كيف نفهم الأبوية؟

المقال منشور على العدد 87 من عدد جريدة المناضل-ة

پل هوکس

إن المرض الاجتماعي الأكثر تهديدا للحياة والذي ينقض على جسد الذكور وأرواحهم في أمتنا هو البطريركية (النظام الأبوي). ومع ذلك، فإن معظم الرجال لا يستخدمون كلمة “الأبوية” في الحياة اليومية. لا يفكر معظمهم أبدا في النظام الأبوي ـ ما يعنيه وكيف ينشأ ويستمر. وليس في استطاعة الكثير من الرجال في أمتنا تهجي الكلمة أو نطقها نطقا صحيحا. إن كلمة “أبوية” لا تعد جزءا من أفكارهم اليومية أو خطابهم. والرجال الذين سمعوا الكلمة وعرفوها ترتبط لديهم عادة بتحرير المرأة والنسوية، ولهذا يرفضونها لأنها غير ذات صلة بتجاربهم الخاصة. كنت أقف على منصات للحديث عن النظام الأبوي منذ أكثر من ثلاثين عاما، إنها كلمة أستخدمها يوميا، وغالبا ما يسألني من يستمع إلى من الرجال عما أعنيه بها.

لا يوجد ما يدحض مناهضة الرجال القديمة للنسوية باعتبار أنهم يمتلكون السلطة سوى كشف جهلهم الأساسي بأحد الجوانب الرئيسية للنظام السياسي الذي يشكل الهوية الذكورية وإحساسهم بذواتهم من المهد إلى اللحد. غالبا ما استخدم عبارة “الأبوية الرأسمالية العنصرية البيضاء الإمبريالية” لوصف الأنظمة السياسية المتشابكة التي تشكل أساس سياسات أمتنا من بين هذه الأنظمة. النظام الأبوي وهو أكثر النظم التي تعلمنها أثناء تنشئتنا، حتى لو لم تسمع الكلمة مطلقة، لأن الأدوار الأبوية الجندرية تسند إلينا كأطفال مع إرشادات مستمرة لطرق أداء هذه الأدوار بأفضل صورة.

النظام الأبوي نظام سياسي اجتماعي يؤكد على سيطرة الذكور لكونهم ذكوراً ويؤكد تفوقهم على كل شيء وكل شخص لكونهم ضعفاء وخاصة الإناث، ويمنحهم حق السيطرة عليهم وحكمهم ويحفظ تلك الهيمنة من خلال أشكال مختلفة من الإرهاب النفسي والعنف. عندما ولدت أنا وكان أخي يكبرني بسنة واحدة، حدد النظام الأبوي كيف ينظر والدينا إلى كل منا. يؤمن كل من والدينا بالسلطة الأبوية فلقد تعلما التفكير الأبوي من خلال الدين. لقد تعلما في الكنيسة أن الله خلق الرجل ليحكم العالم بما فيه، وأن دور النساء هو مساعدة الرجال على أداء هذه المهام وطاعتهم والاضطلاع دائما بدور ثانوي لمساندة رجل قوي. تعلما أن الله ذاته ذكر. التعاليم ذاتها جرى تعزيزها في كل مؤسسة مروا بها – المدرسة، المحكمة، النوادي، ساحات الملاعب وبما في ذلك الكنائس. اعتنق والداي الفكر الأبوي ككل المحيطين بهما مثل جميع من حولهم، وعلماه لأطفالهما لأنه بدا طريقة فطرية لتنظيم الحياة.

بصفتي ابنتهما، تعلمت أن دوري هو أن أخدم، أكون ضعيفة، أن أتحرر من عبء التفكير. تعلمت أن أعتني بالآخرين وأعولهم وتعلم أخي أن يُخدم، أن يأخذ. أن يكون قوياً في التفكير، وفي وضع الإستراتيجيات وفي التخطيط، تعلم أن يرفض أن يعتني بالآخرين أو أن يعولهم. تعلمت أنه لا يليق بالأنثى أن تكون عنيفة، وأن ذلك “غير طبيعي”، أما أخي، فتعلم أن قيمته تتحدد عبر رغبته في ممارسة العنف،(إذا كان الموقف مناسباً لذلك)، وتعلم أن الاستمتاع بالعنف شيء طيب للفتيان( إذا استدعى الأمر ذلك). وتعلم أن الفتيان لا يجب أن يعبروا عن مشاعرهم. أما أنا، فتعلمت أن الفتيات يمكن لهن وينبغي عليهن أن يعبرن عن مشاعرهن، أو على الأقل بعضًا منها. وعندما عبرت بغضب عن حرماني من لعبة ماء تعلمت كفتاة في أسرة أبوية أن الغضب ليس شعوراً أنثوياً مناسبا، وأن الأمر لا يقتصر على كظمه، بل صرفه والقضاء عليه. عندما عبر أخي بغضب عن حرمانه من لعبة تعلم كصبي في منزل أبوي أن قدرته على التعبير عن الغضب أمر حسن لكن عليه أن يتعلم طبيعة المكان الملائم لإطلاق العنان لغضبه. لأنه لا يجب أن يعارض والديه على أي حال. لكن لاحقا، عندما شب عن الطوق، تعلم أن الغضب مسموح به وأن السماح للغضب بأن يحثه على العنف يساعده على حماية الوطن والأمة.

