القنيطرة: الجامعة تحت الحصار ونضال الطلبة ضد تسليع التعليم
بقلم: العاصي
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور لحادث سحل وضرب طالت طلبة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، خاصة طلبة كلية العلوم، بمشاركة طلبة الكليات ذات الاستقطاب المفتوح. استهدف هذا القمع نضال الطلبة المستمر دفاعًا عن الحق في التعليم وعن ما تبقّى من مكتسبات الجامعة العمومية. ولا يمكن فصل هذا الهجوم عن السياق الأوسع للجامعة المغربية، إذ إن القمع الممنهج للطلبة، الذي بلغ ذروته صبيحة 19 يناير 2026، لا يقتصر على “سوء تدبير” أو مشاكل مرتبطة بتنظيم الامتحانات، بل يندرج ضمن هجوم نيوليبرالي شامل على التعليم العمومي، تقوده الدولة انسجامًا مع اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتنفيذًا لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. الدولة، التي تخلّت منذ عقود عن دورها الاجتماعي، لم تعد ترى التعليم كحق اجتماعي، بل كخدمة قابلة للتسليع وكعبء يجب تحميل كلفته للطبقات الشعبية، وهو ما يفسر استهداف الحركة الطلابية ومحاولة كسر مقاومتها بالقمع.
من الإضراب إلى القمع: أسباب معركة طلبة القنيطرة
تعود جذور هذه المعركة النضالية إلى بداية الموسم الجامعي الحالي، حيث دخل الطلبة في مسلسل نضالي تصاعدي تُوِّجَ بإضراب شامل عن الدراسة دام خمسة أسابيع بسلك الماستر وأربعة أسابيع بسلك الإجازة، رفضًا للسياسات التي تستهدف الجامعة العمومية ومكتسباتها التاريخية. وقد بلغ هذا المسار أوجه من التصعيد حين أقدمت السلطات على إنزال قمعي كثيف داخل الحرم الجامعي، في محاولة لكسر مقاطعة الامتحانات وفرض الأمر الواقع بالقوة، انتهاكا لحرمة الجامعة وحق الطلبة في الاحتجاج السلمي.
ولا ينفصل هذا القمع عن سياق عام عنوانه تفكيك مجانية التعليم، من خلال فرض رسوم التسجيل بسلكي الماستر والدكتوراه، ومحاولات تمرير مشروع القانون 59.24، باعتبارهما حلقة جديدة في مسلسل ضرب الحق في التعليم وتحميل كلفته للطبقات الشعبية. وهو ما يفسر الإصرار الرسمي على رفض أي تفاوض حقيقي مع الطلبة، إذ لم يكن الهدف معالجة الإشكالات البيداغوجية، بل كسر المقاومة الطلابية التي تعيق تنزيل هذا المخطط التخريبي.
وتتجسد أسباب الاحتجاج، إلى جانب ذلك، في إقصاء الطلبة من التسجيل بسلك الماستر وحرمانهم من حقهم في متابعة الدراسة، ورفض الإدارة التعاطي الجدي مع الملف المطلبي الطلابي، فضلًا عن تردي الأوضاع الاجتماعية والبيداغوجية المرتبطة بالسكن الجامعي، الإطعام، النقل، المنح، وضياع الزمن البيداغوجي دون تعويض. كما فجّرت الأوضاع أكثر من خلال الإعلان عن الامتحانات في غياب الشروط البيداغوجية والديمقراطية، ومحاولة فرضها عبر الحصار والترهيب.
قمع الحركة الطلابية: فرض الأمر الواقع بدل الحلول
بدل فتح أي أفق للتفاوض أو التعاطي الجدي مع المطالب الطلابية، اختارت الدولة الردّ بالقمع ، في تجسيد لمنطق التعامل مع القضايا الاجتماعية باعتبارها ملفات أمنية. فقد جرى اقتحام الحرم الجامعي من طرف عناصر أمنية بزي رسمي ومدني، في خرق سافر لحرمة الجامعة، رافقه حصار للكليات والحي الجامعي، ومنع الطلبة من التنقل، وتوقيف بعضهم داخل وسائل النقل العمومي، في مشهد يعكس عسكرة شاملة للفضاء الجامعي.
