سبتة ومليلية .. مدننا المحتلة

النضال التحرري ضد الاستعمار وهيمنة الأجنبي، وفرض السيادة الكاملة على كل الوطن، لا تقدر عليه سوى ثورة الكادحين لتحرير أنفسهم بأنفسهم، من سيطرة الرأسماليين المحليين ومن الاستعمار الأجنبي
الطبقة البرجوازية المغربية ونظامها السياسي الملتفة حوله ، تلعب تتلاعب بعواطف الكادحين المغاربة بالكلام، وتتحالف وتتعاون مع الامبريالية ومؤسساتها
بوثيرة شبه يومية . في شهر ابريل من سنة 2007 قام الملك الاسباني خوان كارلوس بزيارة رسمية إلى مدينة سبتة المحتلة. هذا الأخير الذي جاء به إلى الحكم النظام الفاشي بقيادة الجنرال فرانكو بعد سحقه للثوار الجمهوريين في اسبانيا من سنة 1931 إلى 1937، وقد خاض معه الآلاف من المغاربة المجندين حربه القذرة، المدعومة من الالمان والايطاليين.
جند نظام فرانكو، فلاحين مفقرين ومهمشين التحقوا بجيشه بحثا عن الخبز، مخدوعين وراء شعار الرأسمالية ” دفاعا على الأديان السماوية ” ضد المد الشيوعي !

بعد زيارة ملك اسبانيا لمدينة سبتة انطلقت البرجوازية المغربية عبر الإعلام الرسمي وغيره تندد وتستنكر، لكن من ساند فرانكو لإبادة الثوريين والديمقراطيين في اسبانيا وإعادة خوان كارلوس على رأس البلد؟ أليس الرجعيون والرأسماليون بجميع مللهم من هنا وهناك؟
في بداية عام 1920 تأسس فيلق محترف جديد على نمط اللفيف الفرنسي الأجنبي، وهذا الأمر ابتدأ منذ سنة 1911 بعد تراكم طويل قاد إلى إنشاء وحدات مرتزقة من الجنود النظاميين(ريكولاريس) المغاربة بقيادة الضباط الاسبان، حيث تمت محاولة تعويض الجنود الاحتياطيين في الجيش. ومؤسس هذا اللفيف الاسباني الأجنبي هو مليان استراي. وقائد أول سرية هو فرانشيسكو فرانكو الذي عمل قبل ذلك في فيلق الجيش النظامي. ومن هذه الوحدة، ومن كتائب من جنود الصدام المكونة من متطوعين اسبان وأجانب، من هكذا وحد تين مرتزقتين سيخرج الضباط الذين سيقبرون الحرية والديمقراطية في اسبانيا.

ان منطقتي سبتة ومليلية، المدينتان المغربيتان المحتلتان تعتبران من أهم الملتقيات التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالم، وكان يتوافد عليهما كبار التجار المسيطرين على وسائل النقل البحرية ( صناعة وامتلاكا) قادمين إليهما من مدينة جنوة الايطالية ومرسيليا الفرنسية، ومن شمال اسبانيا والبرتغال ، وكانت سبتة تستقبل التجارة القادمة من إفريقيا ومن البلدان الشقيقة القريبة، الجزائر وتونس وليبيا ومصر… إنهما مدينتان استراتيجيتان في شمال إفريقيا.

عين الجنرال فرانشيسكو فرانكو خوان كارلوس خليفة له عام 1969. وبعد وفاة فرانكو يوم 22 نوفمبر1975 عين الخليفة ملكا لاسبانيا ، واعترف به ملكا دستوريا عام 1978. ولد خوان كارلوس في منفى العائلة بروما يوم 5 يناير 1938، وتربى هناك، ولما شب وكبر ظل وفيا للجنرال فرانكو الفاشي. والجيش الاسباني الذي يشكل احد أهم المؤسسات بالبلد هو كذلك وفي للملك. يوم 23 نونبر1975 ترأس كارلوس مراسيم الدفن لجنازة صديقه الجنرال فرانكو بحضور ممثلي القوات المسلحة البرية والجوية والبحرية، (فرانكو والجيش وكارلوس ) كلهم في خدمة الرأسماليين لطحن كادحي اسبانيا أينما كانوا، في برشلونة و مدريد وسبتة ومليلية. هذه حكاية الانتقال الديمقراطي في اسبانيا بقيادة من خلفهم الحكم الفاشي. فخوان كارلوس ولمدة 15 سنة، وهو بجانب الجنرال فرانكو يتابع جرائمه ضد الشعب الاسباني والمعارضة الجذرية.

لقد سبق لكارلوس أن قام بجولة في مدينة مليلية المحتلة ،مع الملك والملكة سنة 1970 وهو ولي للعهد إذ ذاك في ظل نظام صديقه الوفي الدكتاتور فرانكو بمناسبة احتفالات الرجعية بذكرى نصف قرن على تأسيس ” اللفيف” الاسباني .

لنعد إلى زيارته للمدينة المحتلة التي أججت ديماغوجية البرجوازية المغربية. ففيما تدعي هذه الأخيرة الوطنية، لاتتوقف عن مساندة الاستبداد على طمس جرائمه حول ملفات كبرى في مقدمتها، الاغتيالات والاختفاءات والاعتقالات السياسية في حق الوطنيين الحقيقيين، في مقدمتهم الشهيد المهدي بنبركة.

نشرت صحف هذه البرجوازية بشكل واسع استنكار الأحزاب المغربية المدافعة عن نظام الاستبداد، والمنفذة لكل السياسات الصادرة عن مؤسسات الامبريالية بكل خشوع وطاعة، ضدا على إرادة الأغلبية الساحقة من الكادحين والكادحات. جاء في العناوين العريضة لهذه الصحف ” الأحزاب الوطنية تنتفض ضد زيارة ملك اسبانيا لسبتة ومليلية “، “إجماع على أن الزيارة استفزازية ونقطة سوداء في العلاقات الاسبانية المغربية ” في الحقيقة لا أجد العبارة المناسبة لوصف نفاق البرجوازية وصحفها. ففي بداية مارس عام2001 تم التوقيع بالدار البيضاء على اتفاقية بين مكتب استغلال الموانئ وميناء برشلونة، تهم تكوين الأطر المختصة في تدبير الموانئ وتطوير العلاقات التجارية، وقال رئيس ميناء برشلونة خواكيم توساس، الذي كان على رأس مجموعة من الرأسماليين الاسبان في ندوة صحفية بالدار البيضاء : ” إن 13 رحلة تتم أسبوعيا من موانئ اكادير والدار البيضاء وطنجة في اتجاه ميناء برشلونة ..) وذكر وزير النقل عبد السلام زنيند أن العمليات المنجزة بين ميناء برشلونة والموانئ المغربية شهدت نموا بنسبة 75 في المائة ما بين 1995 و2000 لتصل إلى 433 ألف طن سنة2000. إن الرأسماليين المغاربة والأسبان متحدون ومتفقون ومتعاونون على السيطرة والاستغلال الكبير للكادحين في كل مكان. هنا وهناك، منذ زمن بعيد وهم على نفس السياسة. ويستنكرون زيارة ملك اسبانيا ؟ على من يكذبون ؟ على شعب خدعوه،وطبقوا عليه برامجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية … على من خربوا صحته وتعليمه ونقله وسكنه، على من جوعوه وشردوه، على من جندوه ورموه في الفيافي والقفار. على من يكذب هؤلاء؟ على من نهبوا أمواله ؟؟ كم من المؤسسات العمومية وشبه العمومية عاثوا فيها فسادا؟ وكم من الصناديق أفرغوها؟ وكم من أموال هربوها إلى المصارف بالخارج؟؟ كل هذا الفساد والخراب والدمار مطبق علينا بقوة السلاح، وبمساندة هؤلاء المستنكرين لزيارة ملك اسبانيا لمدننا المحتلة.