عشنا في منطقة ريفية، منعزلة عن الآخرين. شكل آباؤنا إدراكنا بالأدوار الجندرية من خلال الطرق التي رأيناهم يتصرفون بها. أتذكر أنا وأخي ارتباكنا بخصوص الأدوار الجندرية، في الواقع كنت أقوى وأعنف من أخي، وسرعان ما أدركنا أن ذلك سيء. وكان أخي لطيفا ومسالماً، فتعلمنا أن ذلك أمر سيء حقا. وعلى الرغم من ارتباكنا في كثير من الأحيان، إلا أننا كنا نعرف حقيقة واحدة مؤكدة، لا يمكننا أن نتصرف بالطريقة التي نريدها، ونفعل ما نشعر به، وكان واضحا أن سلوكنا يجب أن يتبع نصاً جندرياً محدداً سلفًا. لقد تعلم كلانا مصطلح “الأبوية” في الكبر، عندما علمنا أن النص الذي حدد ما يجب أن نكون عليه، والهويات التي يجب أن نخلقها، كان قائماً على قيم الأبوية والمعتقدات حول الجندر.

كنت دائما مهتمة بتحدي الأبوية أكثر من أخي، لأن النظام كان دائما يحرمني أشياء أردت أن أكون جزءاً منها. في حياتنا الأسرية في الخمسينيات، كان البلي لعبة مقصورة على الأولاد. ورث أخي عددًا من كرات البلي من الرجال في عائلتنا، واحتفظ بهم في علبة من الصفيح، كانوا بكل أشكالهم وأحجامهم وألوانهم المبهرة أجمل الأشياء التي رأتها عيني. لعبنا بهم معا، لكنني عادة أتمسك بالبلي الذي أحببته وأرفض مشاركته معه. عندما كان أبي في العمل، كانت أمنا الملازمة بالمنزل راضية تماماً برؤيتنا نلعب بالبلي معا. لكن أبي، الذي نظر إلى لعبنا من منظور أبوي، كان منزعجا مما رآه، حيث رأى ابنته العدوانية والمتنافسة تلعب أفضل من إبنه. كان ابنه سلبيا ً، ولا يبدو عليه الاهتمام حقاً بمن يربح و مستعدا لأن يمنح بليه عند الطلب. قرر أبي أن اللعب بهذه الطريقة لابد أن يتوقف وأنني وأمي بحاجة إلى درس حول الأدوار الجندرية الملائمة. ذات مساء، سمح أبي لأخي بأن يجلب علبة البلي المعدنية، أعلنت عن رغبتي في اللعب وقال لي أخي ” ليس للفتيات أن يلعبن بالبلي، فهي لعبة الأولاد .” لم يقبل عقلي ذو الأعوام الأربع أو الخمس ذلك وأصررت عل حقي في اللعب فقمت بالتقاط البلي وقذفهم. تدخل أبي وأصدر أمره لي بالتوقف عن اللعبة لكنني لم أستمع إليه. على صوته أكثر وأكثر، ثم رفعني فجأة، وانتزع لوحا من بابنا الخارجي وشرع في ضربي به قائلا لي، “انت مجرد طفلة صغيرة، وعندما أمرك أن تفعلي شيئا، فعليك أن تمتثلي لأمري.” وأخذ يضربني ضربا مبرحا كي أعترف أنني أدركت خطئي. لفت غضبه وعنفه انتباه الجميع. جلست عائلتنا مصعوقة أمام بورنوغرافيا العنف الأبوي. عاقبني أبي بالجلوس وحيدة في ظلام غرفتي بعد أن انتهى من ضربي.  وأتت امي كي تخفف ألمي قائلة بصوتها الجنوبي الرقيق، “لقد حاولت تحذيرك عليك أن تقبلي أنك فتاة صغيرة والفتيات لا يمكنهن أن يصبحن مثل الأولاد”. كانت مهمتها في خدمة الأبوية التأكيد على أن أبي كان محقا بوضعي في مكانتي واستعادة النظام الاجتماعي الطبيعي.

