اختطاف في كاراكاس
بقلم: طارق علي
قبل عقدين من قيام القوات الأمريكية باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في نهاية هذا الأسبوع، كان هوغو تشافيز بالفعل تنبأ بهذه المقاربة:
قبل سنوات، قال لي أحدهم: سيتهمونك في آخر المطاف بأنك تاجر مخدرات، أنت شخصياً، أنت يا شافيز. ليس وحسب لأن الحكومة تدعم ذلك أو تتغاضى عنه، لا، لا، لا. سيسعون إلى تطبيق صيغة نورييغا عليك. إنهم يتطلعون لإيجاد طريقة لربط تشافيز مباشرة بتجارة المخدرات. ومن ثم، يصبح كل شيء متاحا ضد «رئيس يتاجر بالمخدرات»، أليس كذلك؟
في صباح يوم 3 كانون الثاني/يناير، نشر ترامب تغريدة تهنئة في تويتر بمناسبة العام الجديد. كانت الولايات المتحدة الأمريكية شنت «ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها». كان الرئيس مادورو وزوجته سيليا تعرضا «للاعتقال والترحيل خارج البلد». أعلن ترامب أن مزيدا من التفاصيل سيتم الكشف عنها بعد بضع ساعات. لكن التفاصيل كانت مبهمة.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصل صديق قديم من كاراكاس قائلاً إن مفاوضات سرية كانت قائمة منذ فترة بين النظام والأمريكيين. كان الأمريكيون يسعون إلى الحصول على رأس مادورو، لكن النظام رفض تسليمه لهم. وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، تلقى مقترحًا بالذهاب إلى تركيا لقضاء تقاعد مريح فيها، لكن رفض ذلك، مما يجعله محل تقدير. وعلى الرغم من اقتراحه مرارًا وتكرارًا التفاوض مع واشنطن بشأن مسائل النفط وواردات المخدرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه ألّب أيضًا الفنزويليين ضد قيام ترامب بتعزيز قوته العسكرية في منطقة البحر الكاريبي.
من الواضح أن إدارة ترامب فضلت التفاوض مع ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس، وبعض الشخصيات الفنزويلية الأخرى، حيث أن الوزيرين الرئيسيين هما ديوسدادو كابيلو، وزير الداخلية، وفلاديمير بادرينو، وزير الدفاع. يحظى كلاهما بدعم الجيش، الذي يناهز قوامه 100 ألف جندي، كما أن كابيلو يقود قوات الميليشيات الشعبية، الأكثر أهمية على ما يبدو. وفي الوقت الذي كان فيه ترامب يعزز أسطوله البحري العدواني في الأشهر الأخيرة، ردّت حكومة مادورو بتسليح بعض شرائح السكان.
وبالتالي، أصبحت مسألة من يحكم فنزويلا الآن ذات أهمية حاسمة. أتى الرد الأول من ترامب: «سنقوم بإدارة البلد حتى نتمكن من تأمين مرحلة انتقالية سليمة وملائمة وحكيمة». لكن إدارة ترامب تقف بين نارين. لا تؤيد قاعدة حركة ماغا (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) الداعمة لترامب إرسال قوات أمريكية للموت في الخارج – كان هذا عنصراً أساسياً في الحملة التي خاضوها ضد الديمقراطيين والقيادة السابقة في الحزب الجمهوري بشأن أفغانستان والعراق. لا يريدون وجود قوات أمريكية على الميدان في فنزويلا. في الوقت نفسه، فإن أنصار أقصى اليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية، ممثلين في روبيو، يشعرون بالاستياء من بقاء البوليفاريين دوماً في السلطة في كاراكاس.
في لحظة معينة، دارت نقاشات بشأن تعيين ماركو روبيو حاكماً أو قنصلاً فعلياً، لتوجيه الأوامر إلى حكومة فنزويلا. في غضون ذلك، كانت الرسائل الواردة من كاراكاس مبهمة. في اليوم التالي لاعتقال مادورو، صرح وزير الداخلية كابيلو قائلاً:
هذا هجوم على فنزويلا. نحن على أهبة الاستعداد. ندعو شعبنا إلى التزام الهدوء والثقة بقيادته. لا تدعوا أحداً يثبط عزيمتكم أو يسهل مهمة العدو العدواني.
