احتفاءً  بمحمد حربي

الشباب و الطلبة4 يناير، 2026
بقلم: محمود رشيد

رحل عنا محمد حربي أمس عن عمر 92 عامًا، بعد أن ترك بصمة في تاريخنا بفضل التزامه الثوري ومساهمته الكبيرة في كتابة هذا التاريخ.

كان مناضلا منذ شبابه في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وهي الحركة الاستقلالية الوحيدة في ذلك الوقت، وانضم إلى جبهة التحرير الوطني في نوفمبر 1954. جسَّد، مع صديقه حسين زهوان والعديد من الآخرين، «يسار جبهة التحرير الوطني» عند الاستقلال. كان مقربًا جدًا من الأممية الرابعة وقائدها الشهير في ذلك الوقت ميشيل رابتيس، المعروف باسم بابلو.

ناضل حربي وأصدقاؤه اليساريون، في سنوات الصراع على السلطة،  من أجل تحويل السيادة الوطنية إلى سيادة شعبية، لا سيما بواسطة حركة التسيير الذاتي الرائعة في سنوات الاستقلال الأولى. كانت الثورة الاجتماعية في صميم هذا النضال.

إنه في ظل دينامية «الثورة الدائمة» هذه، التي كانت تتشكل في ظل الصعوبات ضد التيارات اليمينية المحافظة والبيروقراطية البرجوازية الشعبوية والاستبدادية الحاكمة، نَظمت النواة الصلبة للجيش الحدودي انقلاب 19 يونيو 1965.

أعلن حربي وأصدقاؤه، بقصد التصدي لهذه الثورة المضادة بقيادة بومدين، تأسيسَ منظمة المقاومة الشعبية (ORP)، التي ضمَّت تيارات يسارية أخرى، لا سيما من الحزب الشيوعي الجزائري. ثم عانى حربي لمدة ثماني سنوات من عذاب السجن حتى هروبه في عام 1973.

منذ ذلك الحين، نفي إلى فرنسا وكرس حياته للتدريس الجامعي، ولأعماله القيمة حول تاريخ الحركة الوطنية وحرب التحرير، تخللتها تحليلاته حول طبيعة النظام والدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

بعد الانفتاح الذي أعقب انتفاضة أكتوبر 1988، وبعد ما يقرب من ربع قرن من اعتقاله ونفيه، عاد حربي إلى وطنه وشعبه خلال عدد من الندوات التي أدارها بنفس الدقة العلمية والوضوح السياسي اللذين ميزاه. كان ذلك في سياق اتسم بدينامية ثورية جديدة، حملتها الأجيال الشابة.

وفاته خسارة كبيرة لنا ولجميع الذين يناضلون من أجل التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية، وضد الاضطهاد الاستعماري والإمبريالي في عالم يحكمه نظام رأسمالي فوضوي بوحشيته وأفوله.

في إحدى مقالاته الأخيرة، التي نُشرت في مجلة À Contretemps في مارس 2019، إبان الموجة الثورية للحراك الشعبي في الجزائر، وقّع حربي مع صديقه نجيب سيدي موسى تحليلاً ثاقبا وصارما يلخص بحد ذاته الفكر الثوري لهذا لناثرِ بذورَ المقاومة والأمل للبشرية جمعاء.

أنشر هذا المقال هنا نظراً لأهميته وراهنيته. أوصيكم بشدة بقراءته أو إعادة قراءته.

ارقد في سلام يا محمد حربي. لقد كنت، إلى جانب حسين زهوان، رفيقنا القديم وأخونا الأكبر في النضال الثوري.

=========== 

الجزائر على وشك الانفجار

مقال رأي بتاريخ 11 مارس 2019

تمثل الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 22 فبراير قطيعة كبيرة في تاريخنا وتاريخ المغارب. يتعين علينا تعزيزها وتوسيع نطاق الإمكانيات.

اليوم، حقق الجزائريون انتصارًا أوليًا. مهمتنا الأساسية هي أن نستخلص الدروس من انتفاضة أكتوبر 1988 وأن نتجنب مرة أخرى «تحويل مجرى النهر»، أي مصادرة السيادة الشعبية التي هي أصل الاستبداد في شكله الحالي.

إننا إزاء أزمة جديدة للنظام، لكن الشعب الجزائري حسم الأمر. لقد انتهى عهد جبهة التحرير  الوطني، وكذلك عهد الولاية الخامسة. وليس إعلان الرئيس في 11 مارس 2019 إلا تأكيدا لهذا الواقع.

يقترح الديمقراطيون، هنا وهناك، بدائل سياسية باسم التغيير. لكن مصالح الطبقات الشعبية نادراً ما تؤخذ في الاعتبار. والحال أنها هي التي تعاني أكثر من غيرها من الإذلال والتعسف في استخدام السلطة والحكَرة.

