كتاب تروتسكي 1905، مترجما إلى العربية لأول مرة

صدرت عن دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات بمصر ترجمة عربية، لأول مرة، لكتاب تروتسكي الموسوم “1905”، من 472 صفحة، القطع الكبير، وبغلاف جميل.  انجز الترجمة أحمد حسن، الكاتب والمترجم والمفكر الماركسي، بعون من الفقيد بشير السباعي.

الترجمة خدمة جليلة لشباب اليوم التواق الى التغيير في مجتمعات منطقتنا التي تعثرت ثوراتها بفعل عدم توافر أدوات ملائمة تقودها إلى الظفر، وانتكست بصعود ثورات مضادة وتعقيدات تدخل قوى اقليمية رجعية وأخرى دولية امبريالية.

 الكتاب متاح برواق دار صفصافة بالمعرض الدولي للكتاب بالرباط -الى غاية يوم 10 مايو الجاري. موضع رواق دار صفصافة: C33

قراءة مفيدة وممتعة، وشكر جزيل للناشر وللمترجم وللمخرج الفني.

 تعريفا بالكتاب نعرض فيما يلي مقدمة المترجم:

هذا الكتاب بعنوانه الموجز اللافت “1905” يُعدّ وثيقة تاريخية فريدة تماما.وشهادة تلم بأهم معالم وقائع لم يشر إليها التاريخ، أو حتى الكتاب والمؤرخون، سوى بجمل سريعة عابرة، رغم الأهمية البالغة لهذا الحدث، إذ إنه لا يقل أهمية عن تلك التي غيرت وجه التاريخ؛ الحدث الذي أنجب للمرة الأولى حكومة طبقية من أسفل؛ سلطة العمال، التي شهدت جنينا لها في كوميونة باريس، لكن الكوميونة ظهرت في لحظة تاريخية أقل نضجا بكثير ؛ لم تكن الرأسمالية قد استقرت كنظام حكم وكنمط إنتاج، ولم تكن قد تطورت إلى ذلك المستوى من التعقيد الذي وصلت إليه في مطلع القرن العشرين. لكنها قدمت، لا شك، دروسًا أولية ألهمت ماركس نفسه.

الكاتب ليس مجرد مؤرخ أو شاهد على العصر، إنه ليف دافيدوفيتش برونشتاين من مواليد الخامس والعشرين من أكتوبر 1879 بأوكرانيا الروسية – واغتيل ببلطة على يد عميل ستاليني في واحد وعشرين من أغسطس (1940)، الشهير باسم “ليون تروتسكي” (Leon Trotsky) ، المفكر والمنظر الماركسي الروسي البارز، القائد السياسي والجماهيري، المحرّض الشهير ومؤسس الجيش الأحمر في 1918، أحد أهم قادة الحزب البلشفي، والأهم أنه قائد السوفييت الرئيسي في ثورة 1905، الذي كانت تصب عنده كل المعلومات والعمليات اليومية الخاصة بالثورة. فهو أحد صُنّاع وقادة الحدث. هذا عنه في ظروف 1905 ، أما عن أدواره اللاحقة فحدث ولا حرج، يكفي هنا الإحالة إلى ثلاثية المؤرخ النمساوي الماركسي البارز إسحاق دويتشر (Isaac Deutscher) المعنونة (النبي المسلح / الأعزل / المنبوذ) ، والمفكر الإنجليزي الشهير توني كليف (Tony Cliff) حول سيرة وأفكار تروتسكي، وأيضًا المنظر الاقتصادي والسياسي البلجيكي أرنست ماندل (Ernest Mandel) في كتابه المعنون (دينامية أفكار تروتسكي).

كانت ثورة 1905 أول ثورة اجتماعية تُفجِّرها وتقودها الطبقة العاملة، ويقودها حزب شيوعي، ضمن مشهد صراع اجتماعي متشابك، ومصالح عديدة من أعلى وأسفل تتصارع وتتضارب أحيانًا، وتتقاطع وتتلاقى أحيانا أخرى.

لقد كان المجتمع الروسي في السنوات السابقة على 1905 عبارة عن ساحة صراع في مواجهة نظام قيصري مستبد، وبداخله توجد فئات تتطلع للمشاركة في السلطة ودفع روسيا في اتجاه أكثر عصرية، وذلك في سياق يهيمن عليه الاستياء من احتكار القيصر لها. ومن الخارج توجد طبقات (استخدم هنا مصطلح “طبقات ” مجازيًا) مثل ملاك الأراضي الزراعية التي تهيمن على أغلب الاقتصاد التقليدي في روسيا، وتتطلع الإصلاحات دستورية وتشريعية تتيح لها دورًا يناسب حجمها ويسمح لها بالتطور والمشاركة السياسية، وقد شكّلوا لجان “الزيمستفات” لتنظيم حركتهم.

