حوار مع “كميل داغر” شاعرا ومترجما ومفكرا

حاوره في لبنان: كارم يحيى 

يتجنب “كميل قيصر داغر” ( مواليد 1945) أن يطلق عليه “المفكر”، ويتمسك بـ “الكاتب والمحامي”. وهذا على الرغم من كونه أبرز منظري اليسار الجديد “اللاستاليني” في عالمنا العربي، ولديه من الكتابات والإسهامات الفكرية النظرية ما يفوق عددا وأهمية وثراء وإثارة للنقاش العديد ممن يتفاخرون بأنهم “مفكرون عرب”. 

ولا يعتبر في هذا الحوار النادر، لأنه قليل التصريح للصحافة والتعامل مع الصحفيين، كونه مترجما محترفا. وهذا على وفرة ما قدمه من  كتب مترجمة على مدى مايزيد على الثلاثين عاما، وبين 1974 و 2005. وكذا لأهمية الأعمال الفكرية السياسية والأدبية وفي النقد الفني وسير الفنانين العالميين التي ترجمها للمكتبة العربية، و منذ  كتاب “الماركسية والعالم الإسلامي” لمكسيم رودنسون وحتى كتاب “”مرايا الهوية: الأدب المسكون بالفلسفة” لجان فرانسوا ماركيه. 

 وهل بالإمكان نسيان ترجمته المبدعة لثلاثية أو سفر “إسحق دويتشر” عن “تروتسكي”، والمنشورة بين 1981 و 1983؟، أو مقدماته التحليلية المثيرة للنقاش لترجمات كتب ستظل بمثابة علامات عند  التأريخ للإطلالات باللغة العربية على جديد الفكر اليساري والثوري، وعالم النقد الأدبي والفني الحديث. 

 كما لا يقدم نفسه للآخرين شاعرا، مع أنه لم يتوقف عن قرض الشعر، وخوض غمار تجارب إبداعية لتطوير القصيدة العربية، منذ ديوانه الأول ” الرحيل وألحان جنائزية” الصادر في بيروت 1965، وحتى بعد آخر دواوينه المنشورة “كان بستان يسمى الشمس” العام 1994. 

 هذا الرجل، الذي شارف على عامه الثمانين، بدا عندما التقيته مرات في بيروت بين ديسمبر/ كانون الأول 2023 و فبراير/ شباط 2024  ثم حاورته لساعات بداية الشهر التالي مارس/آذار بمنزله قرب مدينة “جبيل”، و كأنه اعتاد التواضع وإنكار الذات. قليل الكلام حتى في لحظات الصفاء والدفء الإنساني. وهكذا كان عندما اصطحبني إلى جولة على ساحل “جبيل”، وفي شوارع المدينة. وحينها بدا في صمته وتأمله عميقا بلا صخب. وكحال البحر الذي استقبلنا هادئا يهز مراكب الصيد فوق مياهه في رفق، وإن ينبئ بمفاجآت في الأفق.

وجاء هذا الحوار بعدما قطعت حرب الإبادة على غزة ومقاومتها أشواطا تكفي لأن تنبئ بتغيرات إقليمية وعالمية آتية لا ريب فيها، وإن مازال من الصعب تحديد: كيف ستكون؟.

في أحاديثنا خارج هذا الحوار الصحفي تتبدى مرارة جراء ما انتهت إليه انتفاضة الشباب اللبناني تشرين أول / أكتوبر 2021. لكن إنسانا مثقفا بهذه الصلابة وبعد النظر لا يعتنق اليأس. ولا يتمكن منه على الرغم من تدهور أحوال لبنان على مستويات عديدة. 

* برجاء إعطاء فكرة، ولو بشكل موجز، عن مصادر ومؤثرات تكوينك الثقافي الفكري والأحداث والشخصيات التي أسهمت في هذا التكوين في سنوات الطفولة والصبا والشباب؟

ـ أمضيت الفترة الأولى من حياتي بالريف اللبناني في بلدة “تنورين”، و”دوما” المجاورة لها. وهذا حتى نهاية العام 1958. والدي كان متأثرا بالقضية العربية وبقربه من نسيبه وصديقه “أسعد داغر”، الذي أخذ الجنسية المصرية منذ بداية العشرينيات، وكان على علاقة وثيقة بالحركة العروبية المعادية للاحتلال العثماني، ثم فيما بعد للاحتلالين الفرنسي والبريطاني، وعمل مسؤولا للشئون الدولية بصحيفة “الأهرام” في الثلاثينيات والأربعينيات على ما أعتقد. وفي عام 1953 أنشأ جريدته الخاصة ” القاهرة”، التي ظلت تصدر حتى وفاته بمصر العام 1958(*).

* هل رأيت “أسعد داغر” وتفاعلت معه؟.

ـ كنت طفلا وقتها، وأتذكر أنه كل ثلاث أو أربع سنوات كان يأتي إلى “تنورين” ويقضى شهرين في الصيف. وكان والدي يصطحبني إليه. كما أتذكر أنه طلب مني ومن أخي الراحل “منذر”، الأكبر مني بثلاث سنوات، زيارته من وقت لآخر، فيتكلم معنا على القضية الفلسطينية، وبشكل خاص اعتباراً من العام 1955، يعني مع بداية سنوات المراهقة.

أما والدي فإلى جانب عروبيته، كان على علاقة ما بالحركة الشيوعية. وهو ما أدركته بعد وفاته (العام 1963)، من خلال الجمع بين أكثر من معطىً لم أكن اهتم به من قبل، ومن ذلك الصداقة القوية التي  جمعته بطبيب من بلدة “كفرحلدا” اسمه “رشيد معتوق”. وكان واحداً من أنصع من مارسوا مهنة شفاء الناس، وأكثرهم بذلاً وتضحية، كما كان مناضلاً في حركة السلام العالمي. فضلاً عن لقائه أكثر من مرة بالقيادي الشيوعي اللبناني “فرج الله الحلو”. 

وبعد أيام من رحيل أبي عثرت بين كتبه على “البيان الشيوعي” مترجماً للغة العربية. وجدته في حقيبة حديدية كبيرة بالمنزل كان يضع فيها أشياءه الثمينة، وكتبه الأكثر ندرة، وكتاباته الخاصة به. وهذا الاكتشاف أظن أني تأثرت به جداً. كان “البيان الشيوعي” أول كتابٍ مؤسِّسٍ في الماركسية أطَّلع عليه.

* لو تتحدث عن المدارس التي تعلمت بها؟

ـ تعلمت في مدارس متنوعة، من بينها “الإخوة المريميون” “بجبيل” بين العامين 60 و1961. قضيت هناك عامين، وكانت المدرسة تابعة لإرسالية فرنسية. وقبل ذلك في “معهد الرسل”، في “جونية”. لكن في أغلب سنوات الدراسة ما قبل الجامعية، تعلمت في مدارس رسمية، ثم التحقت بالجامعة اللبنانية بين العامين 64 و1969، حيث تعلمت الحقوق والأدب العربي، واخذت إجازتين فيهما في السنوات ذاتها، لأعود واحصل بعد ذلك دبلومين في الحق العام والحق الخاص، في الجامعة عينها.

* خلال سنوات الجامعة، ماهي أبرز المؤثرات في تكوينك الثقافي والسياسي؟

ـ كان تأثير حرب 1967 كبيرا. هي لعبت دورا مهما في توجهي الفكري والسياسي. قبلها لم يكن لدي موقف أو توجه محدد، وإن كنت تأثرت كثيراً بقراءة “البيان الشيوعي”، كما سبق وأشرت.

 في ذلك العام ، حدثت أمور أظنها طبعت حياتي على نحو أكبر: الهزيمة المنكرة للأنظمة العربية أمام إسرائيل، ثم مصرع “جيفارا”، في خريف ذلك العام. وهو ماجعلني أقرأ كتاباته، والكثير مما  كُتب عنه.

ثم بدأت المقاومة الفلسطينية في الظهور بلبنان. ومنذ العام 1968، بدأت الاهتمام بالمنظمات الفلسطينية التي كانت هنا، مع التشديد على خيار المقاومة الشعبية. وتعمقت علاقاتي بهذه المقاومة، وسافرت إلى الأردن، مراراً، للتعرف إليها، عن كثب، وإنْ في أسفار قصيرة. وكان هذا قبل مذبحة “أيلول”/ سبتمبر 1970. وكنا، في الجامعة، كما خارجها، نساهم في معظم المظاهرات، دفاعا عن الوجود المسلح للمقاومة الفلسطينية في لبنان.

ومن المهم أن أورد أنه خلال تلك المرحلة من التكوين السياسي والفكري، حدث تحرك بالغ الأهمية في الجامعة اللبنانية، وتحديدا بين نهاية العام 68 وبداية العام 1969، عندما قامت إسرائيل بقصف مطار بيروت الدولي ودمرت الأسطول الجوي المدني اللبناني (28 ديسمبر/ كانون الاول 1968). وقتها عملنا إضراب جوع ضد بقاء حكومة “رشيد كرامي”، مقره كلية التربية بالجامعة اللبنانية. وشارك في هذا الإضراب حوالي الـ 200 من طلابها، ودام ثلاثة أو أربعة أيام، لتنعقد بعد ذلك جمعية عامة قررت وقف إضراب الجوع. ولكني رفضت ذلك القرار آنذاك بشكل منفرد، وأوضحت الأسباب الموجبة، داعياً من يتضامن مع موقفي هذا للحاق بي إلى إحدى غرف الكلية العلوية، حيث بقيت مضرباً مع ستة طلاب آخرين، وذلك لمدة ستة أو سبعة أيام أخرى. 