هذه الآفات سمة للمنطقة المغاربية بأسرها. ولهذا السبب، بعد الثورة التونسية وحركة 20 فبراير 2011 في المغرب، تلقى الأوضاع الجزائرية صدى قوياً لدى جميع الذين يتطلعون إلى الكرامة.

يجب علينا، دون استسلام لروح الانتقام، أن نحذر من أن يستعيد أنصار الوضع القائم سابقاً عذريتهم باسم انتقال يربطهم خلسة بالنظام القديم وممارساته (الفساد، المحسوبية، الافتراس، إلخ).

الديمقراطية، التي يطالب بها الجميع الآن بصوت عالٍ، هي عكس التوافق الذي نعاني من عواقبه. لنتذكر أنه كان دائماً صيحة الطبقات الحاكمة للتجميع تحت كنفها.

الحرص على إقامة علاقات متساوية هو أساس الأخوة التي يحلم بها الشعب. ولكن اتخاذه معنى يتطلب الخروج من الإجماع الظاهري الذي يشكل عائقاً أمام تبلور القوى الشعبية وتجميعها.

يجب إعادة تأسيس الجمهورية، في قطيعة مع الميول الاستبدادية التي يماثلها صانعو الانتفاضة الشعبية بالملكية.

يجب تأكيد تطلعات الطبقات الكادحة، التي يشكل النساء والشباب محركاتها، من الآن فصاعداً. لذلك، يجب احترام استقلاليتها في التنظيم والعمل. من هذا المنظور، فإن المساواة بين الجنسين أمر غير قابل للجدال.

على عكس فكرة أن الجزائريين والجزائريات استيقظوا في 22 فبراير، تمثل الأحداث الجارية ي في الواقع ثمرة سيرورة طويلة غذتها نضالات القوى الأشد تصميماً ودفعت ثمنها سياسياً، والتي خيضت في الحقبة الأخيرة في جميع مناطق البلد.

وقد تجاوز التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة التنازلات المادية التي قدمتها حكومة ترغب في شراء السلم الاجتماعي، ما يؤكد أهمية شعار الإضراب العام لتجاوز التجزئة والتشكل في قوة مستقلة.

إن يد الأوليغارشية الممدودة إلى الشغيلة صفقة خادعة لا تؤدي سوى إلى إدامة تبعيتهم للأجندة النيوليبرالية. فرجال الأعمال هم الذين يحتاجون إلى الجماهير الشعبية للضغط على السلطة من أجل الدفاع عن امتيازاتهم. في المقابل، لا يحتاج العاطلون عن العمل والفقراء والأجراء إلى الاعتماد على المليارديرات لتأكيد أهدافهم الخاصة.

تشكلت، منذ عام 2012 على الأقل، جماعة في الخفاء تضم ممثلين للسياسة في الزي العسكري والرئيس وعائلته، بالإضافة إلى رجال الأعمال. هذه المجموعة هي التي دعمت الدعوة إلى ولاية رابعة ثم خامسة. وغطرستها سبب الانتفاضة الشعبية.

لنكن يقظين: شبح تدخل قوى خارجية لا صدقية له. لنكف عن البحث عن الشيطان خارجنا. الأزمة هي مواجهة بين قوى اجتماعية وسياسية داخلية في الجزائر ..

وقد تم التعبير عن التطلع إلى تغيير جذري بشكل جماهيري وقوي في الشوارع، ما زعزع أنصار النظام. بالنسبة لسواد شعبنا الأعظم، لا يمكن فصل السعي إلى الحرية عن السعي إلى المساواة.

إننا نقف إلى جانب الطبقات الشعبية في رغبتها في إدارة شؤونها بنفسها. لأنه لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية دون مراعاة تطلعاتها الخاصة.

نحن نؤيد تنظيم الشغيلة الذاتي، بإنشاء جمعيات في الأحياء والقرى والمدن، حيث يتداول الأفراد في تولي جميع جوانب الحياة اليومية، دون وساطة الدولة أو ممثليها المحترفين.

المقصود الذهاب إلى أبعد حد ممكن في الطعن في النظام الرأسمالي والأمني والأبوي والديني.

لقد ورث بلدنا روح الحسبة، أي مراقبة الجميع من قبل الجميع. دعونا نواجه ذلك باحترام الاستقلالية الفردية، وحرية الضمير، وحرية التصرف في الجسد، وحرية الحركة، واستعادة الفضاء العام جميعًا، كما فعلت الجزائريات والأحرار بفرح.

الطريق المفضي إلى التحرر الاجتماعي طويل، لكنه الطريق الوحيد لتحقيق ازدهار الجميع.

بقلم؛ محمد حربي ونجيب سيدي موسى

نُشر في 11 مارس 2019 في À contretemps Odradek: http://acontretemps.org/spip.php?article709 

المصدر: https://inprecor.fr/hommage-mohamed-harbi
شارك المقالة

اقرأ أيضا