السخرة في قطاع الصحة: نضال التنسيقية الوطنية لطلبة الطب بالمغرب ضد قانون الخدمة الإجبارية وتملص الدولة من التشغيل

 

تخوض التنسيقية الوطنية لطلبة الطب بالمغرب والأطباء الداخليون والمقيمون، معركة نضالية متمثلة في مقاطعة شاملة ومفتوحة للدخول الجامعي لموسم: 2015/2016، علاوة على الدروس النظرية والتطبيقية ومقاطعة التداريب الإستشفائية  التابعة للمستشفى الجامعي  ابن سيناء وكذلك المستشفيات الجهوية والمستوصفات والمراكز الصحية.

وقبل ذلك قام الأطباء المقيمين والداخليين بإضراب وطني إنذاري  أول عن العمل بالمراكز الاستشفائية الجامعية يوم الخميس  3 شتنبر 2015 لمدة 24 ساعة ماعدا أقسام الإنعاش والمستعجلات.( بيان15/3 اللجنة الوطنية للأطباء الداخليين والمقيمين )

وتأتي معركة التنسيقية  الوطنية لطلبة الطب كرد فعل مقاوم لهجوم الدولة على شغيلة قطاع الصحة، المتخرجين حديثا.

سياق الهجوم…

يأتي هجوم الدولة على العاملين في قطاع الصحة وباقي الخدمات الاجتماعية  بعد جزر نضالي يشهده المغرب منذ أفول المد الجماهيري في 20 فبراير، الذي شكل حجر عثرة أمام تنزيل قوانين بمثابة تعديات على طفيف المكاسب.

 بعد تراجع تدفق ألاف الفقراء إلى الشارع في عموم البلاد، استجمعت الدولة أنفاسها لتستكمل ما بدأته من قصف اجتماعي واقتصادي  مع حكومات سابقة ذات طابع يساري مزيف  “حكومة التناوب” وأخرى يمينية  تخدم أسيادها بكل إخلاص، واليوم مع أخرى إسلامية يمثلها حزب العدالة والتنمية، تمر كل هذه التعديات مع افتقاد الكادحين لأدوات النضال للدود عن حقوقهم، رغم قتاليتهم المعزولة والمشتتة هنا وهناك في صد الاعتداء المنظم، وقد اتخذ الهجوم  صيغة “الإصلاح” قصد تسهيل تمريره.

…ونضال التنسيقية

قامت التنسيقية الوطنية لطلبة الطب بالمغرب، بالاحتجاج ( مقاطعة الدروس ومسيرة وطنية  وأشكال نضالية أخرى)على مسودة قانون الخدمة  الصحية الإجباري، وهو قانون يلزم المتخرجين الجدد بالاشتغال لمدة سنتين في المناطق القروية المعزولة والمصنفة كمناطق نائية، أي يتعذر الوصول إليها بشكل عادي وكذلك لافتقادها كل مقومات الحياة، ويستقر في هذه المناطق المنسية رعاة وفلاحون فقراء يكابدون شظف العيش.

 ما يعني تحميل الطلبة الأطباء تكاليف سنتين من العمل بدون ضمان تشغيلهم وإدراجهم ضمن أسلاك الوظيفة العمومية ودون احتساب السنتين من الخدمة في الأقدمية والتقاعد. ليصبح عدد السنوات 10 بالنسبة للأطباء و15 سنة بالنسبة للأطباء المختصين.

 أي قانون سخرة جديد سيزيد من استغلال الطلبة الأطباء بعد أن قضوا ثماني سنوات من الدراسة والتدريب في المستشفيات وفي المراكز الجهوية والمستوصفات في المجالين القروي والحضري، وسيخول ذلك للدولة استغلال أفواج الطلبة الأطباء لسنوات قادمة. كما هو شأن قطاعات أخرى كثيرة سواء في التعليم أو الإدارة وحتى استغلال طلبة المعاهد ( ( ista ; ita     للعمل في الشركات الكبرى(مرجان)، تحت يافطة التدريب لمدة ثلاثة أشهر غير مؤدى عنها.