وفي اليوم الأخير، جرى نقلي إلى المستشفى، فتوقف الإضراب على الفور. علماً بأن تلك الايام القليلة شهدت مجيء عدد لا بأس به من الرموز السياسية الهامة في تلك الفترة، لمحاورتنا، ومن بينهم بوجه خاص القيادي الاشتراكي الراحل، “كمال جنبلاط”. وأذكر أني قلت له آنذاك إن الشكل الوحيد المناسب للتضامن مع تحركنا، وللارتقاء الى مستوى المهام التي يتطلبها الرد على العدوان الصهيوني، يتمثل في إعلان الاستقالة من المجلس النيابي. وهو الأمر الذي اعتبره قصوياً (متطرفا) وعديم الفائدة.

لكن هذا الحراك أسهم، مع غيره من النشاطات الاعتراضية والتعبوية، في إطلاق تحركات شتى على الصعيد الطلابي أدت إلى مظاهرات لاحقة. وكان أهمها تلك التي لعب دوراً أساسياً في انطلاقها الصدام العسكري مع المقاومة الفلسطينية، وتمت في 23 نيسان (أبريل) 1969، “بمحلة البربير” في بيروت، تلك الساحة التي بقيت سنواتٍ طوالاً تعرف “بساحة 23 نيسان” (أبريل).

 ولن أنسى يوماً مشهد مسلحي السلطة يطلقون النار مباشرة على الرؤوس، آنذاك، ودماغ أحد الشهيدين الشماليين، “صفوان دندشي” (من بلدة مشتى حمود في عكار) و”أحمد ولي الدين” (طرابلس)، اللذين قضيا آنذاك برصاص قوى القمع، يسقط بكامله على الأرض على بعد سنتيمترات قليلة مني. كان ذلك أحد اكثر المشاهد هولاً في حياتي!

  وأسفرت تلك التظاهرة عن استقالة حكومة “رشيد كرامي”، وبقاء لبنان بدون حكومة رسمية عدة أشهر، وإلى حين توقيع “اتفاقية القاهرة” في خريف ذلك العام، التي أتاحت للمقاومة الفلسطينية العمل ضد الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية. كما أدت أيضاً إلى تجذير الحركة الطلابية اجتماعياً، وعلى مستوى القضية الوطنية.

* لو تتذكر أهم  الكتب التي قرأت وأثرت في تكوينك خلال سنوات الجامعة؟.

ـ في هذه السنوات وبعدها مباشرة، قرأت كتابات شتى، بخصوص حركات التحرر الوطني، والثورات الاجتماعية، والنظرية الماركسية. وتوقفتُ باهتمام بوجه خاص، في معرض الإطلاع عليها، عند ذلك الجزء منها الذي يتعلق بجناح هام في الماركسية كانت تعتبره الأوساط المرتبطة بموسكو والبيروقراطية السوفييتية خارجاً على الأيديولوجية التي تتبناها. هكذا بدأت اهتم بكتابات “تروتسكي”، وغيره ممن أسهموا في تأسيس “الأممية الرابعة”، أو التحقوا بها بعد تأسيسها. وهذا الإطلاع بدأ من العام 1969 واستمر بعدها.

قرأت حينها وبالأساس “الثورة الدائمة” و”الثورة المغدورة” لتروتسكي. وفيما بعد قرأت “لإسحق دويتشر” و”إرنست ماندل”، وما أوضحاه، بوجه خاص، بشأن أفكار “تروتسكي” و دوره الحاسم في انتصار ثورة اكتوبر. وتحديدا “تروتسكي، الذي  كتب “ستالين”عنه بالذات، في جريدة البلاشفة المركزية “البرافدا”، في السابع من شهر نوفمبر 1918، أن “جميع أعمال التنظيم العملي للانتفاضة تمت تحت القيادة المباشرة لرئيس سوفييت بتروغراد، الرفيق تروتسكي .. ويمكن للمرء أن يقول على وجه اليقين إن الحزب يدين أساسا وقبل كل شيء للرفيق تروتسكي في الانتقال السريع للحامية (حامية بتروغراد العسكرية) إلى جانب السوفييت ، والتنفيذ البارع لعمل اللجنة العسكرية الثورية”. 

وانطلاقاً من السبعينيات، اخذت أقرأ في كل الفكر الماركسي غير المتأثر بالانحرافات الانتهازية التي شهدها بعد تحول الأممية الثانية، ومن بعدها الأممية الثالثة، إلى مواقع الثورة المضادة. ولا سيما لكل من”جرامشي” و “روزا لوكسمبورج”،  و”جورج لوكاش”، وآخرين، بالفرنسية والعربية.

* وهل قرأت “لماو” وفي “الماوية”؟

ـ أكيد قرأت “لماو”، لكن في تلك السنوات سرعان ماعلمنا بمجازر “الثورة الثقافية” ( 1966). وعلى ضوء هذا، وصلت إلى انطباع بأن “ماو” كان بدوره ستالينياً، ولا يختلف عن البيروقراطية السوفييتية اختلافاً جذريا. ولذا ابتعدت عن “الماوية” تماماً، مثل ابتعادي عن الستالينية، واتبعت الخط الذي اعتبرته ثورياً، وانتسبت – بعد تجربة قصيرة نسبياً في تنظيم وسطي هو “منظمة العمل الشيوعي”، إلى “الأممية الرابعة”، وتنظيمها في لبنان.

  وفي أوائل السبعينيات، كنت التحقت، مع آخرين،بـ”منظمة العمل الشيوعي”. ولكن كنا على خلاف دائم مع خط قيادتها، فقدمنا مراراً، في الخلية التي انتميت إليها، نصوصاً مناهضة للخط السياسي للمنظمة. وكان آخر نص كتبته في هذا السياق بين العامين 73 و1974، عندما طرحت “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” مسألة السلطة الوطنية والقبول، عملياً، بقرار التقسيم (الصادر من الأمم المتحدة العام 1947)، والتحقت قيادة منظمة العمل بذلك الموقف.

وقتها، كتبت للنشرة الداخلية للمنظمة نصاً – وافقت عليه خليتي بالإجماع – ضد تبني القيادة طرح “الجبهة الديمقراطية” هذا، الذي يعتنق إقامة سلطة وصفت “بالوطنية”، على أي قطعة من أرض فلسطين “يتم تحريرها”، بحسب القرار الذي قضى بذلك. لكن هذا النص وغيره من نصوص تنتقد خط قيادة “منظمة العمل الشيوعي” لم تجد طريقها للنشر في منشورات “المنظمة” الداخلية.

 وفي الواقع، ومن جانبنا، كنا نرى أن الحل الوحيد الذي ينسجم مع مصالح الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية، كان يقضي، كما دائماً، بتحرير فلسطين، أولاً، وضمن برنامج يتضمن إنشاء دولة تضم اليهود وكل من يريد من الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة وخارجها في الشتات، دولةٍ ديمقراطية ثورية على كامل أرض فلسطين، دولة علمانية لاعلاقة لها بأي دين. 

وماحدث أن قيادة المنظمة أرسلت إلى خليتنا للنقاش عضوين بالمكتب السياسي، من أجل إقناعنا بالتخلي عن هذا النص. وانتهى الحال إلى أنهما لم يستطيعا إقناعنا، وصوتت الخلية في حضورهما على تبني هذا النص، ورفض وجهة نظر القيادة المشار إليها. وحينها، وعلى الفور، قام أحد العضوين الموفدين إلينا، وبعد نقاش دام من السابعة مساء، حتى ساعة متأخرة من الليل، بإخراج ورقة صغيرة من جيبه، وقرأ مضمونها، وكان ينص على قرار فصلي من المنظمة. 

وفي أواخر العام1977 ، وبعد سنوات على فشل تجربتي في المنظمة هذه، انتسبت “للتجمع الشيوعي الثوري”، كفرع للأممية الرابعة في لبنان. 

وأود أن أذكر أنني في الوقت عينه الذي اهتممت فيه بالقراءات النظرية والسياسية، وبالنشاط التنظيمي، كنت، منذ أوائل الستينيات، قد بدأت الاهتمام بكتابة الشعر وقراءة الأدب. ومنذ أواسط السبعينيات، رحت أترجم كتبا  سياسية ونظرية، وأخرى أدبية.

وبصفة عامة، أسهم تميز لبنان أواخر الستينيات، ومن ثم السبعينيات، بالدفاع عن المقاومة الفلسطينية،مع الصعود المتنامي للاحتجاجات الاجتماعية وبدء الحرب الأهلية، في تعاظم وعيي الفكري واهتماماتي الثقافية، والسياسية ايضاً. وبخاصة أنني أصبت في مطلع تلك الحرب، وبالتحديد في 26 ايار 1975، إصابة بليغة كادت تودي بي. ومع أنني لم أكن في أي من الأوقات منخرطاً في الأعمال القتالية. 

