في تقييم مسيرات 17 مايو 2026 العمالية
بعد “دخول اجتماعي” فاتر في سبتمبر، مطبوع بنزوع القيادات النقابية الى الاقتراب من الدولة، عوض تقريب منظمات الشغيلة من بعضها البعض لتأليف القوة اللازمة للنضال في سياق تصاعد الهجمة البرجوازية على مختلف الجبهات، و بعد تدبير روتيني طيلة أشهر لمعارك صغيرة، فئوية وقطاعية لا تجمعها مطالب موحدة ولا وجهة واحدة، وبعد خيبة “حوار اجتماعي” تهكمت به الدولة من الحركة النقابية برمتها، توجد هذه الأخيرة في طور انتهاء “الموسم الاجتماعي”، حيث جرت العادة على تباطؤ الحركية النقابية الصادرة عن الأجهزة مع قدوم الصيف، في أفق إعادة انطلاق مع مطلع الخريف.
في هذا السياق دعت الكنفدرالية الديمقراطية للشغل إلى تنظيم مسيرات جهوية يوم 17 مايو 2026 ، تفعيلا لقرار مجلسها الوطني ليوم 5 ابريل 2026 المفوضة بمقتضاها للمكتب التنفيذي صلاحيةُ تنفيذ البرنامج النضالي الذي وضعه المجلس. هذا البرنامج لم يُعلن عن أطواره في الحين، ما يضفي عليه طابع سعيٍ آني للضغط بالتهديد من أجل جعل “الحوار الاجتماعي” مثمرا. وهذا ما أدركته الدولة، فلم تكترث بقرار المجلس الوطني للنقابة، وتصرفت بكل عنجهية في “الحوار الاجتماعي”.
كانت المسيرات الكونفدرالية الجهوية، في المقام الأول، تعبيرا عن صمود قسم من الشغيلة، وحفاظه على قوة تنظيمية، في ظل هجوم كاسح على التنظيم العمالي بسلاحي تعميم هشاشة التشغيل وقمع الأجنة النقابية، لا سيما في القطاع الخاص، فضلا عن حملة الاعلام البورجوازي المستغل لمثالب المنظمات النقابية لتنفير الشغيلة منها.
لم تكن المسيرات تعبيرا عن كامل ما يعتمل داخل الطبقة العاملة من سخط متنام، لأن قسما منه يعبر عن نفسه خارج أي تنظيم، وبوجه خاص في وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت أداة تفريغ للغضب، وحتى التماس رحمة الظالمين، وذلك بحكم الطابع الابتدائي للوعي العمالي غير المسترشد بدروس التجارب.
عبرت المسيرات الكونفدرالية عن قوة جزء فقط من الحركة النقابية، حيث لم تول المركزيات النقابية الأخرى أي اهتمام بالخطوة النضالية التي أقدمت عليها الكونفدرالية .د.ش، رغم انها (المركزيات الأخرى) عبرت عن استيائها من تعامل الدولة، ومن نتائج “الحوار الاجتماعي”، ومن تصعيد التعديات على الطبقة العاملة . ولم تقتصر سلبيتها على الاستنكاف عن المشاركة مع الك.د.ش، بل إنها لم تبادر من جانبها إلى أي رد، ما خلا كلام البيانات.
ومن أشكال التعبير عن الغضب العمالي التي لم تصُبْ في مسيرات 17 مايو ما يشهده قطاع الحراسة (المشغل لزهاء مليون أجير/ة)، حيث لا تزال درجة التنظيم غير متناسبة مع حجم الاستياء رغم الجهود المحمودة لفريق المناضلة لبنى نجيب في صفوف هذه الفئة ضحية قهر بالغ.
ويتخذ التعبير عن الاستياء شكلا ما قبل نضالي، بعيد عن الهيكلة النقابية وعن الفعل المنظم، في قطاع الكابلاج حيث يشهد نفورا عارما من قبل الشغيلة، تحت ضغط ضراوة الاستغلال، ما أحدث خصاصا كبيرا في اليد العاملة، تسعى شركات القطاع إلى سده بحملة إعلامية لاجتذاب الشغيلة.
ويدل هذان المثالان عن حجم جهود الانفتاح الواجبة على الحركة النقابية المغربية، الانفتاح بحملات من اجل تنظيم اقسام الطبقة العاملة الغاضبة خارج النقابات، ومساعدة شغيلة القطاعات المقهورة بالهشاشة بتنظيم تحركات نضالية تضامنية معها، وحملات تشهير بفرط الاستغلال والفتك بالشغيلة في ظروف عمل غير آمنة.
وإلى جانب هذا الانفتاح الواجب إزاء اقسام من الطبقة العاملة غير منظمة، يتعين على حركة نقابية مناضلة ان تنفتح على فئات الشعب الأخرى المكافحة، والتي يستهدفها قمع الدولة كما يستهدف الطبقة العاملة. وكم حز في النفس ألا تُشهر في مسيرات فاتح مايو، و لا في مسيرات 17 مايو ، لافتات تضامن مع شباب جيل زد المقموعين/ت، ومطالبة باطلاق سراح المسجونين منهم.
إن بناء النقابة العمالية يتطلب مصداقية قوية، لا تكتسب بالدفاع عن جزء يسير من الطبقة العاملة، جزئها المنظم، بل عن الطبقة برمتها وعن كل ضحايا القهر الطبقي و الاضطهاد من كل نوع.
إن المنوال الذي سار عليه هذا العام النقابي، ونتيجة مساعي القيادات النقابية لتحقيق مكاسب باقتصار على “الحوار الاجتماعي”، دليل إضافي لمن لم يفطن بعد على ان تحقيق مكاسب فعلية لمنخرطي/ النقابات، وللطبقة العاملة برمتها، يتطلب نضالات قوية ومديدة، مثالها حراك التعليم في 2024/2025.
ولا يستمد هذا المثال دلالته من حجم التعبئة التي اندمجت فيها المقدرات النضالية لشغيلة التعليم طيلة أشهر ثلاثة، بل أيضا من كون تلك الدينامية النضالية الوحدوية إنما فرضتها القاعدة من أسفل.
مقدرات الكفاح العمالي عظيمة، لكنها مشتتة في منظمات عديدة، وحتى خارج المنظمات. وقد برهنت الأجهزة النقابية أنها غير منشغلة بجمع القوة العمالية، وانها لا تفكر خارج منطق “الشراكة الاجتماعية”. منطق النضال هو على طرف نقيض من الشراكة المزعومة، قوامه التعويل على تحريك قوة الشغيلة بتوحيدها ومدها ببرنامج نضالي، من مطالب ذات قدرة على التجميع، واشكال نضال كفاحية وذات نفس. المبادرة إلى التضامن مع النضالات الجارية، و السعي إلى تضافر الجهود، من مختلف المشارب النقابية، في ابسط معركة عمالية، والتربية على الديمقراطية وجماعية القرار، وتجاوز العصبيات “القبلية النقابية”، هذا سبيل السير قدما بالحركة النقابية لامتلاك المقدرة على انتزاع مكاسب فعلية.
اقرأ أيضا

