أم كلثوم؛ مسكن الأوجاع لا يشفي من مرض !

ثقافة و فن31 ديسمبر، 2025

بقلم: فواز طرابلسي

” واشرب صوتها : فيغوص من (ˣ)

 روحي إلى القاع

ويشعل بين أضلاعي

غناء من لسان النار، يهتف

” سوف انساها

وأنسى نكبتي بجفائها، وتذوب

أوجاعي”

بدر شاكر الشباب (قصيدة “أم كلثوم والذكرى”)

لم يخطئ – أبداً – الذين رفعوا صورة كبيرة للسيدة أم كلثوم في مقدمة مسيرة تشييع جثمانها يوم الأربعاء الماضي، وقد كتبوا عليها: “شهيدة الحب الإلهي”، فقد كانوا يعنون – بدقة – الظاهرة التي تمثلها “كوكب الشرق” في مجتمعنا العربي.

الحب الإلهي هو الصوفية. وأم كلثوم التي رفعت الغناء إلى مستوى طقس من طقوس العبادة، هي – أولاً – راهبة صوفية متعبدة. الحنجرة النادرة والصوت الفذّ والمواهب الأدبية والموسيقية المتضافرة – هذه كلها تنتج مطربة ناجحة، لكنها لا تكفي لبناء تلك السطوة الرهيبة، وذلك الحضور الكاسح اللذَيْن ميَّزا صلة أم كلثوم بقسم كبير من الجماهير العربية على امتداد نصف قرن من الزمن.

التناقضات المتفاقمة التي لا تجد حلا، المراحل الانتقالية المديدة، النكبات والكوارث – تلك هي التربة التاريخية التي تنمو عليها الصوفية، وتترعرع. وهي ظروف عرفها وطننا العربي في زمن أم كلثوم.

وأم كلثوم كانت “الوسط”، بؤرة التناقضات، ومرحلة الانتقال، يعتبرها غالي شكري ( في مقال له في “المحرر”) ممثلة الطبقة الوسطى المصرية، ويقول إنها – على الصعيد الفني – ليست امتداداً لمنيرة المهدية، مطربة الأرستقراطية، ولا لسيد درويش، فنان الشعب. ليست الثورة، ولا الثورة المضادة، إنما هي “أكثر التجسيدات الفنية نضجاً لنقطة التحولات التاريخية في حياة المجتمع المصري نحو الوسط”. لكن شكري يستدرك أن أم كلثوم لم تسقط عن عرشها عام 1952 عندما سقطت الطبقة الوسطى عن عرشها السياسي.

ولعل الذي يُغفله شكري هو أن عدم سقوط أم كلثوم عام 1952 قد يكون دليلاً بليغاً على كون الطبقة الوسطى نفسها لم تسقط عن عرشها السياسي بعد 23 يوليو، وأن المجتمع المصري، في ظل الناصرية، ظل يتذبذب حول “الوسط”.

والوسط هو بؤرة التناقضات، ومركز احتدامها مجال المحاولات الوهمية للخروج منه. وموقع أمتنا هو نفسه مصدر للتناقضات اللامتناهية، ليس أقلها شأناً أنها أمة غنية إلى حد أن الأمم الصناعية المقدمة، التي كانت ولا تزال تستعمرها، باتت تتسوّل أموالها والمساعدات.

وهي أمة فقيرة مدقعة في فقرها، إلى درجة أن أشد الشعوب بؤساً تشفق عليها.

وقليلة هي الأمم التي تضافر عليها الكَبْت والقهر والأماني الوطنية والقومية غير المتحققة والنكبات مثل ما هي متضافرة على أمتنا.

وأية مرحلة انتقالية أطول من تلك التي نعيشها؛ حيث القديم يتشبث بأهداب الحياة منتظرة الضربة القاضية التي لا تأتي، بينما الجديد لا يزال عاجزاً عن تمزيق غشاء الرحم، ولا من عملية قيصرية؟ ! 

والتعبير عن الكبت والحرمان والقهر والآمال في غير المتحققة أو الحزن- باختصار عن عذاب هذا المجتمع العربي ذلك هو الدور الذي يمنح أم كلثوم كل قوتها وشُمول سطوتها.

أما طريقة تعبيرها عن هذا كله، فتكمن في ما يمكن تسميته “أصالتها”. ذلك أنها تكمل تراثاً طويلاً، وتجسّم سمة مميزة من سمات الحضارة العربية.

فالغزل احتكر منذ القدم الشعر والغناء العربيين، وفرض على كافة المشاعر والقضايا الأخرى أن تعبر عن نفسها من خلاله. والدِّين، من جهة ثانية – احتكر التعبير الايديولوجي. فكان على القوى الاجتماعية، والتيارات الفكرية التي تعكس مصالحها أن تعبر عن نفسها في الدين وخلاله على شکل اجتهادات وشيع وانشقاقات وهرطقات.