والحالة الوحيدة التي شهدت إسهاماً، من جانبي، ولو محدودا، في تلك الأعمال، اقتصر على مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في صيف العام 1982. فخلال تلك الفترة، كنا، كمجموعة ماركسية ثورية متواضعة، من حيث العدد، موجودين في بيروت، بالذات وبصورة محدودة جداً، في منطقة (الشحار الغربي-عاليه)، وذلك في وضع المقاومة القتالية للاجتياح، ومن بعده الاحتلال. وبالطبع، فكل هذه الأمور كانت جزءاً لا يتجزأ من تجربتي، وانعكست على كتاباتي وترجماتي، أيضاً.

* وبالنسبة لبدايات قراءاتك في الأدب؟.

ـ قرأت كتبا لأدباء سوفييتيين وروس. وهذا النوع من القراءات بدأ منذ المرحلة المتوسطة (الإعدادية) فالثانوية. قرأت أعمالاً مثل “الأم” لجوركي، وأكثر من رواية “لدوستويفسكي” و”تولستوي”. كما قرأت لأدباء فرنسيين في الوقت نفسه، مثل “هوجو” و”لامارتين” وغيرهما.

وهذه القراءات كان لها بالتأكيد تأثيرها الكبير. ولاأنسى أن قراءة “جبران خليل جبران” كان لها تأثيرٌ جديٌّ عندي منذ التاسعة والعاشرة من عمري. وكانت كل كتبه في مكتبة والدي. وما شدني إلى “جبران” هو تمرده ، وبخاصة على رجال الدين والكنيسة.

والآن أستطيع القول بأن الكتابات الأدبية من روايات وقصائد التي قرأتها في سنوات المراهقة لعبت دورا كبيرا وأساسيا في توجيهي  سياسيا فيما بعد. وعلى سبيل المثال، أذكر هنا كتابات “جبران” المتمردة على الواقع الاجتماعي والطبقي، بلبنان، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فضلاً عن كتابات “فكتور هوجو”، و”مكسيم جوركي”، و”تولستوي”.

* أعتقد أن بدايات علاقتك بالكتابة والنشر في  كتب كانت مع الشعر. وكان الديوان الأول المنشور لك، في العام 1965 – ومعظم قصائده مكتوبة في سن المراهقة –  بعنوان “الرحيل وألحان جنائزية”، وصدر من “دار مكتبة الحياة ” في بيروت. ثم توالت الدواوين خلال عقد السبعينيات مثل: “لحظات في الجهة غير المرئية من الحبيبة”، من “مطبعة الرأي الجديد”، في بيروت أيضاً ( 1972)، و”احمرار على حجر أسود” من “دار العودة” ( 1977). ثم نهاية بديوان “كان بستان يسمى الشمس”، العام 1994، من “دار الآداب” البيروتية. .. أظن هذا جانب شبه مجهول عن مفكر وكاتب ومترجم يساري، وإن كانت معروفة عنه ترجماته لشعراء عالميين كـ” بودلير” و”جارسيا لوركا” و”أدرجار ألان بو” و” طاغور” وآخرين، وللكتابات النقدية الأوروبية عن شعرهم. .. فما الذي تراه من صلة بين الشعر والإبداع الأدبي بالفكر والثقافة، وعلى نحو أخص الثقافة السياسية؟.

ـ أود ان أذكر هنا كتابي عن “أندريه بروتون” ودوره في إنتاج النظرية عن السوريالية، مع قسم في الكتاب جرى تخصيصه للسوريالة العربية. ويتضمن الكتاب ايضاً ترجمات لمقاطع من أعماله وأشعاره، ولا سيما كتاباته بعد لقائه “بتروتسكي” في المكسيك في العام1938 . (والكتاب بعنوان: أندريه بروتون شاعر الحرية والحب والحلم، وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، في العام 1979). وفي هذا الكتاب أيضا ترجمت نصاً كتبه “تروتسكي” عن الحرية في الأدب، وجرى نشره باسم الشاعر الفرنسي “بروتون” والفنان التشكيلي المكسيكي “دييجو ريفيرا”. وهو نص ضد مفاهيم “الواقعية الاشتراكية”، بمقاييسها الستالينية، ويدعو لحرية الأدباء والكتاب.

وفي الواقع، فمع أنه ليس من المطلوب ان يكون الشعر، بخاصة، والأدب بوجه عام، متلازماً بشكل وثيق مع السياسة، فهذا لا ينفي على الإطلاق الدور الهام الذي قد يضطلع به أحياناً، على هذا الصعيد. وهو ما يمكن رؤيته، في حالة مجموعتي الشعرية بعنوان “احمرار على حجر أسود”.

* ماهي تجربتك في نشر الشعر بالصحف اللبنانية، خصوصا أن بعض أشعارك وقصائدك لاتخلو من جرأة في تناول “تابوهات” شرقية بالنسبة للمرأة وغيرها؟.

ـ لم أواجه مشكلات في نشر الشعر، والكتابات الادبية الأخرى. فهنا كانت ولا تزال لدينا حرية تعبير ونشر. وإن كان هامش الحريات، تقلص ولو نسبياً، خلال هيمنة النظام السوري على لبنان، إبان الحرب الأهلية، ومن ثم حتى زوالها في العام 2005، ولا سيما بخصوص الكتابات السياسية. 

* هل توقفت عن كتابة الشعر؟

ـ لم أتوقف عن كتابة الشعر حتى اليوم. لكنني توقفت عن نشره في الصحافة والمجلات و الكتب. وبين حين وآخر، أنشر بعض القصائد على صفحتي بمواقع التواصل الاجتماعي.

* ربما يعكس ديوانك الأول ” الرحيل وألحان جنائزية” أو يوحي بنوع من العزلة الاجتماعية والوجودية، ولاينبئ بما أصبحت معروفاً به، كفاعل في مجال الثقافة الاجتماعية السياسية.. مارأيك؟

ـ كان هذا الديوان الأول تحت تأثير رحيل والدي، في العام 1963. وعنوان الديوان يعبر عن هذا. والديوان يتضمن قصائد كتبتها من سن الخامسة عشرة إلى سن العشرين. وهذه مرحلة من المراهقة تحمل تأثيرات عميقة للمشاعر الرومانسية.

* هل تحب أشعارك القديمة؟

ـ كنت أتمنى ألا تنشر كل قصائد ديواني الأول. لكنني راضٍ عن أغلب قصائد هذا الديوان، وماتلاه. والشيء الذي تقوله عن انعكاس العزلة الاجتماعية في هذه القصائد صحيح إلى حد ما. ولكن منذ بدأت ممارسة النضال المباشر بعد 1967، بتأثير من هزيمة الأنظمة العربية ومصرع “جيفارا”، واكتشاف أفكاره حول الكفاح المسلح، وعدائه للبيروقراطية السوفييتية، وابتعاده عن خيارات رفيقه “كاسترو” بانشاء علاقة خاصة مع موسكو، خرجت من حالة العزلة الاجتماعية والوجودية هذه، إلى الاهتمام الفعلي بما يحدث ليس فقط في لبنان، بل ايضاً على المستويين العربي والعالمي.

* وهل عاد هذا لينعكس في أشعارك؟

ـ نعم.. ولاسيما في ديوان “احمرار على حجر أسود”، كما أسلفت. وهو يحمل إشارات تجاه الثورة في المنطقة العربية، والعالم.
ـــــــــــــــــــــــ—————
حاوره في لبنان: كارم يحيى 
(ينشر بترتيب خاص مع “الحوار المتمدن” وبإذن من الأستاذ كارم يحيى)

(*) هو أسعد مفلح داغر، مولد “بتنورين” لبنان العام 1893 ومتوفي بالقاهرة 1958. صدر كتابه “مذكراتي على هامش القضية العربية” من القاهرة العام 1959، و له طبعة حديث صدرت من بيروت في العام 2022، وبتحقيق ومقدمة المؤرخ الدكتور “خالد زيادة”.

(**) هذا الحوار جاء خلال إعداد الصحفي المصري المحاور لكتاب يضم مجموعة مقابلات متنوعة مع علامات في الثقافة بلبنان وتونس معا بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مستلهما خبرة إقامته وتردده على البلدين.

في الجزء الثاني من الحوار مع الشاعر و المفكر والمترجم اللبناني “كميل داغر”، يجيب عن أسئلة تتعلق بتقييمه لحركة نشر الكتاب والترجمة ولأحوال الثقافة والمثقفين في بيروت، وأبرز ما لحق بها من تغييرات على مدى نحو نصف القرن. وأيضا يتحدث عن علاقته بالترجمة، و سياقاختيار ونشر أهم ما أنجزه من ترجمات للمكتبة العربية.

 كما يتطرق هذا الجزء من الحوار إلى كتبه وكتاباته الأخيرة، ومشروعاته على صعيد الكتابة الفكرية والنشاط السياسي التنظيمي، الذي يقول بأنه مازال متواصلا، ولآرائه في الحالة الطائفية ببلده لبنان، وكذا بشأن الانتفاضات والثورات العربية منذ العام 2010.

 كيف ترى الآن موقع لبنان،على صعيدي الترجمة والنشر، ولا سيما بعدما ظهرت مراكز للترجمة في الكويت ثم قطر وفي المغرب وتونس على نحو خاص؟.