أتذكر ذلك الحدث الصادم جيدا لأنها قصة أعيدت روايتها المرة تلو المرة مرة تلو الأخرى. لم يهتم أحد أن إعادة حكيها المستمر قد تحفز كرب ما بعد الصدمة. كانت إعادة حكيها ضرورة  لتأكيد رسالة الضعف المطلق والتذكير بها. إن استعادة ذكرى قيام الرجل القوي الكبير بضرب ابنته الصغيرة ضرباً وحشيا، كان بمثابة أكثر من مجرد تذكير لي بمكانتي الجندرية، كان تذكيراً لكل من شاهدوا وتذكروا، لجميع أخوتي الذكور، والإناث، ولأمي المرأة الناضجة أن الأب الأبوي هو الأمر الناهي في منزلنا، وأن علينا أن نتذكر أننا إذا لم نطع قواعده، فلسوف نعاقب، وقد نعاقب حتى الموت هذه هي الطريقة التي تعلمنا بها الأبوية.

لا يوجد ما هو نادر أو استثنائي في هذه التجربة. استمع إلى أصوات الأطفال الناضجين المجروحين الذين شبوا في بيوت أبوية، وستسمع إلى صيغ مختلفة لنفس ذلك الموضوع المذكور. استخدام العنف لتثبيت ما تتلقاه من معتقدات ولتعزيز تقبلنا للأبوية. في كتابه كيف أصل إليك ؟ Through to You  How Can I Get  يروي تيرانس ريال  Terrence Real  المعالج النفسي للشئون الأسرية تسلل التفكير الأبوي إلى أبنائه بالرغم من أن والديهم عملوا على تنشئتهم في بيت محب تسود فيه القيم المناهضة للأبوية. يحكي أن ابنه الصغير ألكسندر استمتع بارتداء ملابس باربي إلى أن شاهده الأطفال الذين كانوا يلعبون مع أخيه الأكبر وهو يؤدي شخصية باربي وجعلوه يفهم من خلال نظراتهم وصمتهم الصادم الرافض بأن سلوكه غير مقبول:

“بدون أي ضغينة، أرسل التحديق لابني رسالة مفادها أنه لا يمكنك فعل هذا. والوسيط الذي نقل هذه الرسالة كان عاطفة العار القوية. في سن الثالثة، تعلم الكسندر القواعد. كانت المعاملة الصامتة لمدة عشر ثوان قوية بما يكفي كي تثني ابني من تلك اللحظة فصاعدا عما كان نشاطا مفضلاً. أسمي اللحظات التلقينية تلك “عمليات بث الصدمة الطبيعية” في نفوس الأولاد”.

لكي يجري تلقين الأولاد تعاليم الأبوية نجبرهم أن يشعروا بالألم وإنكار مشاعرهم.

حدثت قصصي في الخمسينيات وقصص ريال حديثة. وكلها قصص تؤكد استبداد التفكير الأبوي، وقوة الثقافة الأبوية في السيطرة علينا. ريال واحد من أكثر المفكرين استنارة في موضوع الذكورية الأبوية في أمتنا، ومع ذلك يطلع قرائه أنه عاجز عن إبعاد السيطرة الأبوية عن أولاده، فهم يعانون من اعتداءاتها، كما يعاني جميع الأولاد والفتيات، بدرجة أكبر أو أقل من خلال تأسيس منزل محب وغير أبوي يعرض ريال على أولاده اختيار، أن يكونوا أنفسهم أو أن يتوافقوا مع قوانين النظام الأبوي. يستخدم ريال مفهوم “الأبوية النفسية” ليصف التفكير الأبوي الشائع بين الذكور والإناث. رغم التفكير النسوي المستنير المعاصر الذي وضح أن المفكر الأبوي لا يتحتم أن يكون ذكرا، معظم الناس ما زالت ترى أن الرجال هم مشكلة الأبوية. لكن الموضوع ليس بهذه البساطة. يمكن للنساء أن تتبنى الأبوية في التفكير والأفعال مثل الرجال.

