أين تكمن أهمية التاريخ بنظر الاشتراكيين

بقلم جيمس باتيه  James Pâté

إن محاولة تطبيق الأفكار الاشتراكية بمعزل عن التجربة التاريخية للحركة، ودون فهم كيفية تكييفها مع الظروف الراهنة، تُعد من أكثر الأخطاء انتشارًا وخطورة بين الاشتراكيين.

“الماضي لا يموت أبدًا، بل لم يمضِ أصلًا.”
— ويليام فولكنر، Requiem for a Nun

لماذا يولي الاشتراكيون اهتمامًا كبيرًا بقراءة التاريخ ومناقشته وكتابته؟ هناك سببان أساسيان لذلك. الأول أن تجاهل هذا الجهد يؤدي إلى طمس الحركات والتقاليد الراديكالية التي نستمد منها إلهامنا، ودفنها تحت تصورات عن الماضي تصوغها الطبقة الحاكمة ومؤسساتها.

كان هذا جوهر أطروحة والتر بنيامين في مقالته عام 1940  “عن مفهوم التاريخ“. فقد كتب في الفقرة السادسة: “في كل عصر، لا بد من بذل محاولة لانتزاع التقاليد من الامتثال الذي يهدد بإغراقها”. والمقصود بهذه التقاليد هو إرث الراديكالية والاشتراكية العمالية، أما الامتثالية فهي مختلف أشكال أيديولوجيا الطبقة الحاكمة التي تسعى لابتلاعها.

وإذا كان الماضي، كما قال فولكنر، لا يزال حاضرًا ولم يصبح شيئًا منتهيًا، فإنه يخضع لما أشار إليه ماركس  في الإيديولوجيا الألمانية:“أفكار الطبقة السائدة هي الأفكار السائدة في كل عصر، أي أن الطبقة التي تمتلك السلطة المادية في المجتمع تمتلك في الوقت نفسه سلطته الفكرية”.

لا يمكن معاينة التاريخ مباشرة كما لو كان منظرًا طبيعيًا واضحًا. إنه بناء ذهني يتشكل من بقايا الماضي: كلمات وصور وأصوات جرى حفظها وسط تدفق الزمن. ولهذا السبب يسهل على أصحاب السلطة التلاعب به، فهم يمولون ويديرون المدارس والجامعات والمتاحف والمؤسسات التي لا تحفظ التاريخ فقط، بل تصنع رواياته وتعرضها على الجمهور.

ورغم أن النظام الرأسمالي يحتاج إلى قدر معين من الوعي التاريخي ليستمر، فإن الطبقة الحاكمة حريصة على أن تكون روايتها هي المهيمنة. ونتيجة لذلك، يُقدَّم التاريخ غالبًا باعتباره تاريخ العظماء فقط (وكان هؤلاء، حتى وقت قريب جدًا، من الرجال حصريًا) وإنجازاتهم.

تنتقد قصيدة برتولت بريشت  “أسئلة عامل يقرأ”هذه النظرة إلى الماضي بسخرية لاذعة:
من بنى طيبة ذات البوابات السبع ؟
في الكتب ستجد أسماء الملوك.
فهل حمل الملوك كتل الاحجار ؟

تبدو بعض المدونات الصوتية التاريخية الشهيرة، مثل “Le reste est l’histoire” وكأنها تقدم سردًا شاملًا للماضي، لكنها في الواقع تركز دائمًا على قرارات وأفعال قلة من السياسيين والدبلوماسيين والمثقفين والفنانين والقادة العسكريين إلخ. أما العمال والفقراء، فيظهرون كجماعة مبهمة، تتلقى التأثيرات دون وعي، بينما يُنسب صنع التاريخ لمن هم في القمة.

وينسحب هذا المنظور حتى على تناول المؤرخين الرأسماليين للثورات العمالية. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تُقدَّم الثورة الروسية في التعليم المدرسي بوصفها نتاج أفكار خطيرة لقادة مثل فلاديمير لينين، بينما يُصوَّر الشغيلة الذين صنعوا الثورة على أنهم مجرد أدوات في أيدي البلاشفة. ثم يُختتم السرد بكارثة، بهدف ترسيخ فكرة أن أي محاولة تغيير جذري محكوم عليها بالفشل.