ألقت ديلسي رودريغيز، التي أقرتها المحكمة العليا في فنزويلا كرئيسة مؤقتة للبلد لمدة ثلاثة أشهر قادمة، كلمة على التلفزيون الحكومي طالبت فيها بالإفراج عن مادورو. هاجمها ترامب في مقابلة مع مجلة ذي أتلانتيك لعدم انصياعها بما فيه الكفاية، مؤكداً أنها كانت قطعت وعوداً عليها الآن الوفاء بها، ومهدداً إياها بقوله: «إذا لم تفعل اللازم، فستدفع ثمناً باهظاً، ربما أغلى من مادورو». وتابع قائلاً: «تغيير النظام، مهما سميتموه، أفضل مما لديكم حالياً. لا يمكن أن يكون أسوأ».
يبدو أن إدارة ترامب عاجزة على فهم أنه، بغض النظر عن رأي الناس في مادورو، فإن غزو الولايات المتحدة الأمريكية لفنزويلا لا يلقى ترحيباً سوى من قلة قليلة من الفنزويليين. هذا تقليد يعود إلى سيمون بوليفار، الذي كان حذر بشكل خاص من أن على أمريكا اللاتينية توخي الحذر من الإمبراطورية الجديدة في الشمال ومقاومة احلال السيطرة الأمريكية مكان السيطرة الإسبانية. منذ يوم الأحد، اندلعت تظاهرات في مناطق عديدة في البلد مطالبة بالإفراج عن مادورو، خاصة تظاهرة حاشدة في كاراكاس نفسها. تتجاوز حالة الاستياء نطاق قاعدة دعم النظام بكثير. سئل زعيم كاثوليكي مناهض لمادورو، في مقابلة مع إذاعة بي بي سي راديو 4 في 5 كانون الثاني/يناير، «لا بد أنكم سعداء جداً الآن». فأجاب: «كلا، لسنا سعداء. لا نحب أن يكون بلدنا محتلاً، وغالبية الفنزويليين لا يريدون أن يكون محتلاً».
كما كان شافيز توقع، سعى ترامب وروبيو إلى اتهام مادورو بـ «الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، وهو أحدث نسخة من أسلحة الدمار الشامل غير المرئية في العراق. كتب روبيو في تغريدة على تويتر الصيف الماضي: «مادورو ليس رئيس فنزويلا، ونظامه لا يمثل الحكومة الشرعية. بل مادورو زعيم عصابة الشمس (كارتل دي لوس سوليس)، وهي منظمة إرهابية متورطة في الاتجار بالمخدرات استولت على البلد. مادورو متهم بتهريب المخدرات إلى الولايات المُتحدة الأمريكية».
كما هو معروف، ينحدر روبيو نفسه من عائلة مشهورة في تجارة الكوكايين، لها صلة وثيقة بتجارة المخدرات في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية. وأقاربه متورطون منذ سنوات في تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وبصفته وزيراً للخارجية، عيّن روبيو مهربين للمخدرات في جميع الحكومات الموالية للولايات المتحدة الأمريكية في القارة. ومن غير المفاجئ أن يزعم البعض أن هذا الهجوم قد يكون في الواقع مناورة من روبيو للدفاع عن مهربي المخدرات المدعومين من الولايات المتحدة الأمريكية ضد المهربين الأكثر استقلالية الموجودين أيضاً في هذه المنطقة من العالم.
ومن المفارقات الأخرى أن قوة دلتا، وهي فريق القوات الخاصة الإرهابية التابعة للدولة الأمريكية التي اختطفت رئيس فنزويلا، تعتبر هي نفسها إلى حد كبير متورطة في تدبير شبكة لتهريب المخدرات في الولايات المتحدة الأمريكية. يوثق الصحفي الاستقصائي سيث هارب، في كتابه The Fort Bragg Cartel: Drug Trafficking and Murder in the Special Forces (عصابة فورت براغ: تهريب المخدرات والقتل في صفوف القوات الخاصة)(2025)، جرائم القتل وتهريب المخدرات التي ارتكبت في المنشأة العسكرية الأمريكية وحولها في منطقة خارج فايتفيل، في ولاية كارولينا الشمالية. أدرج كتاب هارب في قائمة الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفة نيويورك تايمز، وحظيت استنتاجاته بقبول واسع من النقاد. وبالتالي، فإن هذه العملية الإجرامية الأمريكية نفذتها عصابتها التي تتجار في المخدرات. لا يوجد هنا أي شعور بالخزي، أو أي شيء من هذا القبيل. إنهم يفعلون ذلك ببساطة، انطلاقًا من مبدأ أن الناس سيستمرون في قبول ذلك ما داموا قادرين على تحقيق بعض النجاحات.
