنظيم علاقات الاستغلال، ومنع تفجر الصراع الطبقي، وضمان استمرارية الإنتاج. فالدولة من خلال هذا الجهاز لا تحيد عن دورها التنظيمي لصالح الطبقة المهيمنة، بقدر ما تعيد إنتاج شروط الهيمنة ذاتها.
مع التحول نحو النموذج النيوليبرالي، طرأت تحولات جوهرية على وظيفة الدولة، إذ انتقلت من موقع الوسيط النسبي بين العمل ورأس المال إلى الضامن المباشر لشروط التراكم. وقد انعكس هذا التحول بوضوح على طبيعة أداء تفتيش الشغل، الذي أضحى يميل إلى تفضيل التسوية الودية على حساب الزجر، ويشجع الامتثال الطوعي بدل العقاب، ويتجنب اتخاذ إجراءات قد تعرقل مناخ الاستثمار. وخلاصة ذلك أن الجهاز شهد تراجعًا فعليًا في أدواره الرقابية لصالح صعوده كوسيط إداري يُخضع حقوق العمال لمنطق المرونة الإنتاجية.
الانتقائية وازدواجية سوق العمل
لا يمكن فهم بنية سوق الشغل بالمغرب خارج إطار ازدواجية بنيوية صارخة، حيث يتعايش قطاع مهيكل محدود الامتداد مع اقتصاد غير مهيكل واسع، يشكّل القاعدة الفعلية لإعادة إنتاج قوة العمل. فبحسب معطيات حديثة، يستوعب هذا القطاع غير المهيكل ما يقارب 40% من اليد العاملة، بل ويتجاوز نصف التشغيل في الحواضر الكبرى كـالدار البيضاء. غير أن هذا الثقل الاجتماعي لا يوازيه أي حضور مؤسساتي فعلي، بل على العكس، يُقابل بتهميش ممنهج في سياسات المراقبة والحماية[1].
في هذا السياق، لا يظهر جهاز تفتيش الشغل كأداة محايدة لتطبيق القانون، بل كآلية انتقائية تعمل ضمن منطق سياسي-اقتصادي يخدم توازنات محددة. فداخل القطاع المهيكل، تنحصر تدخلات المفتشين في زيارات متباعدة ومحدودة، تهم بالأساس المقاولات الكبرى المرتبطة بسلاسل الإنتاج العالمية، خصوصًا في قطاعات التصدير كصناعة السيارات والنسيج. هناك، يُفرض حد أدنى من الامتثال الشكلي: أجور مصرح بها، عقود مكتوبة، وانخراط في أنظمة الحماية الاجتماعية.
أما في القطاع غير المهيكل—الذي يضم ملايين العاملات والعمال في التجارة الصغيرة، العمل المنزلي، الحرف، والخدمات الهشة—فيكاد حضور جهاز التفتيش ينعدم. هذا الغياب ليس عرضيًا أو مرتبطًا فقط بنقص الموارد، بل يعكس توجّهًا واعيًا نحو ترك هذا الفضاء خارج أي تقنين فعلي، بما يضمن استمراره كخزان لليد العاملة الرخيصة والمرنة. وتشير تقارير حقوقية إلى أن نسبة ضئيلة جدًا من عمليات التفتيش تطال هذا القطاع، في مقابل تركيز واضح على ما يُعتبر “أهدافًا سهلة” أو أقل كلفة سياسية[2].
إن اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية في مواقع متدنية كالتجميع والصناعات الخفيفة والفلاحة التصديرية، يفرض ضغطًا دائمًا لتقليص كلفة العمل، والتنافس على أساس الأجور المتدنية، واعتماد مرونة تشغيل عالية. وفي هذا الإطار، يؤدي تفتيش الشغل دورًا محددًا يتلخص في ضمان استقرار الإنتاج دون المساس بكلفة العمل أو تعطيل وتيرته، مما يجعله في النهاية أداة لإدارة الهشاشة وليس لمواجهتها[3].
