جماهير انركَي الشعبية (إقليم أزيلال) تسير نحو عمالة الإقليم من أجل حقها في حياة لائقة

بقلم: حماد أولحوس

تعاني الجماهير الكادحة بالمناطق الجبلية من إهمال الدولة لبنياتها التحتية والخدمات الاجتماعية ومجمل ما ينفع ناسها. إذ لا تعطي الأولوية سوى لما يضخم أرباب الأقلية البرجوازية ويعزز جهاز القمع.

نتج عن سلوك الدولة هذا نهوض الجماهير الشعبية المقهورة للاحتجاج والمطالبة بمقومات حياة لائقة وكريمة. فكان أن شهدت مناطق عديدة حركات مطلبية متنامية منذ مسيرة ايت بلال التاريخية في العام 1999، مرورا بنضالات طاطا و آيت باعمران ، ثم الريف، وموخرا موجة الاحتجاجات التي هزت في الصيف الماضي قرى كثيرة بإقليم أزيلال بعد المسيرة المجيدة لكادحي آيت بوكماز يومي 9 و10 يوليوز 2025.

ضمن هذه الدينامية الكفاحية الشعبية، خرج  سكان  دوار أنرگي وعدد من القرى المجاورة، صباح يوم 8 يناير 2026، في مسيرة احتجاجية اتجاه مقر عمالة إقليم أزيلال، عبر طريق أخشان في اتجاه تيلوكيت، شارك فيها العشرات من سكان المركز والدواوير المجاورة، من بينها آيت خويا وآيت بولمان وإمداحن وآيت عيسى وأفتيس وتمقيت.

نظم الكادحون، هذه المسيرة تعبيرا عن السخط بسبب الأوضاع القاسية التي تعيشها المنطقة بفعل استمرار العزلة ونقص المواد الأساسية، بالإضافة مشكلات خدمات الصحة  التي يعاني منها مرضى ونساء حوامل وكبار السن، مع استحالة الوصول السريع إلى المراكز الصحية. معاناة كلها  ناجمة عن تقصير الدولة في العناية بكادحي المنطقة وكادحاتها.

ركزت مطالب المحتجين على فك العزلة بفتح الطرق المقطوعة بسبب إهمال المصالح المعنية بعد تراكم الثلوج. و توفير المواد الغذائية وغاز البوتان والأعلاف.

وحسب مقال الصحفي عمر طويل بجريدة ملفات تادلة[1] “طالبت الساكنة السلطات الإقليمية والقطاعات المعنية بـتدخل عاجل ومنسق، لا يقتصر على الحلول الظرفية، بل يشمل معالجة جذرية لإشكالية العزلة وضعف البنيات التحتية، بما يضمن كرامة الساكنة وحقها في العيش في ظروف إنسانية لائقة، خاصة خلال فصل الشتاء”.

بعد سبع ساعات مشي، وصلت المسيرة الى “تيلوكيت نايت مصاد” حيث حاول قائد قيادة تيلوكيت ورئيس دائرة واويزغت وعناصر الدرك الملكي ثني المحتجين عن مواصلة السير. غير أنهم رفضوا أي تفاوض محلي، مصرّين على لقاء عامل إقليم أزيلال شخصياً لعرض مطالبهم العاجلة، من أبرزها فتح الطرق، تحسين الخدمات الصحية بالمركز المحلي، وتأمين استمرارية الدراسة للأطفال الذين انقطعت فصولهم الدراسية بسبب موجة البرد والعزلة.

هذا الإصرار على مفاوضة المسؤول الأول بالإقليم هو نفسه كان لدى مسيرة ايت بوكماز التي قضت ليلة في طريقها الى مدينة أزيلال، وكان لها ما أرادت. حيث استقبل عامل الاقليم، يوم الخميس 10 يوليوز 2025، وفدًا من لجنة المسيرة آيت بوكماز التي تنتمي لـ “انتفاضة الكرامة والعدالة المجالية”، حيث تعهد بتنفيذ مجمل مطالب السكان الاجتماعية والتنموية أقرب الآجال. لقاء أنهى المسيرةَ التي أشادت بتضامن الشعب المغربي والإعلام والمنظمات الحقوقية والمتضامنين داخليًا وخارجيًا. وبالفعل تحققت بعض المطالب وأعطيت وعود بصدد أخرى، لا شك انها تستدعي مزيدا من النضال.