والآن، قامت المدعية العامة بام بوندي بنشر تغريدة على تويتر تتضمن ما يسمى بلائحة الاتهام، والتي تبدو جنونية بعض الشيء:
تم توجيه الاتهام إلى نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في الدائرة الجنوبية من نيويورك. وُجهت إلى نيكولاس مادورو تهم التآمر لارتكاب جرائم إرهابية متعلقة بالمخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدميرية، والتآمر لحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدميرية ضد الولايات المتحدة الأمريكية.
لا يمكن لأي محامٍ جاد في الولايات المتحدة الأمريكية أن يأخذ ذلك بمعناه الحرفي. كل هذا مجرد مهزلة. من العبث اتهام رئيسٍ يمارس مهامه، بـ«التآمر لامتلاك» أسلحة آلية، بعد خطفه للتو أثناء قصف عاصمته. إن بوندي قيد حبك محاكمة صورية، لكن ذلك قد لا يكون سهلاً كما تعتقد. ما من شك في أن بعضاً من أفضل المحامين الأمريكيين سيدافعون عن مادورو، ويتولون ملفه. لكن ذلك يشير إلى أن التعيينات في حكومة ترامب الثانية كانت إلى حد كبير على أساس الولاء بدل الكفاءة، حيث تم اختيار أشخاص لن يتحدوا الرئيس وأفكاره المجنونة، كما يتضح من المقابلة التي أجراها رئيس ديوان ترامب مع مجلة فانيتي فير. إن غياب أي معارضة جادة في البلد قادرة على الإصرار على سيادة سلطة الكونغرس يشير إلى سيرورة تفسخ داخل حتى مؤسسات الديمقراطية البرجوازية الأمريكية.
أشار كُثر– كما فعل تشافيز نفسه – إلى أن ذلك يمثل سيناريو نورييغا. لكن ثمة فرق كبير بين مادورو، مهما كانت مواطن ضعفه، ونورييغا. كان الرجل القوي البنمي بالفعل في خدمة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية منذ سنوات 1950، حيث كان يزود مجموعات يمينية متورطة إلى حد كبير في تهريب المخدرات بالأسلحة، قبل توتر علاقته مع واشنطن. كان تلقى تدريبًا على التعذيب في مدرسة الأمريكيتين School of the Americas سيئة السمعة، حيث بدأ عدد لا يحصى من المبتزين وغاسلي الأموال المتأتية من تهريب المخدرات مسيرتهم المهنية.
تلقى من الولايات المتحدة الأمريكية معاملة سيئة للغاية، على الرغم من كل ما أسدى لها من خدمات. بدأ في بلورة فكرة أو اثنتين عن السيادة الوطنية، مما دفع حكومة جورج بوش الأب إلى اتخاذ قرار حازم بإطاحته. مع ذلك، حظيت هذه العملية بدعم من غزو عسكري أمريكي، قبل أن تقوم فرقة مشتركة من قوتي دلتا-سيل Delta-SEAL بإخراجه من قصره وتسليمه إلى عناصر وكالة خدمة المارشالات الأمريكية لإيداعه السجن بعد محاكمة شكلية.
لكن ثمة سابقة أخرى ينبغي عدم تجاهلها: سابقة جان برتراند أريستيد، رئيس هايتي في مطلع سنوت 1990، ثم مجدداً منذ انتخابه في عام 2001 حتى إطاحته عام 2004. كان أريستيد معتدلاً في البداية، لكنه تجرأ على التصريح بأنّ على فرنسا أن تعوّض هايتي عن المبالغ الضخمة التي اضطرت الجزيرة إلى دفعها إلى القوة التي استعمرتها سابقاً، بتهمة جريمة إلغاء الرق بعد الثورة الهايتية بين عامي 1791 و1804، أي ما يناهز 21 مليار دولار بالقيمة الحالية. كانت باريس تخشى أن يشكل ذلك سابقة لمطالب الجزائر. في شباط/فبراير 2004، تعاونت سلطات فرنسا وهايتي مع الولايات المتحدة الأمريكية لارغام أريستيد على مغادرة البلد.