يعد تعريف المعالج النفسي جون برادشو John Bradshaw المتبصر للنظام الأبوي في كتابه خلق الحب Creating Love تعريفا مفيدا: “يعرف القاموس البطريركية أو النظام الأبوي بأنه تنظيم اجتماعي يتميز بهيمنة الأب في العشيرة أو الأسرة في كل من الوظائف المنزلية والدينية”. تتميز الأبوية بسيطرة وقوة الذكر. ويوضح أن “القواعد الأبوية لا تزال تحكم معظم الأديان العالمية والأنظمة المدرسية والأسرية في العالم”. بشرحه لأكثر هذه القواعد ضرراً، يعد برادشو الطاعة العمياء، الأساس الذي يقوم عليه الأبوية، قمع العواطف عدا الخوف، تدمير إرادة الفرد، وقمع أي تفكير يخرج عن طريقة تفكير السلطة”. يصف برادشو أكثر القوانين تدميرا في التفكير الأبوي الذي يشكل مبادئ ثقافتنا. يجري تأهيلنا اجتماعيا ذكوراً وإناثًا لنتوافق مع هذا النظام. معظمنا تعلم المواقف الذكورية في عائلتنا، ومعظم الوقت علمتنا إياها أمهاتنا. هذه العقلية تعززت في المدارس والمؤسسات الدينية.

أدى وجود أسر تعولها نساء في هذه الآونة إلى انتشار افتراض أن أطفال تلك الأسر لا يتعلمون القيم الأبوية بسبب عدم وجود ذكر في المنزل. يفترض أصحاب هذه الافتراض بأن الرجال وحدهم معلمو التفكير الأبوي. إلا أن الكثير من تلك الأسر التي تعولها نساء تؤيد التفكير الأبوي وتشجعه بحماسة أشد كثيرا من الأسر المكونة من الوالدين كلاهما، نظرا لأنهن لا يمتلكن واقعا تجريبيا حتى يستطعن تحدي الأوهام الزائفة عن الأدوار الجندرية، النساء في تلك الأسر أكثر ميلا لإضفاء المثالية على الدور الأبوي للذكر والدور الأبوي للرجال أكثر من النساء اللاتي يعشن مع الرجال الأبويين كل يوم. نحتاج إلى تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه النساء في التكريس للثقافة الأبوية واستدامتها، حتى نتمكن من تعريف الأبوية كنظام مدعوم من النساء والرجال على قدم المساواة، حتى وإن كان الرجال يحصلون على مكاسب أكبر من هذا النظام. إن تفكيك الثقافة الأبوية وتغييرها عمل يجب على الرجال والنساء القيام به معا.

من الواضح أننا لن تتمكن من تفكيك أي نظام طالما أننا ننخرط في إنكار جماعي لتأثيره على حياتنا. تتطلب السلطة الأبوية هيمنة الذكور بأي وسيلة ممكنة، ومن ثم فهي تدعم العنف المتحيز جنسيا وتعززه وتتغاضى عنه. نسمع الكثير عن العنف المتحيز جنسيا في الخطابات العامة عن الاغتصاب والعنف المنزلي، إلا أن أكثر صور العنف الأبوي انتشارا هي ما يحدث داخل المنزل بين الوالدين والأطفال. يهدف هذا النوع من العنف إلى تعزيز نموذج المسيطر، حيث يُسَّلم من لا يمتلكون السلطة الرمز السلطة الحاكم ويحصل على الحق في الحفاظ على هذه القاعدة من خلال ممارسات القهر والتبعية والخضوع.

يمثل منع الذكور والإناث من قول حقيقة ما يحدث لهم في الأسرة إحدى طرق الحفاظ على الثقافة الأبوية. تفرض الغالبية العظمى من الأفراد قاعدة مسكوت عنها في الثقافة ككل تطالبنا بالحفاظ على أسرار النظام الأبوي، ومن ثم حماية سلطة الأب. يجري التمسك بقاعدة المسكوت عنه هذه عندما ترفض الثقافة أن يصل الجميع بسهولة حتى إلى كلمة “الأبوية”. لا يتعلم معظم الأطفال ماذا يطلقون على هذا النظام ذي الأدوار الجندرية الممأسسة، لذلك نادراً ما نسميه في الكلام اليومي. هذا الصمت يعزز الإنكار، فكيف يمكننا التنظيم لتحدي وتغيير نظام لا يمكننا تسميته؟

لیست مصادقة أن تبدأ النسويات في استعمال كلمة “الأبوية” بدلاً من كلمتي “الشيفونية الذكورية” و”التحيز الجنسي” الأكثر شيوعاً. أرادت هذه الأصوات الشجاعة أن يصبح الرجال والنساء أكثر وعيا بالطرق التي تؤثر بها الأبوية علينا جميعا في الثقافة الشعبية. لم تكن تلك الكلمة تستخدم أثناء ذروة نشاط

الحركة النسوية المعاصرة إلا بالكاد. لم تكن الناشطات المناهضات للذكور أكثر حماسا من نظرائهن الذكور المنحازين جندريا للتأكيد على النظام الأبوي والطريقة التي يعمل بها. لأن القيام بذلك كان سيكشف تلقائيا عن فكرة أن للرجال السلطة كلها وأن النساء بلا حول أو قوة، وأن جميع الرجال ظالمون والنساء لسن إلا ضحايا دوماً من خلال إلقاء الناشطات اللوم على الرجال وحدهم في استدامة التحيز الجندري يستطعن الحفاظ على ولائهن للسلطة الأبوية، وسعيهن النهم للسلطة. لقد قمن بإخفاء رغبتهم في السيطرة بأن لبسن عباءة الضحايا.

