أي تنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ العدالة البيئية، الاستخراجية و’التنمية المستدامة‘

بقلم، حمزة حموشان

7.1 الأزمات البيئية والمناخية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

أصبح التغير المناخي ذو المنشأ البشري واقعاً بالفعل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو اواقع يزعزع الأساس الاجتماعي-الاقتصادي والإيكولوجي للحياة في المنطقة. فتونس والجزائر والمغرب شهدت موجات حرّ شديد خلال صيف 2015 أتبعه جفاف مستمر خلال 2016 كان كارثياً بالنسبة للزراعة (خصوصاً لصغار المزارعين في المغرب). الصحراء تتمدّد وتبتلع الأرض من حولها، مما يفرض ضغطاً هائلاً على الموارد المائية المستنزفة أصلاً، أما الاستخدام الجائر للمياه الجوفية وتسرّب مياه البحر إلى احتياطاتها فسيضعان بلدان المنطقة في مصاف البلدان التي تقع تحت خط الفقر المائي (أقل من 500م3 لكل شخص) بحلول عام 2050[1].

إن عدد الأيام الشديدة الحرّ المسجّلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً لمدير معهد ماكس بلانك للكيمياء والأستاذ في معهد قبرص خوسيه ليليفلد، تضاعف منذ عام 1970، وقد يتضاعف خمس مرات قبل نهاية هذا القرن. يتوقع الدكتور ليليفلد وزملاؤه ازدياداً هائلاً في عدد اللاجئين المناخيين في المستقبل[2].

وتتفاقم تداعيات التغير المناخي والأزمة المناخية بسبب التدهور البيئي واستنزاف الموارد الطبيعية الناتجين عن نموذج تنموي إنتاجوي في التنمية يقوم على الصناعات الاستخراجية: النفط والغاز في الجزائر وليبيا والعراق وممالك النفط والغاز في الخليج (وبدرجة أقل في تونس ومصر)؛ وتعدين الفوسفات في تونس والمغرب؛ والصناعة الزراعية الشديدة الاستهلاك للمياه والمترافقة مع السياحة في كل من المغرب وتونس ومصر.

وإلى جانب التلوث والتدمير البيئي والانتشار المتزايد لأمراض مثل السرطان، شاهدت خلال زياراتي البحثية إلى مواقع استخراج الوقود الأحفوري وصناعات التعدين أمثلة واضحة على ما يسميه ديفيد هارفي ’التراكم عبر سلب الملكية‘[3] وكذلك ما يصفه سمير أمين بـ’تنمية التخلف‘.[4] يمكن الجزم بأن الفقر في هذه المناطق يرتبط بوجود موارد طبيعية مهمة، وثمة أمثلة عديدة على ذلك: الغاز والنفط في عين صالح وحاسي مسعود في الجزائر، وحوض تعدين الفوسفاط في قفصة وقابس في تونس، والمدينة الصناعية في آسفي وتعدين الفضة في إميضر في المغرب.

7.2 الاستخراجية والعدالة الاجتماعية

إن الترابط الوثيق بين الثروات والفقر هو مفارقة النهج الاستخراجي في ظل الرأسمالية، حيث تنشأ مناطق ضحية (بضحاياها البشر) بهدف الحفاظ على تراكم رأس المال[5]. فعين صالح الجزائرية تعتبر من أغنى بلدات الغاز في القارة الإفريقية، لكنها بلدة قبيحة وذات بنية تحتية سيئة للغاية. يطلق سكان عين صالح على المستشفى الوحيد لديهم ’مستشفى الموت‘. أما قابس التونسية، الواحة الساحلية الوحيدة على البحر الأبيض المتوسط، فقد كان يقال عنها ’جنة على الأرض‘ قبل إنشاء المصنع الكيميائي في سبعينات القرن الماضي على شواطئها لمعالجة الفوسفات المستخرج من مناجمه القريبة. تسبب ذلك المصنع بإبادة بيئية في الواحة، وذلك من خلال نهب مياهها وتلويث هوائها وبحرها وقتل العديد من حيواناتها ونباتاتها[6]. ويتحدث البعض حتى عن إرهاب بيئي، في سياق خطاب سياسي مشحون بـ’مكافحة الإرهاب‘. هذان مجرد مثالين من بين أمثلة كثيرة تسلط الضوء على العلل المرتبطة بالنهج الاستخراجي.

كنت شاهداً أثناء سفري في الجزائر والمغرب وتونس على المعطيات الواقعية لـ’مفارقة الوفرة‘ هذه (أو كما تسمى أيضاً ’لعنة الموارد‘[7]): الفقر، البطالة، النفايات السامة، النيران الصناعية، دفن السموم في باطن الأرض، نهب الموارد، وغير ذلك الكثير. سيكون من التبسيط (والخطأ) حصر مسؤولية كل ذلك فقط بنخب محلية فاسدة وطغاة خسيسين باحثين عن الريع. إن أكبر الجناة هو العلاقات الدولية الاستعمارية الجديدة التي تواصل نهب معظم البلدان بوساطة الشركات المتعددة الجنسيات، والقواعد والاتفاقات التجارية، والمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي[8].

7.2.1 الاستخراجية والاستعمار الجديد

تتناقض الاستخراجية إلى حد كبير مع العدالة الاجتماعية بسبب تبعاته الاجتماعية والبيئية الفادحة[9]. يصف ألبرتو أكوستا هذا النهج بأنه «نشاط لا تدخل تكاليفه الاجتماعية والبيئية في أسعار منتجاته، فهي تكاليف برّانية يتحملها مجتمع بلا حقوق ديمقراطية في عالم مليء بالمشاريع الريادية العابرة للحدود الوطنية»[10].

المقصود بالنهج الاستخراجي (أو الاستخراجية) تلك النشاطات المفرطة في استغلال الموارد الطبيعية بهدف تصديرها إلى الأسواق العالمية. ولا يقتصر ذلك على المعادن والنفط، بل ينسحب أيضاً على الزراعة والغابات وصيد الأسماك، وحتى السياحة التي تعتمد أنشطتها على الاستهلاك الشديد للمياه. كان مفزعاً بالنسبة لي مشاهدة ملاعب غولف تبنى في مناطق قاحلة أو شبه قاحلة في المغرب. لقد كان فانون مصيباً دوماً في نقده للسياحة، والتي اعتبرها صناعة ما بعد استعمارية بامتياز، تتحول فيها نخبنا إلى «منظمي حفلات» لنظرائهم الغربيين في ظل طغيان الفقر[11].

