نبيلة منيب: سلطة التعيين تقوِّض سلطة الانتخاب
بقلم أزنزار
خلال جلسة لمجلس النواب، وضعت النائبة عن الحزب الاشتراكي الموحَّد نبيلة منيب، الأصبع على جرح الديمقراطية الفعلية بالبلد: “… لقد أغرقتنا الدولة بالوكالات، تديرها مجالس إدارة ومدير عام معيَّن… فمن سنحاسِب؟… ولماذا الانتخابات أصلا إذا كان القرار سيصبح في يد المعيَّن؟” [1].
إن كان تصريح منيب جزئيا ويتعلق بموضوع فرعي هو مشروع قانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، إلا أنه ينسحب على مجمل الحياة السياسية والإدارية بالبلد. فسلطة الانتخاب تنحني وتركع رغما عنها أمام سلطة التعيين. ويَعدم هذا أي إمكانية لأن يكون الشعب هو من يحكم نفسه بنفسه، حسب التعريف التقليدي القديم جدا للديمقراطية.
قوة سلطة التعيين واقع دستوري منذ أول دستور ممنوح للبلد سنة 1962 إلى آخر دستور ممنوح سنة 2011. ومنهج صياغة الدستور نفسه هو من يرسي هذه القاعدة، فالسلطة التأسيسية موجودة دوما في يد مؤسسة غير منتخَبة، وهي المؤسسة المَلكية، بدل أن تكون في يد جمعية تأسيسية كما حلم بذلك يسار الحركة الوطنية وزعيمها المهدي بن بركة. فاللجن المعيَّنة من طرف الملك هي من تصوغ الدستور، والتوصيات المَلكية السابقة على الصياغة هي التي تتحكم في الطريقة والمضمون.
هذه القاعدة التأسيسية تمتد لتشمل كل مؤسسات الدولة والإدارة. فالمؤسسة التشريعية (البرلمان) لا سلطة فعلية لها على السلطة التنفيذية، أي الحكومة. ومجلس الحكومة الذي يرأسه رئيس الحكومة المنتَخب تحت وصاية مُطلقة لمجلس الوزارء الذي يرأسه الملك، وهو سلطة غير منتخَبة.
السلطة الفعلية بالبلد توجد في يد مؤسسة غير منتخَبة، وهي المؤسسة المَلكية، وهذه الأخيرة تحيط نفسها بمستشارين، توكَل لهم مهام تتجاوز صلاحيات الحكومة، وهؤلاء المستشارون يعيَّنون ولا يُنتخَبون، ما يجعلهم خارج أي محاسبة أو مراقبة مؤسساتية (البرلمان) أو شعبية.
المؤسسات والمقاولات العمومية التي تتحكم في جزء مهم من القرار الاقتصادي يجري تعيين مدريريها العامين من طرف المؤسسة الملكية، وهم غير منتخَبون، وهم بالتالي، بدورهم، خارج أي مساءلة مؤسساتية وشعبية. وأقرب دليل، هو التقرير الذي أنجزه المجلس الأعلى للحسابات، وهو مجلس مديره يخضع بدوره للتعيين من طرف المَلك، التقرير حول المجمَّع الشريف للفوسفاط، وهو مقاولة يعيَّن مديرها من طرف الملك. أُنجِز تقرير مطوَّل حول المجمَّع في مارس 2019، لكن المجلس اكتفى بنشر خلاصة لم تتجاوز 11 صفحة، متكتما عن التفاصيل بمبرر “حساسية الجوانب التي تناولتها المهمة وطبيعة المعطيات التي تم استعمالها، والتي يمكن أن يؤدي نشرها إلى الإضرار بمصالح المُجمَّع”… هكذا يجري تقويض الديمقراطية وحق الشعب في الإطلاع على مؤسسة اقتصادية حيوية باسم سرية المعطيات التي يمكن أن يُضر نشرها بمصالح المجمَّع.
