السودان الثورة تطيح بالديكتاتور ونظامه يناور لتفادي السقوط

أعلن وزير الدفاع نائب الرئيس السوداني عمر البشير في بيان أول باسم اللجنة العليا الأمنية عن سقوط النظام والتحفظ على رأسه في مكان آمن، دون نسيان إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول وحل الجمعية الوطنية ومجالس الولايات وتعيين مجلس عسكري انتقالي يحكم لمدة سنتين.

الثورة الشعبية تطيح بنظام عمر البشير.

زهاء خمسة أشهر من بدء ثورة شعبية عميقة، بسبب أزمة اقتصادية زادها تعمقا غلاء مضطرد لأسعار المواد الأساسية، وانهيار العملة وندرتها، سرعان ما اتسعت رقعتها وأعداد المشاركين فيها بتواز مع اشتداد قمع النظام، واستنفاد مناوراته وانكشاف وعوده التي خبرها الشعب خلال ثلاث عقود من حكم العسكر وعكازه من بقايا جبهة الإنقاذ الإسلامي.

سقط أزيد من 50 قتيل برصاص قوات القمع كما اعتقل  الآلاف في مختلف الولايات السودانية، وتم إعلان حالة الطوارئ ومنع الاحتجاجات، واستباحت ميليشيات قوات التدخل السريع، والأجهزة البوليسية السرية، حرمة المنازل ومقرات الهيئات الحزبية، كما اعتقل عشرات الصحفيين والمثقفين. وأخيرا تنصيب حكومة عسكرية باسم النجاعة لمباشرة إصلاحات اقتصادية، إلا أن كل تلك المناورات أسقطها الشعب بعزيمة بطولية، وأحرق تباعا كل أوراق النظام وخنقه رغم ما يحوزه من وسائل القوة العسكرية، لأن أزمته السياسية والاقتصادية وتأكل قاعدته الداعمة كلها علامات على نضج انهياره الذي كان في حاجة إلى قوة طبقية تؤدي المهمة تلك.

إن الاندفاع الشعبي الكبير والدور المركزي المنوه به الذي لعبه التجمع الوطني للمهنيين السودانيين الذي أصبح قيادة معترف بها تمركز قوة النضال في شعارات وأهداف سمح بالحيلولة دون تبخر قوة الجماهير في جيوب مشتتة وخلف أهداف وشعارات غير موحدة ما كان سيسهل من تفكيك التعبئة وبث الريبة في صفوفها.

ان تغيير أساليب النضال بما يعزز تراكم قوة الجماهير الثائرة ويرص صفوفها، ويرفع معنوياتها ويشتت معسكر العدو، ويؤدي لانهيار معنوياته، ويحبط كل خطواته لاستعادة المبادرة، هو ما أحسنت الثورة السودانية تطبيقه لحد الان. لقد كان قرار تحويل المسيرات الشعبية بدءا من 06 ابريل 2019 الى اعتصام امام القيادة العسكرية ضغطا هائلا وإرباكا حقيقيا للنواة الصلبة لجهاز دولة الديكتاتورية، ووضعها في مأزق أدى إلى انقسام وخيارات صعبة: هل يلجؤون لقمع دموي أمام العالم ولا يملكون حجة تبرر ذلك؟ والاهم هل المراتب الدنيا من الجيش السوداني ستكون أداة تنفيذ لقرار قادته.ا ألن يؤدي ذلك إلى تمرد ضد قيادتها؟ هل سيضحون بالرئيس عمر البشير؟ لكن هم جزء من نظام البشير فهل سيسمحون للشعب بإزالة كل المتورطين في جرائم الفساد والقمع الدموي طيلة عقود مدنيين وعسكريين؟

نظام الديكتاتورية يناور ليبقى في الحكم.

إزاحة عمر البشير من المشهد لإنقاذ جهازه الديكتاتوري ليس انقلابا بل مجرد تفاهم بين النواة الصلبة العسكرية قائم على اعتقاد ضيق الأفق بخداع الشعب بحيلة فاضحة. يأملون أن يؤدى التصريح الرنان بسقوط النظام و”التحفظ” على زعيمه إلى إشباع روح الانتقام في صفوف الشعب والعودة منتشيا الى حال سبيله ليحكي بطولاته في الأمسيات، وان يبقى النظام الديكتاتوري بكامل أدواته لم يمس بسوء.

يريد القادة العسكريون سرقة تضحيات الشعب، وتوجيه إهانة كبيرة لذكائه متجاهلين بعجرفة عمق مطالبه التي خرج لأجلها؛ أي إسقاط نظام الديكتاتورية الفاسد وإقامة ديمقراطية عميقة تنتشل شعب السودان من الخراب والبؤس والقهر الذي فرضه عليه نظام عمر البشير وهؤلاء القادة جزء لا يتجزأ منه.