البرجوازية المغربية تدافع عن مصالحها في الأساس ، أما الاحتجاج على زيارة ملك اسبانيا للمدن المحتلة عبر إعلامها، فهو خديعة المتخاذلين الخائفين دائما من الجماهير. في يوم الجمعة 11/7/2008 استقبل الوزير الأول في حكومة الواجهة خادمة الاستبداد عباس الفاسي ، بمطار وجدة انكاد رئيس الحكومة الاسبانية خوسي لويس رودريغيت ثباتيرو، وهي أول زيارة له للمغرب، ونوقشت في هذا اللقاء مسائل التعاون الثنائي نذكر منها: الهجرة الاضطرارية،التي يسمونها ” السرية “و”غير الشرعية “- أما نهب ثروات الفقراء بشكل علني، فماذا يعتبر؟ عملا مشروعا!! – خطة المغادرة الطوعية والاقتصاد والتعاون، والعدل والأمن وتطبيع العلاقات بعد الخلاف الدبلوماسي حول زيارة العاهل الاسباني خوان كارلوس وعقيلته الملكة صوفيا للمدينتين. خلاف دبلوماسي!!، وليس تكريس وتثبيت لاحتلال ترزح تحته أهم مدن مغربية على البحر الأبيض المتوسط.

مليلية المحتلة، المدينة ذات التاريخ العريق والمجيد الذي شوهه كل من :الاستعمار الاسباني والرأسمالية المحلية .

تقع مليلية شمال شرق المغرب ، قبالة الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة الايبرية ، وفي قلب الريف المغربي، يحدها شرقا ومن الشمال الشرقي أراضي الريف، ومن الغرب والشمال الغربي البحر الأبيض المتوسط. يبلغ عدد سكانها 78.476 نسمة (إحصاء1 يناير 2011) وتبعد عن مدينة الناضور، بنحو10 كيلومترات تقريبا ومحاطة بجماعات كل من : فرخانة وبني أنصار وبني شيكر. مدينة مليلية مطوقة بسور قديم له سبعة أبواب من بينها: باب بني شيكر – وباب فرخانة – وباب بني أنصار الذي يؤدي إلى مدينة الناضور. ففي كراسة من منشورات – جريدة المحرر، الصادرة في ماي 1981، والمعنونة ب: من اجل تصفية الاستعمار واستكمال الوحدة الترابية – سبتة ومليلية تاريخ وواقع – جاء في هذه الكراسة أن عدد السكان الأسبان بمليلية حينها كان يبلغ 50 ألف اسباني ، و 30 الف مغربي تقريبا، بالإضافة إلى الجالية الهندية .
.
مليلية مدينة تبلغ مساحتها 12.3 كيلومترا مربعا ، وهي منطقة جد مهمة وإستراتيجية بموقعها. فقد ازدهرت بها التجارة باعتبارها منطقة حرة منذ زمن بعيد. وانتشرت بها منتجات الدول الامبريالية مع نهاية حربها الثانية ، وعلى رأسها اليابان ، وظلت هذه السلع تخرج من مليلية إلى باقي المدن بإفريقيا خصوصا شمال المغرب وغرب الجزائر و جنوب اسبانيا بأوروبا . مليلية تعتمد على الصيد البحري وتستغل عددا مهما من العمال وخصوصا المغاربة، النساء بوجه خاص في معامل التعليب، في ظروف قاسية وبأجور ضعيفة جدا. مليلية محاطة بجماعات بلغت ساكنتها 31 ألف نسمة : فرخانة وبني شيكر 10 آلاف نسمة وبني انصار 10الاف نسمة وبوغافر حوالي 11 ألف نسمة. ان فقراء هذه المناطق مرتبطون تاريخيا وجغرافيا بمدينة مليلية، وحياتهم متعلقة بها مثل تعلق السمك بالماء ، فهم يتوافدون عليها يوميا ، بمنتجاتهم الفلاحية الصغيرة والبسيطة والمتواضعة ، ثم يعودون بمواد غذائية معلبة، وأخرى استهلاكية ومنزلية … وكثير من شباب المنطقة يشتغلون بمليلية في قطاعات على هامش حياة البرجوازية المسيطرة على الوضع، ويكدحون في الأعمال الشاقة، في اوراش البناء، ومنهم من يشتغل في المقاهي والحانات ، أما نساء المنطقة فيشتغلن خادمات في بيوت البورجوازيين، ويوجد بمليلية كذلك فئة من التجار الصغار البسطاء،من بائعي المواد بالتقسيط، واغلب هؤلاء الذين استطاعوا جمع القليل من المال، بشق الأنفس، شيدوا مساكنهم خارج مليلية المحتلة .