ـ في العقدين الأخيرين، حدث تراجع في لبنان على صعيد النشر. والحقيقة أن هذا التراجع ظهر في شتى المجالات، وليس الترجمة وحدها. وهذا له بعده العالمي، لأن وسائل الاتصال الحديثة أدت إلى تراجع أهمية الكتاب الورقي إلى حد كبير لصالح الكتابة الإلكتروني.، ولكن ربما ايضاً بسبب التراجع العميق في الحالة الاقتصادية – الاجتماعية في لبنان، وذلك نظراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية. وقد انعكس هذا الأمر على شراء الكتب. 

وفي كل حال، فمن البداية، كانت نسبة من يشتري الكتاب في لبنان، منخفضة. وهي لاتقارن بالوضع في البلدان الأوروبية. وبالتالي فإن لدينا جملة أسباب أو معطيات تجعل النشر في تراجع ملموس.

وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن دور النشر في لبنان، على نحو خاص، لاتنشر إلا عندما تتحقق من أن الكتاب سوف يدر عليها أرباحا حقيقية. كما أن الدولة في لبنان لاتساهم في نشر الترجمات ورعايتها. والنشر يجري كله بمجهودات خاصة، سواء من شركات، أو أفراد يتوخون الربح بشكل أساسي، أو التأثير في الحياة السياسية. وكل هذه عوامل مهمة.

واليوم إذا ذهبت إلى معارض الكتاب ستجد أناسا لكنهم أقل مما سبق، ومعظم الناس لا يشترون ويكتفون “بالفرجة”.

وبالنسبة إلى نشر الترجمات على نحو خاص، ربما لست أصلح من يتحدث في هذه الموضوع. لأنني لم أتعامل مع الترجمة كوظيفة، ولم أكن مهتما بمتابعة حركة الترجمة أو النشر بصفة عامة من هذه الزاوية. وأساسا علاقتي بالترجمة من باب الاهتمام بما هو ضروري أن يجده القارئ اللبناني والعربي، انطلاقا من أفكاري السياسية، ورؤيتي الخاصة للإبداع الفني.

لكن ما يستحق الذكر أنه خلال العشرين سنة الأخيرة، على صعيد الترجمة ثمةاهتمام خاص بموضوعات لا علاقة لها بالإبداع الفني. فالأكثر مبيعا تتصدره عناوين كتب الطبخ والدين، أو روايات ليست متقدمة من ناحية الثقافة والفكر والوعي الإنساني.

  • وكيف تفسر ماكان من استمرار نشر الترجمات والكتب في بيروت، في ظل سنوات الحرب الأهلية؟

ـ كان لدينا في ظل الحرب الأهلية نسبة عالية من المثقفين القادمين من دول أخرى إلى لبنان. وربما كانت الأموال تتدفق إلى لبنان في اطار الإنفاق على الحرب، ليذهب بعضها إلى نشر الكتاب. وبعدها جاء تراجع كبير على صعيد إنتاج الكتب. وتماما مثلما تدهورت القطاعات الأهم للإنتاج، كالصناعة، والزراعة، لصالح الخدمات، انعكس ذلك على الوضع الاقتصادي والقدرة على شراء الكتب. وبالتالي على قدرة دور النشر على دفع الحقوق المالية مقابل الترجمة.

  • مع أهمية ما قدمه اللبنانيون من ترجمات إلى اللغة العربية في بواكير التعرف على الفكر الماركسي، ثمة انتقادات لجانب من هذه الترجمات، سواء على مستوى اختيار النصوص أو نقلها إلى العربية.. ما رأيك؟.

ـ هناك نسبة هامة من المترجمين لايملكون الكفاءة الكافية، على هذا الصعيد. وهناك كتب مترجمة غير صالحة للقراءة، وهذه نسبتها كبيرة. وبالإضافة إلى هذا فإن دور النشر تدفع مبالغ ضئيلة للمترجمين. وهناك فارق هائل بين مايدفع هنا وما يدفع للمترجم في أوروبا أو أميركا.

وعلى المستوى الشخصي، أرى أن هناك نسبة عالية من الكتب الماركسية التي جرى نقلها إلى العربية، كان من المهم أن تجري ترجمتها، وأن قسماً لا بأس به ترجمته جيدة. وهذا على الأقل وفق ما أمكنني الاطلاع عليه.

  • هل ترى تأثيراً ما لناشري الترجمات إلى العربية على اختيارات النصوص واتجاهاتها وأولويات الترجمة؟

ـ  أظن ذلك. ولكن على الأقل في ما يخصني، نادرة هي الكتب التي ترجمتها بناء على اختيار دور النشر وأصحابها.

  • الملاحظ وكأنك لم تخرج في نشر ترجماتك عن حدود التعامل مع دور النشر اللبنانية. وهذا على الرغم من دخول هذا النشر في حالة الانكماش والأزمة.. لماذا؟.

ـ نشرت لي “دار الجمل” بألمانيا كتاباً عن “جورج حنين” (بعنوان: جورج حنين رائد السورياليين العرب، من تأليف ساران الكسندريان، وهو صادر في العام 1999). كما نشرت “دار الحصاد” السورية ترجمة كتاب “اللينينية في ظل لينين” لـ “لمارسيل ليبمان” ( صدر في العام 1988). وهناك دار نشر سورية أخرى اسمها “جفرا” ترجمتُ لها كتابا عن “بيكاسو” كتبته رسامة عاشت معه حوالي عشر سنوات، اسمها “فرانسوا جيلو” (بعنوان : حياتي مع بيكاسو، 1994). وفي الحقيقة، لم أجد اهتماما من دور نشر غير هذه الدور خارج لبنان، بطلب ترجمات من وضعي. أما في بيروت، فقد كانت هذه هي دور النشر التي أمامي كي أنشر من خلالها.

(الأهم والأكثر انتشار في ترجماته)

  • هل تتفق مع رأي قائل بأن كتابات “إسحق دويتشر” و”إرنست ماندل”، ثم “مكسيم رودنسون”، هي من أهم ما ترجمت من اعمال، على صعيد الفكر السياسي النقدي والمتجاوز للستالينية والمدارس الشيوعية التقليدية؟.

ـ لا أعرف ما إذا كان “رودنسون” خارج المدرسة الستالينية أم لا. وأنا ترجمت له جزءاً يتعلق بلبنان وسورية، بشكل خاص، و”دار الحقيقة” طلبت اختصار الكتاب. (الكتاب بعنوان: الماركسية والعالم الإسلامي، وصدر العام 1974). وعلى أي حال، أنا ترجمت مابين 40 و50 كتاباً، ولم أعد أتذكر جيدا. وفعلاً، قد تكون بين أهمها كتب “إرنست ماندل” و” إسحق دويتشر”.

  • ماهي، وفق ما تعلم وتتذكر، أكثر الكتب التي ترجمتها رواجاً وانتشاراً؟ وبصفة عامة ما أكثر كتبك انتشارا؟.

ـ   أظن أن ثلاثية “النبي المسلح”، و”النبي الاعزل”، و”النبي المنبوذ”، لإسحق دويتشر، هي التي ينطبق عليها هذا الحكم، وإلى حد ما “قصة حياتي ” لشارلي شابلن”، و”حياتي مع بيكاسو” لفرانسواز جيلو.

  • في المقدمة التي كتبتها لكتاب ” هنري كورييل رجل من طراز فريد” لـ”جيل بيرو” ، الصادر في بيروت عن “دار النضال” العام 1986، إشارة إلى أنك ركزت على ترجمة الجزء الخاص بمصر وتركت أجزاء أخرى. أظنها تتعلق بالثورة الجزائرية وحياته في فرنسا، بعدما غادر مصر. كما قدمت في هذه المقدمة نقدا لبعض أفكار “كورييل” وكاتب سيرته هذه “بيرو”.. في المحصلة كيف تقيم هذا الكتاب وخط “كورييل” و”حدتو” (تنظيم الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في مصر)؟، وأيضا لماذا لم تجر الترجمة الكاملة للكتاب؟.

ـ على ما أذكر، فإن صاحب الدار التي نشرت الكتاب كان يفضل الاقتصار على هذا الجزء من حياة “كورييل”. وانا أحيلك الى ما هو وارد في تلك المقدمة للجواب عن سؤالك، إذ لا أزال أتبنى تقييمي ذاته الوارد فيها. علماً ان تقييمي لحركة “حدتو” يرتبط بموقفي من كل الحركات التي كانت تلتزم بما يمليه عليها المركز السوفييتي من مواقف وأفكار. 

وأظن أن أخطر اخطائها يتمثل في فشلها في توظيف النقمة الشعبية المصرية على النظام الملكي – ليس فقط على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي، بل أيضاً على المستوى الوطني، وبخاصة بعد حرب 1948 الخيانية التي أنتجت الكيان الصهيوني وما يجره من كوارث على عالمنا الراهن – لإطاحة ذلك النظام ، بدل ترك تلك المهمة للـ”ضباط الأحرار”!

