الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب:  بحاجة إلى تصويب المنظور

المقال منشور في العدد 63 من أسبوعية جريدة المناضل- ة

جنين داوود

من إيجابيات الساحة النضالية بالمغرب وجود تعاون بين عدد من الهيئات التقدمية في مجال التضامن الأممي، متمثل في الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب، المستكملة هذا الشهر عامها الحادي عشر.   وهو تعاون بالغ الأهمية بفعل ما يشهده الوضع العالمي من اشتداد العدوان الامبريالي على الشعوب واتساع نطاقه، لا شك أن منطقتها تمثل ابرز تجلياته.

إنما النهوض بواجب التضامن الأممي يتطلب منظورا سليما يتفادى مزالق تعقيدات الوضع العالمي، ومع الأسف هذا ما يبدو ان الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب لم تتوفق فيه، ما يدعو إلى تصحيح المنظور.

مثالنا الحي عما ندعيه الموقفُ من انتفاضة الشعب الإيراني على ديكتاتورية رجال الدين. ونكتفي هنا ضمن سيرورة نضال كادحي ايران وكادحاته في العقد الأخير على آخر هزة شعبية (ولن تكون الأخيرة طبعا). إذ من الملاحظ صمت مطلق من قبل الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب عما تتعرض له الجماهير الشعبية في جمهورية إيران الإسلامية من تنكيل وتقتيل من قبل نظام رجال الدين ردا على انتفاضة الشعب. تشير تقديرات المقررة الخاصة للأمم المتحدة إلى سقوط زهاء 20 الف قتيل في انتفاضة يناير 2026، ما يجعل هذا القمع من اكبر المذابح في تاريخ البلد. وقدرت شبكة حقوق الانسان Iran HRMفي ايران  عدد المعتقلين ب50 ألفا.

هذا الصمت إزاء هذه الجرائم يدوم بينما أصدرت الشبكة .د.م.ت.م.ش بيان تضامن مع الشعب التونسي في نفس شهر مذابح ايران (بيان يوم 20 يناير 2026).

 فلماذا هذا الكيل بمكيالين، علما ان لا مجال لمقارنة قمع قيس سعيد في تونس بالفظائع التي ارتكبها النظام الإيراني. هل انساقت كل الهيئات المكونة للشبكة وراء أضاليل نوع من اليسار يرى في النظام الإيراني نظاما معاديا للإمبريالية، ويغض الطرف عن الطبيعة الرأسمالية الرجعية للنظام الإيراني، ويتجاهل الطبقة العاملة الإيرانية ومجمل كادحي هذا البلد ضحايا شتى صنوف القهر و الاضطهاد؟

 يبدو أن هذا هو الحاصل. فما دامت الولايات المتحدة و إسرائيل تستهدفان ايران، فلا مجال في نظر هذا الصنف من اليسار للتفكير في شغيلة ايران وكادحيه وتقتيل  نظام رجال الدين لهم. انه منطق “عدو عدوي صديقي”. منطق أعمى يسقط في مواقف لا علاقة لها بالتضامن الأممي.

هل تتبع الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب أضاليل دكتاتورية رجال الدين التي تصور الاحتجاجات بشكل منهجي على أنها نتاج تلاعبات أجنبية، وليس تعبيراً عن ثورة داخلية؟ إن كان هذا ما حصل فلم يعد للشبكة أي مصداقية لادعاء التضامن مع الشعوب، لانها تصطف مع نظام ضد شعبه.

أذا استبعدنا هذا الاحتمال، يبقى تفسير صمت الشبكة عن جرائم النظام الإسلامي الإيراني بكونه نابعا عن رؤية ترى في النظام الإيراني ركيزة المقاومة للإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن انتقاد نظامها ودعم الانتفاضات الداخلية يضعف هذا ”الجبهة“ ويخدم بشكل موضوعي مصالح واشنطن. لذلك يجب دعم، أو على الأقل عدم انتقاد، الجمهورية الإسلامية التي تواجه التدخل الأجنبي.

السلطة في ايران  ثيوقراطية لا تستند إلى الشعب ولا إلى شرعية تاريخية، بل إلى جهاز قمعي مقدس دينياً: الباسباردان، والمحاكم الإسلامية، وشرطة الآداب، والسجون، والإعدامات العلنية. إنها دولة لا تبقى إلا بالرعب والقمع الدموي. إنها آلة حرب اجتماعية. مافيا إسلامية حولت الدين إلى صناعة إرهاب. رأسمالية ثيوقراطية تستنزف ثروة الشعب الإيراني وتحولها إلى سجون ومشنقات وميليشيات.

النظام الإيراني ليس عدو الإمبريالية. إنه إمبريالية إقليمية، رأسمالية ثيوقراطية تستغل وتقمع وتستعمر مجتمعها باسم الله والربح.

الاصطفافية نقض الأممية

صمت الشبكة الديمقراطية غير المتضامن مع شعب ايران يندرج فيما يسمى الموقف الاصطفافي: اختيار التحالف الجيوسياسي بدلاً من الصراع الطبقي. تعارض الجمهورية الإسلامية الغرب، لذلك يجب الدفاع عنها، أو على الأقل عدم إضعافها. ومن ثم، فإن أي معارضة، حتى من جانب العمال الإيرانيين ضحايا الاستغلال والقمع الثيوقراطي، هي معارضة مشبوهة. من الأفضل الحفاظ على الدولة القائمة، مهما كانت قمعية، بدلاً من المخاطرة باستبدالها بنظام أكثر توافقاً مع المصالح الغربية.

