على خط الدفاع الأخير: حالة النبض العمالي راهنا
انصرمت سبعة أشهر على بداية ما درجت نوع من الصحافة على تسميته “الموسم الاجتماعي”، ولم يتبق سوى ما يزيد قليلًا على شهر لفاتح مايو الذي عادة ما يَختم ذلك “الموسم”، تفرض جملة أسئلة نفسها بحدة على المناضلين/ات: كيف كانت كفاحية الطبقة العاملة في هذه الفترة؟ وما أسباب ما هي عليه؟ ومن ثمة، ما انعكاس ذلك على صعيد ما العمل؟
ليس بمتناول المناضلين/ات، ولا المهتمين/ات بالشأن الاجتماعي، معطيات دقيقة عن درجة الحدة في علاقة الصراع بين العمل ورأس المال/الدولة: عدد الإضرابات، والمضربين/ات، والمُدد، والقطاعات المعنية، ونوع المطالب، وسائر أشكال الاحتجاج (اعتصامات، وقفات، مسيرات…)، بما يتيح مقارنة الراهن بالسالف من أشكال النضال ومضمونه، ومن ثمة تقييم منحنى كفاحية الشغيلة، واستخلاص المتعين على صعيد المهام. بينما تملك الدولة قدرات جس النبض العمالي، لأنها تُدرك خطورة الإضرابات وكفاحية العمال- ات أكثر مما يدركه قادتُهم.
وإن كان لوزارة الداخلية دواعيها الخاصة في الاحتفاظ لنفسها بمعلومات الصراع الطبقي، فإن إحجام أجهزة منظماتنا النقابية عن متابعة النضالات بالدراسة والتقييم إنما يدل، ضمن أمور أخرى شتى، على مدى ما بلغته من تقصير في أداء مهامها الأساسية.
ليس بوسعنا، والحالة هذه، غير محاولة استجلاء خصائص ما يجري في الساحة العمالية بالاعتماد على ما ينعكس في مرآة الصحافة، لا سيما عبر الإنترنت. ويشير هذا الاعتماد- للأسف- إلى ضعف ارتباطنا وارتباط مجمل اليسار الجذري بالطبقة العاملة.
أول ما يُعايَن ندرةٌ استثنائية للإضرابات في القطاع الخاص، والاقتصار على التعبير المطلبي خارج أماكن العمل بوقفات احتجاج، مثالها الأحدث احتجاج شغيلة النظافة بطنجة (لدى شركتي أرما ومكومار).
كذلك أمر شغيلة الحراسة والنظافة (لاسيما الحملة بقيادة نقابة كدش في القطاع)، ومستخدمي/ت التعليم الأولي. هذا فضلًا عن المفروض عليهم الاحتجاج خارج أماكن العمل بفعل الطرد (سيكوم-سيكوميك بمكناس، ناماطكس في طنجة، منجم أومجران…).
وعلى صعيد المطالب، تقف هذه التحركات كلها على آخر خط دفاع: الحق في الشغل، الشغل المستقر، أساس كل حياة لائقة. ضاق حيز مطالب تحسين الوضع والظفر بمكاسب جديدة، ضاق إلى الحد الأدنى: الإفلات من البطالة وهشاشة التشغيل.
إنه باختصار الصمود بوجه شراسة الهجوم.
جلي أن للسياق أثره القوي في هذا الواقع، فنحن في بداية حقبة ما بعد فرض قانون تكبيل حق الإضراب، أي تلك الهزيمة التاريخية التي خلفت مشاعر إحباط سيتطلب تجاوزها وقتًا وتجارب نضالية. ثم إن ما كرس مناخَ التراجع إنما هو واقعُ المنظمات النقابية المتسم بالتفرقة وانعدام خطة نضالية. وهذا العامل الأخير إنما هو نتيجة لانزياح المنظمات النقابية المتنامي عن دورها الدفاعي عن قوة العمل نحو دور إعانة الدولة في تدبير النزاعات من أجل تأمين الاستقرار والسلم الاجتماعي: استقرار الاستغلال والقهر وتشديد الحرب على الطبقة العاملة (نقابة الشراكة الاجتماعية). وإن كان هذا الخط منسجمًا مع مصلحة الشريحة القائدة لمنظمات النضال والمسيرة لأجهزتها، فهو مناقض لمصلحة الطبقة العاملة المهدَّدة بمزيد من تعديات البرجوازية ودولتها. يتواصل تعميم الهجوم على شغيلة الوظيفة العمومية، واستكمال النيل من حق التقاعد، ومزيد من تفكيك ما بقي من مكاسب بمدونة الشغل، وتشديد للاستغلال لدرجة ارتفاع سرعة دوران اليد العاملة – مثال معامل الكابلاج – والتمادي في تدمير الخدمات العمومية لصالح رأس المال…
ولا شك أيضًا أن رأس المال/الدولة سيعمق العدوان بالإفادة من الذكاء الاصطناعي في عالم الشغل، للتحرر من قسم من اليد العاملة ومزيد من الهشاشة في القطاعات القابلة لذلك.
مهما يكن من أمر، فما من هندسة اجتماعية أو قمع قادر على إخماد مقاومة المقهورين- ات لما يتعرضون له من تنكيل اقتصادي واجتماعي. وقد أعطت انتفاضة جيل- زد مثالًا للسبل غير المتوقَّعة التي يسلكها التمرد الشعبي المخنوق، مثلما سبق أن تجسد في حملة مقاطعة عدد من مواد الاستهلاك في العام 2018.
بيد أن التجربة أكدت الحاجة إلى تمفصل صنوف المقاومة هذه مع النضال بأماكن العمل، لما لهذا الأخير من تفوق نوعي في المقدرة على تغيير ميزان القوى الطبقي. ولذا يتعين، في ظرف التراجع الراهن، تعزيز التضامن، ومساندة النضالات الجارية، بمنطق طبقي ينبذ عصبيات “فخر الانتماء” إلى هذا الهيكل أو ذاك (عمال نظافة طنجة يحتجون في إطار الاتحاد العام للشغالين، ومندوبو السلامة في مركز استخراج الفوسفاط المنتخبون حديثًا منتمون إلى الاتحاد الوطني للشغل)، واجتراح أشكال تنسيق وتعاون بروح وحدوية لا يعلو عليها أي اعتبار آخر. ما يتطلب توسيع زاوية النظر والاهتمام، بالانتباه إلى الشغيلة الذين يقاومون خارج الهياكل النقابية، مقاومة يدل عليها اتساع نطاق الإعلام العمالي العفوي بوسائل التواصل الاجتماعي. وقد أعطى عمل التضامن المحلي في طنجة مع المطرودين، وانخراط طلاب في التضامن مع الشغيلة في مكناس، مثالين عن الممكنات التي يحبل بها الواقع.
مقومات الصمود في زمن التراجع قوية ينطق بها الواقع اليومي، تلقى على كاهلنا واجب توحيد الجهود العمالية من أي صوب.
اقرأ أيضا