قبل السبعينيات كان بمليلية المحتلة عدد ضئيل من حاملي الجنسية الاسبانية، وهم من أبناء البرجوازيين الذين ارتبطت مصالحهم مع الاستعمار الاسباني قبل سيطرته على شمال المغرب.
في فبراير 1978 طالبت السلطات الاستعمارية الاسبانية بمليلية المحتلة، الحكومة المركزية بالعاصمة مدريد بإصدار قانون يمنع حاملي الجنسية الاسبانية المغاربة من حق الامتلاك إلا برخصة من مجلس الحكومة الاسبانية، وتوجد فئة كبيرة تحمل بطاقة إقامة خاصة بمليلية وسبتة المحتلتين، كانت هذه البطاقة تسمح لحاملها بحق ممارسة التجارة والكراء دون حق الامتلاك. أما بعد ذلك فلم تعد لهذه البطاقة إلا صلاحية ضمان الوجود المؤقت، وقد تسحب من حاملها، وهذه العملية يقوم بها أي مسؤول محلي من المحتلين، وبإمكانهم طرد المغاربة من مدينة مليلية ومعهم أسرهم وحرمانهم من كل ممتلكاتهم/هن.
فعلوا ذلك سنة 1975، عندما طردوا 200 أسرة وأغلقوا 90 متجرا للمغاربة. أما الذين يطاردون باستمرار، لكونهم لم يتمكنوا من الحصول على أي صفة من الصفات ، الذين يحملون البطاقة المغربية التي تسلمها السلطات الإدارية بمدينة مليلية المحتلة ، فمصيبتهم أكبر. سكان مليلية المغاربة، تابعون للإدارة الانتخابية لجماعة فرخانة : قيادة مزوجة ! ومن هنا يظهر التشرد والحرمان. إنهم يقطنون مدينة محتلة وحقهم المدني يمارس في جماعة خاضعة لنظام الاستبداد المغربي.
هذه هي حياة إخواننا في المدن المستعمرة. لكن منذ تاريخ انجازكراسة المحرر ماي 19981 إلى الآن ، والمستجدات تسير بشكل سريع ، وقد تغيرت أمور كثيرة جداَ.

المغاربة كافحوا وقاوموا على مر العصور من اجل تحرير أرضهم التي انتزعت منهم بقوة التحالف الامبريالي.

لهذا لابد لنا من العودة إلى أحداث تاريخية. ففي سنة 1895 وقعت حادثة من حوادث الحدود العديدة بالمنطقة، حينما اصدر الجنرال مركاليو، الحاكم العسكري لقلعة مليلية الأوامر لانطلاق أشغال بناء حصن سيدي عرياش. في نفس اليوم، قام المغاربة الريفيون بتحطيم الأشغال المنجزة، وكرروا عملهم في اليوم التالي. وفي أواخر السنة وبفعل وجود 20 ألف جندي اسباني اضطر الريفيون الأشاوس إلى إلقاء السلاح. و على إثرها وقع السلطان المغربي اتفاقية مراكش التي التزم بمقتضاها بمعاقبة كل من يرتكب هجوما على الاسبان.

هذا القيد المتين واللعين ترك الأعداء ينهبون ويسرقون ثروات البلد، ويستمرون في الجشع و النهب. لكن أهل المنطقة لم يصبروا على سرقة ثرواتهم ففجروا حربا بتاريخ 1909 ضد الرأسماليين الأسبان مرتكبي الجرائم بحق المغاربة، وقد احتج العمال الاسبان على حكومتهم وتضامنوا مع المغاربة، و بلغ الأمر مداه فيما سمي بالأسبوع المأساوي لبرشلونة. وفي بداية شهر يونيو من نفس السنة، ونظرا لانعدام إمكانية الوصول إلى اتفاق مع سكان الريف ليسمحوا للقوة الاستعمارية باستغلال ثرواتهم في منجم ايكسان، ولما تقدم السكان في حماية خيراتهم، شرع الجيش في الدفاع عن الرأسماليين الاستعماريين لقمع الريفيين وحماية الأعمال في المناجم. لكن المغاربة لم يخفهم الجيش الاسباني.

الوطنيون الحقيقيون أهل الأرض والمدافعون عنها والذين استنكروا بصدق تام المساس بوطنهم. هؤلاء المخلصون حقا ، نفذوا مع بداية شهر يوليو 1909 هجوما على الجنود، وطردوهم حيث اضطروا للجوء إلى مليلية المحتلة.

5500 جندي و25 من القادة والضباط الموجودين بمليلية المحتلة لم يكونوا قادرين على صد المغاربة، لهذا نظمت الحكومة الاسبانية موجات الإغاثة وأرسلت بسرعة فائقة لواء مختلطا من القناصة ، ثم جندت الاحتياطيين، رغم السخط العميق للرأي العام الاسباني الذي رفض هذه العملية.

هذا التجييش الرهيب لخدمة الامبريالية، كان ضد إرادة كادحي اسبانيا، وقد تصدوا له بإمكانياتهم ، لكن الحسم يكون دائما لصالح من يملك السلاح الناري الفتاك، علاوة على افتقاد الكادحين لقيادة ثورية حازمة

أما الريفيون الأشاوس فقد واجهوا الجيش بسلاحه ذاك وهزموه شر هزيمة بجبال الكروكو، هذه الهزيمة التي لم تفقها سوى -الانتصارات الكبرى البطولية للمغاربة في معركة انوال التاريخية، وجبل اعرويت سنة 1921- لقد اسقط الريفيون فيلق القناصة بكامله في كمين نصب له .، وقتلوا تقريبا كل العناصر المكونة لهذه الوحدة العسكرية بمن فيهم القائد كيرموبنتوس ، وقد اعترف وزير الحرب بان ألف اسباني لقوا حتفهم.
كانت التقديرات تقول بان عدد الجنود الاسبان الموجودين في مليلية بلغ نحو 40.000 جنديا، ومن خلال هذه المعركة قررت الحكومة الاسبانية احتلال جبل الكركو لإبعاد المغاربة عن ضواحي مدينة مليلية، لكن الريفيين لم يستسلموا، وفي يوم 21 سبتمبر1909 استأنفوا عملياتهم ، فهاجمت قبيلة بني شاكر شمال مليلية. لكن الجيش الاسباني تحرك بسرعة نحو الجنوب واحتل مدينة الناضور يوم 25 وسلوان يوم 27، ثم طوق الجبل بعد أن تم الاستيلاء عليه يوم 29 سبتمبر.

مليلية مدينة مهمة والمغاربة الريفيون يعرفون قيمتها وما يعنيه احتلالها ، وكافحوا من اجل تحريرها وأعطوا كل ما عندهم، لكن الامبريالية دائما بالمرصاد بحروب الإبادة في حق الشعوب المدافعة عن كرامتها واستقلالها .

في صيف عام 1911 دعا الشريف محمد امزيان إلى الجهاد أي الحرب المقدسة ضد الغزاة، وفي 24 غشت من نفس السنة هاجم أنصاره أعضاء اللجنة الطبوغرافية التابعة لقيادة الأركان، واستمرت الهجمات، مما أدى إلى نشوب معركة من اجل الدفاع عن الأرض والوطن، وانطلقت التعبئة الشعبية في جميع مناطق جبال الريف، وفي نهاية شهر غشت دارت معارك حامية جدا على ضفاف نهر الكرت. ان القائد محمد امزيان، وتعني (محمد الصغير بالامازيغية)، كان يحظى باحترام كبير داخل قبيلته، كما أن جده احمد بن عبد السلام هو مؤسس زاوية ازغنغن، المنطقة التي وقعت فيها معركة ضارية بين الجيش الاسباني الذي كان يراقب المنجم الحديدي الموجود هناك، وقبائل المنطقة سنة 1909. هذه المعركة التي جعلت الاسبان يقومون بإتلاف السكة الحديدية التي كانت تربط مليلية بالمنجم، كما قامت الجيوش الاسبانية بهجوم مضاد وبحملة إنزال ضخمة على شاطئ مليلية من اجل اكتساح الريف وسحق أهله وسكانه واحتلاله بالكامل.