  • اخترت ترجمة كتاب “حياتي” للفنان “شارلي شابلن”، وصدرت طبعته الأولى عام 1994 من بيروت (المركز الثقافي العربي). بالطبع “شابلن” معروف بحسه الاجتماعي الطبقي. لكن لو توضح أكثر ما الذي ذهب بك إلى هذا الاختيار، بعدما كنت قد ترجمت نصوصا مهمة مؤسِّسة في الفكر الاشتراكي، مثل ثلاثية “إسحق دويتشر” قبلها عن “تروتسكي”، وكتباً أخرى خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين؟

ـ “شابلن” شخص خارج النمط التقليدي العادي في السينما. ويمكن اعتبار سينما “شابلن” ملتزمة على الرغم من طابعها الفكاهي. ولا ننسى أنه عاش طفولة قاسية جدا، وأمه أصيبت بخلل عقلي ونفسي بسبب الجوع، وأن كل أفلامه ناقدة للواقع الاجتماعي، مثل فيلم “الدكتاتور” و فيلم “العصور الحديثة”. كان عنده موقف، قد يصح وصفه بالثوري، من بعض النواحي. وربما هذا ما دفع “الماكارثية” الاميركية إلى اضطهاده، لدرجة إجباره على مغادرة الولايات المتحدة، لنحو عشرين عاماً.

  • في العام 2010، نشرت في بيروت “بدار التنوير للطباعة”، كتاباً بعنوان”ينبغي أن نحلم: نصوص في سياسة هذا العالم”، وهو بالأصل مجموعة مقالات نشرتها من قبل بالصحافة اللبنانية. ثم لم أعثر، على الأقل، في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت على عناوين كتب منشورة لك لاحقاً تترجم ثقافتك وخبرتك في الحياة والثقافة والسياسة.. هل هذا دقيق؟، ولماذا لم تنشر بعدها كتباً من تأليفك لو صح هذا الأمر؟.

ـ إذا طال بي العمر بضع سنوات أخرى، ربما يصدر لي شيء من هذا القبيل، علماً بان عناوين عديدة تراود تفكيري كثيراً، وأحاول أن أضع تصاميم ومخططات لها، على امتداد المرحلة الاخيرة من تجربتي في هذا العالم.

 في كل حال، ربما يجب على المرء ان يتخلص أحياناً من شيء قد يكون بالغ الإزعاج والضرر، شيء يعتبره البعض حقاً من الحقوق الإنسانية الأساسية، ويسمونه “الكسل”!. وأنا أتساءل، أحياناً، إذا كان هذا الوضع منطبقاً، بصورة أو بأخرى، عليّ. 

  • لو عدنا إلى مقدمة كتابك “ينبغي أن نحلم”، لوجدنا وعدا بتخصيص كتابة لاحقة مستفيضة عن حرية الرأي في ظل انهيار الأحلام الكبرى والإحباط واليأس. وهذا مع الإقرار بأن لبنان يتمتع بأوسع هامش من حرية التعبير نسبياً، مقارناً بمحيطه العربي. كيف ترى الآن أهمية هذا الأمر؟ وهل تطلعنا على جانب مما تعرضت له في السابق من مشكلات تتعلق بحرية نشر الرأي؟. وأظن أن مقدمة الكتاب أشارت إلى ذلك، في عجالة، ودون إيضاح لهذا.

ـ ما تذكره مما ورد في مقدمة “ينبغي ان نحلم”، هو أحد هذه المشاريع، التي كُتب الجزء الاكبر منها، ولكن لا يزال جزء أساسي  قيد الإعداد. أما بخصوص المشكلات التي تشير إليها فلم تكن يوماً على هذه الدرجة من الاستعصاء، ولم تشكل بالتالي عوائق لا مجال لتجاوزها.

  • هل ترى أن الانتفاضات التي عرفتها المنطقة بعد 2010 وصولا إلى ما عرفه لبنان 2019، مازالت تتفاعل وقد تتولد عنها ثقافة جديدة، سواء على مستوى الفكر السياسي أو الأدب والفنون؟ وبالمقابل، هل تعتقد أن هناك عوامل تعرقل أن تخلق هذه الأحداث الكبرى في منطقتنا لدينا تياراً من الانتاج الفكري والوعي والإبداع بحجم تأثيرات ما كان للثورة الفرنسية وثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا، وحتى بخصوص تأثيرات نكبة 1948 وهزيمة 1967 علينا؟

ـ   الانتفاضات التي تشير إليها سرعان ما ووجهت بثورات مضادة، حظيت بدعم هائل من الإمبريالية العالمية من جهة، ومن الأنظمة الرجعية العربية من جهة أخرى. وبالتالي فهي فشلت في إحراز الغلبة. وذلك على عكس ما حصل في فرنسا 1789، وروسيا 1917. لأجل ذلك، لم يقيض لها أن تخلق ظروفاً تسمح بإنتاج ما تذكره من أسباب الازدهار الفكري، والإبداع.، فضلاً عن تأثيرات مماثلة لتلك التي أحدثتها الثورتان الفرنسية والروسية. 

ولكن ما يمكن الجزم به هو أنها خلقت حالة من الجاهزية لتكرار ما حدث في العقد الماضي، على امتداد مجموعة واسعة من البلدان العربية، من ضمنها لبنان. والبروفسور “جلبير الاشقر” نجح في كتابيه، “الشعب يريد” و”انتكاسة الانتفاضات العربية…”، وفي مجموعة من المقالات التي ينشرها في الصحافة العربية والعالمية على التوالي، في وصف الحالة التي بدأت في تونس في كانون الأول/ ديسمبر 2010، بالسيرورة الثورية التي سوف تتواصل، متحدية كل العوائق التي حالت حتى الآن، وقد تحول مجدداً، دون انتصار هذه الانتفاضة ، أو الثورة، أو تلك، طالما تستمر الظروف التي تتسبب بها. وهي ستستمر! 

ولأجل ذلك، أظن ان الوقت سيحين لإحراز الجماهير، المتعرضة للاستغلال والقهر والقمع، النصرَ الذي تتوق إليه، ولا سيما بقدر ما تتمكن قوى التغيير من أن تجمع بين نضج الظروف الموضوعية للانفجارات الثورية، والنجاح في انتاج ظروف ذاتية ملائمة لانتصار هذه او تلك من الثورات القادمة.  

  • وكيف ترى التواصل والتفاعل بينك وبين جيلك من المثقفين التقدميين في لبنان مع الأجيال اللاحقة هنا؟. وهل أنت راضٍ عن هذا التواصل والتفاعل؟ وما هي المشروعات السياسية والتنظيمية التي ناضلت عبرها بعد ثورات الربيع العربي وما هو تقييمك لها؟

ـ   كنا، في التنظيم الذي نستمر في العمل ضمنه، منذ عقود، ألا وهو “التجمع الشيوعي الثوري”، وهو تنظيم نصير للأممية الرابعة في لبنان، التنظيم الوحيد الذي أصدر، بعد أيام على انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بياناً مفصلاً عن البرنامج الذي نعتبر إنه يصلح للرد على ما تتطلبه تلك الانتفاضة من مهام، وأشكال تنظيمية شعبية. ووزعناه بألوف النسخ، وعملنا على نقاشه مع التجمعات الكبرى التي كان يشهدها الوسط التجاري في بيروت، وبوجه خاص “ساحة الشهداء”.

 كما عملنا على انشاء مدرسة تكوين سياسية ونظرية، ضمت عدداً واسعاً من الشبان والشابات، وشاركنا في الندوات التي انعقدت في ساحتي “الشهداء” و”العازارية”. وبقينا، في ما بعد، وعلى الرغم من أن قسماً واسعاً ممن شاركوا في انتفاضة تشرين سرعان ما هاجروا إلى بلدان شتى، نلتقي بعضاً ممن اصروا على البقاء، ونناقش معهم ما يمكن فعله لأجل إعداد النفس للانتفاضات المرجحة القادمة. وهو ما نواظب على فعله إلى الآن. 

  • استكمالا للسؤال السابق هل تود أن تتحدث عن تجاربك التنظيمية الأخيرة؟، وما هو مشروعك السياسي الراهن في لبنان؟، وأهم ملامحه، وما الذي تراه به مختلفا عما قبله؟.

–    باختصار، لا نزال نتعمد اللقاء مع مجموعات صغيرة متأثرة بأجواء انتفاضة تشرين أول وعلى قدر من الاهتمام بالفكر والتنظيم الماركسيين، في مسعى لتقريب وجهات النظر، ومحاولة العمل معاً. ولا سيما تحت تأثير الحرب الطاحنة التي يشنها  العدو الصهيوني على غزة. 

وفي مسعانا هذا نحاول تنسيق العمل مع المجموعات الماركسية الثورية، في المنطقة العربية، التي أصدرنا معها بياناً، بعد أيام على بدء تلك الحرب، ضد الهجمة الصهيونية والإمبريالية المشتركة على الشعب الفلسطيني.

كانت نقطة الضعف الأساسية، باستمرار، خلال اندلاع السيرورة الثورية، وإلى الآن، تتمثل في غياب التنظيم الثوري الجماهيري، وبالتالي الظروف الذاتية التي لم تتلازم إلى أيامنا هذه مع نضج ظروف موضوعية قال عنها المؤتمر التأسيسي للأممية الرابعة، منذ العام 1938، “إنها تتعفن”!. وهو ما نحاول حتى هذه اللحظة أن نخلق مع آخرين يحملون القناعة نفسها الأداة التنظيمية القادرة على استقبال ناجح للانفجارات الشعبية القادمة. وهو مسعى يشمل رفاقاً لنا، على امتداد المنطقة ككل.

