هل هناك ربح أخلاقي؟

سياسة14 أغسطس، 2018

 

 

بقلم و.م

أثار تقرير لجنة الاستطلاع البرلمانية ردود متابينة، كان أهمها مطلب عمر بلافريج عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، باستعادة 17 مليار درهم، ربحتها شركات المحروقات بطريقة لا أخلاقية بعد تحرير القطاع.

استند بلفريج على إحدى خلاصات اللجنة التي أكدت ما يلي: «متوسط الفارق بين الأسعار المحتسبة استنادا إلى تركيبة أسعار ما قبل التحرير والأسعار المعتمدة، بزائد 96 سنتيم في الليتر في الغازوال، و76 سنتيم في البنزين».
سنتفادى هنا التركيز على هذه الخلاصة دون الذهاب إلى جوهر الأمور الذي تناولته لجنة الاستطلاع، وهو التأكيد على أن سياسة التحرير المندرجة في منظور ليبرالي موجه من طرف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي هو الذي كان وراء ارتفاع أسعار المحروقات منذ منتصف التسعينات. وسنركز على مبادرة البرلماني بلفريج لاستعادة ما سماه «ربحا لا أخلاقيا».
فهل هناك ربح أخلاقي؟
تفرض الإجابة على السؤال الرجوع إلى النقاش حول أصل الربح، وهو نقاش تواجهت فيه المدرسة الليبرالية الكلاسيكية والنظرية الاقتصادية الماركسية في النصف الثاني من القرن 19.
من أين يأتي الربح؟
يؤكد علماء الاقتصاد السياسي البرجوازي أن الربح ما هو إلا مكافأة يتلقاها صاحب رأس المال على المخاطرة باستثمار «أمواله»، ويؤكد آخرون أن الربح ما هو إلا المقابل الذي يحصل عليه رأس المال بسبب مشاركته في عملية الإنتاج.
لكن هذه التأكيدات لم تقدم تفسيرا لعملية نشوء «الربح»، التعبير النقدي عن جزء من فائض القيمة، أي أنها لا تغوص داخل دائرة الإنتاج وعلاقة الاستغلال القائمة بين الرأسمالي والعامل. تقتصر هذه التفسيرات على دائرة التبادل حيث يتم تحقيق قيمة السلع المنتجة ومعها استخلاص فائض القيمة/ الربح.
يضم تأكيد الاقتصاديين البرجوازيين مغالطة اقتصادية فاقعة، فهم يؤكدون أن الرأسمالي يساهم في عملية الإنتاج، بمعنى أنه يزيد من كمية القيم المنتجة لمجرد أنه يستثمر أمواله. وهذا غير صحيح، فالرأسمال المستثمر لا يزيد شيئا من قيمة المواد الأولية، بل يجري نقل جزء من قيمته المبلورة سابقا إلى السلع الجاري إنتاجها.
لا يمكن للرأسمال في حالته النقدية أو كمواد أولية أن يولد قيمة. الرأسمال (نقود، مواد أولية، تجهيزات، أبنية…)، يُطلق عليه «عملا ميتا» هو في حاجة إلى تدخل «العمل الحي»، أي قوة العمل التي يقدمها العامل المأجور. وقوة العمل هي التي تولد قيمة بتحويلها المواد الأولية والتجهيزات إلى سلع جديدة، ويقوم العامل بإضافة قيمة جديدة إلى السلع القديمة.
نلاحظ إذن أن الرأسمال لا يساهم بشيء في خلق القيم الجديدة، فالرأسمال بدوره ليس إلا نتاجا لعملية خلق سابقة، جرى الاستيلاء عليها بنزع ملكية صغار الملاك (فلاحون صغار، حرفيون… الخ).
ليس الربح إذن، مكافأة على مشاركة الرأسمال في عملية خلق القيم الجديدة، ولا مكافأة على مغامرة الرأسمالي بأمواله. من أين إذن يتأتى هذا الربح.