وهذا يعني التخلي عن قضية تحرر الشعب الإيراني، وإخضاع نضالاته لحسابات استراتيجية، ومن ثمة اعتبار القمع الثيوقراطي ضررًا جانبيًا مقبولًا.

الموقف التضامني الأممي ينطلق من مبدأ واحد: التضامن مع شغيلة إيران وعامة شعبها ضد جميع أشكال القمع. ما يعني الانصات لليسار الإيراني، مناضلين اشتراكيين وثوريين والنقابيين المنظمين باستقلال عن النظام، وما هي حججهم؟ ما هي أفعالهم؟ ما هي أشكال التنظيم الموجودة؟ هذه الأسئلة غائبة عن التحليلات المجردة والبعيدة للاصطفافيين.

التعارض مع الغرب لا يجعل الدولة الإيرانية تقدمية. النظام الثيوقراطي يخدم رأس المال الإيراني، بما في ذلك رأس المال الديني. إنه يستغل الطبقة العاملة ويقهر النساء بالقانون الديني، ويقمع النقابات المستقلة. ويعدم الشيوعيين والاشتراكيين.

الواجب هو النظر إلى العالم من منظور الشعوب والطبقة العاملة، وليس من منظور الكتل الجيوسياسية. لقد أضحى ما يسمونه «مناهضة الإمبريالية» حقا مقدسا ممنوحا للديكتاتوريات غير الغربية، تلك الموجودة في «الجنوب العالمي»، في سحق جماهيرها.

شغيلة ايران وكادحوها وقومياتها المقهورة يُذبحون على يد نظام لا يتماشى مع واشنطن، لذا فإن حياتهم لا تساوي شيئًا، وتصبح قابلة للتفاوض. هذه هي الأخلاق الحقيقية لموقف الاصطفافيين، قسم من اليسار المحكوم بحنين إلى الستالينية وقسم من العالم ثالثيين.

يتمثل التضامن الأممي  الحقيقي في مساندة ضحايا صنوف الاضطهاد ، بغض النظر عن راية مضطهديهم. رفض صنف من التقدميين فضح جرائم النظام الإيراني بوضوح هو تخل عن هذه المهمة. سيحكم التاريخ بشدة على هذا الصمت. أما الشعوب، فهي لا تنسى أبداً من كان يرفع صوته عندما كانت تُقتل، ومن كان ينظر في اتجاه آخر.

هذا الموقف يضحي بالشعوب على مذبح الجغرافياالسياسية. إنه يخون النزعة الأممية برفضه التضامن مع النضالات الملموسة من أجل الديمقراطية وحقوق المرأة .

المنظور البديل قوامه التضامن بين الشعوب، أي الانطلاق من النضالات الشعبية من النضالات الاجتماعية الملموسة وحركات التحرر، اعتبار مراعاة معاناة الشعوب الأولوية  منظور مناقض لذلك القائم على الانحياز إلى أحد المعسكرين .

المبدأ الأساسي لهذا المنظور هو أن التضامن لا يُمنح للدول أو الأعلام أو ”المعسكرات“، بل للشعوب التي تناضل من أجل تحررها. وهذا يعني تقديم دعم نقدي ولكن غير مشروط للحركات الاجتماعية، بغض النظر عن حدودها.

وبتطبيق هذا النهج على إيران، فإن ذلك يعني الدعم غير المشروط للانتفاضة الشعبية، ولا سيما الحركة التي انتشرت في عام 2022 بين النساء ضد القمع الأبوي للدولة، والادانة الصريحة دون تردد للقمع الوحشي للنظام، وطابعه الثيوقراطي والاستبدادي. وهذا لا يمنعنا من التأكيد على معارضتنا القوية والمتزامنة لأي تدخل عسكري أو تدخل إمبريالي أمريكي (أو غيره)، من شأنه استغلال معاناة الشعب الإيراني لتحقيق أهداف جيوستراتيجية.

صحيح أن هذا الموقف النضالي على جبهتين هو أكثر إزعاجًا بكثير. يجب القتال على جبهتين، القتال ضد الإمبريالية الأمريكية (العقوبات والتهديدات بالتدخل) والقتال ضد الاستبداد والرأسمالية المحسوبية للأنظمة الإيرانية. وهو أمر غير مريح ومتطلب، لأنه يتطلب بذل جهد ”لفهم الأزمات بكل تعقيداتها“. أما التحيز لأحد الأطراف فلا يعقد الأمور ويختار الطريق الأسهل – وأنا هنا أبسط الأمر إلى أقصى حد: مهما كانت طبيعة النظام، فإننا ندعمه إذا كان معارضًا للولايات المتحدة!

فهل تتدارك الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب الموقف، وتعدل المنظور، أم ستواصل انحدارها على منزلق الاصطفافية…. ذلك التدارك  ما يخدم الشعوب وما نتمناه.

شارك المقالة

اقرأ أيضا