ومن جهة أخرى كان هناك تذمّر واحتجاجات متفرقة على نطاق الريف الروسي، الموجيك أو الفلاحين الفقراء الذين يشكلون أغلبية المجتمع الروسي، والخارجين لتوهم من وضع المشتركات القروية والعبودية الصريحة إلى وضع العمل المأجور أو شبه المأجور، الذين سيلهمون لاحقًا عمل قطاع من المثقفين المتمردين سيطلقون على أنفسهم أصدقاء الفلاح أو أصدقاء الشعب “النارودنيين ” ، باعتبار أن الفلاحين يمثلون عمليا الأغلبية الساحقة من الشعب الروسي، رغم أنه لا توجد روابط فعلية بينهم وبين الفلاحين الفقراء، لكنهم قرروا تبني قضيتهم والعمل على تنظيمهم وتحريرهم ولو بسبل عنيفة مثل الاغتيالات.

في مقابل هؤلاء كانت تنمو وتنشط طبقة حديثة وليدة تطور الرأسمالية نفسها، الطبقة العاملة الروسية، والتي لم تكن تشكّل أغلبية الشعب الروسي، لكنها تشكل فعليا عصب التطور الروسي الصناعي في الاتصالات والنقل والإنتاج الصناعي الحديث في عموم روسيا، وتتميّز بعلاقاتها العضوية بعضها ببعض وتمركزها في مواقع الإنتاج وقابليتها للتنظيم وتكويناتها النقابية، فضلاً عن كونها تتواجد وتعمل بكتلتها الأكبر في المدن التي تعد مقدمة قاطرة تطور روسيا ككل.

وفي وسط ذلك الخضم كان هناك نمو واسع لشرائح المثقفين والمتعلمين والكتاب الذين تبنوا مدارس فكرية حديثة متأثرين بالكتاب والمفكرين الأوربيين واجتهادات المفكرين والكتاب الروس، ومثّلوا الطبقات الاجتماعية فكريًا كل وفقًا لمنهجه.

ومن بين هؤلاء ولدت الماركسية الروسية التي تجمعت في حلقات، وسرعان ما وحدت نفسها في حزب واحد، الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي”، وربطت نشاطها وأهدافها بالطبقة العاملة، وراهنت عليها في تحرير روسيا من الاستبداد القيصري ومن الاستغلال الرأسمالى معًا، وسعت إلى خلق نظام اجتماعى جديد كليا، نظام كان علامته الإرشادية الأولية هو كوميونة باريس، لكن بعد استخلاص جوهر تجربتها وتصحيح وتفادى أخطائها وتطويرها بما يتلاءم مع التطورات التاريخية في عالم ما بعد الكوميونة.

لم يتجاهل الماركسيون الروس، منذ نشأتهم، الفلاحين الذين يشكلون أغلبية الشعب الروسي، فلا يمكن تحقيق ثورة ناجزة إن لم يشارك فيها الفلاحون، وقدموا اجتهادات مختلفة لفهم طبيعة الفلاحين وأشكال الإنتاج التي يعملون ضمنها وسبل التعامل معها، فيما سمّي بلاغيًا “المسألة الزراعية”، وتنوعت الاجتهادات حولها بشدة إلى درجة أنها اعتبرت قضية مركزية في الإجابة على سؤال “أي ثورة يجب أن نسعى إليها”.

وهو السؤال الذي قسم الماركسية الروسية الوليدة إلى اتجاهين رئيسين: أحدهم يسعى لإنجاز ثورة برجوازية هدفها الرئيسي تحرير الفلاحين أولا، وتحديث روسيا ككل اقتصاديًا وسياسيًا، والآخر يسعى لتحرّر جذري، ليس فقط من القيصرية، ولكن من الرأسمالية، وأن ينجز بطريقة مختلفة حل تلك “المسألة الزراعية” والتحديث الاقتصادي والسياسي، بما يتخطى حدود الرأسمالية، ولا يتسع المقام في تلك المقدمة للتعرض لها تفصيليا.

كانت الأحوال المعيشية في روسيا قد تدهورت بشدة بسبب استنزاف اقتصاد روسيا في حربها مع اليابان في صراعها على بسط النفوذ والسيادة في منشوريا وكوريا. الحقت اليابان، الأكثر تطورًا عسكريًا “، عدة هزائم بالجيش الروسي، ودمرت معظم أسطوله البحري، وانتهت الحرب باتفاقية مذلة لروسيا “معاهدة بورتسموث”.

