مع كل 20 فبراير يكبر الأمل

الافتتاحية, سياسة11 فبراير، 2026

تحل بنا، في القليل القادم من أيام، ذكرى موجة النضالات العمالية والشعبية التي دخلت تاريخ المغرب تحت عنوان حراك 20 فبراير.

15 سنة حيز زمني كاف لاستنتاج خصائص جوهرية لحركة النضال العمالي والشعبي، وما يترتب من مهام. وهذا من الواجبات الأولية لمناضلي الطبقة العاملة.

على صعيد النضال الشعبي، كان العقد الأول من سنوات 2000 قد راكم تجارب متنوعة بالمناطق المهملة افتتحتها مسيرة آيت بلال، وشملت بؤرا عديدة بإقليم أزيلال، وإملشيل، وتبعها حراك طاطا المتمحور حول مطلب خدمات الصحة، ونظيره في سيدي إيفني. والدينامية النضالية المديدة في بوعرفة، بالامتناع عن أداء فواتير الماء والكهرباء. وحركة تنسيقيات مناهضة الغلاء على صعيد البلد، وانتفاضة صفرو ضد الغلاء، وانبعاث حراك ايفني-ايت باعمران، مثالا، لا حصرا.

 وشهد هذا الزخم النضالي أعظم امتداد له هز المغرب، في حركات مطلبية محلية، أوسع من المتعارف عليه بحركة 20 فبراير. فالمسيرات التي حملت لواء هذه الحركة كانت دينامية سياسية بامتياز، أطلقها شباب حفزه المناخ الثوري الذي عم المنطقة. وكما كانت دينامية النضال الشعبي في 2011/2012 تتويجا لتراكمات عقد 2000-2010، بلغ حراك 20 فبراير السياسي أرفع ما يمكن أن يبلغه النضال السياسي الإصلاحي، الذي ساد في ما سبق من عقود، بحكم طبيعة القوى السياسية التي أطرته وقادته، أي مطلب إصلاح الملكية بإضفاء البرلمانية عليها. وكانت حدود 20 فبراير السياسية هي ذاتها حدود “النضال الديمقراطي” السابق، أي موطن الضعف الجوهري المتمثل في غياب الطبقة العاملة، هذه الطبقة ذات النزعة الديمقراطية الكامنة الأتم.

وعلى صعيد نضال الطبقة العاملة النقابي، كانت سنة 2011 أيضا تتويجا لمسار تميز بهيمنة خط “الشراكة الاجتماعية” السائد تاريخيا، حيث سارعت القيادات النقابية إلى التفاهم مع الدولة لإخماد كفاحية الشغيلة بتلبية غير مسبوقة لمطالبهم المعيشية والمهنية الآنية، بغاية تفادي تطور كمي للنضالات، على نحو يرفع ثقة الشغيلة في مقدراتهم الكفاحية، ومن ثمة تحول نوعي في النضالات وتسيسها وتضافرها مع 20 فبراير السياسية. بذلك نزع النظام ومعاونوه فتيل وضع سائر ليغدو حالة ما قبل ثورية فريدة في تاريخ المغرب. لا غرابة أن يكون أول رد للنظام بعد تأكده من انطلاق الدينامية النضالية الفبرايرية هو تنظيم اجتماع المستشار الملكي محمد معتصم مع القيادات النقابية، بعد 6 أيام من نزول الجماهير إلى الشارع. إنها الغريزة الطبقية المدركِة للمفعول الخطير لامتداد المواجهة إلى أماكن العمل.

وطبعا لم يكن بد من انطباع الدينامية النضالية الفبرايرية بالخاصية الجوهرية التي طبعت حياة البلد السياسية، عنَينا تغلغلَ التيارات الرجعية المتخذة الدين أيديولوجية. فطيلة عقدين، منذ مطلع سنوات 1990، توطد صعود تلك القوى، وتغلغلها في قاعدة المجتمع الكادحة، على نحو مواز لتراجع قوى اليسار المهيمنة منذ الاستقلال الشكلي. تجلى ذلك في موجة 20 فبراير بالمكانة التي تبوأها الجناح “العدلي” في 20 فبراير السياسية، ثم في الاختراق الانتخابي “البنكيراني” الذي أفسح له النظام في المجال ضمن الآلية السياسية المرتبة لاحتواء مطالب 20 فبراير.