المعركة ضد نظام الديكتاتورية مستمرة

سنبقى في الميدان حتى سقوط النظام هكذا جاء رد الشعب السوداني الثائر متحديا مؤامرة القادة العسكريين. والآخرون طبعا يرتعدون غضبا من عدم قدرتهم على إعادة جرائم إقليم دارفور لسبب بسيط ان جنودهم البسطاء العارفين بفسادهم والمطلعين على جرائمهم يدركون أن الشعب المنتفض يمثلهم ولا شك أن إعلان أفراد من الجنود التحاقهم بالاعتصامات وحمايتهم للمحتجين بوجه قمع الشرطة علامات على المزاج السائد في الثكنات، فزمن قيادة الوحدات العسكرية ومنحها الرشاش لتمطر المتظاهرين تلقائيا صارت من الماضي، فحين يبدي الشعب إصرارا ثوريا حقيقيا يتراجع تردد أفراد الجنود وينتقل الصراع إلى صفوف الجيش.

قد يتراجع القادة العسكريون وينصبون حكومة مدنية، وقد يشركون أحزاب معارضة تلهث وراء منحها مكان في دفة الحكم شريطة عدم المس بمرتكزات الحكم الديكتاتوري، مما سيمثل استمرار الازمة المتعددة الأوجه لشعب السودان، وبقاء كل القضايا الأساسية، الحريات الديمقراطية وامتلاك السيادة الوطنية وتحرير الثروة الوطنية من النهب الخارجي وسرقة الفاسدين المحليين وغيرها، بدون أي حلول حقيقية.

إن تقرير مستقبل السودان وطنا يلبي طموحات شعبه الثائر تجعل من إسقاط نظام الديكتاتورية وإعادة بناء البلد على أسس جديدة أمرا حاسما، القطع مع أنظمة الحكم المدنية الفاسدة والانقلابات العسكرية الدموية. إن انتخاب جمعية تأسيسية ديمقراطية ذات سيادة تعكس مطالب الثورة الشعبية يشكل آلية تتيح قطع الطريق على أنصار الثورة المضادة سواء من أتباع نظام الديكتاتورية أو قوى امبريالية وإقليمية تنظر بعداء إلى تطلعات الشعب السوداني في التحرر الديمقراطي الشامل.

الثورة السودانية دروس ومهام

اندلعت الثورة السودانية، وبرز الى الواجهة شعب حرصت الديكتاتورية على ربطه بحوادث جرائم الإبادة والنزاعات العرقية والمجالية وتطبيق القصاص والمنفيين عبر العالم. مسحت الثورة كل الحواجز التي ضربت لعزل شعب السودان عن السيرورة الثورية بالمنطقة والعالم. أعادت الثورة عقارب الساعة إلى التاريخ الثوري للشعب السوداني ضد صنوف الديكتاتوريات التي تسلطت عليه ووجدت كل شعوب منطقتنا التي تقاتل ضد أنظمة متسلطة تابعة مفلسة رفيق درب قدم لها دروسا تنضاف إلى ما ابدعته باقي شعوب المنطقة في معركة لن تهدأ حتى تنتصر.

ستتكالب الرجعيات من امبرياليات تنظر الى السودان كمجال ثروات يجب أن تستنزف، واي تحرر حقيقي سيفوت عليها الفرصة، وأنظمة إقليمية رجعية عدوة للشعوب لأنها قد تقتدي بها شعوبها وتريد أنظمة ضعيفة تبيع مواقفها في سوق النخاسة الديبلوماسية العالمي. كل هؤلاء حلفاء للديكتاتورية وسيجتهدون لتقديم المشورة والدعم ليبقى النظام حتى وإن تغيرت وجوهه.

للشعب السوداني أنصار ورفاق درب عقولهم وقلوبهم معه يتابعون بدقة ثورته الباسلة، إنهم عمال وشعوب منطقتنا والعالم، حتى إن كان الصدى الإعلامي أقل فليس لتهاون منهم بل لعقود من العزلة والقمع المسلط على شعب السودان وضعف الصلات وقلة المعلومة.

إن التضامن مع الثورة السودانية يجب أن يكون في المراكز الامبريالية لمنع تدخلها في شؤون الشعب السوداني وإفشال محاولة دعم نظام الديكتاتورية وتنظيم حملات ضد حملات القمع لتمرير خطة القادة العسكريين.

وعلينا نحن، قوى اليسار الاشتراكي والأحزاب الديمقراطية، تدارك التأخر وربط الصلات مع منظمات النضال والمناضلين الميدانيين لأجل علاقة مستقلة عن الإعلام الرسمي لأجل تبادل المعلومة وتنسيق الدعم والتضامن.

شعب السودان يقتلع نظام الديكتاتورية وسينير طريق شعوبنا نحو التحرر الشامل والعميق.

27/04/2019

بقلم، أحمد أنور

Print Friendly, PDF & Email