ودفاعا عن الأرض والوطن تصدى الريفيون المكافحون المدافعون عن” الديوانة” التي تبعد عن مليلية بنحو كلمترين، للعدو الاسباني، الذي فقد ما يقارب 3000 جندي بين قتيل وجريح. وخاض المغاربة معارك عدة ( احد بني شيكر، ومرسى اوكمام بكبدانة وتنجمات وقصبة سلوانة ، ومعركة ازرو، وتكرمين، وواد كرث والحمام..) وغيرها.

الكادحون الاسبان ومناضلون امميون ناصروا الريفيين المغاربة في معاركهم ، واحتجوا على حكومتهم الظالمة ، وحاولوا تفعيل إضراب عام تضامني مع كفاح المغاربة.

في شهراكتوبر1911 قطعت قوات الاحتلال نهر الكرث المتجه نحو الشمال والذي يصب في البحر الأبيض المتوسط. كافحت وحدات القتال المغربية بقيادة المقاوم امزيان، لكنها كانت ضعيفة جدا من حيث التجهيزات العسكرية والمعدات واللوجيستيك، وانهزمت هذه الحركة الشعبية المكافحة، واستشهد زعيمها امزيان في منطقة زغنغن بنواحي مدينة الناضور وسبتة، وكانت القوة العسكرية الاسبانية المدعومة من الامبريالية تخوض الحروب الضارية من اجل بقاء سبتة تحت سيطرتها، ولهذا انتصرت في معارك غير متكافئة، رغم شجاعة الريفيين المغاربة.
في معركة الحمام يوم 15 ماي 1912 استشهد الزعيم والقائد الشعبي الشريف محمد امزيان حيث سقط برصاص العدو أثناء قيامه بمهمة استكشافية على الأرض.

ومن اجل رفع راية الحرية فوق التراب المغربي ومن اجل الاستمرار في الكفاح التحرري وتحرير سبتة ومليلية وغيرهما، واصل الريفيون كفاحهم، ففي 6 يونيو1913 هاجموا السواحل، وقصدوا الزورق المسلح ” كونشا” وكانت النتيجة : 16 قتيلا و17 جريحا و11 أسيرا في صفوف البحرية الاسبانية . وفي نفس اليوم قامت قبلية بني كرفط بناحية العرائش بهجوم على موقع كدية فريشكاط ومعسكر الاثنين، ثم واصلت هجومها على مدن اصيلة والقصر الكبير وقطعت المواصلات بين سبتة ومدينة تطوان، ودفعت هذه العمليات بالسلطات الاسبانية الاستعمارية إلى اقتراح “هدنة !!” من جديد مع الملاك الكبير الريسوني الذي قاد معارك المنطقة بعد استشهاد الشريف محمد امزيان.

تطورت الأمور، ووصلت إلى عقد لقاء سري بين خوردانة و الريسوني، وتم الاتفاق من خلاله على وقف للحرب المفتوحة، التي انطلقت في عام 1912. هذا الاتفاق حصل بموجبه المتلاعب والمساوم الريسوني على سلطة قائد “وطني!” يشتغل ويتحرك نيابة عن السلطان المغربي –السلطة المركزية، لمراقبة تحركات القبائل والتحكم في قراراتها، وبعدها، التمكن من إخضاعها لسلطته.
تم دخول نظام الحماية الاستعمارية في30مارس 1912لسحق الكادحين المغاربة بشكل تام وكامل، وتكريس الاستعمار الأبدي لمدينتي سبتة ومليلية.

بعد حيلة الاستعمار والملاكين وأصحاب النفوذ، تحقق ما كانوا يريدونه، وهو: ” التهدئة!” والتحكم في التحركات الشعبية المناهضة للاستعمار، في ناحية العرائش وناحية سبتة وتطوان. وكان هذا نصرا سياسيا ودبلوماسيا للعدو على المقاومة الشعبية. لكن الفلاحين الريفيين لم يستسلموا وتحركوا، لكن هذا التحالف المحلي والأجنبي كان لهم بالمرصاد، تحالف نظم ضد الأهالي عمليات مشتركة لسحقهم، لأن الوطنيين الحقيقيين لم يقبلوا سياسة المساومة والتلاعب والخيانة التي ينفذها الحربائي احمد الريسوني، كما وصفه “ميغيل مرتين” في كتابه الذي اعتمدنا عليه كثيرا في هذه المقالة. استطاع الاسبان السيطرة على فندق عين الجديد وهي نقطة إستراتيجية تربط بين مدينة العرائش ومدينة سبتة المحتلة.

استمر الكفاح ، وهاجم الريفيون المغاربة منطقة وصفها “ميغيل مرتين” ب :ذروة البيوت، وهي قمة تقع على بعد 9.5 كيلومتر قرب سبتة. هذه المعركة كادت تؤدي بالجنرال فرانشيسكو فرانكو إلى الموت، بعد أن أصيب بجرح خطير في بطنه، لكن الرصاصة لم تمس أي عضو حيوي بعد اختراقها لجلد بطنه.

أنفقت الرجعية الاسبانية على حربها ضد تطلعات الشعب المغربي نحو التحرر أموالا طائلة. ابتداء فقط من عام 1909 إلى 1915 بلغت النفقات العسكرية لهذه الحرب رقما كبيرا بلغ تقريبا700000000 من البسيطة في ذلك العهد.وهذا على حساب الكادحين الاسبان، الذين كانوا حينها يعانون الجوع والقحط وكل المآسي الانسانية. هذا ما تسبب فيه الرجعيون الاسبان، الذين سيطروا على البلد. إن الجنرال بريمو دي ريبيرا، هذا العسكري الرجعي الذي سيصبح ديكتاتورا، قدم خطابا أمام الأكاديمية العسكرية الاسبانية- الأمريكية في منطقة قادس ، ودلالة ذلك واضحة .

استمر الكفاح ، فقد تزعم الأب عبد الكريم الخطابي حركة شعبية، وهي التي طردت الروكي المدعو “بوحمارة” من الريف بعد هزمه بمنطقة سلوان، هذه العملية التي سهلت القبض عليه من طرف السلطة المركزية /المخزن والتشهير به بمدينة فاس. الزعيم والقائد الشعبي عبد الكريم الأب – وليس محمد الابن بطل معركة انوال- دعا إلى الكفاح والمقاومة والجهاد ضد العدو الاسباني وأسس مركزا عاما للمجاهدين في موقع”وذيع” المقابل للعدو الاسباني المتمركز ب “تفرسيت” لكن عبد الكريم الأب توفى سنة 1920، فاستمرت المعركة مع ابنه محمد.