إن النموذج التنموي الاستخراجي هو آلية للنهب والاستحواذ في مرحلتي الاستعمار والاستعمار الجديد. فقد تم تطبيقه بغض النظر عن استدامة المشاريع الاستخراجية أو حتى استنزاف الموارد الطبيعية[12]. أما الاعتماد على المراكز الحضرية لاستخراج وتصدير المواد الخام في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فقد استمر إلى يومنا هذا من دون تغيير عملي منذ مرحلة استعمار، على الرغم من بعض التغييرات التي طرأت على بعض الجوانب التقليدية للنهج الاستخراجي فيما يتعلق بزيادة تدخل الدولة. ليس الكلام عن الاستعمار الجديد بمبالغة، فقد أذهلني وأحزنني أن أسمع مراراً وتكراراً بيانات تقارن بين الآثار المدمرة لصناعات الاستعمار في المغرب الكبير وآثار صناعات ما بعد الاستعمار. في بعض الحالات كان يقال إن المستعمرين الفرنسيين كانوا أرحم[13]. تشير هذه المقارنات برأيي إلى وجود استعمار داخلي، يساعده نموذج تنموي استخراجي ينهب السكان ويلقي بتكاليفه الاجتماعية-البيئية على كاهلهم.

لا يمكن فصل الاستخراجية عن مكائد الحروب الدولية وعسكرة حكومات في العالم. يستحق العراق وليبيا الذكر على وجه خاص، فكلاهما كان ضحية العنف المرتبط بوفرة الوقود الأحفوري، من جهة، والقنابل والمقاتلات الغربية التي تجتذبها هذه الوفرة من جهة أخرى.

7.2.2 الصناعة الزراعية والسيادة الغذائية

تقدم الصناعة الزراعية مثالاً آخر على الاستخراجية الضارية والمدمّرة، وهو ما نراه في المغرب ومصر، حيث تهيمن الصناعة الزراعية الأحادية المحصول والشديدة الاستهلاك للمياه والموجهة نحو التصدير. وتهدف ’خطة المغرب الأخضر‘ التي تحدد البرنامج الزراعي الحكومي للفترة ما بين 2008 و2010، والتي أصدرتها الحكومة المغربية عام 2008 بدعم من البنك الدولي، إلى زيادة قيمة المحاصيل الموجّهة نحو التصدير خمسة أضعاف من خلال تحويل الإنتاج بعيداً عن الحبوب الغذائية الأساسية، وتشجيع الاستثمار الخاص في الزراعة، وإزالة الضوابط التي تقيّد حقوق الملكية الخاصة[14]. إن المغرب بتركيزه على المحاصيل المدرّة للدخل، والتي تحتاج لكميات هائلة من المياه، يقوم عملياً بتصدير موارده المائية الشحيحة، وبالتالي بمفاقمة أزمته المائية. الأسوأ من ذلك أن الصناعة الزراعية ليست فقط غير مستدامة بيئياً، بل هي قائمة على استغلال قوتها العاملة – ولا سيما النساء اللواتي يعملن في ظروف عمل بالغة السوء ولا تخلو من التحرش الجنسي.

وتعتبر الزراعة الصناعية (أو الصناعة الزراعية) أحد أهم مسببات تغير المناخ. لا يمكننا أن نتحدث بشكل جدّي عن معالجة أزمة المناخ وعن تحول عادل دون تحرير النظم الغذائية من جشع النخب والشركات المتعددة الجنسيات. لا يمكن تحقيق ’العدالة المناخية‘ دون تحقيق السيادة الغذائية. تعرّف حركة طريق الفلاحين العالمية فيا كامبيسينا السيادة الغذائية بأنها «حق الشعوب في الغذاء الصحي الذي يراعي الاعتبارات الثقافية ويتم إنتاجه بأساليب سليمة ومستدامة بيئياً، وحقهم في تحديد أنظمتهم نظمهم الغذائية والزراعية». هذه السيادة «تعطي أولوية للاقتصادات والأسواق المحلية والوطنية» و«تشجع التجارة الشفافة التي تضمن دخلاً عادلاً لجميع الشعوب»، كما «تستلزم علاقات اجتماعية جديدة خالية من القمع والتفاوت بين الرجال الونساء أو بين الشعوب أو الجماعات العرقية أو بين الطبقات الاجتماعية أو بين الأجيال»[15].

7.2.3 الاستخراجية والصراعات الاجتماعية-البيئية

إن للسكان المقيمين حول مناجم الثروات الباطنية مظالم قديمة تتفجر أحياناً على شكل انتفاضات. من التبعات الرئيسية للنهج الاستخراجي تفشّي الصراعات الاجتماعية-البيئية، والتي تدور حول النفاذ إلى الموارد الطبيعية والمحافَظة عليها والتحكم بها، وتتّسم بأشكال جديدة من التعبئة غالباً[16]. من الأمثلة على ذلك الانتفاضة الكبيرة في عين صالح عام 2015 ضد خطط لتكسير صخور أراضيهم وتلويث مياههم[17]؛ وأيضاً حركة العاطلين عن العمل في ورقلة عام 2013 بالقرب من خزان الثروة النفطية في حاسي مسعود[18]؛ وكذلك انتفاضة عام 2008 في حوض قفصة المنجمي (والتي قابلها نظام بن علي بقمع دموي)؛ وأخيراً النضال المتواصل للمجتمعات الأمازيغية في إميضر ضد مناجم الفضة المملوكة لشركة قابضة ملكية تنهب مواردهم الطبيعية البلدية (بما في ذلك المياه) وتقوم بإفقار المنطقة.[19]

هناك دوماً بعد بيئي للنضالات التي كنت جزءاً منها، لكنه غالباً ما يكون ثانوياً بالمقارنة مع قضايا أكثر إلحاحاً تتعلق بالحقوق الاجتماعية-الاقتصادية: فرص العمل، وتطوير البنية التحتية الحضرية والريفية، توزيع الثروة المتأتية من الموارد، دمقرطة عمليات صنع القرار… يحدث أن يغلب الاجتماعي على البيئي، فالظروف الاجتماعية هي ما يشكل الحراك البيئي، والذي غالباً ما يدور حول سبل العيش لا حول البيئة المحيطة كقضية منفصلة. لذلك تحتاج المشكلات البيئية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى عدسة تحليل واسعة تراعي مطالب العدالة الاجتماعية والمستحقات والتوزيع العادل.