هناك حكاية مثيرة للاهتمام في هذا الصدد. كنت في كاراكاس في ربيع عام 2004 لحضور ندوة عندما وقعت هذه العملية الفرنسية الأمريكية. بعد يوم من اختطاف أريستيد، سألت تشافيز: «لماذا لم تمنحوه حق اللجوء؟» فأجابني: «أنا في غاية الحزن. حاول الاتصال بي، لكن كنا مشغولين بإعداد الندوة. عندما تلقيت الرسالة، كان الأوان فات. كان بالفعل نقل إلى جنوب أفريقيا، وأنا آسف على ذلك». أخبرته أنني سأذهب قريبًا إلى جوهانسبرغ لإلقاء محاضرة. أجابني تشافيز: «حاول أن تقابله وأخبره أنه مرحب به هنا. ينبغي أن يعود إلى منطقته لمحاربة هؤلاء المجرمين.» نقلت الرسالة بالفعل. لكن أعتقد أن بريتوريا أبرمت اتفاقًا يقضي ببقائه في جنوب أفريقيا إلى أن تسمح له الولايات المتحدة الأمريكية بالعودة إلى هايتي. يشكل مادورو آخر فرد في سلسلة طويلة.
تحمل التعديات التي يتعرض لها ذكريات عن تلك التي واجهها شافيز، الذي اتهمته وسائل الإعلام الغربية باستمرار بأنه ديكتاتور. لماذا؟ لأنه كان يرتدي زيًا عسكريًا. لكن شافيز كان متمتعاً بشعبية كبيرة، وكان يفوز في الانتخابات واحدة تلو الأخرى؛ ولم يكن من الضروري الذهاب إلى دول الخليج والمملكة العربية السعودية للعثور على أشخاص أسوأ منه بكثير على جميع المستويات. تعرض الدستور الديمقراطي الراديكالي الذي أقره شافيز – والذي كان ينص على حق عزل الرئيس عن طريق الاستفتاء، إذا لزم الأمر ذلك– لانتقادات من قبل المعارضة اليمينية، على الرغم من أن هذه الأخيرة سعت لاحقاً إلى استخدام آلية العزل نفسها ضده. كنت في كاراكاس عندما زار جيمي كارتر البلد لمراقبة الانتخابات. صُدم عندما وجهت له المعارضة المحلية الشتائم عند دخوله مطعماً في إحدى الضواحي المرموقة شرق المدينة، حيث تعيش الطبقة البرجوازية. بعد ذلك، قال: «لم أر بأي وجه معارضة مثل هذه في أي مكان آخر». وعندما سُئل «كيف ترون سير الانتخابات؟»، أجاب أنه لم ير بأي وجه انتخابات عادلة مثل هذه في أي بلد آخر، بما في ذلك بالطبع في الولايات المتحدة الأمريكية.
كان شافيز دومًا يؤكد على ضرورة أن تكون الثورة البوليفارية تجربة ديمقراطية – وكانت كذلك بالفعل. خاض معه كُثر، ومنهم أنا، نقاشات حول هذا الموضوع. عندما تم الإعلان عن النتائج الأولية للاستفتاء الذي أقيم عام 2004، سألت تشافيز: «يا رفيق، ماذا سنفعل إذا خسرنا؟» فأجابني: «ماذا تفعلون إذا خسرتم؟ تتركون مناصبكم وتكافحون من جديد من الخارج، موضحين لهم أسباب خطأهم». كان لديه وعي عميق بذلك. ولهذا السبب من العبث أن نتهم أنصار شافيز بأنهم غير ديمقراطيين منذ البداية. أثناء فترة تشافيز، كانت الصحف وقنوات التلفزيون المعارضة تبث الدعاية باستمرار، وتهاجم النظام، وهو ما لم يكن ليحدث بأي وجه في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية. عندما كان الناس يقولون لتشافيز: «ينبغي أن نتخذ إجراءات صارمة»، كان يجيبهم: لا، نحن نحاربهم سياسياً».
منذ عام 2013، انهار النظام. ورغم فوز مادورو في انتخابات عام 2024، فإنه لم يتمكن من تقديم دليل على نجاحه عندما طلب منه لولا دا سيلفا ذلك. على الصعيد الاقتصادي، لا شك في أن البوليفاريين تلقوا نصائح غير صحيحة، حتى في عهد تشافيز. عندما زار أفضل الاقتصاديين الكينزيين البلد، ومنهم دين بيكر ومارك وايسبروت وجوزيف ستيغليتز، لم يتم اعتماد توصياتهم. ربما كان من الأفضل لهم في تلك اللحظة أن يتوجهوا إلى الصينيين. لكن التدهور الاقتصادي الحقيقي كان بسب الحصار الأمريكي. أدت العقوبات على مبيعات النفط، التي فرضها ترامب في 2017-2018 وواصلها بايدن، بالفعل إلى مغادرة ما يناهز 7 ملايين شخص البلد، حيث وجد اللاجئون الفنزويليون أنفسهم في ميامي وكولومبيا ومناطق أخرى من أمريكا اللاتينية. كانت واشنطن على علم مما تفعله.