هذه المعارك الممتدة والمستمرة بدون انقطاع منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ضد العدو المحتل، ستلد من قلبها من رحمها زعيما وطنيا وقائداعسكريا ومحاربا شرسا، ومثقفا عضويا حقيقيا. انه بطل التحرير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي اشتغل مدرسا في مدينة مليلية مابين سنتي 1907 و1913 وبدأ يكتب في جريدة ” تلغراف الريف” التي تصدر في مليلية، وسيخصص له رئيس تحريرها” لوبيرا”صفحة تكتب باللغة العربية، وسيكون محمد بن عبد الكريم هو المشرف على موضوعاتها، علما بان المغرب في تلك الفترة، لم يكن يشهد صحافة وطنية مكتوبة باللغة العربية ، فجريدة “السعادة” التي تصدر في مدينة تطوان، كانت تتكلم بلسان المستعمر الفرنسي. ومحمد بن عبد الكريم تحمل كذلك مسؤولية رئاسة القضاء العربي في مدينة مليلية المحتلة، هذا المنصب الذي كان يشغله والده عبد الكريم من قبل. وعمل محمد بن عبد الكريم الخطابي كذلك مترجما في مكتب الشؤون الأهلية في مدينة مليلية، وحصل على شهادات وأوسمة ومعاشات من طرف السلطات الاستعمارية الاسبانية .

لم تكن هذه الامور هي ما يهم أويشغل بال القائد والزعيم الوطني محمد بن عبد الكريم على الإطلاق، الأمرالأهم الذي كان يضعه نصب عينيه، كان هو كيفية توحيد السكان وطرد الاستعمار. هذه الوطنية الصادقة، التي سيسجن بسببها في قلعة “كاباليريزاس” في مليلية. وفي يوم 23 دجنبر سيقوم بمحاولة فاشلة للهرب سينتج عنها كسر في احدى رجليه، وسيتم القبض عليه واعادته الى السجن، وفي سنة 1918 سيطلق سراحه وسيغادر مدينة مليلية متوجها نحو قريته أجدير، خوفا من تسليمه إلى الفرنسيين من قبل الاسبان.

وفي معقل اجدير سيبدأ في توحيد سكان وقبائل الريف وتنظيمها من اجل خوض معارك الكفاح المسلح التحرري الوطني. ومباشرة بعد وفاة والده عبد الكريم بتاريخ 7 غشت 1920 سيعين قائدا على قبيلة بني ورياغل.

كان الاستعمار الاسباني في حالة استنفار قصوى، فقد عقدت القيادة العليا الاسبانية المتواجدة بمدينة تطوان المغربية والقيادة العليا المتمركزة بمليلية المحتلة إلى اليوم مؤتمرا عاما بجزيرة النكور، حضره جميع ضباط الناحيتين، وعلى رأسهم الجنرال برنغيير المقيم العام بتطوان وقائد أركان الحرب بمليلية الجنرال سليفستيري.

ظل الكفاح من اجل تحرير الوطن مستمرا، وكانت احد أهم المعارك التي خاضها المغاربة ضد الاستعمارهي معركة انوال الشهيرة، وهي تتويج لكل المعارك التي خاضها الريفيون ضد العدو الاسباني الغازي. بعد المناوشات الصغيرة منذ أول يونيو 1921 ضد القوات الاستعمارية الاسبانية القادمة من مليلية في اتجاه خليج الحسيمة، سيقود محمد بن عبد الكريم الخطابي الكفاح المسلح، وكان أول انتصار فعلي ضد الاسبان هوالذي تحقق بمعركة “الدهر ابران” بتاريخ 31 ماي1921 فقد خططت قوافل الجنرال سليفستيري للاستيلاء على منطقة الحسيمة، وكانت قد سيطرت على”جبل ابران” ،وهو الجبل الذي يفصل قبيلة تمسمان عن البحر الأبيض المتوسط، ولكن المجاهدين حرروا جبل ابران بعد معركة عنيفة وشديدة. وغنموا من خلالها عددا لاباس به من الأسلحة. وفقد العدو الاسباني نحو150 رجلا، واعتبر كل الضباط في عداد القتلى أو المفقودين.

اقام القائد العسكري وبطل التحرير محمد بن عبد الكريم مركزا للمقاومة والكفاح في حالة ضرورة التراجع بين سيدي إدريس” تمسمان ” وتيزي عزا” و” بني توزين” وهذا التحالف بين القبائل الذي انبثق منه جيش شعبي وطني حقيقي قوامه 5000 رجل، سيحتل كل المواقع الإستراتيجية المحيطة بمنطقة انوال حيث تتمركز الجيوش الاسبانية الاستعمارية. وفي أوائل شهريوليوز1921 سيقطع الزعيم وبطل التحرير خطوط التموين الاسبانية وسيهدد الجيش الاستعماري بالموت جوعا. وقد اخذ المجاهدون بأمر من محمد بن عبد الكريم يوجهون مياه الجبال نحو المنطقة التي تحيط بالقيادة العامة للعدو الاستعماري في انوال فترتب عن هذه العملية وحل يصعب المشي فيه، نتيجة التراب والطين والمياه.

الجنرال سليفستيري إصابته الدوخة والدوران ، واتخذ قرار محاربة المجاهدين المغاربة العظام باستعمال جميع جيوشه وكان عددهم 19000 رجل ، من اجل الخروج من المأزق الذي وجد نفسه فيه مع جنوده. هذه هي أدوات الجيوش الشعبية: التضامن والعزيمة القوية والانضباط والأخلاق العظيمة للمحاربين، والانسجام مع الطبيعة. يطلق الرأسماليون على هذا كله (حرب العصابات). رفع سليفستيري راية الاستسلام البيضاء. لكن بعد ذهاب المفاوضين المغاربة، وكان عددهم 60 شخصا لمناقشة مسالة الاستسلام، قتل كل هؤلاء الذين ذهبوا للحديث مع القيادة العسكرية في القضية، لقد غدر بهم العدو الاسباني الاستعماري، شر غدر.