  • الطائفية والمواطنة والإبداع.. هذا الثالوث كيف تلخص اليوم شهادتك كمثقف ومترجم وكاتب من واقع خبرة حياتك وفاعليتك ومن لبنان؟

ـ على الرغم من تفاقم الطائفية في لبنان، فإن معظم اللبنانيين ومن شتى الطوائف يحاولون إنكار علاقتهم بهذه الآفة. كلهم يحاولون التبرؤ منها. ولا أظن أن هناك علاقة بين الإبداع وهذه الظاهرة على المستوى الاجتماعي السياسي. وفي الحقيقة هناك كتابات وكتب طائفية كثيرة صدرت في لبنان، ولكن ليس لها علاقة بالإبداع.

وعلى صعيد المواطنة، فإنها تظل هدفاً وطموحاً لكل من يرفض استمرار مرض الطائفية الذي ينهش حياة الإنسان والمجتمع لدينا. وبلا شك كان الوصول تاريخيا إلى المواطنة سيغني الإبداع، وسينهي جفاف العلاقات بين الناس، وأحدُ أسبابه يتمثل بالطائفية.

هذه الوحدة الإنسانية، التي تتمثل في الشعور بالمواطنة، سوف تساعد لاحقا في فتح مجالات واسعة أمام الإبداع. ولاسيما أن هذا سيسمح بعودة نسبة مؤثرة ممن هاجروا من مثقفين وخريجي جامعات، سواء أكانت الهجرة بسبب الحرب الأهلية أو الوضع الاجتماعي الاقتصادي المنهار نتيجة المجتمع المنقسم طائفيا.

لدينا مئات الألوف من الشابات والشبان، وبينهم أعداد كبيرة من الأدمغة، غادروا لبنان، ولاسيما بعد الحرب الأهلية، بحثاً عن الرزق وهرباً من بؤس الحياة الاجتماعية والسياسية، التي يلعب الانقسام الطائفي دوراً اساسياً في فسادها وانحدارها. وهم موجودون بالأساس في الخليج وأوروبا وأستراليا والولايات المتحدةالأمريكية وكندا. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن الحرب الأهلية أسفرت عن استلام أمراء هذه الحرب السلطة في لبنان، وبالتلازم مع حيتان المال.

  • إذن، في رأيك، لم يختف المثقف الطائفي من لبنان.

ـ يمكن التساؤل، أولاً، إذا كان يصح الجمع بين فكرتي الثقافة والطائفية ، وثانياً، إنه لباعث على الأسف والأسى أن نعترف بصمود الفكر الطائفي،الموجود لدى نسبة عالية من المواطنين، وإلى حد بعيد. وهذا يفسر أحوال الحياة والإبداع في البلد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الجزء الثالث والأخير من الحوار مع المفكر والمترجم اللبناني “كميل داغر”، يستكمل الإجابة على أسئلة واقع الثقافة والسياسة في بلده، فيتحدث عن تجليات التغيير خلال ممارسات انتفاضة 17 تشرين أول/ أكتوبر2021، وما انتهت إليه من إخفاق وأسبابه. 

 ويطرح تصوراته وأفكاره بشأن الحرب الجارية الصهيونية الأمريكية على غزة، وتأثيراتها المحتملة على المنطقة والعالم. كما يجيب على الانتقادات الموجهة لتنظيمات “الأممية الرابعة” في المنطقة العربية.

* هل ترى أن التقسيم إلى يمين ويسار مازال ينطبق على الثقافة اللبنانية الآن؟

ـ يوجد يمين ويسار، بلا أدنى شك، في الثقافة بلبنان، إلى الآن. وكانت ثورة 17 تشرين الأول ( أكتوبر) 2021 تميل بشدة إلى اليسار، على الرغم من أن قوى يمينية عديدة حاولت ركوبها، والتشويش على نضالاتها وأهدافها. وحتى الناس الذين لم يطَّلعوا على فكر اليسار، كان عندهم موقف يمكن اعتباره يساريا، وطالبوا بالعلمنة ورفض المجتمع الطائفي، وبالفصل الصريح بين الدين والدولة. وكان هذا واضحاً، بقوة في المرحلة الأولى من هذه الثورة.

وفي أول أيار (مايو) 2022، برز تجمع للمتظاهرين بساحتي “الشهداء” و”رياض الصلح”، بوسط مدينة بيروت، ربما كان هو الأكبر في لبنان. وقاد هذه المظاهرة صحفيون وفنانون ومفكرون ينتمون إلى اليسار، بما هو سعي لتغيير الواقع، ومن أجل بناء عالم يقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة والحريات. وهذه كانت أجمل مظاهرة، خلال ما اصطُلِح على تسميته بالثورة اللبنانية.

* هل يقرأ اللبنانيون اليوم؟، وماذا تراهم يقرأون؟، وهل ترى الأمر مختلفاً عما كان في عقدي الستينيات والسبعينيات، وحتى التسعينيات؟

ـ لا أستطيع الإجابة بدقة، لأنني غير مطلع عن كثب على الأمر. وهذا خطأ من جانبي، لأنني لم اهتم بمتابعة هذه الظاهرة. لكن يمكنني القول بأن منطقة “ساحة الشهداء” خلال الثورة اللبنانية، في  خريف 2021 تحولت إلى ساحة الحرية آنذاك، وشهدت تنظيم ندوات فكرية  وسياسية في الخيام المنصوبة فيها. وهذه الخيام كانت بمثابة مدارس تكوين فكري  وسياسي يومي. وهذا ما أرعب قوى الأمر الواقع التي أرسلت أنصارها على دراجات نارية ليستخدموا العنف ضد من كانوا بالخيام. بل لجأوا إلى العنف لمنع ندوات بعينها، وضد متحدثين تقدميين بعينهم. وفي هذا رد على من يقولون بأن البلد ليس به يمين ويسار. فما حدث في 2021 هو ثورة ذات نفس يساري. هذا مع أن التنظيمات اليسارية لم تلعب دورا أساسيا في قيادتها.

* لو تفسر أكثر لنا ماذا جرى في ثورة 2021 من وجهة نظرك؟، وأين ذهب الثوار  سياسيا، وخصوصا من الشباب؟، ولماذا؟.

ـ سوف اكتفي بسرد بعضٍ من المواقف التي اتخذها المتظاهرون، في مواجهة رموز النظام القائم، ومؤسساته المختلفة. وهي تعكس الفرز الطبقي العميق داخل المجتمع. فكثيراً ما جرت مهاجمة المصارف والبيوتات المالية وغرفة الصناعة والتجارة، وغيرها من المؤسسات المرتبطة بالرأسمالية المحلية. 

كما أن المتظاهرين طردوا النواب والوزراء، وغيرهم من ممثلي النظام القائم من المقاهي والمطاعم، ومنعوا أعضاء المجلس النيابي من الوصول إلى البرلمان لحضور اجتماعات مجلسهم، ولاسيما حين كان مطلوباً منهم التصويت على قوانين وقرارات مناهضة للمصالح الشعبية. والأمر ذاته بخصوص الوزراء. وكثيراً ما وصل الأمر بشرطة المجلس النيابي إلى إطلاق العيارات المطاطية على عيون المتظاهرين أمامه. وحتى العيارات النارية في بعض الاحيان.

وحين امتنع الجيش عن المشاركة في قمع المسيرات الشعبية، حلت محل جنوده وضباطه الميليشيات الطائفية، وفي مقدمتها أعضاء “حركة أمل” الطائفية الشيعية، وحتى مقاتلي “حزب الله”!

* “حزب الله” المقاوم، وعدو الثورات في لبنان وسوريا، في الوقت ذاته؟، كيف تفسر هذا التناقض، وتتعاطى مع ذلك؟.

ـ هذا ما حصل بالفعل، فكثيراً ما تولى مقاتلوه مهمة تفريق المتظاهرين، من على متون الدراجات النارية، وباستخدام شتى وسائل العنف.

* كيف ترى مستقبل الثقافة، وأيضا الثقافة السياسية، في لبنان؟، وكيف ترى تفاعلها مع محيطها العربي؟.

ـ نحن هنا في مرحلة انتقالية، ولايمكننا عزل مستقبل الثقافة عن وضع المجتمع الراهن، الذي يعيش هذه الحالة. والواضح أن المجتمع يرفض واقعه، لكنه عاجز عن تغييره، ولا سيما خلال المناسبات الانتخابية ، حين يعيد المتأذون من هيمنة أجهزة وزعامات طائفية، في منتهى الفساد والسطو على المال العام، انتخاب هؤلاء بالذات الذين يعرفونهم على حقيقتهم .

كل الناس هنا تحكي ضد الحكومات الفاسدة التي تسيطر على المجتمع. وهذا ينطبق على لبنان وغيره من مجتمعات المنطقة العربية.

وربما الجواب الأصح هو أن مستقبل الثقافة مرتبط بكيف سنخرج من هذه المرحلة الانتقالية؟، والتي تتسم برفض المجتمع القائم والعجز عن انتاج مجتمع جديد. وهذا يرتبط بالسيرورة الثورية العربية، التي ظهرت في العديد من بلداننا، وتمت هزيمتها أو سحقها، على الاقل مؤقتاً. علماً بأن لدي اعتقاداً، بل أنا شبه واثق، بأن هذه الثوارت ستعود وتتكرر. ولكن ليس فقط انطلاقا من القضايا الاقتصادية الاجتماعية. بل وأيضا من القضية الوطنية، وحيث نشهد اليوم مجازر مروعة في غزة.