مثل العديد من النسويات الراديكاليات المثاليات، تَحَدَّيثُ الفكرة المضللة التي طرحتها النساء اللواتي قد سئمن من الاستغلال والاضطهاد الذكوري، فكرة أن الرجال هم “العدو”. في أوائل عام 1984، أدرجت في كتابي النظرية النسوية: من الهامش إلى المركز فصلا بعنوان “الرجال: رفاق النضال” استحث فيه أنصار السياسة النسوية على تحدي أي خطاب يلقي باللوم على الرجال وحدهم في استمرار النظام الأبوي وهيمنة الذكر:

“تشجع الأيديولوجية الانفصالية النساء على تجاهل الأثر السلبي للتمييز الجنسي على شخصية الذكر وتشدد على الاستقطاب بين الجنسين. وفقا لجوي جاستيس، يؤمن الانفصاليون أن هناك منظورين أساسيين” في مسألة تسمية ضحايا التحيز الجنسي: “هناك منظور أن الرجال يقمعون النساء، وهناك منظور أن الناس مجرد بشر، وأننا جميعا نتأذى من الأدوار الجندرية المتزمتة.” كلا المنظورين يصفان مأزقنا بدقة. الرجال يقمعون النساء فعلا، ونحن جميعا نتأذى من صرامة الأدوار المتحيزة جنسياً. كلا الحقيقتان تتعايشان معا. لا يمكن تبرير القمع الذكوري للنساء عن طريق الإقرار بأن هناك طرق يتأذى بسببها الرجال من الأدوار المتحيزة جنسيا الجامدة. يجب أن تعترف الناشطات النسويات بذلك الألم وأن تعملن على تغييره- إنه موجود، وهو لا يمحو أو يقلل من مسؤولية الذكور في دعم سلطتهم واستمرارها في ظل النظام الأبوي لاستغلال النساء وقمعهن بما هو أشد خطورة من الإجهاد النفسي الحقيقي والألم العاطفي الناجم عن امتثال الذكور الأنماط الأدوار المتحيزة جنسيا الجامدة”.

أكدت في هذا المقال على أن دعاة النسوية يتواطئون مع الألم الواقع على الرجال المجروحين من النظام الأبوي حين يقدمون الرجال بشكل خاطي، على أنهم ذوي قوة دائما وأبدا، وعلى أنهم يجنون الامتيازات فقط من طاعتهم العمياء للنظام الأبوي. أكدت على أن الأيديولوجية الأبوية تغسل أدمغة الرجال ليعتقدوا أن هيمنتهم على النساء ذات فوائد بينما هي ليست كذلك:

“تؤكد الناشطات النسويات معظم الوقت أن علينا باستمرار تسمية هذه الأفعال بأنها تعبير عن علاقات القوة الفاسدة، وعدم سيطرة المرء على أفعاله عموما، والعجز العاطفي، وأقصى درجات اللاعقلانية، وفي كثير من الحالات، جنون تام. إن الاستيعاب السلبي للذكور داخل أيديولوجية التحيز الجنسي يمكِّن الرجال من تفسير هذا السلوك المزعج على نحو إيجابي. طالما ظل غسل الرجال دماغياً بحيث يساوون بين الهيمنة العنيفة وإساءات النساء اللواتي يتمتعن بالامتيازات الاجتماعية، فلن يفهموا الضرر الواقع عليهم أو على الآخرين، ولن يكون لديهم أي دافع للتغيير. تتطلب الأبوية من الرجال أن يصبحوا معاقين عاطفيا وأن يظلوا كذلك. نظراً لأن النظام الأبوي يحرم الرجال من الحصول على إرادتهم الحرة، فمن الصعب على أي رجل من أي فئة أن يثور ضده، وألا يكون مخلصا للوالد الأبوي سواء أكان ذلك الأبوي ذكرا أو أنثى”.