يتعمق إخضاع سلطة الانتخاب لسلطة التعيين نزولا ليشمل المجالس الجماعية المنتخَبة، فهذه الأخيرة خاضعة لسلطة وزارة الداخلية، أي للقواد والباشوات، وهؤلاء يعيَّنون ولا ينتخَبون، وبالتالي هم أيضا خارج نطاق أي محاسبة ورقابة. كما أن جزءا من صلاحيات المجالس المنتخَبة قد انتُزعت منها، ومُنحت لشركات التنمية المحلية والجهوية، التي يجري إحداثها لـ”ممارسة الأنشطة ذات الطبيعة الاقتصادية التي تدخل في اختصاصات الجماعة… أو تدبير مرفق عمومي تابع للجماعة”. وهذه الوكالات يجري تعيين مدرائها وليس انتخابهم، وقد سبق لعمر الحياني مستشار جماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي في مجلس مدينة الرباط أن اشتكى من شركة التنمية المحلية كونها “لا تخضع لمحاسبة المنتخَبين”: “إن تدبير مدينة الرباط يتم عبر مجموعة من الشركات التي لا تخضع لمحاسبة المنتخبين، وهو ما يشكل مسا بالديمقراطية المحلية” [2].
أولوية سلطة التعيين على سلطة الانتخاب ليس انحرافا معياريا بل جوهر عقيدة حكم الاستبداد بالبلد، فبالنسبة للمَلكية ليس الشعب بقادر على حكم نفسه بنفسه. فمبدأ الانتخاب بالنسبة للمؤسسة المَلكية غير قادر دوما على انتخاب الأكفاء، لذلك يتدخل الملك عبر مستشاريه في هندسة عملية الانتخاب والتركيبات الحكومية المترتبة عنه، وهو ما عبر عنه مستشار الملك محمد المعتصم بقول “ضرورة مزج التمثيلية الديمقراطية بالكفاءة العالية”، مبررا التدخل في التشكيلة النهائية لحكومة عباس الفاسي 2007 [3]. كما سبق للحسن الثاني أن أعلن في خطاب له منذ سنة 1962 قائلا: “لا يمكنني أن أجعل ممارسة الحكم أقل مباشرة. لماذا؟ لأن شعبي غير مستعد ليُعبَّأ حول برنامج أو مذهب، إنه في حاجة إلى المشي خلف رجل أو فريق..”. [].
لا ديمقراطية فعلية دون سلطة فعلية وكاملة لمن ينتخبهم الشعب. سبق للمجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحَّدفي دورته العاشرة (مارس 2011) أن عبَّر عن هذا المطلب: “الشعب هو صاحب السيادة والمصدر الوحيد لكل السلط.. ومن ثمة، فإن جميع سلطات التقرير والتشريع والتنفيذ يجب أن تُوضع بين أيدي المنتخبين”. لا يزال هذا المطلب حيويا لتأسيس ديمقراطية فعلية يحكم عبرها الشعب نفسه بنفسه، وبالتالي إنهاء كلي لسلطة التعيين وإحلال سلطة الانتخاب محلها، سلطة يمارس عبرها الشعب ليس فقط حقه في انتخاب ممثليه، بل أيضا مراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم.
هذا المطلب الديمقراطي يمكن أن يلتف حوله مجمل جسم اليسار، الإصلاحي منه والجذري.
==============
إحالات
[1]- نبيلة منيب (20-01-2026)، https://www.facebook.com/watch/?ref=saved&v=1375179304354372.
[2]- لكم (31-05-2022)، “الحياني: شركات يرأسها الوالي تسير مدينة الرباط.. ولا سلطة للمنتخبين لمراقبتها”، https://lakome2.com/interview/272471/#:~:text=الحياني:%20شركات%20يرأسها%20الوالي%20تسير,(فيديو)%20–%20لكم-lakome2.
[3]- افتتاحية موقع المناضل- ة (13-06-2023)، “مستشارو الملك: حُكومة ظل فعلية”، https://www.almounadila.info/archives/11883.
[4]- موريس بوتان (2014)، “الحسن الثاني.. ديغول.. بن بركة.. ما أعرفه عنهم”، دفاتر وجهة نظر ع 29، الطبعة الأولى، ص 60.
اقرأ أيضا


