تخبُّط دونالد ترامب في حربه على إيران

لقد اجتاز دونالد ترامب حدوداً باتت لا تُحصى في ممارسته للرئاسة، إذ إن الرجل من طرازٍ لم يكن في وسع أي روائي أن يتخيّل وصول مثله إلى البيت الأبيض، وذلك من حيث نرجسيته المرَضية وسلوكه السلطوي المتعارض مع تقاليد الحكم في الولايات المتحدة، لاسيما في طعنه العميق في الفصل بين السلطات الثلاث، ناهيك من هجومه المستمرّ على «السلطة الرابعة»، أي الإعلام. وما هو أسوأ وأخطر بعد مما سبق أن ترامب ينقصه الحد الأدنى من الفطنة والتوازن الضروريين في تولّي الحكم من على سدة أعظم القوى الدولية. وحيث تمكّن من ضبطه خلال ولايته الأولى أعوانٌ من الطراز التقليدي، عاد إلى البيت الأبيض بعنجهية فائقة إثر فوزه الانتخابي الذي فاق فوزه الأول، فحرص على تعيين من هم على شاكلته في إدارته، ومنهم بيتر هيغسيث، وزير الحرب (يصرّ الأخير هو نفسه على تسمية منصبه هكذا عوضاً عن «وزير الدفاع»، وهو على حق في ذلك بلا شك!).
والحال أن ترامب ووزيره أسكرهما نجاح العملية التي أشرفا عليها إزاء فنزويلا، والتي فاقت سهولتها كافة التوقعات، بما فيها توقعاتهما، فظنّا أن تكرارها في إيران ممكنٌ، بل أكيد. بيد أن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، حيث اختلفت الظروف تماماً بين ما أمكن أخذه في الحسبان في كلٍ من البلدين. ففي فنزويلا، تبيّن أن إدارة ترامب كانت على صلة ببعض أهل الحكم، بدءاً بنائبة الرئيس مادورو، التي تولّت الرئاسة بالنيابة عنه إثر اختطافه من قِبل القوات الأمريكية، وقد جرى ذلك الاختطاف من خلال عملية قرصنة دولية تمّت وفق الخطة التي وُضعت لها، بلا إشكالات تُذكر. فإن إزاحة الرئيس الفنزويلي من المشهد، مصحوبة بضغط عسكري تجلّى في عمليات قصف لجملة من الزوارق في محيط البلد، وبتهديد بفرض حصار بحري خانق عليه، أدّت إلى «تغيير نهج النظام»، وهو ما سعى إليه ترامب خلافاً لـ«تغيير النظام» الذي رأى فشلَه في تحقيق المصلحة الأمريكية في العراق (أنظر «لا… لم يتبنّ ترامب سياسة تغيير النظام»، القدس العربي، 6/1/2026).

أما في إيران، فكان جلياً أنه ليس لدى إدارة ترامب من اتفاقات سرّية مع أي من أهل الحكم النافذين، الذين بمقدورهم تغيير توجّه النظام. وفي هذه الحال، فإن الظنّ أن القضاء على رأس هرم السلطة الإيرانية، أي «المرشد الأعلى»، مثلما جرت إزاحة رأس هرم السلطة في فنزويلا، مصحوباً بضغط عسكري بالغ العنف وبتهديد بالمزيد، الظنّ أن هذين العاملَين كفيلان بجرّ طهران إلى تلبية شهوات واشنطن، إنما كان بكل وضوح «من باب التمنّي، وليس من باب اليقين مثلما كان في فنزويلا» كما سبق وذكرنا (أنظر «ما هي غاية ترامب في إيران؟»، القدس العربي، 3/3/2026). والتمنّي هنا كناية عن إسقاطٍ للرغبات على الواقع.
فإذ بترامب ورجال إدارته يتصرّفان بتخبّط قلّ مثيله على رأس قوة عظمى، وقد بلغ سلوكهم حداً أقصى من العشوائية بغياب أي خطة جليّة، بل أي تحديد لشروط النصر سوى السيناريو الأفضل، وهو تحقيق الغاية القصوى في تغيير نهج النظام، بغياب أي تحديد لغاية أدنى وأسهل منالاً وبدون أي استعداد للسيناريو الأسوأ، كما ينبغي على أي تخطيط حكيم لعملية حربية ما أن يأخذ بعين الاعتبار. وقد بات ترامب ورجال إدارته يواجهون خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يواصلوا تصعيد العدوان بما يؤدّي إلى تصاعد الاحتجاج الدولي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة بالذات، وفي صفوف مؤيدي ترامب أنفسهم، أو يقبلون بفشل العدوان، ولو حاولوا تغليفه بنصر مزعوم لن ينطلي على أحد. لهذا السبب الأخير، يصعب على ترامب أن يوقف العدوان والأمور على ما هي اليوم، ويعلن أن «المهمة أنجِزت» مثلما أعلن جورج دبليو بوش على متن حاملة طائرات أمريكية بعد إتمام احتلال قواته للعراق في عام 2003. وقد ارتدّ إعلان بوش ضدّه وغدا محطّ سخرية مع تعثّر الاحتلال. لذا سوف يحتاج ترامب في حد أدنى إلى «إنجاز» جديد في حربه على إيران، سواء تعلّق باليورانيوم أو بقطع رؤوس جديدة من رؤوس النظام (بمعونة حليفه الإسرائيلي المختص في شؤون الاغتيال)، كي يعلن بدوره أن «المهمة أنجِزت».
في المقابل، لم ينفكّ الحكم الإيراني يواجه خيارين لا ثالث لهما. فإما أن يواصل رفضه الصارم للشروط الأمريكية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وصناعة الصواريخ البالستية، وقد أضاف الآن شروطاً غير واقعية لوقف الحرب من جانبه، منها أن يتقاضى تعويضاً عن الأضرار التي ألحقها العدوان بإيران، ومنها أن يحصل على ضمانات دولية بأنه لن يتعرّض لعدوان جديد في المستقبل. أو أن يستسلم، ويقبل بشروط ترامب، ويدشّن مرحلة تعاون معه على غرار ما حصل في فنزويلا. ولا شيء على الإطلاق يوحي اليوم بإمكان حصول السيناريو الثاني. فإن الخلاصة من ذلك أننا قادمون على الأرجح على أيام بالغة الحرارة عسكرياً في منطقة الخليج، إلّا إذا فاجأنا ترامب مرة أخرى بإحدى نزواته. هذا وناهيك من حال لبنان، حيث تصعّد الدولة الصهيونية حربها الفتّاكة الرامية إلى تجريد «حزب الله» من السلاح، وقد أعلنت فك الارتباط بين حربها هذه ومشاركتها في الحرب الأمريكية على إيران.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر: جريدة القدس العربي

شارك المقالة

اقرأ أيضا