7.3 الحوكمة البيئية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

7.3.1 هيمنة الخطاب النيوليبرالي

في مواجهة كل هذا الظلم والتدمير، من الذي يشكّل الخطاب البيئي ويصوغ سبل التصدّي لتغيّر المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

تعتبر المؤسسات المالية الدولية والوكالة الألمانية للتعاون الدولي ووكالات الاتحاد الأوروبي[20] صاحبة الصوت الأعلى في المنطقة، فهي التي تنظم المناسبات وتنشر التقارير، وهي التي تسلط الضوء على مخاطر تغير المناخ وتدعو لاتخاذ إجراءات عاجلة كالترويج للطاقة المتجددة ووضع خطط للتأقلم. ونظراً لقلة البدائل، وفي ضوء الصمت النسبي لحكومات المنطقة، تبدو توصيات هذه المؤسسات بالحدّ من آثار تغير المناخ على الفقراء توصيات جذرية. لكن تحليلها للأزمة البيئية يبقى محدوداً، فهو لا يشمل قضايا الطبقات أو السلطة أو التاريخ الاستعماري. كما أن الحلول التي تقترحها تستند إلى السوق، وتتخذ مقاربة من الأعلى إلى الأسفل، فتفشل تماماً في معالجة الأزمة من جذورها[21]. فمثلاً بدل الترويج للتخفيضات الضرورية في انبعاثات غازات الدفيئة، تساعد هذه المؤسسات على المزيد من التلوث عبر منح تراخيص وإعانات للصناعات المتعددة الجنسيات والصناعات الاستخراجية.

إن الرؤية المستقبلية التي يدفع باتجاهها البنك الدولي والوكالة الألمانية والوكالة الأمیركیة للتنمیة الدولیة والتعاون الفرنسي والعديد من قوى الاتحاد الأوروبي، تتسم باقتصادات مسخّرة للربح الخاص وخصخصة المزيد من المیاه والأرض والغلاف الجوي. إن لهذا الخطاب المحدود آثاراً كاسحة بسبب هيمنة المؤسسات النيوليبرالية على إنتاج المعرفة حول تغير المناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إن معظم الكتابات حول الأزمة البيئية في المنطقة تتغاضى عن مسائل القمع والمقاومة، وتركز بمعظمها على مشورات ’الخبراء‘ بما يؤدي لتهميش الأصوات القادمة ’من تحت‘[22]. يقدّم هؤلاء ’الخبراء‘ في نهاية المطاف المزيد من الأغلال بالترويج للمذهب النيوليبرالي عبر ما يسمى ’المساعدات الخارجية‘ و’التعاون الدولي‘. ما يزال نقد الزعيم الثوري البوركيني توماس سانكارا لهذه المساعدات راهناً، فهو رأى فيها «لا شيء أكثر من أدوات لنشر الفوضى واستعباد الشعوب» رافضاً الاستماع إلى «النصابين الذين يحاولون بيع نماذج تنمية أثبتت فشلها جميعاً»[23].

إن المنظورات السائدة تتجاهل إلى حد كبير الصراعات القاعدية في الأماكن التي يكون فيها التأقلم مع تغير المناخ مسألة عدالة ونجاة من المحن. لقد لجأ الاستعمار منذ وقت طويل إلى إنتاج المعرفة عن شعوب المنطقة وبيئاتهم، وإلى إيجاد ممثلين عن هذه الشعوب والبيئات، في سعيه لتحقيق مشاريعه الاستعمارية وأهدافه الإمبريالية. نحن نشهد اليوم على تحكم مشابه بالإنتاج الخطابي تستخدمه هذه القوى نفسها في سبيل الهيمنة، في حين تجري إعادة صياغة بلداننا، مرة أخرى، كمواضيع للتنمية، بما يذكر بالمهمة الحضارية التي دأب على ذكرها الاستعمار القديم.

7.3.2 اختراق المجتمع بالمنظمات ونزع السياسة عن قضايا البيئة إقليمياً

تمتلك مؤسسات التنمية الدولية المهيمنة الموارد المالية والبشرية اللازمة لتشكيل واستمالة المجتمعات المدنية المحلية، بالتمويل والمساعدات، لتأسيس مختلف المنظمات البيئية. لقد ذهلت لكثرة جمعيات ومنظمات المجتمع المدني التونسي والمغربي التي تدّعي العمل على قضايا البيئة. على حدّ علمي معظم هؤلاء لا يتعاطى السياسة ويسعى بنشاط –وأحياناً بانتهازية– وراء التمويل الأوروبي والأجنبي.

يطلق على هذه الظاهرة أحياناً ’اختراق العالم بالمنظمات غير الحكومية‘، وهي يفترض بها ’تمكين المجتمع المدني‘ لكنها في واقع الأمر تساهم في خلق دائرة مصطنعة وفئوية داخل المجتمع المدني لا تخدم إلا تعميق سوقنة وخصخصة المسائل الاجتماعية[24]. لا يخطر على بالي لتوضيح ما أشعر به حيال تفشّي وباء المنظمات غير الحكومية في المغرب الكبير، وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام، أفضل وأبلغ من عبارات أرونداتي روي عن الظاهرة نفسها في الهند:

«إن مساهمتها الحقيقة هي في تنفيس الغضب السياسي وتوزيع ما هو حق للناس على شكل قطرات من المساعدات أو الأعمال الخيرية. إنها تغير النفس الجمعية وتحول الناس إلى ضحايا تابعين وتقضم احتداد المقاومة السياسية. تشكل المنظمات غير الحكومية نوعاً من الحاجز بين الحاكم والجمهور، وبين الإمبراطورية ورعاياها. لقد أصبحت الحكم والوسيط والترجمان».[25]

في بحث معمّق عن دور المنظمات غير الحكومية في أفريقيا، يرى فيروز مانجي وكارل أوكويل أن المقاومة التي واجهت ما لا يحصى من «برامج التكيف الهيكلي» في الجنوب العالمي أجبرت الوكالات المتعددة الأطراف والثنائية الأطراف على إعادة النظر في مقاربتها لتعزيز التنمية، وخاصة في كيفية تقديم البرامج الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية ذاتها لكن مع ’وجه أكثر إنسانية‘. وقد أعيد تسويق هذه البرامج ضمن أجندة ’الحوكمة الرشيدة‘، حيث تستمال المنظمات غير الحكومية وغيرها من منظمات المجتمع المدني بهدف ممارسة ’الرقابة الاجتماعية‘، فتكون بمثابة بديل لبرامج الرعاية الحكومية التي تقوّضها أجندة التقشّف المفروضة من الخارج. بالنتيجة شاركت هذه المنظمات بشكل فعّال في توسيع وترسيخ الهيمنة النيوليبرالية[26].