بعد هذه الجريمة والغدر من طرف القيادة العامة للجيش الاسباني، قام سكان الريف المغاربة بنقاش كبير من اجل خوض المعركة ، ثم الهجوم الكاسح وسقوط انوال. وكانت الحصيلة مقتل 16000 عسكري اسباني من بينهم ضباط من القيادة العامة، واستيلاء المجاهدين على عتاد حربي كبير. وسيعلن عن انتحار الجنرال الاسباني الاستعماري سلفيستيري.
يشير الكاتب مغيل مرتين بصدد غنيمة معركة انوال التي كانت معركة فاصلة في تاريخ الشعوب ضد الامبريالية، الى أن الريفيين قد حصلوا على أكثر من: 20000 بندقية و400 رشاش و129 مدفعا، بالإضافة إلى مستودعات الذخيرة والمؤن، ومليون رصاصة وعدد كبير من السيارات والشاحنات و100 موقع عسكري .
بهذه الغنيمة الحربية من العدو الذي غدر بالمفاوضين، بعد رفعه للراية البيضاء، اتجهت القيادة الى تشكيل جيش شعبي محارب، شرس،منظم،ومتصف بأخلاق المحاربين الوطنيين، من قبيل احترام النساء والأطفال والمصابين والأسرى، وتنفيذ الهجمات الدقيقة في الأوقات الضرورية – هناك خلاف حول الأرقام بين المؤرخين بصدد المعركة- هذا النصر الكبير للثورة المغربية بمنطقة الريف والهجوم على المراكز العسكرية الاسبانية وتشتت القوات الاسبانية خلق الفراغ في السلطة ،ولم تعد للعدو أي سيطرة على مدينة مليلية المحتلة، وهذا هو الانهيار الكبير الذي حصل بالمنطقة، حيث عمليات العنف والانفجار المتواصل للجماهيرضد كل ما هو اسباني.

سيحاول الجنرال نفارو القائد الثاني بعد سليفستيري إيقاف الاندحار وسيشكل يوم 29 يوليوز1921 جيشا من 3000 جندي من الفارين، للدفاع عن جبل العروي الذي يبعد بنحو 70 كلم، من منطقة انوال و30 كلم من مدينة مليلية . كاد الجنرال نفارو يسقط في يد المجاهدين حيا، وسيتم القضاء على عدد كبير من جنوده. وفي يوم 2 غشت تم تحرير مدينة الناضور ثم مدينة سلوان كما حررت كل المواقع المحيطة بجبل العروي في يوم 9 غشت، وهكذا سيكون حصاد الصيف والحرب قاسيا على العدو ومفيدا لأهل الأرض والوطن، وستضمحل سيطرة الاستعمار الاسباني على الريف المغربي ولن تبقى بيده سوى مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.

الغلطة السياسية والعسكرية الكبرى للقيادة وعلى رأسها بطل التحريرمحمد بن عبد الكريم الخطابي، والمتمثلة في عدم دخول الثوار مدينة مليلية المحتلة رافعين البنادق وشارات النصر.

بعد وصول الريفيين إلى حدود مدينة مليلية استولى الهلع على الاسبان، وشعروا بان ساعة الجلاء عن التراب المغربي قد حلت. وقد كتب فرانكو في يوميات سرية” ما يلي :”.. لم يتبق من القيادة العامة في مليلية أي شيء ، الجيش مهزوم والمدينة مفتوحة وطائشة وحبيسة الرعب، ولم تكن هناك أخبار عن كتيبة الجنرال نفارو فمن الضروري رفع معنويات الشعب وإعطائه الثقة التي يفتقر إليها ..” هذا كلام الجنرال فرنكو.

وبدأت قوات الريفيين تتجمع خارج أسوار مدينة مليلية بعد سقوط مركز جبل العروي، وهناك اجتمع مجلس القبائل وانتخب محمد بن عبد الكريم الخطابي قائدا عسكريا على الريفيين جميعا. وقد اتخذ القائد قرارا خطيرا وهو عدم احتلال مدينة مليلية ، لماذا يفعل ذلك؟ لماذا ؟؟

علما انه كان بإمكانه الدخول إلى مدينة مليلية منتصرا نظرا للانهيار التام لمعنويات الجيش الاسباني.

يقول مغيل مرتن : “.. نعتقد انه استهان بقواته وبالغ في تقدير القوات الاسبانية وعلى الصعيد المعنوي كان رجاله على استعداد للقيام بذلك في حين أن الأسبان كانوا يبحثون عن باخرة تنقلهم إلى منطقة مالاقا، وفضلا عن ذلك كان متفوقا على المستوى العددي بعد انتصاره الباهر، لكن ربما اعتقد أن دخوله مدينة مليلية سيكون له صدى دولي كبير،وقد يدفع الدول الأوروبية إلى التحالف ضد الثورة الريفية . بيد أن هذا التخوف ليس له من معنى لاسيما وان ما قام به، بعد أن فرض على الاسبان التراجع إلى حدود شاطئ البحر، كان يكتسي نفس المدلول . وعلى كل حال بقيت مليلية في يد الاستعماريين بسبب انعدام القرار الحاسم للمغاربة أهل الريف، وليس نتيجة بسالة الجيش الاسباني، المهزوم أصلا”.

الزعماء الحقيقيون يقومون بالنقد الذاتي ويعترفون بأخطائهم التاريخية.

ذاك ما فعله القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي اعترف بغلطة عدم دخول مليلية ، واسترجاعها واعتباره ما حصل خطأ سياسيا وعسكريا كبيرا، و قد ندم على ذلك بمرارة، لان عدم تحرير المدينة كان غلطة فادحة مهما كانت الأسباب والدوافع. فبعد معركة انوال الشهيرة كان جيشه قادرا على تصفية الوجود الاسباني من مليلية نهائيا، وكان دخوله لن يستغرق سوى أياما معدودة بسبب الروح المعنوية للثوار الريفيين، والروح المنهزمة والهابطة للجيش الاسباني المحتل، الذي فقد نحو 17000 من الجنود في معركة انوال. وهذا زعيم وطني مغربي آخر يعترف بالأخطاء القاتلة في قضية النضال التحرري والديمقراطي بالمغرب، انه المهدي بن بركة الذي يقول في وثيقة” الاختيار الثوري” بتاريخ فاتح ماي سنة 1962 :”.. يظهر لي أننا في الماضي قد انزلقنا نحو ثلاثة أخطاء رئيسية سوف تكون قاتلة لا محالة إن لم نتداركها في الظروف الراهنة ..الخطأ الأول : يرجع إلى سوء تقديرنا لأنصاف الحلول التي كنا مضطرين للأخذ بها. والخطأ الثاني : يتعلق بالإطار المغلق الذي مرت فيه بعض معاركنا بمعزل عن مشاركة الجماهير الشعبية. والخطأ الثالث : ناشئ عن عدم الوضوح في مواقفنا الإيديولوجية وعن عدم تحديدنا لهوية حركتنا. بعد اعتراف الزعيمين الوطنيين المغربيين بالأخطاء الكبيرة حول قضية التحرر الوطني، المهمة الآن مطروحة على عاتق الاشتراكيين الثوريين والديمقراطيين الحقيقيين.

سبتة مهد الحضارة المغربية المطموسة تحت سلاح الاحتلال.