كان لدعم القوات المسلحة الفنزويلية أيضا ثمنه. بعد محاولة الانقلاب ضد تشافيز في عام 2002، قلت له: «هذه فرصة سانحة لكم لإجراء إعادة هيكلة واسعة النطاق في صفوف الجيش» . لكن أجابني: «هذا ليس بالأمر السهل. نحن نتخلص من جميع الجنرالات الرفيعي المستوى الذين كانوا على علم بمحاولة الانقلاب ضدي أو شاركوا فيها». فأجبته: «هذا كرم كبير منكم، إذ لو كانت هكذا محاولة انقلاب وقعت ضد حكومة منتخبة في الولايات المُتحدة الأمريكية، فمن المرجح جدا أن يتعرض القائد العام للإعدام بتهمة الخيانة وأن يقضي بقية الجنرالات سنوات في السجن. لكنكم كنتم كرماء جدا، وتركتم بعض هؤلاء الرجال يرحلون.» فردّ: «من الأفضل التخلص من هذه الرائحة». وجدت ذلك الموقف ضعيفًا في تلك الفترة.
مع ذلك، لطالما قام النظام البوليفاري بدمج ديمقراطية راديكالية وبرامج اجتماعية ومحو أمية طموحة وسياسة خارجية دولية. كان هذا هو المشهد العام في البلد. كان إسهام كوبا كبيراً للغاية، مع ارسال البعثات وكل ما إلى ذلك. لكن الكوبيين، لم يكن لديهم، ويا للأسف، ما يقدمونه من دروس في مجال الديمقراطية. وبقدر تفاقم الأزمة الاقتصادية، تخلت كاراكاس عن جميع إصلاحات الشافيزية عمليا، واتجهت نحو الدولرة والتقشف ابتداءً من عام 2019. لكن في مجال السياسة الخارجية، لم يسلكوا هذا المسار. قاموا بتخفيض إمداداتهم من النفط إلى كوبا بشكل كبير بسبب العقوبات الأمريكية، لكن لم يتخلوا عن هافانا. وظلوا متمسكين بموقف حازم بشأن غزة والشرق الأوسط، مما يثير حفيظة الأمريكيين بالطبع. وكما صرحت واشنطن بوضوح، فإنهم يريدون حكومة روبيو-ترامب مخلصة لهم تمامًا.
كان رد الفعل الدولي، كما كان متوقعاً، معتدلاً على المستوى الرسمي. بالطبع، أدانت الصين وروسيا وقوى عديدة أخرى ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية من هجوم عسكري واختطاف، ودعت إلى الإفراج الفوري عن مادورو وفلوريس. بعد بعض التردد، تحالف الأوروبيون لدعم حاميهم، وإن كان ذلك إلى حد ما بقدر أكبر من التناقض الذي أبدوه أثناء دعمهم للإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. أصدر ماكرون بداية بياناً دعا فيه الفنزويليين إلى «الابتهاج» باختطاف مادورو، ثم غير رأيه وأصدر بيانًا آخر يقول فيه إن فرنسا «لم تكن تدعم أو توافق» على الأساليب الأمريكية، قبل أن يصدر بيانًا ثالثًا، ملفتًا للنظر، رحب فيه بتحقيق انتقال سلمي نحو فنزويلا بقيادة إدموندو غونزاليس أوروتيا. يرى ميرتس أن شرعية الاختطاف «معقدة». كما أبدى ستارمر موقفاً مراوغاً، حيث تحدث بشكل غامض عن «دعم القانون الدولي» مع الحرص على تفادي توجيه أي انتقادات لترامب.
أصبح المواطنون الأوروبيون معتادين على وجود معيارٍ مزدوج. فمن ناحية، هناك روسيا، التي يستعد الاتحاد الأوروبي لتطبيق الحزمة العشرين من العقوبات ضدها؛ ومن ناحية أخرى، هناك إسرائيل، التي تحافظ على مكانتها كدولة محظوظة.