الولوج إلى كليات الطب

يتطلب الولوج إلى كليات الطب في المغرب الحصول على معدلات مرتفعة في التخصصات العلمية من أجل الانتقاء الأولى، وبعد ذلك يكون إلزاما على الطلبة اجتياز امتحانات كتابية وأخرى شفوية لتحصيل النجاح من أجل الفوز بمقعد نهائي في الكلية، وبعد ذلك تكلف الدراسة والتدريب الميداني مدة ثماني سنوات في الحالة العادية دون احتساب سنوات التكرار، مع تمكين الطلبة من تعويضات هزيلة جدا.[1]

يتخرج الطلبة حاملين شهادات جامعية عليا دون ضمان منصب شغل قار في الوظيفة العمومية، ليدخل بعدها الأطباء الجدد مصاف الجيوش المعطلة ويلتحقوا بالأفواج السابقة، ففي السنة الماضية تم تشغيل حوالي 15 طبيب من أصل 1000 (2)بعد اجتياز مباراة التوظيف. رقم يعكس مدى تملص الدولة من تشغيل الأطباء المعطلين الذين يجيدون أنفسهم عرضة للعمل في شروط استغلال كارثية في المصحات الخاصة التي تعود ملكيتها لبرجوازية تستثمر قسما هاما من ثروتها في القطاع  الصحي الخاص، بعد تدمير الخدمات الإستشفائية العمومية، عبر حزمة من الإصلاحات منذ 1983 تنفيذا لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الرامية إلى تقليص النفقات العمومية في قطاع الصحة، من أجل توفير موارد مالية من الميزانية العامة خدمة للديون المتراكمة.

إدعاءات الوزير” الوردي” خادم البرجوازية في حكومة الواجهة

ليس المغرب استثناءا في الهجوم على قطاع الصحة واستباحة المكاسب الاجتماعية، خدمة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، وتعد الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات ملزمة للبلدان الموقعة عليها برفع كل الحواجز الجمركية في وجه رؤوس الأموال العابرة للقارات من اجل الاستثمار في القطاعات الجماهيرية  ذات الطابع العمومي.

 فمنذ إصدار مرسوم مارس 1999 ( التسعيرة الإستشفائية) وكل الحكومات المتعاقبة تعمل بشكل حثيث على النيل من قطاع الصحة، ودفعه إلى الإفلاس عبر تقليص عدد العاملين والحد من التوظيف العمومي والشح في تزويد المستشفيات بالمعدات الطبية اللازمة والاكتفاء بالإرشادات الطبية عوض الخدمة الكاملة للمرضى الفقراء. ليتم الزج بهم إلى القطاع الخاص المجهز بأفضل الإمكانات التقنية والبشرية. فالقطاع الخاص أصبح يشهد منذ سنوات الثمانينيات استثمارا مهولا لرؤوس الأموال الأجنبية والمحلية لما يذره من أرباح بعد أن تم إفقاد القطاع العام لأي دور، ليبقى الهدف هو اغتناء قلة من الرأسماليين على حساب ألم ومعاناة الأكثرية الفقيرة.

في سياق استكمال الهجوم يأتي اتهام الوزير الوردي للطلبة الأطباء بعد رفضهم لقانون  الخدمة الإجبارية الصحية  “بأنهم يرفضون خدمة المغاربة القاطنين في المناطق النائية”، وهو اتهام باطل يهدف إلى تأليب الرأي العام على معركة الطلبة الأطباء، وتحميلهم مصائب قسم كبير من الشعب المغربي الذي يدفع ثمن نيل استقلال شكلي حظيت به الملكية وخدامها(ما يسمي أحزاب وطنية)،  للحفاظ على مكانتها الاقتصادية والسياسية عبر تسخير خيرات البلد للشركات العالمية، وإطلاق يد البرجوازية الفرنسية(الامبريالية عموما) لتستبيح مقدرات الوطن عن طريق إبرام اتفاقيات مجحفة ترمي إلى  خوصصة القطاعات الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرها. وهي ذات التهم التي تكال للعاملين بقطاع التعليم بعد مطالبتهم بتحسين شروط العمل. وهي التهم عينها التي يواجه بها المعطلون مثل: الكفاءة وتساوي الفرص،  بعد الإجهاز على التوظيف المباشر كمكسب تاريخي فرضته حركة المعطلين بقتالية قل نظيرها. تبدو التهم في ظاهرها   ذات مصداقية، إلا أنها في الجوهر غطاء ديماغوجي والتفاف حقيقي على المكاسب باسم المساواة والشفافية وهي التهم نفسها التي تتجند لها بعض المنابر الإعلامية الصفراء لاتهام أي  حركة احتجاجية لها مطالب اجتماعية عادلة( طرف ثالث، مخربون، الحفاظ على الأمن العام، عرقلة السير…).