على أثر الحرب ظهرت تذمّرات في أوساط الجماهير، وعملت السلطة القيصرية على احتوائها بطرق ناعمة، خلال “حقبة ” قصيرة من عهد الأمير سفيا توبولك – ميرسكي فترة وصفها المؤلف بأنها “شهر عسل العلاقات الودية بين الحكومة والجماهير….. عندما كانت الثقة العامة هي كلمة السر، وعندما كانت البيانات الحكومية والمقالات الليبرالية الرائدة، على حد سواء، مكتوبة بأقلام مغموسة في خليط مقزز من القار والعسل الأسود”. والتي تلاها حدث 9 يناير، يوم الأحد الدامي الذي لا مثيل له في الرعب الدراماتيكي: “عندما مزق هدوء الجو المشبع بالثقة المتبادلة فجأة هدير الرصاص الذي أطلق من بنادق الجنود وحطّمته إلى الأبد لعنات الجماهير البروليتارية”. عند ذلك انتهت كوميديا الربيع الليبرالي، وبدأت تراجيديا الثورة.

مع تفاقم التدهور وشح الخبز والسلع وانخفاض القدرات الشرائية، قرر العمال الروس (المنظمون في اتحاد نقابي كبير “جمعية عمال سانت بطرسبرغ”) ومعهم فقراء المدن والعاطلون وكذلك المثقفون التقدميون الزحف إلى قصر الشتاء بأعداد هائلة، حيث مقر القيصر، للتضرع إليه ومناشدته أن يرحمهم من الجوع ويوفر لهم الخبز.

كانت النقابات، رغم قوتها، خاضعة لسلطة أدبية ممثلة في قس له صلات وتفاهمات مع أجهزة الأمن، ويعمل على أن تكون مطالبها معقولة وألا يفلت عقالها أو تتطرّف. إنه الأب جابون. وقد حمل المشاركون في المسيرة عريضة مطالب شارك المثقفون والليبراليون في صياغتها، وأضافوا إليها مطالب تتعلق بتعديلات دستورية وإقامة برلمان ووقف الحرب التي أنهكتهم وإطلاق الحريات، وكان الأب جابون هو المنوط بحمل تلك العريضة وتسليمها إلى القيصر.

تقرر أن يكون هذا الزحف المسيرة التي خرجت يوم الأحد الثاني والعشرون من يناير (1905). كانت المسيرة سلمية، يحمل المشاركون فيها أيقونات دينية وصلبان وصور قديسين، وفي مقدمتهم صورة القيصر “الأب الرحيم”. وما أن اقتربوا من القصر وهم يرددون هتافات تمدح القيصر وتتضمن مطالبهم، قابلهم الحرس الإمبراطوري بقيادة الدوق فلاديمير ألكسندروفيتش، قائد الحامية العسكرية في سانت بطرسبرغ، بإطلاق وابل من الرصاص عليهم مباشرة ودون توجيه إنذار، فوقع عدد كبير من العمال بين قتيل ومصاب.

كان ذلك هو رد القيصر عليهم: “تبا لهم… كيف تجرؤون على الاقتراب من القصر الإمبراطوري؟”.

أشعلت تلك الأحداث غضب باقي العمال في روسيا، ومهدت المزاج الجماهيري لثورة 1905. تلك هي الخلفية فحسب.

تلي ذلك مرحلة التحضير للثورة، التي امتدت من يناير حتى أكتوبر من العام نفسه. مرحلة لعب فيها الحزب الاشتراكي الديموقراطي الخاص بالماركسيين دورًا كبيرًا رغم كونه حزبا سريًا، وصدرت خلالها أدبيات تحريضية هائلة، ومحل نفوذ الأب جابون عميل الشرطة، حلّ نفوذ الدعاة والمنظمين الاشتراكيين داخل النقابات والمصانع وفي أوساط المثقفين وبين قطاعات متزايدة من الروس.

أكتوبر 1905 لم يكن مجرد بروفة تحضيرية لأكتوبر 1917، لقد كان المعمل السياسي والاجتماعي الذي اختبر فيه كل المواد والأدوات الأساسية التي ستعمل في معظم، إن لم يكن كل ثورات المستقبل، أي الثورات الاجتماعية اللاحقة، وربما حتى السمات الرئيسية لثورات ما أطلق عليه “الربيع العربي”.