إننا هنا أمام تقسيم وظيفي داخل سوق الشغل: قطاع مهيكل يُستخدم كواجهة لجذب الاستثمار الأجنبي وضمان شروط الحد الأدنى من “الاستقرار الاجتماعي”، وقطاع غير مهيكل يُترك كليًا لمنطق السوق المتوحش، حيث تُستنزف قوة العمل دون أي حماية. هذا التقسيم لا يعكس فقط اختلالًا اقتصاديًا، بل يُترجم في العمق تمايزًا طبقيًا داخل الطبقة العاملة نفسها[4].
فبينما يحظى جزء من العمال بهوامش محدودة من الحقوق (أجر أدنى، وتعويضات، وتغطية اجتماعية)، تُدفع الغالبية—خصوصًا النساء، الشباب، والنازحين من البوادي—إلى شروط عمل قاسية: أجور هزيلة، وغياب تام للعقود، وانعدام أي حماية من الحوادث أو التعسف. هكذا، لا تُعاد فقط إنتاج الهشاشة، بل تُعمّق الفوارق داخل الطبقة العاملة، بما يضعف قدرتها على التنظيم والمواجهة الجماعية[5].
تترتب عن هذه البنية نتائج خطيرة: ضعف القدرة الشرائية، وتوسع الاقتصاد الموازي، واستفحال الإقصاء الاجتماعي، فضلًا عن دفع فئات واسعة من الشباب نحو الهجرة غير النظامية كأفق وحيد للخلاص. إنها حلقة مفرغة تُغذيها السياسات العمومية نفسها، بدل أن تسعى إلى كسرها.
إن تجاوز هذه الوضعية لا يمكن أن يتم عبر إجراءات تقنية معزولة، بل يقتضي إعادة توجيه جذري لدور تفتيش الشغل[6]. ويتطلب ذلك، كحد أدنى، تعميم المراقبة لتشمل فعليًا كل فضاءات العمل، وإدماج القطاع غير المهيكل ضمن منظومة الحقوق، لا كملحق ثانوي بل كجزء مركزي من الاقتصاد. كما يستدعي دعم أشكال التنظيم الذاتي للعمال، خاصة في القطاعات الهشة، وفرض تقنين فعلي يحد من منطق الاستغلال المفتوح.
بدون هذا التحول، سيظل سوق الشغل بالمغرب قائمًا على ازدواجية تخدم تراكم رأس المال على حساب تفكيك وحدة الطبقة العاملة، وتُبقي آفاق العدالة الاجتماعية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
لا يمكن النظر إلى القطاع غير المهيكل باعتباره مجرد فوضى اقتصادية أو خلل عارض، بل هو مكون بنيوي أساسي في بنية الاقتصاد الوطني، يقوم بتوفير يد عاملة رخيصة، وخفض كلفة الإنتاج، وضمان مرونة قصوى للمقاولات. وفي هذا السياق، فإن غياب التفتيش عن هذا القطاع ليس عجزًا تقنيًا، بل هو اختيار مقصود يخدم منطق التراكم ويحافظ على تنافسية النسيج الإنتاجي القائم على هشاشة العمل.
أمثلة ميدانية مغربية
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح من خلال عدد من القطاعات الحيوية. ففي معامل النسيج بطنجة والدار البيضاء، تُسجل ساعات عمل طويلة تتجاوز الحدود القانونية، إلى جانب ضعف التصريح بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يتدخل التفتيش غالبًا إلا بعد شكايات فردية، لينتهي الأمر بتسويات ودية خالية من الزجر الحقيقي، مما يكشف عن أولوية حماية استمرارية الإنتاج الموجه للتصدير على حماية العاملات.
وفي الضيعات الفلاحية بسوس-ماسة، حيث يشاع التشغيل الموسمي غير المصرح به ونقل العمال في ظروف غير آمنة، يبقى تطبيق شروط السلامة ضعيفًا. وعند وقوع الحوادث، يظل التدخل الإداري محدودًا دون مساءلة صارمة للمشغلين، وهو ما يهدف إلى تأمين سلاسل التصدير الفلاحي بأقل كلفة ممكنة.