تكيل دولة الأغنياء كل صنوف التهم إلى احتجاج الفقراء لإخراس صوتهم والنيل من نضالهم وتضحياتهم سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو بتحسين شروط العمل أو بمطالب التزود بالماء والكهرباء ومد شبكة الطرق إلى مناطق سكانهم.

أشكال احتجاج تنسيقية طلبة الطب

أثار الشكل الاحتجاجي الذي اعتمده الطلبة في معركتهم عبر بيع ” كلينكس ” وغسل السيارات في الشارع العام، أثار حفيظة بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك زمرة من المحسوبين على النضال علاوة على بعض الفنانين المغاربة،  وطالب الجميع باحترام مهن الكادحين والمهشمين.

 وبلغ الأمر حد السخرية من طرف بعض مخابيل الفيسبوك من المعركة المصيرية التي  يخوضها الطلبة الأطباء، ومن المؤكد أن نتائجها ستنعكس على قطاع الصحة عموما في حالة النصر أو في حالة الهزيمة التي تسخر لها الدولة كل الإمكانات.

تجد كل الأبواق الرافضة للاحتجاج والساعية إلى  الاستقرار والسلم الاجتماعي على حساب الأكثرية الفقيرة، ذرائع لا تقل في مضمونها عن حقد الدولة البرجوازية لنضالات الكادحين تحت مسمى الحفاظ على الأمن العام، وتعمل على النيل من كل أشكال الاحتجاج سواء بالسخرية والتهكم أو التهجم والشخصنة ومحاولة إفراغ نضالهم من كل مضمون طبقي.

لم لا ينتقد كل هؤلاء المخابيل تواجد مناطق نائية تتضمن أبشع صور الاستغلال والاضطهاد والفقر وهي نتاج سياسة الدولة البرجوازية؟ ولم لا يناضل كل هؤلاء “الغيورون” على أوضاع الكادحين وباعة الرصيف ضد تهريب خيرات البلد إلى البنوك الغربية؟ ولم لا يكافح  كل هؤلاء “المتعاطفون” مع المهمشين والفقراء  ضد قمع الدولة لهم في كل معركة نضالية مطالبة بأبسط شروط الحياة؟

يضمحل كل هذا اللغط والاستهزاء بالحركات المكافحة حين تحقق نصرا يحفظ الكرامة. وينتعش التجريح والسخرية حين تهزم منظمات النضال الكفاحية. ولنا في درس حركة 20 فبراير عبرة.

كل من يساهم في السخرية والاستهزاء وتبخيس أي شكل نضالي كفاحي لأبناء شعبنا، يمكن إدراجه في مصاف الأعداء الطبقيين لقضايا الكادحين، فالسليم هو النقد من أجل تطوير الحركة والوقوف على أخطائها، والدفع بها إلى الإمام قدر الإمكان من أجل تحقيق النصر.

واجب التضامن مع الطلبة الأطباء

على كل منظمات النضال الديمقراطية، أن تساهم في إنجاح معركة الطلبة الأطباء لما لها من وقع على باقي الحركات المنبعثة في البلاد هنا وهناك، وعلى النقابات العمالية أن تتحمل كامل مسؤوليتها التاريخية في التضامن مع الطلبة على أسس عمالية كفاحية.

فدروس هزيمة المعركة الوطنية لأساتذة الزنزانة 9، لازالت بادية ومنقوشة في أذهان كل الديمقراطيين، فمسؤولية النقابات العمالية في التخلي عن الأساتذة وعدم إعلان إضراب وطني تضامني معهم يعد بمثابة مشاركة فعلية في هزيمة المعركة الوطنية وتكريس مناخ عدم الثقة في العمل النقابي.

الواجب النضالي يحتم على الجميع نصرة معركة الطلبة الأطباء ومساندتها ميدانيا وإعلاميا وفضح كل ما تروج له الدولة وأبواقها الإعلامية من أجل كسرة شوكة نضال ومقاومة الكادحين.

فودة إمام

هوامش:

  • [1] تبلغ قيمة التعويضات مابين 110 دراهم و 165 درهم في الشهر. الجريدة الرسمية عدد 4205 بتاريخ 1993 /06/02 الصفحة 904 مرسوم رقم2.91.527 الصدر في 21 من ذي القعدة 1413  ( 13 ماي 1993 ) يتعلق بوضعية الطلبة الخارجين والداخليين والمقيمين بالمراكز الاستشفائية.
  • (2) http://www.huffpostarabi.com/2015/09/13/story_n_8129904.html

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email