وذلك بداية من عمليات التعبئة الأولية لقوى الثورة، مرورًا باختبار القوى بين السلطة والشعب، والتقاطعات بين قوى سياسية مختلفة بشدة في التوجهات شد وجذب الصراع ضد القيصرية، استخدام المتاريس والتظاهرات، عمليات إشاعة الفوضى، استخدام ما سمّي بالبلطجية والعاطلين وحثالة فقراء المدن، تنازلات النظام الاحتوائية.

وربما الأهم من ذلك هو التحليل والرصد والتفاعل مع الجيش القيصري بتكوينه المركب وقطاعاته المختلفة، علاقة الجيش بالثورة، وعلاقة الثوريين بقطاعات الجيش، الفروق الذهنية بين الجنود، دينامية وتناقضات تلك العملية.

” يستحيل كسب الثورة إن لم نتمكن من كسب الجنود ، ويستحيل ذلك بالدعاية وحدها، رغم أهميتها الشديدة: “لا بد أولاً من سقوط ضحايا في الصراع يصاحبها تصميم الشعب”.

تلك هي أحد أهم نقاط تفرد هذا الكتاب وعبقرية ذلك الكاتب. نحن بصدد لوحة حية تجمع أهم المعالم والتفاصيل لواحدة من أهم الثورات، والتي لم تلق القدر الملائم من التناول والتحليل بعد نجاح أكتوبر الثاني، 1917 والغرق في الاحتفاء بالثورة المنتصرة.

بالتأكيد كل تعميم هو خطأ منهجى ضار، وكل ثورة تحمل سماتها الخاصة، لا يمكن إنكار ذلك. يؤكد تروتسكي نفسه على ما يلي: ” دمرت ثورتنا أسطورة “تفرد” روسيا. أثبتت أن التاريخ ليس لديه قوانين خاصة لروسيا”.

ومع ذلك، في الوقت نفسه، حملت الثورة الروسية طبيعة مميزة تماما خاصة بها، وهي الطبيعة التي نتجت من السمات الخاصة لتطور المجتمع وسياقه التاريخي والاجتماعي بأكمله، والتي بدورها، فتحت منظورات تاريخية جديدة أمام حركة التاريخ العالمي وصراعاته.

لا توجد ثورة اجتماعية في عصرنا الحديث يمكنها تفادي إضاءات الكوميونة الفرنسية، ومن المستحيل ألا تتقاطع، بوعي أو بدون وعي، مع تجربة وديناميات 1905. كما أن فهمها يوفر خبرة تاريخية وعملية ضخمة لكل من يفكر في المستقبل.

إن التجربة التاريخية لتطور روسيا حملت سمات تخلف مشابهة من زاوية ما لمجتمعاتنا، وتطورًا مشابها للمجتمعات الأوروبية الحديثة، ناتج عن زحف الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي. تلك السمات توسعت في خلقها ونشرها عالميًا في اقتصاديات وجيوش وبورصات الدول الأوروبية المتقدمة، أي الإمبرياليات الاستعمارية.

يشرح المؤلف تلك العملية عبر الفصلين الأول والثاني من الكتاب بتفصيل دقيق، حيث يرسم لوحة ديناميكية حية، سواء لحالة روسيا قبل الرأسمالية أو السياق اندماجها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وانعكاس ذلك على تشكيل وتطور طبقاتها الاجتماعية، العلاقة بين الطبقات المتصارعة والدولة، وانعكاس ذلك التطور التاريخي في ثقافة وصراع الطبقات في روسيا الإمبراطورية / الرأسمالية.

في سعيها لتسريع تطورها والمحافظة على سيطرتها الإمبراطورية على أقاليم وقوميات متعددة، كان عليها أن تدخل في منافسة وصراعات عسكرية عديدة ومرهقة، وكان ذلك يتطلب تطوير قدراتها العسكرية. ولإيجاد موارد لتطوير وتحديث قدراتها العسكرية، لم يكن أمامها إلا القروض، والشعب.

سعت السلطة القيصرية إلى فرض ضرائب تعسفية على الفلاحين، وهي الضرائب التي كانت ثقيلة ولا تحتمل في جميع الأوقات، والتي كان يتعذر على السكان التكيف معها. وطورت نظام الضمانات المتبادلة في القرى. وبواسطة النداءات والتهديدات التحذيرات، والابتزاز، أخذت المال من التجار والأديرةز الفلاحون هربوا من الأرض؛ التجار هاجروا”.

وبطبيعة الحال، كلما ازدادت القروض ازدادت الضرائب وتوسعت الدولة فى اعتصار مواطنيها بشتى السبل مما. ومما فاقم الأزمة التوسع في التجنيد وأخذ جزء مهم ورئيسي من قوة العمل في الريف ومن الطبقة العاملة فى المدن إلى جبهات القتال، مما أثر بدوره على الإنتاج وعلى المواد المعيشية المتوفرة في الأسواق ومهد الطريق إلى مسيرة يوم الأحد الدامي.