كان الرجل الذي ربطتني به علاقة لأكثر من 12 عاما واقعا تحت صدمة الديناميات الأبوية المتجذرة في أصول عائلته. عندما قابلته كان في العشرينات من عمره، بينما قضى سنوات نشأته بصحبة أب عنيف ومدمن كحول، تغيرت أحواله عندما بلغ الثانية عشرة من عمره، وانتقل للعيش مع أمه. في السنوات المبكرة لعلاقتنا تحدث بكل صراحة عن عدائه لأبيه الذي أساء معاملته وغضبه منه. لم يكن يهتم بمسامحته أو فهم الظروف التي شكلت حياة والده وأثرت عليها، سواء في طفولته أو حتى في حياته العملية كرجل عسكري. ففي السنين الأولى لعلاقتنا، كان ينتقد هيمنة الذكور على النساء والأطفال انتقادا لاذعاً. ورغم عدم استخدامه لكلمة الأبوية فقد فهم معناها وعارضها. وكثيرا ما أدى أسلوبه الهادئ ولطف تعامله إلى تجاهل الناس له باعتباره من الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة. وعند بلوغه عامه الثلاثين، تطبع بشخصية أكثر ذكورية متبنيا ذلك النموذج المسيطر الذي انتقده ذات مرة، وارتدى عباءة الأبوية. واكتسب احتراما أكبر وصار محط النظر، فانجذبت إليه النساء، وصار موضع اهتمام أكبر في المجالات العامة، وتوقف انتقاده للسيطرة الذكورية وشرع في التحدث بلغة أبوية خالصة مردداً تلك العبارات المتحيزة جنسيا نفسها التي كانت تزعجه في الماضي.

كانت هذه التغيرات في تفكيره وسلوكه ناجمة عن رغبته في أن يكون مقبولا يثبت دعائم وجوده في مكان عمله الذي يتسم بعلاقات أبوية ويبرر طموحه في الترقي، لكن قصته ليست غريبة، ففي كثير من الأحيان يتبنى الأبوية الأولاد الذين يتعرضون لوحشية النظام الأبوي والذين هم ضحاياه، وهم يجسدون نفس الذكورة الأبوية المسيئة التي سبق لهم أن اعترفوا اعترافا واضحا أنها شر. فقليل ممن تعرضوا للإيذاء الوحشي كأولاد باسم الذكورة الأبوية الذين يقاومون بشجاعة عملية غسيل المخ ويحافظون على صدقهم مع أنفسهم أما معظم الذكور فيتوافقون مع النظام الأبوي بطريقة أو بأخرى.

في الواقع، جرى إسكات النقد النسوي الراديكالي للنظام الأبوي عمليا في ثقافتنا، ولم يعد خطاباً ثقافياً متاحاً إلا للنخب المثقفة، حتى في تلك الدوائر، يعتبر استخدام كلمة “الأبوية” أمراً قديماً. وفي كثير من محاضراتي غالبا ما أجد الحاضرين يضحكون عندما استخدم عبارة “الأبوية الرأسمالية العنصرية البيضاء الإمبريالية” لوصف نظامنا السياسي القوي. لم يشرح أحد أبدا سبب كون تسمية هذا النظام تسمية دقيقة أمراً مضحكا. والضحك بحد ذاته سلاح إرهاب أبوي، وهو بمثابة إنكار لما جرى تسميته وتنصل منه. يفترض هذا أن الكلمات نفسها هي التي تمثل إشكالية وليست النظام الذي تصفه. إنني أفسر هذا الضحك على أنه وسيلة الجمهور لإظهار عدم الارتياح عندما يطلب منه التحالف مع النقد الرافض للأبوية المناهض لها. يريد هذا الضاحك أن يذكرني أني إذا تجرأت على تحدي النظام الأبوي علانية، فأنني أخاطر بعدم أخذي على محمل الجد.

يخشى المواطنون في هذه الأمة تحدي النظام الأبوي حتى لو كانوا يفتقرون إلى الوعي الواضح بأنهم خائفون؛ لذلك فإن قواعد النظام الأبوي متجذرة بعمق في اللاوعي الجمعي لدينا، وكثيراً ما أخبر الجمهور بأننا لو طرق كل منا الأبواب سائلا عما إذا كان يتعين علينا إنهاء العنف الذي يمارسه الذكور ضد النساء، فإن معظم الناس سيدعمون ذلك دعما مطلقا، لكن إذا أخبرتهم بأنه لا سبيل لإيقاف عنف الذكور ضد النساء إلا بإنهاء هيمنتهم عبر استئصال النظام الأبوي، فإنهم سيبدؤون في التردد، وتغيير موقفهم؛ فعلى الرغم من المكاسب العديدة التي حققتها الحركة النسوية المعاصرة متمثلة في تحقيق قدر أكبر من المساواة للمرأة بوصفها قوة عمل وقدر أكبر من التسامح مع التخلي عن الأدوار الجندرية الجامدة، فإن الأبوية كنظام لا تزال على حالها وما يزال الكثير من الناس يعتقدون أنها ضرورية لاستمرار بقاء النوع البشري على قيد الحياة، وبحسب ما يبدو هذا الاعتقاد مثيراً للسخرية؛ فقد أدت الأساليب الأبوية المتبعة في تنظيم الأمم، لا سيما الإصرار على العنف باعتباره وسيلة للهيمنة الاجتماعية، إلى القضاء على حياة الملايين من الأشخاص على كوكبنا.