واصل بنيامين حديثه قائلًا: “المؤرخ الوحيد القادر على إظهار وميض الأمل في الماضي هو من يدرك أن حتى الموتى لن يكونوا في مأمن إذا انتصر العدو. وهذا العدو لا يتوقف عن الانتصار.”

كل من قرأ عملًا تاريخيًا عميقًا مثل تاريخ الثورة الروسية لتروتسكي سيفهم ما قصده بنيامين. فالسرد يجعل القارئ يعيش الأحداث وكأنه يسير إلى جانب شغيلة بتروغراد، يشاركهم آمالهم ومخاوفهم. ويدرك أن هؤلاء الشغيلة لم يكونوا ضحايا خداع القادة البلاشفة، بل دخلوا ساحة التاريخ بوعي، وأصبحوا طيلة حقبة أسياد مصيرهم الحقيقيين.

ومن المهم التنبيه إلى أن “العدو” عند بنيامين لا يعني فقط الأيديولوجيات الرأسمالية الصريحة كالفاشية، بل يشمل أيضًا الأشكال المختلفة من الامتثالية، بما فيها الاشتراكية الديمقراطية والإصلاحية والستالينية. فهذه الأخيرة هيمنت على الحركة الشيوعية العالمية بعد الثورة المضادة التي قادها ستالين في أواخر العشرينيات والثلاثينيات، والتي شملت تصفية عدد كبير من الماركسيين المبدئيين مثل تروتسكي، و حسب زعم البعض حتى بنيامين نفسه.

لم يكن النموذج الستاليني اشتراكيًا، بل شكلًا من أشكال رأسمالية الدولة، مصحوبًا بكل الأوهام الأيديولوجية لمجتمع طبقي شديد الانقسام. وقد أعاد هذا النموذج إحياء رؤية “الرجل العظيم” للتاريخ في أقصى صورها. ومن هنا جاءت أهمية عمل تروتسكي التاريخي، الذي سعى إلى إنقاذ الحقيقة التاريخية للثورة من التشويه الذي فرضه ستالين وأنصاره، بعد نفيه من روسيا عام 1929.

وليس مصادفة أن يصف الثوري الروسي فيكتور سيرج أواخر الثلاثينيات بأنها “منتصف ليل القرن“. ففي ظل تهديد الفاشية والستالينية المزدوج لأوروبا، كان الخطر الحقيقي هو اختناق تقاليد الاشتراكية الثورية التي بلغت ذروتها بعد 1917. وكان تروتسكي وسيرج وبنيامين من القلة التي أدركت هذا الخطر، ورغم استمرار هيمنة الستالينية منذ الحرب العالمية الثانية حتى التسعينيات، فإن إرثهم لا يزال متاحًا للبناء عليه اليوم.

هكذا يصبح التاريخ الاشتراكي نوعًا من “إحياء الموتى”، وبمعنيين معًا: فهو ينقذ أحداث الثورات وحياة المشاركين فيها من النسيان والتشويه، وينقل في الوقت نفسه روحها الثورية إلى الحاضر، مولدًا شرارة أمل تُلهم النضال ضد الرأسمالية اليوم.

أفضل المؤرخين الاشتراكيين هم، في كثير من الأحيان، مثيرو قلاقل، يزعجون الطبقة الحاكمة عبر إعادة ربط الأحياء بالأموات. لكن هذا الدور وحده لا يكفي. فالتغيير يتطلب أيضًا فهمًا عميقًا لوسائل وأهداف السياسة الاشتراكية، أي لكيفية خوض الصراع من أجل مستقبل اشتراكي، وهو السبب الثاني الذي يجعل دراسة التاريخ ضرورة لا غنى عنها.

إن تاريخ الحركة هو الدليل العملي الوحيد المتوفر لدينا في مجال التنظيم الثوري والاستراتيجية. فالأفكار كثيرة، لكن قيمتها الحقيقية لا تُختبر إلا في الممارسة. وتجاهل هذا التاريخ، أو محاولة التطبيق دون الاستفادة منه، يُعد من أكثر الأخطاء شيوعًا بين الاشتراكيين.