بالطبع لم تكن القيصرية لتتنازل عن الضرائب الرأسمالية، فقد كانت تفتقر إلى موارد تلبي حاجاتها المتزايدة من التسليح والإنفاق على الجنود والإدارات الحكومية. فضغطت أيضًا على الرأسمالية الناشئة وأضعفت، نموها، الذي كان بطيئًا بالمقارنة مع رأس المال الأوروبي.

تحت تأثير هذا الضغط، الذي عانت منه مختلف الطبقات الاجتماعية وانعكس في بطء نمو الزراعة والمصانع الروسية، صارت روسيا كلها تغلي من الداخل: البرجوازية الصناعية والمثقفون الليبراليون وكبار الملاك الزراعيون من جهة، وملايين الفلاحين والزراعيين الفقراء، بالإضافة إلى العمال من جهة أخرى. وبالنسبة للفقراء الذين كانوا بالكاد يحصلون على قوت يومهم، كان الأثر كارثيا.

ومن أعلى كانت الأوتوقراطية القيصرية تطفو فوق المجتمع كالكابوس، حيث “لم يكن هناك توازن بين الطبقات المهيمنة اقتصاديًا، كما حدث في الغرب، ومن ثم أدى ضعفها إلى جعل البيروقراطية الأوتوقراطية (1) الروسية منظومة مستقلة بذاتها. في هذا الصدد، تمثل القيصرية شكلا وسيطًا بين الاستبداد الأوروبي والاستبداد الآسيوي وعلى الأرجح، كانت أقرب إلى حالة الاستبداد الآسيوي”.

يمدنا الكتاب أيضًا بخلفية تاريخية واجتماعية عميقة حول التطور الروسي ومعالمه، ذلك التحليل الذي عُرف فيما بعد باسم نظرية الثورة الدائمة”، ولكن ليس في صورة استنتاجات عامة أو مفاهيم نظرية مجردة، بل في شكل سياق حي للتطور الاجتماعي الروسي برمته. والذي أيضًا استخلص منه علم الاقتصاد نظرية “التطور المتفاوت / المركب “.

-1 الأوتوقراطية: كلمة إنجليزية من أصل يوناني وتعنى نظام إدارة أو نظام حكم قائم على السلطة المطلقة للحاكم أو القائد هو من بيده كل المقاليد. وعادة يمسك بالسلطة عن طريق الاستيلاء أو التعيين أو الوراثة. أما الحاكم مطلق السلطة الذي يأتي بالانتخاب. فيطلق عليه ديكتاتور أو مستبد (جميع الهوامش الواردة للمترجم ما لم يذكر عكس ذلك).

واللافت أيضًا في تجربة 1905 هو تلك المرافعة الرائعة التي قدمها المؤلف بنفسه أثناء محاكمته هو وقادة السوفييت. فهي ليست مجرد مرافعة سياسية لمناضل قرر التمسك بمبادئه والإعلان عنها أمام قضاته، بل نموذج مبهر المرافعة قائد ماركسي تفوق فيها على أبرز المترافعين المحترفين من رجال القانون، معترفا بالتهمة، مقدما تفسيرا تاريخيا وسياسيًا لعدم تجريمها، ودون أدنى تنكر لكل أنشطة السوفييت بداية من التحريض وصولا إلى حمل السلاح.

مما لا شك فيه أن أحد جوانب أهمية الكتاب هو ردم فجوة كبيرة في تأريخ الثورات الاجتماعية وتسليط الضوء عليها بما يكفي تمامًا لفهمها في أهم جوانبها.

والأهمية الإضافية والثمينة للغاية، أنه ثاني تحليل اجتماعي لثورة، بعد ثلاثية ماركس الشهيرة عن فرنسا، يتسم بهذا القدر من العمق والديناميكية.

تلك اللوحة التاريخية الرائعة لثورة شديدة الثراء بالتفاصيل والديناميات، التي تبدو وكأنها لا تزال تعمل الى الآن، لدرجة أنه يمكننا القول بثقة أنه لا يمكن فهم ديناميات ثورات عالمنا الحديث بشكل ملائم دون قراءة 1905.

يشير لينين في أحد كتاباته إلى أنه: “لولا استيعابنا لدروس 1905 لم يكن ممكنا أن ننجح في أكتوبر 1917.

أحمد حسن، القاهرة، أكتوبر 2025

شارك المقالة

اقرأ أيضا