يجب إحياء وتعزيز وتعميم هذا النوع من التحليل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما في تونس، حيث تقف وكالات التنمية الدولية ومعظم المنظمات غير الحكومية برأيي إلى جانب الثورة المضادة المستمرة، فتفرّغ الصراعات من السياسة وتشتّت الحركات الاجتماعية وتقوّض المقاومة وتصرف الانتباه عن العلاقات الاستعمارية. وهي بذلك تسهم بمختلف الطرق في تعميق أجندة النيوليبرالية في تونس (وغيرها). نحن بحاجة إلى القطع مع الفرضية السائدة بالتقسيم الميكانيكي بين الدولة والمجتمع المدني، ورفض التجانس المزعوم للمجتمع المدني عبر إخضاعه للتحليل الطبقي. على هذا التحليل أن يأخذ بعين الاعتبار كيف تواصل الرأسمالية والإمبريالية الإخضاع والنهب عبر إضعاف الدول وتفضيل مجتمع مدني يحمي إلى حد كبير المصالح الإمبريالية والرأسمالية. لقد أوضح آدم هنية ببراعة كيف أن المؤازرة والاستعمال غير النقدي لمفهوم جامع للمجتمع المدني هو في الواقع إلهاء عن معطيات الصراع الطبقي ضد الاستغلال الرأسمالي، حيث يقول:

«مع ذلك من الدقيق القول إن السرديات التقليدية عن الشرق الأوسط تقلّل عموماً من شأن المسائل الطبقية، فتختزلها إلى واحدة من عدة ’مجموعات مصالح‘ مختلفة مثل ’نخب رجال الأعمال‘، وهذا خلل أساسي في المفاهيم السائدة عن المجتمع المدني، والذي يمثل، بحسب تحليل إلين ميكسينز وود الرائد للمفهوم، ’وعاء مفاهيمياً يكوّم بشكل عشوائي كل شيء فوق أي شيء، من الأسر والجمعيات الطوعية إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي‘. وهكذا فإن ثنائية دولة/مجتمع مدني تعمل على ’إبعاد مشكلة الرأسمالية مفاهيمياً عبر تقسيم المجتمع إلى شظايا غير محكومة بهيكل سلطة عليا أو بوحدة جامعة أو بإكراهات نسقية – أي بعبارة أخرى، غير محكومة بنظام رأسمالي له دوافع توسعة وقدرة على اختراق جميع جوانب الحياة الاجتماعية».[27]

7.3.3 تصفية الإرث الاستعماري ومفاهيم العدالة: هل يمكن تطبيقها على المغرب الكبير؟

قادتني رحلاتي المتعدّدة إلى المغرب الكبير وتفاعلي مع شعوبه إلى التفكير في راهنية مفاهيم مثل العدالة المناخية في المنطقة. من الضروري إعادة النظر في بعض الأولويات: هل يمكن أن نطلب ممن يواجهون البطالة والفقر والقمع والتهميش السياسي أن يهتموا بقضية تغير المناخ؟ هل نتوقع منهم استعياب وتبنّي قضية العدالة المناخية دون الحديث عن العلل الاجتماعية والبيئية التي يعانون منها؟

قد يكون من الأسهل الحديث ببساطة عن ’العدالة‘ وتناول أزمة المناخ الملحّة ضمن هذا الإطار. أعرف من تجربتي في المغرب الكبير أن من الصعب مناقشة تغير المناخ مع السكان والمجتمعات المحلية دون الحديث عن الظروف الاجتماعية-الاقتصادية والديمقراطية والشركات متعددة الجنسيات، ومجمل النظام الرأسمالي الذي يولّد أوجه الظلم المترابطة.

بدا لي في نقاشاتي مع السكان في المغرب الكبير أن مفهوم العدالة المناخية مفهوم دخيل ومبهم؛ ليس بسبب خطأ ما يعتري ’الشرقيين‘، بل لأن المفهوم أجنبي ولا جذور له في المنطقة (حتى الآن على الأقل)، فالترجمة العربية تبدو غريبة ولا تحدث اي صدى لدى السكان المحليين. حتى المفهوم الأوسع الذي يتكلم عن العدالة البيئية ليس شائعاً.

أما الناشطون والمثقفون والمنظمات العاملة في المغرب الكبير فقلّما يأتون على ذكر قضايا تغير المناخ والتدهور البيئي، إلا في حالات قليلة تشكّل الاستثناء لا القاعدة. كذلك يتم استيراد هذه المفاهيم من أوروبا من دون تفكير نقدي أو تعريفات لائقة. أعتقد بشدة أن استيراد المفاهيم وفرضها على السكان لن يؤدي لنتائج عكسية مضمونة فحسب، بل قد يحافظ على بعض بنى الهيمنة القائمة بين الشمال والجنوب في نهاية المطاف، فهي هيمنة موجودة على المستوى المعرفي أيضاً[28]. من المفيد التفاعل مع حركات في أماكن أخرى والتعلم منها، لكننا بحاجة دوماً إلى أخذ مفاهيمنا وخطاباتنا ضمن سياقها والنظر في تاريخها.