تخيّلوا للحظة أن النظرية والممارسة الاشتراكية تشبهان فنًا قتاليًا. فتعلم هذا الفن يتطلّب الإحاطة بالقواعد والنظريات وتقنيات القتال السائدة، غير أنّ ذلك وحده لا يكفل النجاح. وهنا يحضر إلى الذهن شعار اتحاد البنّائين: “تصقلها المعركة“. فلكي تكون متمكنًا من القتال، سواء في فنون القتال أو في السياسة الاشتراكية، لا بدّ من قدر من المعرفة والخبرة المتراكمة عبر مواجهات حقيقية. أن تكون “مصقولًا بالمعركة” حقًا يعني أن تخوض النضال مرارًا وتكرارًا، إلى أن تصبح حركاتك، وكذلك قدرتك على استباق تحركات خصمك وإحباطها، جزءًا من طبيعتك الثانية.

يُعدّ هذا أحد العوامل التي جعلت كبار المناضلين الثوريين في الماضي ثمرةً لفترات اشتداد الصراع الطبقي. ففي السادسة والعشرين من عمره، تولّى تروتسكي قيادة سوفييت سانت بطرسبرغ خلال الثورة الروسية عام 1905، بينما كانت روزا لوكسمبورغ، وهي في التاسعة عشرة، تقود الجناح الثوري في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، أقوى تنظيم عمالي في العالم آنذاك. ورغم ذلك، فإن معظم الاشتراكيين، في أغلب الأوقات، لا تتاح لهم فرصة صقل قدراتهم في خضمّ معارك طبقية حادّة كتلك التي اجتاحت روسيا وأوروبا الغربية في تلك المرحلة. غير أنّ ما نستطيع القيام به هو دراستها والتعلّم منها.

يمكننا استيعاب الأفكار والاستراتيجيات التي تبنّاها اشتراكيون مثل تروتسكي في تلك الظروف، وفهم الكيفية التي تطوّروا بها مع تصاعد النضال، وكذلك ما أقدمت عليه الطبقات الحاكمة في مساعيها لاحتواء المدّ الثوري، ولماذا نجحت تلك المساعي، ولو مؤقتًا حتى عام 1917. وينبغي لنا، ما أمكن، استخلاص الدروس من مجمل المعارك الكبرى التي خاضتها حركتنا عبر التاريخ: من الثورة الروسية عام 1917، إلى ألمانيا بين 1918 و1923، فالثورة الإسبانية والحرب الأهلية في ثلاثينيات القرن العشرين، وكوبا في الخمسينيات، وتشيلي في مطلع السبعينيات، وغيرها كثير، قائمة لا تنتهي.

هنا في أستراليا، يتعيّن علينا تناول تاريخ الحركات الراديكالية والتنظيمات مثل عمال الصناعة في العالم (IWW) والحزب الشيوعي. فمن الضروري فهم الأسباب التي أدّت، في لحظة بلغ فيها احتمال الثورة ذروته – في سياق النضال ضد التجنيد الإجباري إبّان الحرب العالمية الأولى – إلى سحق الـIWW  وعجزها عن النهوض مجددًا. كما يجب التساؤل عن سبب إخفاق الحزب الشيوعي الأسترالي، رغم الفرص الكبيرة التي أتاحها الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية لتوسّع الشيوعية في البلاد، في ترسيخ نفسه، لينتهي به المطاف جناحًا يساريًا باهتًا داخل الحزب العمالي والبيروقراطية النقابية، اللذين اضطلعا لاحقًا بدور محوري في بلورة اتفاق الأسعار والدخل في ثمانينيات القرن الماضي.

وكما عبّر الملاكم مايك تايسون بقوله: “الجميع يملك خطة إلى أن يتلقّى ضربة في الوجه”، فإن التاريخ لن يكفّ عن توجيه الضربات إلى حركتنا في المستقبل المنظور. ولتحقيق تقدّم حقيقي نحو الاشتراكية عبر معارك طبقية قادمة، يتعيّن علينا أن نذهب أبعد بكثير من مجرّد التسلّح بالنظرية والبرنامج. فالاكتفاء بذلك يشبه دخول الحلبة بعد الاكتفاء بحفظ كتيّب إرشادات عن فنّ القتال. غير أنّه، ولحسن الحظ، إذا كنّا مستعدّين للانخراط الجاد في قراءة التاريخ ومناقشته وكتابته، فإن انتصارات الحركة الاشتراكية وهزائمها عبر الزمن تزوّدنا بكل ما نحتاجه لتحويل ومضات الأمل في الماضي إلى قوة نضالية صلبة من أجل الاشتراكية اليوم.

المصدر:

https://redflag.org.au/article/why-history-matters-for-socialists/

شارك المقالة

اقرأ أيضا