هذه المجازر نجد صدى لها في كل أنحاء العالم، ويمكن أن تشكل منطلقا للتغيير على صعيد العالم بأسره، وليس في لبنان أو المنطقة العربية فقط.

* وهذا على الرغم من أن المتصدر لمشهد المقاومة الفلسطينية فصيل له طابع ديني إسلامي (حماس)؟.

ـ على الرغم من موقفي السلبي من الرئيس التركي الحالي “أردوغان”، وهو ليس مرجعاً صالحاً لتقييم الحركات الاجتماعية، لكنني أعتبر بدوري، وفي الوقت نفسه، أنها حركة تحرر وطني، بحسب التعبير الذي جرى على لسانه، في معرض تقييمه لها، لا مجرد منظمة رجعية تسترشد بالفكر الديني وأوهامه، كما يعتقد كثيرون.

* إلى أين ينتهي ما يحدث في غزة؟، وكيف ترى تأثيراته المحتملة على المنطقة؟

ـ أعتقد أن مفاجآت كبرى في طريقها للمنطقة، وستحدث خلال المرحلة المقبلة. وكذا في العالم بأسره. فلننظر إلى المظاهرات الشعبية الكبرى التي تجتاح العالم. ومعناها الأساسي أن القضية الفلسطينية الآن سوف يكون لها تأثير أكبر من حرب فيتنام، وما شهدته من التضامن العالمي مع الفيتناميين في سبعينيات القرن الماضي. ولاسيما أن كل شيء أصبح مكشوفاً، ويجري بثه مباشرة على الهواء، صورة وصوتاً، وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة. وهذا يساعد على تعبئة كبرى، وبخاصة في أوساط الشباب، وعلى صعيد عالمي. 

بالمقابل، لانشهد لهذه الحالة مثيلاً في المنطقة العربية، بسبب طبيعة الأنظمة القمعية المسيطرة حتى الآن، وإن كان هذا الواقع مرشح للتبدل، لاحقاً.

* وكيف يستفيد اليسار من الصعود الاجتماعي والطلابي بأوروبا وأمريكا المتفاعل مع القضية الفلسطينية والحرب على غزة ؟.

ـ سيتمكن من ذلك، لأن موازين القوى تتغير هكذا بعمق، لغير صالح الهيمنة الامبريالية الغربية، ودعم هذه الاخيرة غير المحدود لدولة العدوان. ولأن هذه المتغيرات في الموقف العالمي ستساهم في مساعدة الجماهير الكادحة العربية والمغاربية على إطاحة أنظمة الخيانة والاستبداد القائمة، وتقريب أجل نهاية دولة “الأبارتايد”، بما هي دولة عنصرية مفرطة في الإجرام وتقاليد الإبادة للجنس البشري. 

* هل هناك أمل؟

– نعم.. أرى أن هناك أملاً. “يتهمني” الكثير ممن يعرفونني بأنني دائم التفاؤل. وهناك من يرى أن ما يجري حالياً في فلسطين يدعو لليأس. وثمة إحباط عميق، ولاسيما بسبب فشل الثورات التي حدثت في العقد الثاني من هذا القرن، بمنطقتنا.

لكنني لست محبطاً، وأنظر  للتاريخ على أنه يمتد على أمد طويل، لا مجرد يوم أو يومين. وما يظهر الآن يدل على إمكانات كبيرة لتغيير الواقع القائم.

وفي تقديري أن إسرائيل، على الرغم مما يتوافر لها من إمكانات، هي أضعف بما لايقاس مما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. فهناك تغير هائل في الرأي العام العالمي، وهذا من شأنه أن يأتي بمفاجآت ليست في مصلحة إسرائيل. وسيكون هناك عالم جديد لن يتأخر مولده كثيراً، ولن يكون في مصلحة العدو الصهيوني، ولا الولايات المتحدة، بنزعتها الاستعمارية العدوانية المعادية للشعوب.

في عهد “لينين”، وعندما حكى في كتاب “ما العمل؟” عن أهمية الوعي ونقله، لم تكن هناك وسائل اتصال كما هي عليه الحال الآن. فاليوم يمكن للوعي أن يتشكل بدون مساعدة مباشرة من فريق من الناس. لكن هذا لايلغي الأهمية القصوى للتنظيم.

الثورات العربية في القرن الحادي والعشرين فشلت بسبب غياب التنظيم. وإذا أصبحنا نرى اليوم قدرة لدى الناس على الوصول إلى المعرفة، على نحو غير مسبوق، فإن هذا سيساعد على أن يعثروا على أشكال التنظيم المناسبة.

أعتقد أن هناك أشياء كثيرة بسبيلها إلى أن تتغير، إن لم يكن في الشهور القادمة، ففي السنوات القريبة. ولن تتوقف السيرورة الثورية، إذ لن تحل الرأسمالية شيئاً من أزمات الدول والجماعات البشرية. وانطلاقا من هذا، ينهي “جلبير الأشقر” كتابه “الشعب يريد”، بالرهان على المستقبل، مستشهداً بقول الجنرال “ديجول”، في خاتمة مذكراته: “المستقبل يدوم طويلا”.

وأنا أميل للاعتقاد بأن هذه الفترة الزمنية الحالية لن تكون طويلة، وسيصبح هناك واقع آخر غير الذي نعيشه. ولن يحدث هذا بمجرد الأمل، ليس إلا. فالأمل يحتاج إلى عمل، وأن يسخر الناس كل جهودهم لكيلا يضيع  سدى.

   وعموماً، أعتقد أن الناس ستدافع عن نفسها. في 1948، هرب الفلسطينيون من فلسطين، “طلعوا ومارجعوا”. والآن يحدث ما يحدث في غزة من فظائع، ومع ذلك، لم يخرج الناس الى المنافي. وهذا أمر له معنى. فالناس تستفيد من دروس تجربتها، ولن تقبل باستمرار سحقها. وآمل أن تدافع البشرية عن نفسها في كامل المنطقة العربية، كما في غيرها من أنحاء العالم.

* كيف تلخص من واقع خبرتك الثقافية على مدى نحو نصف قرن ومن بيروت علاقة الثقافة والإبداع بالسياسة، وفي سياق اللحظة الراهنة؟

ـ لا شك أنك سمعت بمقولة “المثقف العضوي” لـ “جرامشي”، وما له من دور أساسي في تغيير السياسة القائمة وفي الواقع القائم على الظلم الاجتماعي والاضطهاد والقمع. وأنا موافق على مقولة “جرامشي” من دون أدنى شك، وعلى رؤيته لعملية التغيير. 

لكن في نفس الوقت، أظن أن المثقف الحقيقي، وليس المتعلم وحسب، يلعب دورا مهما على المستوى السياسي بشكل غير مباشر، ولاسيما المثقف المبدع. وليس بالضرورة أن يختص بهذا الدور “المثقف العضوي”، الذي يؤثر بشكل مباشر.

ولنأخذ “جبران” مثلا. هو لم يكن “مثقفا عضويا”. وكذلك “فكتور هوجو”، عندما كتب رواية “البؤساء”. لكن كان لكتاباتهما تأثيرٌ عميق في الناس. وهذا بسعيهما للخروج من حالة العبودية، وفي ظل السيطرة الطبقية، إلى عالم من الحرية والعدالة والفرح الذي يتوق إليه الناس.

وفي ظل الواقع الراهن وانتشار وسائل التواصل الجماهيري ، ووصول الناس إلى هذه الوسائل، لم يعد الناس بحاجة لانتظار معرفة مايجري من جرائد الطبقة المسيطرة، التي تعتم على أعمال هذه الطبقة. وانطلاقا من ذلك، أصبح هناك إمكانية للتوصل إلى الوعي أفضل بكثير مما في عصور سابقة.

* لماذا مع أهمية وعمق ما قدمته مع آخرين عن منظري ومبدعي “الأممية الرابعة” باللغة العربية من نقد للستالينية، لم يسفر كل هذا عن حضور لهذه الأممية يماثل ما “للشيوعيين التقليديين”، لا على مستوى الجماهيرية أو التنظيم في منطقتنا العربية؟. بل هناك من يرى أن هذا الحضور ظل هامشيا مع استمرار أمراض الانقسامات وغياب الديمقراطية الداخلية. وأسمح لي، ولو انطوى الأمر على قسوة لفظية، بالقول بأن رموز “الأممية الرابعة” عندنا، كان العديد منهم، في جوهر الممارسة، “ستالينيين”؟

ـ  أظن أنك تريد الإشارة الى قلة الممارسة للديمقراطية التنظيمية، لدى بعضهم. وفقط على هذا الصعيد.  علماً بأني أفضل، بالضبط، احلال كلمة “بعض” محل كلمة “العديد”.

علوم

ومن جهة أخرى، فعلى امتداد  تاريخ الاتحاد السوفييتي، بما في ذلك مرحلة انهياره، هو والمعسكر الذي تحلق حوله، كانت القدرات المادية تتوفر حصراً، وفي معظم الاحيان، عند الحركات الموالية لموسكو.