وللتذكير، كانت احتجاجات كادحي آيت بوكماز قد جرت للمطالبة بتحسين شروط العيش وفك العزلة عن المنطقة، رافعة مطالب تحسين البنية التحتية والطرق، وتوفير النقل المدرسي والخدمات الصحية، وتغطية الاتصالات والإنترنت، وبناء مرافق شبابية ورياضية، وإحداث مركز للتكوين في المهن الجبلية، وبناء مدرسة جماعية، وإنشاء سدود تلية للحماية من الفيضانات. وأكد أبناء الدواوير في ختام معركتهم استمرارَ اليقظة ومتابعة تنفيذ الالتزامات، مع التمسك بالاحتجاج السلمي و”الحوار المسؤول” ما دامت المطالب لم تترجم على أرض الواقع.

مع مسيرة جماهير ارنكي الشعبية، يتأكد مرة أخرى الاستعداد النضالي لمقهوري المغرب، رغم القمع الذي تواجه به الدولة البرجوازية مطالب الجماهير الشعبية. مسيرات وحراكات شعبية تكاد لا تخفت هنا حتى تنبثق هناك، حاملة نفس المطالب الاجتماعية الممكن تلخيصها في: الحق في حياة لائقة بتكريس الثروة لتلبيية الحاجات الأسية للجماهير عوض “زيادة الشحمة في ظهر البرجوازية المعلوفة”.

ما ينقص النضالات الشعبية بالعالم القروي هو توحيدها، فالمطالب متعلقة بالسياسة العامة للدولة، وبالتالي تتطلب تجميع القوة النضالية على مطالب موحدة. المشكلة تنظيمية بالدرجة الأولى، ما يضع على كاهل الأحزاب والنقابات والجمعيات المتضامنة مع الكادحين أن تفعِّل هذا التضامن ميدانيا، في صلة مباشرة مع الكادحين، ومساعدتهم على بناء حركة شعبية لكادحي القرى على صعيد وطني. فبدون هذا ستتبدد طاقة النضال، وتنجح الدولة في فرض نفس السياسات التي تخدم الأقلية المالكة، على حساب الأغلبية الشعبية التي ستظل تكابد ويلات النظام الرأسمالي السائد.

إن النضال من أجل الديمقراطية، وتلبية الحاجات الشعبية، يكون في المقام الأول بالنضال خارج المؤسسات، أي بالتحركات العمالية والشعبية في أماكن العمل وفي الشارع، بعكس ما توهم معظم قوى اليسار المغربي الذي اعتبر العمل في المؤسسات المنتخبة خطا استراتيجيا يفضي إلى التغيير. وكانت التجربة خير مُكذب لهذا الاعتقاد الواهم.  وكذلك اكدت التجربة خطأ قسم اليسار الآخر الذي يمتنع عن العمل في المؤسسات “المنتخبة” بينما هي واجهة مهمة لإيصال الصوت المناضل من أجل تغيير حقيقي، لا سيما انها رغم كل التزوير والإفساد تحظى باهتمام الكادحين، وتسهم في تسيسهم.

إنه في النضالات الشعبية كالموجة الاحتجاجية التي يشهدها إقليم أزيلال منذ الصيف الماضي يجب أن نبني منظمات النضال الكفيلة بالاستفادة من دروس عقود من النضال، والارتقاء بوعي الجماهير الشعبية الى مستوى إدراك ضرورة الاستعاضة عن النظام الاقتصادي-الاجتماعي السائد ببديل يحقق تطلعاتها إلى الحرية والحياة اللائقة.

[1] https://milafattadla24.com/128138.html

شارك المقالة

اقرأ أيضا