وعلى امتداد 15 سنة المنصرمة، تأكد الكمون الكفاحي الشعبي والعمالي على حد سواء. تجلى الأول بوجه خاص في حَراكيْ الريف-جرادة وفي الحملة الجماهيرية لمقاطعة بعض مواد الاستهلاك، وفي حَراك مدينة أزمور، وحراك فيكيك، ومؤخرا في موجه نضال كادحي قرى إقليم أزيلال، ومدينة تاونات، وموجة جيل زد الشبابي.

هذا بينما أكدت حركة المدرسين/ت المفروض عليهم/ن التعاقد، وحراك 2023-2024 في التعليم، وبدرجة أقل في قطاع الصحة العمومية، الكمون الكفاحي لدى الشغيلة. ويؤكد كلا المثالين، العمالي والشعبي، تفاقم معضلة أدوات النضال وبرنامجه. تظل الحراكات الشعبية محلية، ضعيفة التنظيم، متناثرة غير منسقة وطنيا وبلا أفق سياسي إجمالي، مجرد حراكات اجتماعية بحمولة سياسية كامنة لا تجد سبيلا إلى التبلور في مطلب سياسي مركزي. كذلك يراوح النضال العمالي ساحته النقابية المسيجة والمقيدة بيروقراطيا، وعديمة البديل سياسيا، في ظل غياب مشروع مجتمعي لدى مكونات الحركة النقابية، بعد أن أسقط جناحها التقدمي حتى الانتساب كلاميا إلى الاشتراكية، ليغرق في التعاون الطبقي مع الدولة البرجوازية، وفي ظل استفحال عجز اليسار المناضل عن بناء معارضة نقابية بمنظور سياسي عمالي.

خصائص حركة النضال هذه متصلة في عمقها بحالة اليسار المغربي، الذي انهار معظمه الإصلاحي ببلوغ استراتيجيته منتهاها بحكومة الواجهة ضمن اللعبة المسماة “تناوبا توافقيا”، وتعثر اليسار الجذري في تجسيد بديله برغم ما أفسحه فشل “استراتيجية النضال الديمقراطي” تلك في المجال السياسي.

لا سبيل إلى تقدم نوعي للنضال العمالي والشعبي نحو التغيير الشامل والعميق، السياسي والاجتماعي، المحقق للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، سوى ببناء أدوات النضال، في القلب منها حزب البديل الاشتراكي الايكولوجي، منظمةُ أشدِّ طلائع النضال كفاحية ووعيا.

أكدت التجارب التاريخية، وأعادت الـتأكيد، أن ما من طريق خطي نحو هكذا حزب، وما من مكون من شأنه التطور نحوه بالارتقاء من وضع النواة. إنه سيرورة محكومة بمجريات النضال التي تخلق روافد متنوعة. إلى جانب اليسار الجذري المهيكل، الذي تستدعي عقوده الثلاثة، منذ منعطف ما عرف بــــ “التجميع”، تقييما دقيقا، يتضمن اليسار مكونا منتسبا إلى الاشتراكية موزعا بين تنظيمات عدة، منخرطا في النضالات العمالية والشعبية، بلا توحيد لفعله، (استكملت مبادرة نداء توحيد فعل اليسار عامها الأول، والأثر في الواقع ما زال منتظرا)، وبلا استشراف لآفاق بديلة عن الخط التاريخي الموروث.

بناء أدوات النضال العمالي والشعبي، ومنها الحزب الاشتراكي الايكولوجي، مهمة يومية على كافة الجبهات، تقتضي درجة عالية من روح التعاون الرفاقي، وقبول التعدد، وانفتاح الفكر وتجديده، فالوضع العالمي والإقليمي يشدد الطوق على الجماهير الشعبية بنحو غير مسبوق. بهذه الرؤية تتدخل جريدة المناضل-ة لتسهم بحجرها في هذا البناء المنشود، في تعاون مع كل منتسب إلى هذا المشروع التحرري التاريخي.

شارك المقالة

اقرأ أيضا