فائض القيمة: عمل غير مؤدى عنه
تتيح لنا نظرية القيمة- العمل التي بلورها ماركس وطورها في كتابه «رأس المال» فهم أصل الربح.
نحدد قيمة كل سلعة اعتمادا على كمية العمل اللازمة اجتماعيا لإنتاج هذه السلعة، وتحدد كمية العمل هذه بالوقت الضروري اجتماعيا لإنتاجها أخذا بالاعتبار شروط الإنتاجية والتطور التقني.
يعني هذا أن تبادل السلع داخل المجتمع يعتمد مقياس قيمتها التبادلية التي يجري تحديدها بكمية العمل اللازم اجتماعيا لإنتاجها، وهكذا يجري تبادل منتجات متكافئة اعتمادا على هذا المقياس المجرد.
لكن لو جرى تبادل منتجات متكافئة لما استطاع الرأسمالي أن يراكم ربحا، ولكانت العملية عبثية: يستثمر الرأسمالي مليون درهم في بداية العملية الإنتاجية ليستخلص نفس المبلغ عند نهايتها. لا بد إذن من مصدر للربح، لا يظهر للعيان لأنه يجري تغطيته بعلاقات التبادل داخل السوق، هذه العلاقة تموه علاقة الاستغلال التي تجري داخل دائرة الإنتاج.
لا يمكن أن نستخلص من سلعة معينة أكثر من قيمتها، وإلا سيعتبر ذلك نهبا صريحا واستغفالا للشاري من طرف البائع. من أين يأتي إذن الفارق بين سعر الكلفة وسعر البيع الذي يعبر عنه الربح؟
لا بد من وجود سلعة في السوق تتمتع بصفات غريبة، تسمح لشاريها أن يستخلص منها أكثر من الثمن المؤدى لشرائها. إن هذه السلعة الغريبة ليست إلا قوة العمل التي يؤجرها العامل للرأسمالي.
يتميز المجتمع الرأسمالي بتعميم إنتاج السلع، وبتحويل قوة العمل ذاتها إلى سلعة. وما دامت قوة العمل سلعة فإنها تخضع لقانون تحديد قيمتها بكمية العمل اللازم لإعادة إنتاجها، ويقصد بها هنا كمية وسائل العيش اللازمة لبقاء العامل قادرا على العمل (أكل، لباس، سكن، رعاية اجتماعية… الخ). ويجري تحديد كمية وسائل العيش هذه بالوقت اللازم اجتماعيا لإنتاجها.
لنفرض أن أجرة ساعة عامل صناعي هي 10 دراهم، ويشتغل هذا العامل مدة 8 ساعات، هكذا تكون أجرته اليومية 80 درهما. هكذا تقدر قيمة وسائل عيش هذا العامل بـ 80 درهما، وهي التي تتجسد في جزء فقط من كمية العمل التي يقدمها العامل داخل المصنع. لو اشتغل العامل مدة 8 ساعات ووقف عن العمل ما استطاع الرأسمالي أن يربح شيئا، ولكان حاصل عملية الإنتاج صفرا من ناحية مراكمة الربح. لا بد إذن من إطالة عملية الإنتاج ما وراء الوقت الضروري لكي ينتج العامل وسائل عيشه وإعادة إنتاج قوة عمله.
إذا كانت قيمة ساعات عمل كافية لإعالة العامل 24 ساعة، فليس هناك ما يمنع العامل من العمل مدة 10 أو 12 ساعة. وهنا نعثر على الفرق بين ثمن شراء قوة العمل (القيمة التبادلية/ الأجر) وبين القيمة التي يستطيع العامل أن يخلقها (القيمة الاستعمالية لقوة العمل). إن القيمة التبادلية لقوة العمل والقيمة التي تستطيع خلقها، مقداران مختلفان تمام الاختلاف. وكان هذا الاختلاف بالذات نصب عين الرأسمالي عندما اشترى تلك السلعة، أي: قوة العمل.
إن هذا الفرق بين قيمة قوة العمل والقيمة التي تخلقها، هي ما يطلق عليه كارل ماركس «فائض القيمة»، وهو جزء من يوم عمل العامل يستولي عليه الرأسمالي مجانا، وهو أصل الربح. فهل يعتبر ذلك سرقة.