كما جرى قمع الأشكال الاحتجاجية السلمية ومحاولة فرض اجتياز الامتحانات بالقوة والترهيب، في ما سُمّي زورًا بـ”تنظيم الامتحانات”، بينما هو في الواقع فرض للأمر الواقع تحت الحراسة القمعية. وقد تُوّج هذا النهج بـاعتقالات تعسفية في صفوف الطلبة، طالت أزيد من 20 طالبًا، مع الإبقاء على سبعة منهم رهن الحراسة النظرية، في محاولة مكشوفة لكسر شوكة الحركة الطلابية وتجريم فعلها النضالي.
هذا القمع لم يكن مجرد حادث أثار استنكار الجمعيات الحقوقية، وعلى رأسها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بل يعكس خيارًا سياسيًا متعمدًا للتعامل مع المطالب الجامعية بالقوة والقمع. هذا الخيار يسعى إلى تحويل الجامعة من فضاء حر للنقد والتنظيم والنضال إلى مؤسسة خاضعة لمنطق السوق، تركز على إنتاج الأيدي العاملة بدلاً من المعرفة والوعي. ومن هذا المنطلق، لا تتعلق هذه المعركة فقط بالتصدي للقمع، بل بالدفاع عن مجانية التعليم وتحرير الجامعة كفضاء للمعرفة والنقاش الحر، حيث يمكن للطلاب والأساتذة أن يعبروا عن أفكارهم ويشاركوا في صنع القرار المعرفي.
صمود الطلبة وكشف هشاشة السياسات القمعية
رغم الحصار والقمع، أظهر الطلبة صمودًا واضحاً، تجلّى في مقاطعة واسعة للامتحانات بكلية العلوم والاقتصاد، ما أفشل محاولات كسر الإضراب بالقوة، واتساع دائرة التضامن مع المعتقلين والمطالبة بإطلاق سراحهم دون شروط. كما كشف الحراك عن الطابع القمعي لسياسات الدولة داخل الجامعة، وربطه بالهجوم النيوليبرالي الشامل على التعليم العمومي، وأعاد الاعتبار للدور التاريخي للحركة الطلابية، في سياق ذكرى حظر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في 24 يناير 1973.
تُظهر هذه السياسات القمعية هشاشة المشروع النيوليبرالي نفسه، فلو كان يحظى بالقبول الشعبي لما اضطرّت الدولة إلى تطويق الجامعة، وفرض الامتحانات تحت الحراسة، واعتقال الطلبة بسبب مقاطعتهم السلمية. القمع ليس دليل قوة، بل انعكاس خوف من اتساع رقعة الرفض وتحول الجامعة إلى مركز مقاومة اجتماعية يربط النضال الطلابي بنضالات الشعب ضد الغلاء والبطالة والهشاشة.
ختاما
إن معركة طلبة القنيطرة، بما تحمله من وعي سياسي ومطالب واضحة ضد تسليع التعليم، تكشف بجلاء أن الصراع حول الجامعة صراع طبقي بامتياز، بين أقلية تستفيد من خوصصة المعرفة، وأغلبية شعبية تدافع عن حقها في تعليم عمومي مجاني وديمقراطي. وفي هذا السياق، يشكل القمع وقودًا إضافيًا لتعميق الوعي وتوسيع الروابط بين النضال الطلابي والمعركة العامة ضد السياسات النيوليبرالية، كما يبرز الحاجة الملحة لتوسيع دائرة التضامن في الجامعات المغربية عبر تشكيل لجان محلية لدعم الطلبة والمطالبة بإطلاق سراح معتقلي جيل زيد، وكشف الحقيقة كاملة بشأن ضحايا القمع السابقين. هذه المبادرات لا تعزز فقط صمود الحركة الطلابية، بل تربط بين نضالها اليومي وبين الحقوق الأساسية للطلبة والشعب في مواجهة السياسات القمعية والتسليعية.
اقرأ أيضا