 هذا بالإضافة إلى أن الكثير من الناس، وفي الكثير من الحالات، ينظرون إلى علاقتهم بالاشتراكية، بمنظور نفعي. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وجدنا حتى قادة في الحزب الشيوعي اللبناني يتبرأون من الاشتراكية،  ويصفها أحدهم بالـ”جثة النتنة”. وفي الحقيقة، فإن كثيرين ممن ادعوا تبني الاشتراكية، أساءوا إليها أيما إساءة.

ولا نستطيع القول بأن الحركة الناقدة للستالينية، وبوجه خاص، من تطلق عليهم تسمية “التروتسكيين”،كانوا قليلي التأثير. فمعظم حركات الكفاح المسلح، في أميركا اللاتينية، التي جاءت بعد مصرع “جيفارا” ببوليفيا، كان لها موقف نقدي من الاتحاد السوفييتي، تماماً مثلما كان موقف “جيفارا”. وهي أشاعت موجة هائلة من رفض الواقع القائم.

 ولنأخذ ثورة أيار (مايو) 1968 في فرنسا، فنرى أن من لعب دورا أساسيا فيها هو فكر الماركسيين الثوريين، الذين كانوا أقرب ما يكونون الى فكر “تروتسكي وقادة”أساسيين في الأممية الرابعة، فضلاً عن ممارستهم. وهذا على خلاف موقف الحزب الشيوعي الفرنسي.

* وكيف تقيم تحديداً تجارب تنظيمات “الأممية الرابعة” في المنطقة العربية؟، ولماذا لم تتخط النخبوية والهامشية؟.

ـ بالنسبة لتقييم هذه المنظمات، يمكن القول بأنه، في أحيان ولو قليلة، أصابت بعضها أمراض “الستالينية”، بشكل أو بآخر. وهذا كان بين أسباب الدور الهامشي لديها. كما أن إمكانات التأثير كانت بين أيدي القوى التي تحظى بدعم المركز السوفييتي، الذي كان يمتلك الإمكانات المادية الواسعة، ويغدقها على أنصاره والتابعين له، عبر العالم، بلا حساب، ومن ضمن ذلك، في المنطقة العربية. علماً بأن هذا المركز والتنظيمات المرتبطة به كانوا يتفننون، أيضاً، فينشر الإشاعات الكاذبة عن القوى المناهضة لخطه، ويحولون هكذا دون انتشار تأثيرها.

تاريخ

(ديمقراطية الطبقات الشعبية)

* كيف ترى اليوم وبإيجاز مسألة الديمقراطية والقوميات، في التجارب المسماة بالاشتراكية وفي منطقتنا؟.

– اولاً، لا أظن أنه، باستثناء كوبا المعزولة وقليلة الإمكانات، ثمة بلدان تصف تجربتها، اليوم، بالاشتراكية. وإذا استثنينا الاتحاد السوفييتي، في الأشهر الأولى بعد انتصار ثورة اكتوبر وقبل اندلاع الحرب الأهلية وتوسعها، لم يشهد أي من البلدان التي عرفت ثورات مناهضة للرأسمالية ديمقراطية عمالية حقيقية، وحلاً سليماً لقضية القوميات.

وبخصوص بلداننا العربية، حيث ليست قضية الاشتراكية مطروحة في اي منها، في أيامنا هذه، فبين المهام الاساسية المفترض أن تضطلع بها الثورات القادمة إشاعة ديمقراطية فعلية لا يمكن ان تكون إلا ديمقراطية الطبقات الشعبية، ولا سيما الديمقراطية العمالية. وفي الوقت نفسه إعطاء القوميات غير العربية حقها في تقرير مصيرها، تماماً كما فعلت الثورة البلشفية في ظل “لينين”، مع القوميات غير الروسية.

(تناول أكثر حذرا لاستخدام مصطلح الفاشية)

* هل يمكن أن تظهر “الفاشية” في مجتمعات لم تتطور رأسماليا؟، كما هو حالنا.

ـ بشكل أساسي يجرى النظر إلى “الفاشية” بوصفها أزمة عميقة في تطور الرأسمالية، مثلما جرى في ألمانيا بعد الانهيارات الكبرى، عقب الحرب العالمية الأولى. وبدون أدنى شك يجري النظر إلى الفاشية في المظاهر التي تعبر بها عن نفسها، مثل اللجوء للقمع تجاه القوى المعادية للرأسمالية، سواء كانت أحزاباً يسارية أو نقابات. 

العرب وشعوب الشرق الأوسط

وهنا تدافع الرأسمالية عن نفسها بممارسة أقصى أشكال الاضطهاد. ومن المعروف كيف تعاملت النازية مع النقابات والشيوعيين والاشتراكيين، وصولاً إلى جريمة الحرب العالمية الثانية، والأعمال العنصرية ضد اليهود وجماعات أخرى كالغجر.

ولكن هذا هو المفهوم التقليدي “للفاشية”. وبشكل عام، يجري الحديث عن “الفاشية”، في المجتمعات المتخلفة، في سياق الاضطهاد والقمع الديني العنصري.

وأنا أميل إلى تناول  علمي أكثر حذراً. ولنأخذ مثلا السلطة اللبنانية التي تعاملت مع انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2021 بوسائل قمعية، وبما في ذلك إطلاق النار على عيون المتظاهرين، وهي بالطبع ظواهر بشعة لدفاع السلطة الرأسمالية عن نفسها ومصالحها. لكن ليس لنا أن نصف طبيعة سلطة معينة “بالفاشية ” لمجرد أنها تستخدم مثل هذه الوسائل القمعية، وتمارس الاضطهاد ضد الطبقات الشعبية وحقوقها السياسية. ولست ميالاً لاعتبار هكذا سلطة قمعية سلطة “فاشية”، رغم طبيعتها القمعية. وهذا لأن “الفاشية” تظهر بوجه خاص، عند سيطرة الرأسمالية المالية، ولا سيما خلال احتدام أزماتها.

(تجربة من بلدته “تنورين” وتحولاتها)

* قبل هذا الحوار، حدثتني في غير مناسبة عن تحليلك للصراع الاجتماعي في بلدتك وموطن عائلتك “تنورين”، هل تود إلقاء القليل من الضوء هنا على استخلاصاتك من واقع معايشتك لتحولات البلدة وأهلها، كدراسة حالة أو نموذج استرشادي لما يجري في لبنان؟.

ـ  حدثتك عن تجربتنا كيسار، في مرحلة بعيدة من  تاريخ تلك البلدة، وبالتحديد في سبعينيات القرن الماضي، وقبل بدء الحرب الأهلية. آنذاك، كانت لا تزال هناك علاقات شبه اقطاعية، تتلازم مع دخول الرأسمالية، ولو باشكال متواضعة. وقد قيض لنا ان نلعب دوراً، على قدر من الاهمية، في تقليص تلك الهيمنة ما قبل الرأسمالية، وتحسين شروط عمل فلاحي بلدة “وطى حوب” (وهي تابعة لبلدية تنورين، وجزء لا يتجزأ منها)، الذين كانوا يعملون شركاء في أملاك الدير، مالك الأرض التي كانوا يعملون فيها. 

علوم

  أكثر من ذلك، تمكننا من ان نفرض على الحكومات المتعاقبة تقديم خدمات اساسية، كالماء والكهرباء والاستشفاء والتعليم، سبق أن امتنع نواب المنطقة عن المطالبة بها، فضلاً عن تأجيل انخراط أهل تنورين في الحرب الاهلية الطائفية، على الاقل لمدة سنة واحدة. وفضلاً، أيضاً، عن المساهمة عن كثب في إنقاذ غابة الأرز الدهرية التي كانت بدأت تيبس بسبب آفات حشرية أصابتها بالمرض.

وربما ليس أقل أهمية أننا وظفنا وصولنا الى قيادة أكثر من جمعية ثقافية وبيئية، لنقل أفكار الصراع الطبقي والتغيير الاجتماعي وحماية البيئة، إلى بلدة تقع في أعالي جبال بلدنا، وعلى مسافة بعيدة جداً، نسبياً، من المركز، أي العاصمة، بيروت.

 لا بل نجحنا في إعادة وصل هذه البلدة القابعة في جرود لبنان، بالمنطقة الواسعة التي ينتمي اليها هذا البلد، أي المنطقة العربية، بعامة، ومصر بوجه خاص، عبر إعادة تسليط الضوء على رموز منها عملوا في الصحافة والفكر، والنضال القومي والسينما، “كأسعد داغر”، صاحب جريدة القاهرة (1953-1958) وأحد مؤسسي الجامعة العربية (1945)، و”آسيا داغر” و”ماري كويني”، اللتين اشتغلتا في التمثيل، والإنتاج السينمائيين.، وكان لهما دور اساسي في إطلاق الفن السابع المصري. 

و كان ذلك عبر تكريم هؤلاء جميعاً في مسقط رأسهم بالذات (أسعد في 28 ايلول/سبتمبر 1974، وآسيا وماري في أواخر الشهر نفسه من العام 1995)، وذلك، في حضور وطني وعربي لافتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر موقع : “الحوار المتمدن” 

شارك المقالة

اقرأ أيضا