سبتة تربط القارة الإفريقية بأوروبا ، وكانت من أهم النقط في العالم القديم، ولها نفس المكانة الآن ، كانت تشرف على حركة التجارة العالمية التي تمر عبر البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي وكانت الأطماع تحوم حولها من قديم الزمن.
تقع سبتة بمنطقة نكور الريف الممتد على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط ، مقابل مضيق جبل طارق مابين أراضي بني يزناسن شرقا وأراضي غمارة غربا وتحد جنوبا بـبورغة حيث مدينة مليلية المحتلة، وهي شبه جزيرة ويميز امتدادها الطولي المتوغل داخلا البحر شرقا بنحو2.50كلمتر، والشريط الأرضي المنحدر إلى حفير السهاج ( القناة التي حفرها أهل سبتة لعزل المدينة عن البر الغربي عند أضيق نقطة لإيصال بحري الرملة الشمالي بنظيره بحر بسول الجنوبي، قبل أن يهيمن عليها الغزاة المحتلون.
سبتة مدينة جد محصنة من ناحية الغرب المتصل باليابسة مع سور يحيط بساحل شبه جزيرة شيد على مر العصور وله بابان رئيسيان، باب الميناء في الجهة الوسطى الشمالية المقابل لمرسى المدينة، وباب البادية وهو الوحيد القائم على قنطرة حفيرالسهاج المتحركة . تمتد مساحة سبتة على 20 كيلومترا مربعا . يبلغ عدد سكانها 82.376 نسمة(اوكيبيديا الموسعة الحرة) يفصلها عن اسبانيا مسافة طولها من الشرق إلى الغرب 26 كيلومترا.

من سبتة تبدأ سلسلة جبال أطلس الريف، وهي اقرب ميناء إفريقي من أوروبا، وتمتد على ارض مرتفعة أعلاها جبل موسى الذي يرتفع بنحو 842 مترا. تسيطر اسبانيا على 85 في المائة من مساحة المياه الإقليمية، التي توجد بينها وبين المغرب من خلال سبتة المحتلة. وموقع المدينة المتميز يربط مياه المحيط الأطلسي بمياه البحر الأبيض المتوسط.

سبتة من أهم المدن الحضارية والثقافية بالمغرب ، ومن ضمن ما تتميز به فن العمران. وكانت رائدة عبر التاريخ المتعاقب بالمغرب ، منها تنطلق حضارة المغاربة المتلاقحة والمنصهرة مع حضارات شعوب المتوسط ، وكانت لأهل سبتة علاقة قوية مع ثقافة الأشقاء في كل من بجاية بالجزائر والقيروان بتونس، وامتدت علاقات سكانها إلى بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة والإسكندرية وفاس ومراكش وغيرها. وهذا بفضل موقعها المتميز بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، الذي تستمد مكانتها وقيمتها وشهرتها منه. كانت مدينة سبتة محور السياسة المغربية ومعقل التجار الكبار الذين سيطروا على المناطق المهمة من العالم، مثل هونغ كونغ وباناما وغيرهما. كانت لشبونة وبورتو مدينتان ضعيفتان أمام سبتة.
عاشت البرتغال أزمة اقتصادية متمثلة في ركود تجاري، ومن اجل فك هذه الأزمة وإيجاد لها حل، قدم جواو الونصو مشروعه التوسعي بالبلاط البرتغالي وتمكن من ترسيخه خدمة للعرش والتجار الكبار البرتغاليين.

طرد الاحتلال البرتغالي أهل سبتة من بلدهم وكان عددهم كثيرا. لقد بطش البرتغاليون بالسبتيين بوحشية الملوك والملاكين الكبار والتجار، كان عدد المفقودين 5000و10.000 بين قتيل وأسير تقريبا، وتشرد أهل سبتة بالمناطق الشمالية بنواحي مدينتهم، لكن البرتغاليين طاردوهم من اجل تصفيتهم، في كل من قرية بنيونش والفنيدق وجبل غمارة والقصر الصغير ووصلوا في إثرهم مدينة تطوان، من اجل إبادتهم بالكامل وتنحيتهم من الوجود. وهذا كله خدمة للعرش البرتغالي وتجاره، وكذلك لنسف الحضارة المغربية العظيمة التي تشكلت في المدينة عبر العصور القديمة.
ودفاعا عن أهل سبتة و من اجل وقف همجية الغزاة حضر إلى ضواحي مركز الحضارة المغربية الآلاف من المتطوعين من عدة مناطق مغربية، وصل عددهم إلى 25.000 مشارك هذا في سنة 1416، فـتراجع البرتغاليون وتحصنوا بالمدينة. هذه التجمعات الشعبية القادمة من جهات المغرب استطاعت أن توقف إبادة السبتيين المغاربة العظام.

من أنشأ محاكم التفتيش؟ ومن طرد مئات الآلاف من اليهود والمورسكيين؟ من مسح وأباد هنود الكاريبي وأمريكا الشمالية من الخريطة؟؟ من طمس حضارة المايا والانكا وغيرهما..؟ من أسس تجارة الرقيق الأسود لتعويض الهنود؟ أليست أوروبا الملوك والأثرياء والملاكين الكبار؟
من قسم الكرة الأرضية بين الامبرياليات؟ وأسئلة كثيرة جدا.

هذه الحضارات طمسها الاحتلال، ومن بينها الحضارة المغربية. الاحتلال الاسباني حول مدينة سبتة إلى ثكنة عسكرية والى معتقل رهيب ، وقد أطلق الاسبان على سبتة وصف” بريزيديرس”أي المعتقلات. هذا المركز الحضاري الذي كافح المغاربة من اجل تحريره بشراسة منذ ان سيطر عليه الاستعمار، لكن بدون فائدة . في البداية البرتغال ثم في ما بعد الأسبان. المغاربة حاصروا حاضرة سبتة 116 مرة، وفي سنة 1694 دام حصارهم لها 33 سنة؟؟؟ ، وشنوا عليها 130 هجمة. مهد الحضارة هذا، تجمع المغاربة من كل الجهات على فك احتلاله وتحريره.

مدينة سبتة الآن تحت سيطرة الاتحاد الأوروبي، والعملة المتداولة فيها بشكل رسمي هي “الاورو” !! .ومن اجل تثبيث الرأسمالية بالمدينة، ينهج الرأسمال سياسة ضريبية لمصلحته، وهذا سبب التهريب وتبيض الأموال والمخدرات وتهريب البشر، وحتى الأطفال والنساء وكل الظواهر البنيوية في الاقتصاد الرأسمالي بما فيها الدعارة والمتاجرة بالأطفال و الأعضاء البشرية وتهريب السلاح، وما لا يعد ولا يحصى من جرائم أنظمة الاستغلال البشعة والقبيحة. وفي كل حين تخرج البرجوازية المغربية المتعاونة مع الامبريالية على احتلال سبتة ، بكلام حول المدن المحتلة، تتلاعب من خلاله بعواطف المغاربة .