تركز العدالة البيئية عادةً على احتياجات المجتمع المحلي، فتضع صناعة الوقود الأحفوري وغيرها من الصناعات الكبرى موضع المساءلة، وتدعو للسعي نحو علاقة مستدامة بالطبيعة، كما أنها تدرك استحالة الفصل بين الآثار المدمرة للبيئة والآثار المدمرة لحياة الناس، وتؤكد استغلال المجتمعات الأكثر فقراً لصالح الأقوياء، وهي أخيراً تدور حول تحكم الناس بأراضيهم ومواردهم الطبيعية، وتفترض أن الناس جزء لا يتجزأ من البيئة.

أما العدالة المناخية فتعترف بالمسؤوليةالتاريخية للغرب الصناعي في التسبب بالاحتباس الحراري، وتراعي مواطن الضعف غير المتكافئة التي تواجه بعض البلدان والمجتمعات المحلية، كما أنها تعترف بدور السلطة في التسبب بالتغير المناخي وتحديد  من يقع عليه العبء. تعني العدالة المناخية القطع مع مبدأ ’بزنس آز يوجوال‘ (سير العمل كما هو معتاد) الذي يحمي النخب السياسية العالمية والشركات المتعددة الجنسيات والأنظمة العسكرية، مع الدفع باتجاه عمليات جذرية للتحول والتكيف الاجتماعي والبيئي.

هل علينا أن نركن إلى مصطلحات مثل العدالة المناخية للحديث عن الجانب السياسي الجائر للتعامل مع تغير المناخ؟ أم نحتاج لإعادة النظر في مفاهيمنا، وإلى موضعتها بشكل أدق ضمن قضايا محددة تؤثر –في هذه الحالة– على معيشة الشعوب المغاربية: قضايا مثل شح المياه والجفاف والتلوث الصناعي والسيادة على الموارد…؟ أنا ممن يفضلون الخيار الثاني. هناك دوماً بعد بيئي للنضالات التي كنت جزءاً منها، لكنه غالباً ما يكون ثانوياً بالمقارنة مع قضايا أكثر إلحاحاً تتعلق بالحقوق الاجتماعية-الاقتصادية: فرص العمل، وتطوير البنية التحتية الحضرية والريفية، توزيع الثروة المتأتية من الموارد، دمقرطة عمليات صنع القرار…

لذلك تحتاج المشكلات البيئية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى عدسة تحليل واسعة تراعي مطالب العدالة الاجتماعية والمستحقات والتوزيع العادل. كما تحتاج استجاباتنا للتحدي المناخي أن تكون أكثر شمولاً، وألا تقتصر على مجرد تحذير الناس وحثهم على إعطاء أولوية لهذه المسألة على حساب احتياجاتهم الأكثر إلحاحاً. علينا أن نبيّن أن هناك ما يربط بين المشكلات المباشرة التي يواجهها الناس والأزمة البيئية التي يواجهها العالم، وأن على أي حلول مقترحة لأي منهما أن تضع هذا الرابط بعين الاعتبار. في الوقت نفسه لا بد من الانتباه إلى القدرة الاستثنائية للسلطة (ومؤسساتها) على الاستيلاء على أية مقاربة نقدية ومن ثم تعديل مضمونها ومسخها إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج النظام القائم؛ ينطبق ذلك أيضاً على اللغة المستخدمة للحديث عن العدالة[29].

7.4 تطوير بدائل مستدامة وعادلة

في كل عام يلتقي القادة السياسيون والمستشارون ووسائل الإعلام العالمية مرة أخرى في ضمن مؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. لكن على الرغم من التهديد العالمي، تسمح الحكومات لانبعاثات الكربون بالتصاعد وللأزمة بالتفاقم. وقد اختطفت سلطة الشركات المباحثات وراحت تروّج لحلول مزيفة مدرّة للربح. وقد حظي مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين الذي عقد في باريس في ديسمبر / كانون الأول 2015 باهتمام كبير، غير أن القادة السياسيين فشلوا في الوفاء بالتخفيضات اللازمة لضمان البقاء. ولم يكن مؤتمر الأطراف الثاني والعشرين الذي عقد في المغرب في تشرين الثاني / نوفمبر 2016 مختلفاً بشيء على هذا الصعيد.

كيف يمكننا التخطيط لتحول عادل نحو طاقات متجددة وسبل مستدامة لإنتاج غذائنا واحتياجاتنا الرئيسية فيما تسطو على مواردنا الطبيعية شركات متعددة الجنسيات وتستولي على أرضنا ومياهنا صناعات زراعية وغير زراعية مدمّرة؟

7.4.1 إعادة تأطير المسائل وكسب النقاش

حيثما ذهبت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكلما شاركت أفكاري حول أسباب الظلم البيئي والمناخي وقدمت تصوراً مبدئياً  كيفية تقديم نقد وتشخيص بنيوي، كان يبادرني أحدهم بالسؤال: لكن ما الحل (أو الحلول)؟

أعتقد أنه سؤال مشروع ويستحق إجابة ما، ولا سيما والأزمة البيئية تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم فيما المشكلات (البيئية والاجتماعية) التي تواجه المجتمعات المحلية تزداد سوءاً وتبقى دون معالجة كافية. مع ذلك فإن إجابة كهذه ليست واضحة بل تثير تعقيدات على مختلف الصعد. إذا كنا نعتقد أن الأزمة البيئية العالمية ناجمة عن أزمة الحضارة الغربية وأزمة الرأسمالية والإنتاجوية وأزمة النيوليبرالية وأزمة الديمقراطية، فإن أي حلول نقترحها بحاجة إلى تأمّل وتخيّل عالم جديد يعاد فيه تشكيل علاقاتنا مع الطبيعة ومع بعضنا البعض، ويوضع حد فيه لاستغلال الطبيعة واستغلال البشر.

ما من وصفة تقدّم حلولاً دقيقة أو خطة مفصّلة خطوة خطوة للخروج من المأزق الذي نحن فيه. علينا كسر التصور الليبرالي المهيمن لمعالجة المشكلات بهذه الطريقة؛ التصور الذي تنادي به مؤسسات دولية كثيرة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات التنمية الحكومية، فتساند الوضع القائم الظالم عبر طرح ما لا يحصى من الإصلاحات التقنية.