الجواب هو نعم ولا
نعم، لأن فائض القيمة عمل مجاني يتخلى عنه العامل ويستولي عليه الرأسمالي دون مقابل داخل دائرة الإنتاج. ولا، لأن الرأسمالي والعامل هنا يحترمان قانون القيمة السائد داخل دائرة التبادل.
يأتي العامل إلى السوق حاملا قدرته على العمل، قوة عمله ساعيا لتأجيرها، ويأتي الرأسمالي إلى السوق حاملا نقودا باحثا عن قوة عمل يستأجرها. العامل يعرض قوة عمل والرأسمالي يطلبها كلاهما بكل حرية وبدون إرغام. وما دام قانون القيمة يفرض تعويض قوة العمل بقيمتها أي كمية العمل اللازمة لإعادة إنتاجها، فإن كلا الرأسمالي والعامل يحترمان قانون القيمة. وبذلك يكون ربح الرأسمالي «ربحا قانونيا»، أي خاضعا لقانون القيمة.
يصف ماركس هذه العملية في كتاب «رأس المال» بقول: إن الرأسمالي والعامل «يبرمان عقدا ثنائيا بوصفهما شخصين حرين متكافئين حقوقيا. والعقد الذي يتوصلان إليه، ليس سوى الشكل الذي يسبغان فيه إرادتهما الموحدة طابعا قانونيا. المساواة! لأن كل منهما يقيم علاقته مع الآخر بصفته مجرد مالك سلعة، ويبادلان معادلا لقاء معادل. الملكية! لأن كل واحد لا يتصرف إلا بما يملك».
لكن إذا غادرنا دائرة التبادل، «جنة عدن فعلية للحقوق الإنسانية» على حد تعبير ماركس، وانتقلنا إلى دائرة الإنتاج، حيث ينفق العامل قوة عمله، سنجد أن الربح هنا ناتج عن عملية استغلال العامل، أي عملية اعتصار فائض القيمة منه، وبتعبير آخر عن عملية استيلاء مجاني على جزء من يوم عمله.
إن الرأسمالي والعامل لا يبادلان معادلا (قوة العمل) لقاء معادل (الأجر)، فما يقدمه الرأسمالي للعامل هو أدنى دائما من كمية العمل التي يقدمها العامل للرأسمالي.
إن الحديث عن لا أخلاقية ربح معين تصدر عن سياسي برجوازي، لا تتجاوز عينيه دائرة التوزيع والتبادل. وكل انتقاداته للنظام الرأسمالي لا تتعدى الشطط الذي قد يصيب المستهلك، ولكن بالدرجة الأولى الذي يصيب أفرادا أو أقساما من الطبقة البرجوازية بسبب سطوة قسم مهيمن من نفس الطبقة.
لذلك بدل أن يناضل البرلماني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي من أجل القضاء على علاقات الاستغلال الرأسمالي، نراه يسعى إلى إضفاء الطابع الأخلاقي عليها، باستنكار ما سماه «ربحا لا أخلاقيا» راكمته شركات المحروقات.
لا يعني هذا عدم مشروعية مطلب استعادة هذا «الربح غير الأخلاقي»، لكن مطالبة البرلمان بواسطة مشروع قانون لن يؤتي أكله. فقط بالنضال وتنظيم العمال وجمهور المفقرين سنرغم الرأسماليين على إرجاع هذه الأموال، دون الوقوف في حدود هذا التحسين الجزئي لشروط الاستغلال الرأسمالي، بل للتوجه نحو القضاء النهائي عليه.

شارك المقالة

اقرأ أيضا