ولقد تساءل ماركس: “لماذا يبدو تاريخ الشرق على أنه تاريخ ديانات؟”. مؤكداً هذه السمة المميزة للتراث العربي.

واتحاد العشق بالدِّين هو – تحديداً – الصوفية.

عزاء وخدر: 

ونعود إلى فاطمة إبراهيم، المسماة أم كلثوم، التي حملت أحزان الريف المصري إلى قلب المدن المصرية والعربية حيث أسست سلطانها. أغاني الحب التي وزعتها حملت كل الأوجاع وبعض العزاء، فبانت رمزاً وطنيا عربياً شاملاً.

في درك هزائمها، عندما كانت الجماهير العربية تشعر أنه لم يبق لها شيء، بقي لها صوت أم كلثوم. 

وفي أحلك ساعات الذل الوطني، كانت هذه الجماهير تقاوم – بها، وبصوتها – الاستسلام الكامل، وتتمسك بالدين والتراث اللذين يحملهما هذا الصوت، لتصفع الأعداء.

لكن هذا لم يكن يكفي لأم كلثوم. كانت “الشافية من الأوجاع على طريقتها الخاصة الأشبه بطرق الطبابة العربية القديمة المعتمدة على الفصد والكي. تفقأ الجراح، وتفتح الشرايين. تعري الألم. وتلح على الأوجاع الأخرى، ويظل صوتها يردد ويكرر التأوُّه، إلى أن بلغ الوجع ذروته، إلى أن يطغى الوجه الكبير- الحرمان من الإله المحبوب وشوق الاتحاد به -على كافة الأنواع الأخرى.

وعند الذروة، ينقلب الألم إلى انفجار للنشوة. إذاك يتحول المسرح إلى هيكل عبادة، وتزول الحدود الفاصلة بين “السمِّيعة” المنتشين، المخدَّرين، وبين دراويش حلقات الذكر السائرين نحو “الجَذْبَة”.

لكن النشوة عابرة، وليس يبقى إلا طعم المرارة في الحلق.

المرأة العبدة والمعبودة

ولا تغني أم كلثوم العشق الذي يحبل بشتى أنواع هموم المجتمع، إنها تغني – أيضاً – العشق، بما هو علاقة بين الجنسين.

سلطانها على الرجال، لا مجال للبحث عن حجج لإثباته. إنها “الست” بالنسبة إليهم، وكفى. وحده الشرق، وطن الحرمان الجنسي الكاسح، يمنح المرأة صفة المعبودة، وهي العبدة. لكن مصدر اللذة المحرم هذا هو- أيضاً – امرأة خانعة، متسامحة، تابعة. والرجل عُها، مثلما هو سيدها.

بالنسبة للنساء، تمثل أم كلثوم – المالكة لتلك السطوة على الرجال. بطلة، تُثار من كافة صنوف القهر الذي تتعرض له المرأة العربية.

ولعل الأهم من ذلك أنها تعلن – بجرأة نادرة – رغبات المرأة المكبوتة المحرمة هنا يكتسب فن أم كلثوم تلك الصفة الإباحية التي حافظت على جاذبيتها كامرأة، وهي في العقد الثامن من العمر. إباحية لا تمت بصلة إلى تفاهات هز البطن والكباريهات، ولا إلى تأوهات المراهقات من طراز “حتى فساتيني التي أهملتها”. وإنما الإباحية الجامعة الناضحة التي لا يجدها إلا من حطم الحواجز بين الجسد والروح.  الإباحية التي تجرأ عليها الصوفيون والشيوعيون فقط. الأولون، لأنهم أعطوا الإله صفات الحبيبة والأخرين لأنهم يرفعون الإنسان إلى مستوى الألوهية.

العزاء لمن؟

إذا كان كل ما ورد أعلاه يفسر الإجماع على أم كلثوم لدى طبقات عدة من المجتمع العربي، فإنه لا يعني أنها ظاهرة فوق الطبقات.

مثلها كمثل الدِّين، أم كلثوم تعني شيئا للحكام وأصحاب الامتيازات وتعني شيئاً آخر – تماماً – للفقراء والمحرومين. الثري الخليجي الذي يسافر يوم الخميس من أول كل شهر إلى القاهرة لحضور حفلة أم كلثوم، تشكل الست – بالنسبة إليه – ترفيها وترفاً، يضافان إلى كافة أنواع الترف والترفيه التي تتيحها له ثروته: إنه “تغيير جو”، وساعات من الاسترسال تعوَّدها الذين يقضون حياتهم بحثاً عن وسيلة لإضاعة الوقت.

أما بالنسبة لأوسع الجماهير المحرومة، فصوت أم كلثوم، وأغانيها، هما الثقافة الوحيدة الأشبه بالمجانية، وهما “التسلية الوحيدة، والعزاء الوحيد.