الأمر الحاسم هنا هو العمل على تشخيص وتحليل دقيق يضع المظلومين في قلب المعادلة. على تحليل كهذا أن يتصدى للخطابات المهيمنة الصادرة عن الظالمين والطبقات الحاكمة. إن إعادة تأطير المناقشات لكشف ونبذ الأكاذيب والخدع الكامنة في اللغة الليبرالية (من قبيل ’الحكم الرشيد‘ و’الشفافية‘ و’التعاون الدولي‘) حاجة قصوى الآن. لقد استعمرت هذه اللغة المعقّمة تفكيرنا ومناقشاتنا ومداولاتنا لدرجة نزع السياسة عن مختلف الأزمات وإفساح المجال لمن يسمون أنفسهم الخبراء (النيوليبراليين) لتقديم الوصفات والحلول. من المنطقي إذن أن تؤدي هذه الحلول غلى إقصاء الناس عن عمليات صنع القرار بطريقة لا تسمح فقط بهروب الجناة من دفع ثمن جرائمهم البيئية والاجتماعية الماضية، بل وتوفر لهم رخصة إضافية للتكسّب من تبعات جرائمهم ضمن ما يسمى ’رأسمالية الكوارث‘[30].

ومن الأهمية بمكان الحديث عن مثل هذه القضايا من خلال عدسة “العدالة” بدلا من”الأمن”، الذي يميل إلى تمكين أجهزة الدولة القمعية والحفاظ على نظام عسكريتاري يبرر العنف والحرب من أجل ضمان الوصول إلى الأسواق والموارد الطبيعية. وينبغي على إعادة التأطير هذه أن تتناول/ مسائل العرق والطبقة والتاريخ الاستعماري والعلاقات الاستعمارية الجديدة القائمة بين المراكز الإمبريالية والأطراف. وهي تحتاج إلى توسيع نطاقها بحيث تتجاوز الحقوق الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية ليشمل الاعتراف بحقوق الطبيعة.

سيسمح لنا التأسيس لخطابات مناهضة للاستعمار والرأسمالية بالبدء في طرح الأسئلة المناسبة التي تربط بين مختلف الصراعات المتقاطعة والمتشابكة: العدالة المناخية والعدالة البيئية والسيادة الغذائية والعدالة التجارية ومكافحة العنصرية ومقاومة العسكريتاريا ومناهضة الحرب ورفض سياسات التقشف … إن جميع القضايا التي تتناولها هذه الصراعات تعبيرات مختلفة عن منطق مضمر واحد، هو منطق تراكم ثروات طائلة في أيدي القلة مع سلب حقوق وأملاك الأغلبية. تمثل هذه الصراعات جوانب مختلفة لمقاومة نظام لا يظهر أي احترام للبشر أو للطبيعة، وهي بالتالي بحاجة لأن تتقارب وتخلق فضاء ورؤية من أجل بديل تحرري.

باختصار، المشكلة مشكلة نسق كامل، وعلى الاستجابة لها أن تكون استجابة نسقية.

7.4.2 تنميات بديلة أم بدائل للتنمية؟

إن التنمية بأشكالها الحالية في المغرب الكبير، وفي عموم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل، بينما يستمر الاعتماد على صادرات المواد الخام والتكنولوجيا المستوردة، ويستمر العوز والبطالة كتحدّيَين جسيمَين، ويستمرّ التدهور البيئي.

تدمير كوكبنا يتسارع حتى في أقصى الزوايا النائية من العالم، وهاجس النمو الاقتصادي يبرّر ذلك ومنطق السوق الساعي وراء أقصى قدر ممكن من الربح يساعد على ذلك. ومع ذلك، كما تقول ميريام لانغ، يتجاهل المخيال الجمعي السائد لا يضع في الحسبان لا المحدودية المادية للكوكب (قدرته على تحمّل التلوث والنفايات) ولا «التناهي الحتمي للموارد الطبيعية المتاحة للرأسمالية». هذا المخيال، تضيف لانغ، «لا يقدم سوى المزيد من التوسّع والمزيد من النمو، فضلاً عن حلول تكنولوجية تزداد تعقيداً، من أجل مواجهة الكوارث الطبيعية وأزمة الطاقة »[31].

لذلك يتعين علينا، وبالتحديد على اليسار الراديكالي والثوري، بلورة رؤى جديدة تتجاوز مقاومة الهجوم الضاري الحالي للرأسمالية وصولاً إلى التشكيك المباشر بذلك المخيال المضمر الكامن وراءها، وهو المخيال الذي يجبرنا على أنماط الحياة قائمة على الاستهلاك المفرط والاندراج في منظومة العولمة – وإن في موقع التابع. يسمى هذا المخيال السائد ’التنمية‘.

إن الإطار النظري الذي تمثله ’التنمية‘ متجذر  في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (كما في الكثير من مناطق العالم)، إذ ما يزال الناس يعتبرون أنفسهم ’متخلفين‘ و’أقل تطوراً وتقدماً‘ ويشعرون بالحاجة إلى اللحاق بركب ’المتقدمين‘ في الغرب الصناعي. لكن ظهرت مؤخراً بعض الأصوات المتمردة على هذا الإطار، تنتمي إلى تيار ’تصفية الاستعمار‘ الساعي لتفكيك المفاهيم الغربية حول ’التنمية‘ و’الحضارة‘ و’التقدم‘ و’الحداثة‘[32]، والذي يعتبر هذه المفاهيم مفروضة ومبنية على أساس نظرة خطية للتاريخ تقسم العالم إلى ’متطورين‘ و’متأخرين‘، ’متقدمين‘ و’أقل تقدماً‘، ’حديثين‘ (اقرأ غربيين) و’متخلفين‘ (اقرأ غير غربيين). تدّعي هذه المفاهيم أنها كونية وتصدر الأوامر إلى المهمشين والمحرومين باتباع مسار محدّد سلفاً للدخول في عولمة إمبريالية واستعمارية تقودها البلدان ’المتقدمة‘، بما يشرعن الاستتباع والخضوع. إن هذه المفاهيم الأوروبية المرتكز بطبيعتها تتمسك بتفوقها المزعوم عبر استبعاد ونزع شرعية أشكال المعرفة الأخرى وأساليب الحياة الأخرى ومساهمات الحضارات الأخرى[33].