والآن، هناك معيار مزدوج ثالث: التعدي على فنزويلا. وبالمقارنة، كان موقف صحيفة نيويورك تايمز أكثر صراحة، حيث وصفت العملية بأنها نموذج «لإمبريالية حديثة»، تمثل «مقاربة خطيرة وغير قانونية لمكانة أمريكا في العالم». تستشهد الصحيفة بمشرعين جمهوريين عارضوا خط ترامب في الكونغرس، وهم: السناتوران راند بول وليزا موركوفسكي، والنائبان توماس ماسي ودون بيكون.
قد تشهد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تظاهرات أخرى. أدان عمدة نيويورك الجديد، زهران مامداني، الهجوم الأحادي الجانب على أمة ذات سيادة باعتباره عملاً حربياً، واندلعت بالفعل تظاهرات في ثمان مدن أمريكية. يكتسي التضامن مع الجمهورية البوليفارية أهمية بالغة. لا يكمن الرهان في مستقبل فنزويلا وحسب، بل أيضاً في مستقبل الثورة الكوبية، التي كانت أول ثورة اشتراكية في الأمريكيتين، ويبدو للأسف أنها ستكون الأخيرة. تعرضت كوبا لمعاملة سيئة وحصار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية: غزو فاشل في بلايا جيرون، وعقوبات متواصلة، وتعديات دائمة، وأكاذيب لا تنتهي. بدون النفط الفنزويلي، المقدم مجاناً منذ وصول البوليفاريين إلى السلطة، هناك ما يدعو للقلق بشأن مستقبل كوبا. إذا تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من «تطهير» فنزويلا، قد تكون كوبا هي التالية على القائمة.
لكن ذلك قد يكون أصعب من المتوقع. يجب أن تكون التظاهرات في كاراكاس بمثابة تحذير لإدارة ترامب. في الأيام الأخيرة، تراوحت ديلسي بين الخطابات النضالية التي تهاجم ما حدث، والتصريحات المطمئنة تجاه الأمريكيين. يقول ترامب: «نحن لا نكترث بما تقوله، نحن نهتم بما تفعله». وهو محق. لن تتوفق أمور كثيرة عليها هي، لأنها مجرد شخصية بارزة، بل على الجيش الفنزويلي، الذي يضطلع بدور حاسم للغاية.
قد تواجه إدارة ترامب معضلة. لا يزال البوليفاريون متحكمين في الجيش والقوات شبه العسكرية الفنزويلية والمحاكم وصناعة النفط وجميع مستويات البيروقراطية الإدارية. إن المشاعر متأججة، كما أظهر بوضوح الخطاب الذي ألقاه نجل مادورو أمام الجمعية الوطنية الفنزويلية. تفاوضت حكومة رودريغيز، كما نعلم. لكن إذا قام ترامب وروبيو بزيادة الضغط على نحو مفرط، بالنظر إلى العداء العام تجاه الهجوم الأمريكي، قد تضطر كاراكاس إلى إظهار مقاومة معينة. إذا رفضت رودريغيز ومن معها في لحظة معينة المشاركة في اللعبة، فقد يتمكن ترامب من التعايش مع ذلك، لكن لن يكون الحال كذلك بالنسبة لمعسكر روبيو. في هذه المرحلة، قد ينهار المنطق المتمثل في التعامل مع كاراكاس كحكومة عميلة، وستصبح خطة العمل هي: «حسناً، إنهم خونة، فلنذهب ونقبض عليهم» – وفي آخر المطاف سيتم إرسال قوات إلى الميدان. سرعان ما قد تصبح الأمور معقدة. كما أن ذلك قد يؤدي إلى توترات شديدة داخل معسكر ترامب نفسه، لأنه تعهد مراراً وتكراراً بعدم القيام بذلك.
في خطاب ألقاه تشافيز في عام 2005، تابع قائلاً:
قال لي فيدل ذات يوم: «تشافيز، إذا حدث هذا يوماً ما لك أو لي، إذا تعرضنا للغزو، فإن آخر شيء يجب أن نقوم به هو أن نفعل مثل صدام: الاختباء في حفرة. يجب أن نموت ونحن نقاتل في الخطوط الأمامية. وهذا ما سأفعله: إذا كان عليّ أن أموت، فسأموت في الجبهة بكرامة مواطن فنزويلي يحب بلده.
لم يتقرر شيء بعد.
6 كانون الثاني/يناير 2026، Tariq Ali, Abduction in Caracas — Sidecar
اقرأ أيضا