أما في قطاع البناء بالدار البيضاء وضواحيها، فينتشر العمل بدون عقود وتغيب وسائل السلامة، مما يؤدي إلى ارتفاع حوادث الشغل القاتلة. ويكون حضور التفتيش ضعيفًا في الأوراش الصغيرة والمتوسطة، وغالبًا ما يأتي بعد وقوع الحوادث لا قبلها، لتصبح الرقابة هنا لاحقة للكارثة وليست وقائية منها.
وفي قطاع العمل المنزلي، يبلغ الغياب شبه الكلي للتفتيش مداه الأقصى، إذ يصعب الولوج إلى أماكن العمل الخاصة، مما يترك عاملات البيوت في هشاشة قصوى من حيث الأجور الضعيفة وساعات العمل الطويلة وسوء المعاملة أحيانًا، ليظل هذا القطاع بأكمله خارج أي رقابة فعلية رغم وجود قانون ينظمه.
كذلك الحال في قطاع التجارة والخدمات الصغيرة كالأسواق والمقاهي، حيث ينتشر التشغيل غير المصرح به والأجور التي تقل عن الحد الأدنى مع غياب أيام الراحة. ونادرًا ما يتدخل التفتيش، أو يمر بشكل شكلي لا يغير من واقع الهشاشة، وهو ما يعكس تسامحًا بنيويًا مع اللاشرعية لضمان دوران الاقتصاد اليومي.
نتائج هذا الوضع على الطبقة العاملة
تُخلف هذه الممارسات الميدانية آثارًا عميقة على الطبقة العاملة، تتجلى في انتشار العمل الهش، وضعف الحماية القانونية، وارتفاع حوادث الشغل، وتفكك التضامن العمالي، وإضعاف التنظيم النقابي، مما يعمق من حالة التشرذم ويفرغ العمل الجماعي من فاعليته.
ما سبق يؤكد أن الإشكال المرتبط بتفتيش الشغل ليس تقنيًا فقط، ولا يرجع إلى نقص الموارد البشرية أو المادية بالدرجة الأولى، بل هو إشكال سياسي بامتياز مرتبط بطبيعة الدولة وخياراتها الاقتصادية الكبرى. ومن ثم يطرح السؤال المركزي: هل نكتفي بمطالبة إصلاح الجهاز، أم لا بد من إعادة طرح وظيفته ودوره في إطار استراتيجية أوسع؟
آفاق النضال والتغيير
إن تغيير هذا الواقع يستدعي مقاربة نضالية متعددة المستويات، تبدأ بتقوية التفتيش عبر منحه صلاحيات زجرية حقيقية، وتوفير موارد بشرية كافية، وضمان استقلاليته عن الضغط السياسي. كما يستدعي ربطه بالرقابة العمالية من خلال إشراك ممثلي العمال وتقوية اللجان داخل أماكن العمل. ولا يمكن إغفال ضرورة إدماج القطاع غير المهيكل في نطاق الرقابة، بفرض الحد الأدنى من الحقوق وتعيم الحماية الاجتماعية. وكل هذه الإجراءات تظل رهينة بإعادة بناء القوة النقابية، وتوحيد النضالات، وتجاوز منطق الفردنة، والربط بين المطالب الاقتصادية والرهان السياسي الأوسع.
**************************
[1] https://www.albankaldawli.org/ar/country/morocco/publication/labor-market-in-morocco-challenges-and- opportunities
[2] https://snrtnews.com/article/توصيات-لمحاربة-القطاع-غير-المهيكل
[3] https://lakome2.com/decryptage/375212/
[4] مغرس : القطاع غير المهيكل يضيع على الدولة 40 مليار درهم سنويا يشتغل فيه 2.4 مليون شخص
[5] https://www.cese.ma/media/2020/11/Rapport-Sous-traitance-VA-1.pdf
[6] مغرس : القطاع غير المهيكل يضيع على الدولة 40 مليار درهم سنويا يشتغل فيه 2.4 مليون شخص
اقرأ أيضا