7.4.2.1 التنمية كعلاقة جديدة بين الشمال والجنوب

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ خطاب التنمية يحل محل العلاقات الاستعمارية القديمة بالتدريج، حيث أصبح الإطار الجديد السائد للعلاقة بين الشمال والجنوب. ما كان سابقاً سياسات اقتصادية غربية مفروضة على المستعمرات أعيد تسويقه على أنه ’تعاون دولي‘ و’التنمية‘[34]. بحسب الأنثروبولوجي الكولومبي أرتورو إسكوبار، تعتبر ’التنمية‘ مجموعة من ترتيبات السلطة والمعرفة التي أعادت تنظيم العالم من خلال مجموعة هائلة من السرديات والنظريات والاستراتيجيات والممارسات، وبالتالي شرعنت تقسيم العمل الدولي بما يتماشى مع الخطوط الرأسمالية، أو بعبارة أخرى مع استمرار الإمبريالية كاستعمار جديد. بالنسبة إلى إسكوبار، تجسد عبارات ’الحكم الرشيد‘ و’الشراكة‘ و’الملكية‘ التي تتخلل خطاب المساعدات «الإرادة المتأصلة بتمدين الشعوب». لذا ما لم يكن لدينا تحليل لتاريخ معقد يعود إلى قرون من التمييز، فإن «مشاريع التنمية ستنتهي غالباً بإعادة إنتاج علاقات التفاوت المتعلقة بترتيبات المعرفة/السلطة»[35]. من جهة أخرى يجادل مانجي وأوكويل أنه في خطاب التنمية هذا «لم يعد يقال إن الأفارقة ’غير متمدنين‘، بل بالأحرى ’غير متقدمين‘»، ففي كلتا الحالتين هناك أوروبي ’متمدن‘ أو ’متقدم‘ لديه دور يؤديه في ’تمدين‘ أو ’تنمية‘ أفريقيا. المشكلة الحقيقة في الخطاب التنموي، بالنسبة لهما، أنه لم يتم تأطيره بلغة التحرر والعدالة بل «بمفردات الإحسان والخبرة التقنية والحياد، مع نزعة أبوية عميقة»[36].

من هنا فإن خطاب ’التنمية‘، بتشكيله أدوات تخيّل وتغيير الواقع، تحول إلى منظومة لتمثيل الآخر والسيطرة عليه (أو الاستمرار في تمثيله والسيطرة عليه). يرى إسكوبار أن دراسة التنمية كخطاب هي أقرب ما يكون إلى دراسة إدوارد سعيد للخطاب الاستشراقي[37].

2.4.2.2 التنمية المستدامة

لقد أصبحت التنمية مرادفاً للنمو الاقتصادي وصار يستخدم المصطلحان بالمعنى نفسه غالباً[38]. في ستينيات وسبعينات القرن العشرين، كانت ’التنمية‘ قد واجهت الكثير من التحديات والانتقادات سواء من قبل شعوب الجنوب أو المثقفين النقديين في الشمال[39]، والذين أقلقهم فشل وعودها بالقضاء على الفقر والجوع، والتدمير البيئي الذي كانت تتسبب به نتيجة الاستخراج الجامح للموارد الطبيعية المحدودة. ثم ظهر خلال السبعينيات والثمانينيات مفهوم جديد يستجيب لهذه التحديات: ’التنمية المستدامة‘. تم إقرار هذا التصور في مؤتمر قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992، وقد جاء للتوفيق بين الضرورات الاقتصادية (النمو) والاجتماعية (الحد من الفقر) والإيكولوجية (حماية البيئة). وهكذا نجت ’التنمية‘ بإضافة صفة ’المستدامة‘، ونجا معها احتمال النمو الاقتصادي الدائم الدائم[40]. تبقى ’التنمية المستدامة‘ تضارباً لفظياً ينطوي على تناقض، فهو تقترح أن بالإمكان تحقيق نمو دائم ومستدام بيئياً، وهو أمر مستحيل بالنظر إلى الحدود المادية لكوكبنا.

لا بد من نزع الطابع المادي عن التنمية عبر التقليص الشديد لاستهلاك المواد والطاقة، وعبر توجيه اقتصاداتنا نحو تلبية الاحتياجات الإنسانية[41]. لا ينبغي أن تبقي البدائل على ذلك الترادف بين التنمية والنمو الاقتصادي. وبينما تهدّد أزمة المناخ بخراب يعمّ الكوكب، من الضروري وضع حدّ واضح للنهج الاستخراجي، ولا سيما استغلال المحروقات. نحن إذن بحاجة للبدء بالتفكير في نماذج وتحولات تنمية ما بعد استخراجية.

تعتبر أعمال المثقفين الملتزمين في أميركا الجنوبية، مثل إدواردو غوديناس وماريستيلا سفامبا وألبرتو أكوستا وميريام لانغ وغيرهم، مفيدة للغاية في هذا المجال وتستحق أن تطرح وتناقش في المنطقة العربية. يجب فهم ما بعد الاستخراجية على أنها تحول ينطوي على عدة خطوات ملخصة أدناه (مع التوصية بأعمال إدواردو غوديناس لمزيد من التفاصيل)[42].

في البداية علينا الانتقال من ’الاستخراجية الضارية‘ (ما يجري حالياً) إلى ’الاستخراجية المعقولة‘، التي يتم تنظيمها عن كثب ويتم فيها احترام المعايير الاجتماعية والبيئية بشكل صارم. إن لهذه ’الاستخراجية المعقولة‘ آثار عليها أن تتحمّلها، ويتم ذلك بإضافة الكلفة الاجتماعية-البيئية إلى السعر الذي تباع به الموارد الطبيعية في الأسواق الدولية. المأمول أن تضع هذه الخطوة الأولى حداً للعلل الاجتماعية والبيئية التي تتسب بها كبرى شركات الاستخراج، وأن تسمح بانخفاض هام في الاعتماد على الصادرات بما يسمح للدول بسنّ التشريعات والضوابط والقيام بإصلاحات مالية معينة (ضرائب على الشركات المتعددة الجنسيات). الخطوة التالية هي الانتقال نحو الاستخراجية ’الأبسط‘ أو ’الضرورية‘، حيث لا يسمح سوى بالمشاريع الاستخراجية اللازمة لتلبية الاحتياجات الوطنية والإقليمية. في حالة الجزائر، على الناشطين والمثقفين والقادة المجتمعيين أن يصغوا إلى الشعار البليغ «اتركوا النفط تحت الأرض»، والذي نشأ في دلتا النيجر بعدما نجحت عقود من النضال ضد شركات النفط (مثل شركة شل) في مدّ المجتمعات المحلية بالإصرار والكفاح لإنهاء استخراج الوقود الأحفوري الضارّ. أقامت هذه الحملة في النيجر روابط مع عدة حملات أخرى مناهضة للاستخراج في أميركا الجنوبية، كتلك الموجودة في الغابات الاستوائية الغنية بالنفط في الإكوادور[43].