ومثلما للأغنياء دينهم، فإن لهم “أم كلثومهم” .. وكما المساواة في الدِّين عند الأغنياء تكرّس سيطرتهم وعبودية الآخرين لهم، وتحرك اهتمام هؤلاء بالبحث عن الأسباب الحقيقية لبؤسهم، كذلك، فالمساواة في حب “الست” وفي الخدر والانتشاء تلعب الدور نفسه.

أما عند الفقراء، فهذا الانفجار للقهر احتجاج على القهر، وسعي إلى تجاوزه، والالتجاء إلى أم كلثوم، إلى الحزن، والعشق المستحيل، عزاء، وبعض الرجاء، تماماً مثل الالتجاء إلى الدين والاعتصام بالله، والدين هنا هو دين المحرومين، هو التعبير عن الحرمان. وهو التعبير عن التوق إلى المساواة الفعلية، وكم تعبر فيروز – بدقة – عن هذه الوظيفة للدِّين عندما ترتّل للرّبّ:  “لا تهملني لا تنساني ، يا شمس المساكين”.

ولا عجب، بعد هذا، أن ينفجر الغضب الشعبي عند وفاة أم كلثوم، ويضطر الحاكم إلى التضليل حول موعد وفاتها. لقد خبروا مبلغ الألم الذي تحدثه خسارة الشعب للعزاء الذي يتعزّى به من ويلاته المتراكمة.

وقد كانت أم كلثوم ذلك العزاء. فما أتعس شعباً فقد حتى العزاء، ولم يبق له إلا القهر الجارح المصفَّى ! ما أتعس المدمن، وقد حُرم المسكنات ولم يبق له إلا الوجع الصارخ !

بوفاة أم كلثوم، سُلب شعبنا وسيلة فذة، من وسائل تحمل العذاب. ولعلها الخسارة التي لا تُعوَّض.

الفن والثورة:

يتساءل البعض: كيف يمكن أن يكون لأم كلثوم هذا الدور التخديري، وقد أسهم فنها في إطلاق أحداث تاريخية منها حرب تشرين 1973؟ !

تكتب أيتل عدنان (الأوريان –  لوجور): “لا يقولن أحد لي إن أم كلثوم مخدر. إن الفلاحين الجنود المصريين ذهبوا إلى الحرب وأغانيها على شفاههم، وفي رؤوسهم، وإنهم – بهذه الأغاني – السائرون نحو الثورة”.

الفن يقود إلى الممارسة، ويوجهها، مثله كمثل أية أفكار وإيديولوجيات أخرى. وإذا كانت أغاني أم كلثوم “وجهت” حرب تشرين، فإن هذه القيادة “الفنية” للحرب، ليست مختلفة البتة عن القيادة السياسية المصرية المتمثلة بأنور السادات والبرجوازية المصرية الجديدة. وحرب تشرين كمثل الفن الذي قادها: حدث تاريخي ضخم مهدد بأن يكتسب فاعلية تخديرية ضخمة.

أما الثورة، فلن يكون هذا الفن طليعتها. سنظل تعتصم بصوت أم كلثوم، طالما الذل الوطني طاغ، وطالما الخوف مسيطر، و الأعداء يبدون أقوی، وسنظل نحتاجها، طالما نشوة الحزن على الاّلام تنوب عن العمل لاستئصالها.

فصوت أم كلثوم هو مسكِّن الأوجاع الذي لا يشفي من مرض. ولكن، عندما تقلع عن الإدمان على المسكنات، وتمسك بمبضع الجراح بدلاً عنها. سيلوح فنّ، من يقود مسيرتنا متفجراً ثقة بالنفس، وبالمستقبل، فنّ يعلن تصميم البشر على السيطرة على حياتهم.

ومن تباشيره نشيد للشيخ إمام من كلمات أحمد فؤاد نجم بعنوان “بُکره الآتي آت”.

كل ما ح أسأل، ردوا وراي

بكرا الآتي أت

بكرا حياتي حتبقى مراية

بكرا الآتي آن

بيضا بتبرق للي وراي

بكرا الآتي آت

ح ارمي في عين الموت زلاية

بكرا الآتي آت

بكرا الدنيا ح تبقى في إيدي

بكرا الآتي آت

يا ما ح ينعم بيها وليدي

بكرا الآتي آت

ح امشي ودب الخطو حديدي

بكرا الآتي أت

كل ما ح أسأل، ردوا وراي

بكرا الآتي آت

بكرا الكلمة ح تبقى رحايا

بكرا الآتي آت

عندما تيجي اللحظة الجاية

بكرا الآتي آت

بعدما تصبح عيني قنايا

مین رح يحسب للأموات؟!

فواز طرابلسي “إن كان بدك تعشق” كتابات في الثقافة الشعبية ۲۰۱۹ منشورات المتوسط – إيطاليا

—– 

ˣ) نشرت “أم كلثوم: مسكن الأوجاع لا يشفي من مرض ” لأول مرة في مجلة الحرية، العدد 707 في 10 فبراير 1975

شارك المقالة

اقرأ أيضا