وحتى نعترف اعترافاً جماعياً بالضرر الذي يحدثه النظام الأبوي والمعاناة التي يتسبب بها، فلن نستطيع معالجة آلام الذكور النفسية ولن نستطيع أن نطالب للرجال بحقهم في أن يكونوا كاملين وفي أن يكونوا مانحين للحياة وداعمين لها. بالطبع، بعض الرجال الأبويين جديرون بالاعتماد عليهم، بل إنهم يعولون أسرهم ويقدمون رعاية كريمة لهم، لكنهم لا يزالون سجناء لدى نظام يقوض صحتهم العقلية.

النظام الأبوي يعزز الجنون، وهو أصل العلل النفسية التي تثقل كاهل الرجال في بلدنا، ومع هذا لا يوجد قلق جماعي بشأن المحنة التي يعيشها الرجال، تتعرض سوزان فالودي Susan Faludi للنظام الأبوي في كتابها “الخديعة: خيانة الرجل الأمريكي : Stiffed: The Betrayal of the American Man ” حيث تقول :

” اطلب من النسويات تشخيص مشكلات الرجال وستحصل غالبا على تفسير واضح للغاية؛ يعاني الرجال من أزمة لأن النساء يتحدين هيمنة الذكور كما ينبغي لهن ويطالبن مشاركة الرجال تولي زمام الأمور في المجال العام ولا يستطيع الرجال تحمل ذلك، واسألوا مناهضي النسوية وستحصلون على تشخيص مماثل في جانب من جوانبه؛ فالرجال يمرون بوقت عصيب –  كما يقول العديد من النقاد المحافظين – لأن النساء قد تجاوزن مسألة المطالبة بالمعاملة المتساوية ويحاولن الآن انتزاع السلطة والسيطرة من أيدي الرجال.. والرسالة الضمنية هي ألا يمكن للرجال أن يكونوا رجالاً إذا لم يكونوا مسيطرين، بل مجرد خصیان، تتجذر كل من وجهتي النظر النسوية والمناهضة للنسوية في التصور الأمريكي الحديث على وجه الخصوص تتمثل في أنه لكي يكون الرجل رجلا فإنه يجب أن يكون مسيطراً وأن يشعر بالسيطرة طوال الوقت”.

 مع هذا، لا تسائل فالودي أبداً مفهوم السيطرة ولا تخطر ببالها أبدأ الفكرة القائلة بأن الرجال كانوا مسيطرين إلى حد ما وأقوياء وراضين عن حياتهم نوعاً ما قبل الحركة النسوية المعاصرة فكرة خاطئة.

 لقد حرم النظام الأبوي الذكور من هنائهم العاطفي الكامل، والذي لا يماثل. الشعور بالتحقق والنجاح والقوة بسبب قدرة المرء على فرض سيطرته على الآخرين لمواجهة آلام الذكور وأزمتهم بحق، علينا أن نستعد كأمة للكشف عن الحقيقة المؤلمة القائلة بأن الأبوية خربت نفوس الرجال في الماضي وما يزال يخربها في الحاضر. إذا كانت الأبوية مجزية حقا، فما كان ليوجد كل هذا العنف والإدمان السائد في الحياة الأسرية، لأن النسوية لم تخلقه. إذا كانت الأبوية مجزية، فما كان ليظهر كل هذا السخط المتزايد الذي يشعر به الرجال في حياتهم العملية، وهو سخط موثق باستفاضة في أعمال ستادز تيركل ويتردد صداه في رسالة سوزان فالودي. يتضح بطرق عديدة أن كتاب فالودي لم يكن سوى خيانة أخرى للرجل الأمريكي لأنها تهدر وقتا طويلاً في محاولة عدم التصدي للأبوية حتى وصلت إلى حد الفشل في التأكيد على ضرورة إنهائها إذا أردنا تحرير الرجال، فتكتب بدلاً عن ذلك:

