نعي : جان زيغلر (1934-2026): سويسري متمرد في “عقل الوحش”

بلا حدود16 يونيو، 2026

بقلم جان باتو

لم يغادرنا جان زيغلر، بل الموت من انتزعه منا عن عمر 92 عامًا، في 10 يونيو 2026. فلنبقَ أوفياء لابتسامته وتفاؤله وحماسه وسخريته اللطيفة لمواجهة الأوقات الصعبة التي تلوح في الأفق.

في العام 2007، استعان به عمال نستله في مرسيليا، في خضم صراع نقابي دام زهاء عامين، للتعريف بنضالهم. استقبلهم في منزله في جنيف، ووافق على الفور على كتابة مقدمة لكتابهم  بعنوان “قهوة مرة” (Café amer) . وشارك في أمسية مساندة لهم. أتذكر المفاجأة والعاطفة التي أثارتها بساطته وتضامنه المطلق لدى هؤلاء الشغيلة.

لم يكف، حتى النهاية، عن الدعوة إلى انتفاضة الضمائر — Der Aufstand des Gewissens، العنوان الألماني لخطابه الممنوع في سالزبورغ (2011) — ودعم النضالات الشعبية، رافضاً أن يشتم المستقبل باسم الحاضر البائس. وتشهد على ذلك عناوين اثنين من آخر كتبه: «طرق الأمل» (2016) و«أين الأمل؟» (2024).

و كان، في الآن ذاته، مهووساً بنقل القيم التي ألهمت نضالاته. ويشهد على ذلك كتابان من مؤلفاته: «الجوع في العالم موضحاً لابني» (2000) و«الرأسمالية موضحة لحفيدتي (على أمل أن ترى نهايتها) » (2018).

لنتذكر أن نضالاتنا من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ضد الفقر والاستغلال وجميع صنوف الاضطهاد، لا تقتصر على الأحياء فقط. فإذا انتصرت الهمجية، فلن يكون حتى موتانا في مأمن، كما أوضح والتر بنجامين.

كان جان يذكرنا، في كتاب «الأحياء والموتى» (1980)، بأن الموتى يظلون فاعلين رمزيين في المجتمعات البشرية، وقد أُسنِد إليهم دور أساسي، أصبح اليوم مهددًا بسبب الفردية المدمرة وفقدان الذاكرة الجماعي اللذين يُربيهما العالم الرأسمالي.

سيظل دفاعه الدؤوب عن التمرد دليلا لنا. لنتذكر بعض عناوين كتبه  الأشبه ببيانات: «أقلبوا وجهة البنادق!» (1980)، «المتمردون ضد نظام العالم» (1997)، «سادة العالم الجدد و الذين يقاومون» (2002).

فلنحمل عَلم صيحات تحذيره المتواصلة بشأن أفريقيا، بؤرة فظائع الرأسمالية، وضد فضيحة الجوع. من «السيطرة على أفريقيا» (1978) إلى «الدمار الشامل. الجيوسياسة والجوع» (2011)، مروراً بـ«إمبراطورية العار» (2005). مشاغل جوهرية غالبًا ما أهملها اليسار.

وعند عودته من مهمة لفائدة الأمم المتحدة، ندد أيضًا بمخيمات اللاجئين اليونانية في ليسبوس، عار أوروبا (2020). و انتقد سياسة الهجرة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي، مظهراً عواقبها المأساوية: الاكتظاظ السكاني، وهشاشة المأوى، وسوء الأوضاع الصحية، ونقص الرعاية الطبية، والمعاناة النفسية.

وأخيراً، لا ننسى أبداً إدانته لسويسرا المتسترة — «عقل الوحش» كما سماها تشي غيفارا — في كتاب «سويسرا فوق كل شك» (1976) أو في «سويسرا تغسل أكثر بياضاً» (1990)، وكذلك تشكيكه في تواطؤها الاقتصادي مع ألمانيا النازية، في كتاب «سويسرا والذهب والموتى» (1997). وقد أكسبته هذه الأعمال كراهية النخب في هذا البلد وملاحقات قضائية مكلفة.

سخط يدعو إلى التحرك، ومثابرة لا تتزعزع برغم نكسات كثيرة، والتزام دؤوب إلى جانب معذبي الأرض، إنه إرث ثمين يورثه جان زيغلر لمعسكرنا. وعلى الرغم من الخلافات التي قد كانت بين اليسار الجذري وهذا المناضل غير النمطي في الحزب الاشتراكي السويسري، يمثل الدفاع عن مثل هذا النهج أفضل تكريم يمكننا أن نقدمه له اليوم وغداً.

جان باتو

 ترجمة : جريدة المناضل-ة

المصدر:

https://marx21.ch/jean-ziegler-1934-2026-un-insoumis-dans-le-cerveau-du-monstre/

شارك المقالة

اقرأ أيضا