ماذا تقول الأحزاب الشيوعية الإيرانية فعلا؟

بقلم؛ محمد السفريوي

مع اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، سارع كثيرون داخل أوساط اليسار إلى تداول بيان حزب توده الإيراني [1] كما لو كان التعبير النهائي عن موقف الشيوعيين الإيرانيين. غير أن هذا التسرع يكشف أزمة أعمق: أزمة منهج، حيث يتم استبدال التحليل بتداول النصوص، والاكتفاء بتكرار ما هو متاح. فالحركة الشيوعية الإيرانية طيف من التنظيمات ذات مرجعيات مشتركة وتقديرات سياسية مختلفة. والاطلاع على بيانات الحزب الشيوعي الإيراني والحزب الشيوعي العمالي الإيراني يسمح بفهم أكثر دقة لموقف الشيوعيين من الحرب.

مثلا بيان الحزب الشيوعي الإيراني يقدم تحليلا كلاسيكيا يستند إلى المفهوم اللينيني للحرب الإمبريالية. فهو يرفض الحرب، لا من موقع الدفاع عن النظام، بل من موقع رفض الصراع بين قوى رجعية متنافسة. الحرب، وفق تقديره، ليست حرب تحرير، بل حلقة في صراع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، حيث تسعى الولايات المتحدة لتعزيز هيمنتها، بينما يقاتل النظام الإيراني لضمان بقائه.

ومن هنا، يطرح الحزب موقفا مزدوجا، رفض الحرب الإمبريالية من جهة، والاستمرار في النضال لإسقاط النظام من جهة أخرى.

المعادلة هنا واضحة: لا اصطفاف مع النظام، ولا اصطفاف مع الإمبريالية. بل بناء قوة مستقلة للطبقة العاملة.

في المقابل، يركز الحزب الشيوعي العمالي الإيراني على البعد الداخلي للأزمة. فهو يعتبر أن النظام نفسه هو المسؤول عن إدخال البلاد في مسار الحرب، وأن ضربات الولايات المتحدة و”الكيان الصهيوني” أضعفته وخلقت فرصة لتصعيد النضال الشعبي.

لكن هذا الحزب، رغم احتفائه بضعف النظام، لا يمنح شرعية سياسية للتدخل الإمبريالي. بل يؤكد أن إسقاط النظام هو مهمة الشعب نفسه، ويدعو إلى تحويل حالة الحرب إلى لحظة تعبئة سياسية، عبر الإضرابات، وتنظيم الجماهير، والاستعداد لانتفاضة شاملة.

هذا الموقف ينطلق من فكرة مركزية في التراث الماركسي: إن الأزمات الكبرى، بما فيها الحروب، تفتح لحظات إمكانية ثورية، لكن تحويل الإمكانية إلى واقع يتوقف على التنظيم، لا على القصف.

الاختلاف بينهما يكمن في تقدير اللحظة. الحزب الشيوعي الإيراني يرى أن الحرب تُضعف الحركة الشعبية عبر عسكرة المجتمع، بينما يرى الحزب الشيوعي العمالي أنها قد تخلق فرصة لتصعيد النضال.

هذا الاختلاف ليس تناقضا، بل تعبير عن جدل داخلي طبيعي داخل الحركة الشيوعية، حيث لا يوجد موقف واحد جامد، بل تقديرات متعددة تنطلق من نفس المنهج.

الدرس الأهم من هذه البيانات ليس فقط موقفها من الحرب، بل المنهج الذي تعبر عنه. فهذه الأحزاب ترفض الثنائية الزائفة التي تفرضها الحرب: إما مع النظام أو مع الإمبريالية. وهي تؤكد أن الخيار الثالث – خيار الاستقلال الطبقي – هو وحده القادر على إنتاج أفق تحرري.

وهذا ما يغيب غالبا في نقاشاتنا، حيث يتم اختزال الموقف في ثنائية الولاء أو العداء، بدل بناء تحليل مستقل.

إن الشيوعيين الإيرانيين، رغم اختلافاتهم، يقدمون مثالا واضحا على أن الموقف الماركسي لا يبنى على رد الفعل، بل على تحليل ملموس لواقع ملموس. فالحرب ليست مجرد حدث عسكري، بل لحظة تكشف طبيعة القوى المتصارعة، وتختبر قدرة الحركة الثورية على الحفاظ على استقلالها.

والخلاصة الأهم: ليس كل من يعادي النظام حليفا للشعوب، وليس كل من يعادي الإمبريالية حليفا للثورة. وحدها الحركة المنظمة للطبقة العاملة قادرة على تحويل لحظات الحرب إلى لحظات تحرر.

للاطلاع على البيانين: 

https://share.google/3EUxeOvV6dDNZXqrm

https://share.google/8rSUgRvCwiPWDS5Rm

—————

[1]- Tudeh Party of Iran (February 28, 2026), “The Tudeh Party of Iran strongly condemns the aggressive attack by the criminal Israeli government and US imperialism against Iran!”, https://www.tudehpartyiran.org/en/2026/02/28/the-tudeh-party-of-iran-strongly-condemns-the-aggressive-attack-by-the-criminal-israeli-government-and-us-imperialism-against-iran/

شارك المقالة

اقرأ أيضا