“بدلاً من التساؤل عن لماذا يقاوم الرجال نضال النساء لحياة أكثر حرية وصحة. بدأت أتساءل عن سبب امتناع الرجال عن الانخراط في نضالهم، لماذا لم يقدم الرجال ردة فعل منهجية أو معقولة لمأزقهم برغم تصاعد نوبات غضبهم العشوائية بالنظر إلى الطبيعة المهينة وغير المقبولة لمطالب الرجال لإثبات أنفسهم في ثقافتنا، لماذا لا يثور الرجال؟ لماذا لم يستجيب الرجال لسلسلة الخيانات في حياتهم كإخفاق آباءهم في الوفاء بوعودهم بشيء مساو للنسوية؟”

 لاحظ أن فالودي لا تجرؤ على المخاطرة بإثارة حنق النسويات باقتراح أن الرجال يمكنهم العثور على خلاصهم في الحركة النسوية ولا تتحمل مخاطرة تنفير القراء الذكور المحتملين المعادين للنسوية بشدة باقتراح أن لديهم ما يكسبونه من الانخراط في النسوية. حتى الآن في أمتنا، تصبح الحركة النسوية الطليعية هي النضال الوحيد من أجل العدالة الذي يؤكد على الحاجة إلى القضاء على النظام الأبوي، لكن ما من جمع نسائي معتبر تحدى الأبوية ولم تتحد أي مجموعة من الرجال معا لقيادة النضال. ليست الأزمة التي تواجه الرجال أزمة ذكورة، بل هي أزمة الذكورية الأبوية. وإلى أن نجعل تلك التفرقة واضحة، سيظل الرجال خائفون من أي نقد يوجه للأبوية بوصفه يمثل تهديدًا لهم. يخص المحلل تيرانس ريال الأبوية السياسية ويرى أن العبء يقع على كاهلها إلى حد كبير في استمرار التمييز على أساس الجنس ويوضح أن الأبوية النفسية التي تخربنا جميعا منغرسة عميقا في نفوسنا:

“الأبوية النفسية هي دينامية بين تلك الصفات التي حُكم عليها بأنها “ذكورية” و”أنثوية”، حيث يجري إعلاء من نصف صفاتنا الإنسانية بينما يجري الحط من قيمة من النصف الآخر. يشارك الرجال والنساء كلاهما في هذا النظام القيمي المعذب. الأبوية النفسية هي “رقصة مهينة”، شكل منحرف من التواصل الذي يستبدل العلاقة الحميمية الحقيقية بطبقات معقدة ومستقرة من السيطرة والخضوع والتواطؤ والتلاعب، وهي نموذج غير معترف به من العلاقات التي تغلغلت في الحضارة الغربية جيلا بعد جيل، مشوهة كلا الجنسين ومدمرة للرابط الشغوف بينهما”.

  من خلال تسليط الضوء على الأبوية النفسية، نرى أن الجميع متورطون ونتحرر من التصور الخاطئ أن الرجال هم الأعداء. من أجل إنهاء الأبوية علينا تحدي وجهها النفسي وتجلياتها المادية في الحياة اليومية. ثمة أناس قادرون على نقد الأبوية لكن غير قادرين على التصرف بسلوك مخالف لها.

 من أجل إنهاء الألم الذكوري والاستجابة عمليا للأزمة الذكورية علينا أن نسمي المشكلة باسمها. علينا أن نعترف بأن المشكلة هي الأبوية وأن نعمل للقضاء عليها. يقدم تيرانس ريال هذه الرؤية القيمة: “استعادة تمام الصحة عملية محفوفة بالمخاطر بالنسبة للرجال أكثر مما كان عليه الحال بالنسبة إلى النساء، وهي عملية أكثر صعوبة وأعمق تهديدًا بحق للثقافة في العموم”. إذا كان مقدراً للرجال أن يستعيدوا الفطرة الطيبة للذكور، إذا كان مقدراً لهم أن يستعيدوا انفتاح القلب والصدق في التعبير العاطفي اللذان يمثلان أساس العافية، يجب علينا تصور بدائل للذكورة الأبوية. يجب علينا جميعا أن نتغير.

فصل من كتاب “النسوية السوداء ” ، تحرير:  نرمين مزار وحسين الحاج ،  الطبعة الاولى 2023 دار هن.

  • الترجمة خديجة يوسف، نرمين طنطاوي، سيلفيا عزمي، حسين الحاج، مريم عرابي، أسامة عامر، هبة مصطفى، علا باهي، نرمين نزار. الفصل الثاني من كتاب “إرادة التغيير:  الرجال والذكورة والحب”                                           The Will to Change: Men, Masculinity, and Love الصادر عام 2004 .
شارك المقالة

اقرأ أيضا