ميناء سبتة الموجود على الساحل الشمالي الإفريقي جنبا الى جنب مع مليلية المسيطر عليها من قبل الاتحاد الأوروبي، يعتبر من أهم الموانئ ،ويستعمل بشكل واسع كميناء نفطي ومركز صيد. ويعتمد الاقتصاد في سبتة بشكل رئيسي على الميناء وتجارة التقسيط /التجزئة. وتستقبل سبتة يوميا أعدادا كبيرة من العبارات اغلبها من اسبانيا، وتتوقف السفن السياحية في سبتة للتسوق في أسواق المدينة ومطاعمها. فالكلام عن تنمية شمال المغرب بتعاون مع المستعمر دون تحرير سبتة ومليلية، خدعة وخيانة لمسيرة كفاح المغاربة من اجل التحرر الحقيقي.

يقع بسبتة مطار صغير وهو أول مطار من نوعه باسبانيا يضمن الاتصالات بالمدينة عن طريق الجو. ومن اجل طمس وتدمير الحضارة المغربية ونشر الثقافة الاستعمارية، اكتسحت الصحف والقنوات الرسمية، السمعي البصري – والسمعي ( تلفزة وراديو) المدينة بشكل قوي. الاستعمار شيد سنة 1900 المتحف البلدي ” للثقافة” واختارت له السلطة الاسبانية موقعا بوسط المدينة، يضم معهد الدراسات وقاعتين للمعارض المؤقتة وخمس قاعات لمعارض دائمة !! الهدف محو حضارة المغاربة السبتيين من التاريخ المحلي للمدينة، بشكل نهائي. ويوجد بمدينة سبتة المحتلة متحف عسكري يقع بجانب الأسوار الملكية الاسبانية .

سبتة ومليلية مدن مغربية في إفريقيا، محتلة ومسيجة من قبل الاتحاد الأوروبي بدعم من الامبريالية العالمية .

إحاطة المدن بالأسوار والسياجات، ظاهرة قديمة برزت مع الاضطهاد والاستبداد والاستغلال، وطورتها الرأسمالية باستعمالها التقنيات والآلات. ومنذ سنة 1995 أصبحت المدن المحتلة تسيرها سلطات سياسية محلية، “حكم ذاتي”، بقرار من البرلمان الاسباني في العام نفسه. سنة 1998 تم حصار مدينة مليلية بشكل استعماري عجيب وغريب، إذ انفصلت المدينة عن العالم الخارجي بسياج يفصلها عن مدينة الناضور بأسلاك شائكة يصل ارتفاعها إلى 6.5 أمتار كما يصل طولها 8 كيلومترات. ودولة الرأسماليين المغربية بنظامها الاستبدادي تنازلت لاسبانيا عن بعض الأراضي لضمها إلى مليلية من اجل تعزيز “الآمن !!” ومحاربة “الهجرة السرية!!”.

الامبريالية وخدامها الأوفياء جهزوا جدارا بأحدث الأجهزة وبـوسائل المراقبة التكنولوجية ، بتمويل أوروبي واسباني، ويعد هذا السياج العنصري للاحتلال، الثاني من نوعه بعد السياج المزدوج المقام على الحدود بين سبتة المحتلة والمغرب.

هذه الجدران العنصرية خلقت وضعا في المنطقة شديد القسوة والاهانة والاحتقار والإذلال لجميع الكادحين والمفقرين ، وتسببت الرأسمالية المحلية والاحتلال الأوروبي للمنطقة في مسلسل لا ينتهي من الفواجع الإنسانية بشكل دائم، والموت الجماعي في البر والبحر، ولن يضع حدا ويوقف هذه المأساة الإنسانية سوى استقلال شامل وحقيقي كامل وتام لمدننا وتحريرها من يد الامبريالية.
لقد تحولت نقطة الحدود باب سبتة منذ بداية التسعينات إلى حدود جغرافية-سياسية بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وعلى لوحة كبيرة بـمدخل المنطقة كتب: ” اهلا بكم في الاتحاد الأوروبي”!!

السياج صنع من أسلاك مشبكة بفتحات صغيرة بتكلفة 33 مليون اورو، ويتألف الفاصل من سياجين متوازيين بطول 12 كيلومتر وارتفاع 6 أقدام بأسلاك شائكة في قمة رأسه . الجدار الامبريالي هذا :1)مجهز بطريق بديلة بين السياجين لمرور مركبات المراقبة .2) – مدعوم بكابلات توصيل شبكة من أجهزة الاستشعار الالكتروني، ومكبرات الصوت. 3 – السياج مجهز بالأضواء الكاشفة ذات الكثافة العالية ، وكاميرات تصوير (فيديو). 4- ومجهز بمعدات المراقبة الليلية.

إن استعمار سبتة ومليلية مدة قرون، والذي ساهمت فيه البرجوازية المغربية بمواقفها المتخاذلة، لن يسقط إلا بإسقاط النظام الرأسمالي التابع السائد بالمغرب.

طه محمد فاضل

المراجع
——–
*نبيل دريوش – المساء العدد568
*الدكتور حسن الفكيكي –سبتة المغربية صفحات من الجهاد الوطني –سلسلة
المعرفة للجميع –العدد 14
*محمد بوحزار- الاتحاد الاشتراكي 28/ ماي 2001 العدد 6500 ص 3)
*جريدة الصباحية – العدد 57- ليوم 6 نونبر2007 ص 3)
* أ.م الاحداث المغربية 21 مارس 2001.
*نبيل دريوش- جمال وهبي – المساء 12/13/7/2008 العدد565 ص3)
* موسوعة ويكيبديا – الموسوعة الحرة.
* مغيل مرتين- الاستعمار الاسباني في المغرب -1860-1956- منشور بموقع جريدة المناضل-ة
*سبتة ومليلية –تاريخ ووقائع – من منشورات المحرر- ماي 1981
* ليون تروتسكي- الثورة الاسبانية- ترجمة علي الشهابي ، الطبعة الاولى 1992،- دار الحوار للنشر والتوزيع- اللاذقية – سورية.
* عزالدين الخطابي – محمد بن عبد الكريم الخطابي – القائد الوطني – تيفراز- مطبعة ميثاق المغرب- الرباط.
* محمد امزيان- محمد عبد الكريم الخطابي، اراء ومواقف 1926-1963- منشورات سلسلة اختلاف ، العدد 12- .
* لينين- الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية – ترجمة الياس شاهين – دار التقدم – موسكو.
*خوان غويتيصولو- اسبانيا في مواجهة التاريخ ..فك العقد- ترجمة عبد العالي بروكي- سلسلة ضفاف- منشورات الزمن – الكتاب 13-– الطبعة الاولى /2008-النجاح الجديدة –الدارالبيضاء-

Print Friendly, PDF & Email