سيرى البعض في كل هذا أفكاراً طفولية أو غير واقعية أو حتى مجنونة. سيدّعي آخرون أنها غير قابلة للاستمرار اقتصادياً. بيد أن غوديناس يقدم لنا مجموعة علاجات بسيطة: سيعوض عن انخفاض حجم الصادرات جزئياً ارتفاع أسعار الموادّ المصدّرة؛ كما ستحقق الدولة وفورات كبيرة، فهي لن تتحمل الكلفة البيئية والاجتماعية للاستخراجية؛ وسيضمن فرض الضرائب التصاعدية توقف الدعم الحكومي على أنشطة الاستخراج؛ وأخيراً سيعني التنويع الاقتصادي المزيد من فرص العمل في قطاعات أخرى.

من نافل القول أنه لا بد أن يترافق تقلّص القطاع الاستخراجي مع تنويع في الاقتصادي، مع تركيز خاص على الزراعة والفلاحة والصناعة والخدمات. الأهم من ذلك أن تغييرات حادة من هذا النوع لا يمكن أن تحدث على مستوى بلد واحد فقط، بل هي بحاجة إلى تنسيق إقليمي لتفادي أي أزمة اقتصادية تنشب نتيجة مقاطعة المشترين الدوليين. في هذا الصدد يعتبر التكامل الإقليمي –بشكل مستقل ومتحرّر من العولمة الرأسمالية– أمراً لا بدّ منه[44].

العائق الوحيد هو طبيعة الأنظمة السياسية في المنطقة، والتي تقوم على نخب متسلّطة وفاسدة تفرض حكمها بالتواطؤ مع عمليات النهب المنظمة لشعوبها. من هنا فإن النضال من أجل العدالة البيئية والمناخية ومن أجل تحولات عادلة نحو نماذج تنمية ما بعد استخراجية هو بالأساس نضال من أجل الديمقراطية.

7.5 خاتمة: السيادة وتصفية الاستعمار

نحتاج إلى قطيعة جذرية مع الرؤية الرأسمالية للتنمية، وإلى انفصال شامل عن آليات السوق التي تحاصر الطبيعة وطلاق تام مع الاستخراجية الضارية. كما نحتاج، من أجلنا ومن أجل بلداننا، إلى التخلي عن أوهام إمكانية استنساخ نموذج النمو الاقتصادي للبلدان الصناعية. ولتفادي الفوضى المناخية علينا السعي نحو استعادة الممتلكات العامة من أيدي الشركات، ووقف تسليع الطبيعة والمساحات والعلاقات. علينا، بعبارة أخرى، تصفية استعمار الطبيعة.

في هذا السياق من الأهمية بمكان استئناف مهام تصفية الاستعمار وفك الارتباط عن النظام الإمبريالي الرأسمالي (تنظر أعمال سمير أمين حول فك الارتباط)[45] من أجل استعادة إنسانيتنا المضطهدة. يمكن بالمقاومة ضد المنطق الاستعماري والرأسمالي القائم على الاستيلاء والاستخراج أن تتولد مخيالات جديدة وبدائل مضادّة للهيمنة.

في ختام كتابه العظيم معذبو الأرض، يقول المفكّر الفذّ والكاتب الثوري الكاريبي-الجزائري فرانز فانون:

«هلموا إذن يا رفاق، فقد انتهت اللعبة الأوروبية أخيراً؛ يجب أن نجد لأنفسنا شيئاً مختلفاً. نحن اليوم قادرون على كل شيء ما دمنا لا نقلّد أوروبا؛ ما دمنا غير مهووسين برغبة اللحاق بركب أوروبا… يجب أن نفتح صفحة جديدة، يجب أن نكتشف مفاهيم جديدة وأن نحاول خلق إنسان جديد».[46]

 المصدر: نحو تنمية عادلة اجتماعيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

مؤسسة فريدريش إيبرت -2017

إحالات:

[1] El-Zein et al. (2014).

[2] Lelieveld et al. (2016).

[3] Harvey (2003, 2005).

[4] Amin (1990, 2013).

[5] Klein (2014).

[6] Ayeb (2014).

[7] Acosta (2013).

[8] Bassey (2012).

[9] Gudynas (2013).

[10] Acosta (2013).

[11] Fanon (1967).

[12] Acosta (2013).

[13] Hamouchene (2016).

[14] Hanieh (2011).

[15] Via Campesina (2007).

[16] Svampa (2013).

[17] Daragahi (2015).

[18] Hamouchene & Rouabah (2016).

[19] Bouhmouch & Bailey (2015).

[20] Gaub & Laban (2015).

[21] Anderson & Bows (2012).

[22] Waterbury (2013); Brown & Crawford (2009).

[23] Dembele (2008).

[24] Bogaert (2011).

[25] Roy (2014).

[26] Manji & O’Coill (2002).

[27] Hanieh (2013).

[28] Escobar (2012).

[29] Ciplet et al. (2015).

[30] Klein (2008).

[31] Lang (2013).

[32] Khiari (2016); Dakhlia (2016).

[33] Lang (2013).

[34] Lang (2003); Gudynas (2003).

[35] Escobar (2012).

[36] Manji & O’Coill (2002).

[37] Escobar (2012).

[38] Gudynas (2013).

[39] على سبيل المثال: سمير أمين، أندري غوندر فرانك، أرتورو إسكوبار، جلبير ريست، غوستافو إستيفا.

[40] Coombes & Haeringer (2014).

[41] Gudynas (2013).

[42] Gudynas (2013).

[43] Bassey (2012).

[44] Gudynas (2013).

[45] Amin (1990, 2013).

[46] Fanon (1967).

Print Friendly, PDF & Email