خطوات الجَدَل لا كليومترات الجِدال

منشور في العدد 66 من أسبوعية جريدة المناضل -ة

بقلم الحسين الطوكي 

المناضل الحسين الطوكي، أحد قدماء مناضلي منظمة إلى الأمام، وأحد الشهود على منعطفات حاسمة في تاريخ اليسار الثوري المغربي: من لحظة التأسيس في سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بسنوات القمع والسجون، إلى أزمات التفكك وإعادة التشكل، وسيرورات “التجميع” ومحاولات بناء أفق وحدوي [المناضل- ة]

أشكر طاقم جريدة المناضل-ة على الدعوة للمشاركة في تسليط الضوء على الذاكرة الجمعية لحركة جذرية أسهمت في النضال المستمر ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية من أجل إنسان جديد بوعيه النقدي ومن أجل الكرامة…

أرجو أن يصبح الوفاء لهذه الذاكرة محفزا للمساعدة على الارتقاء بوعي الطبقات المستَلَبة/ المستَغَلَة إلى إحقاق كرامتها…

1 – حول التأسيس ومحاولات الوحدة:

برزت بالبلاد تنظيمات اشتراكية جذرية تبنت الماركسية كمنهج للتحليل والممارسة العملية في أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي (“23 مارس” و”إلى الامام”)، وسلكت الأسلوب اللينيني في ممارسة البنية التنظيمية وعلاقاتها (المركزية الديمقراطية والاحتراف الثوري للانقضاض على السلطة). وعلى المستوى الفكري انبرت هذه التنظيمات إلى انتقاد انتظارية الأحزاب الرسمية وأفقها الضيق. وإذا كانت انتفاضة 23 مارس 1965 قد ألهمت الرفاق من حزب ” الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” في صياغة أطروحاتهم وبلورة مشروعهم الثوري (منظمة 23 مارس)، فإن الرفاق “في منظمة إلى الأمام” قد استلهموا نقد التحريفية والممارسة الثورية لدى الفلسطينيين. وكلاهما واكب المد الثوري التحرري (في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وماي 68 بفرنسا)، ونضالات خريبكة / أولاد خليفة. وفي خضم السعي للتجذر في الطبقات المستغَلَة (عمال وفلاحين فقراء..) ظل ديدنهم هو الانقباض عن الطبقة الحاكمة بل والدعاية المستمرة ضد جشعها. إلا أن اعتماد مناضلي هذه الحركة الناشئة على الطلبة والتلاميذ والبورجوازية الصغيرة (تكتيكيا) لم يسعفها في الممارسة العملية (Praxis) لغرس جذور الوعي الثوري في الطبقات ذات المصلحة في التغيير الاشتراكي. ولقد ساهم القمع المسلط على مكونات هذه الحركة منذ النشأة – بدوره – في عرقلة الالتحام بالطبقات المستهدفة لتبني مشروع الثورة الاشتراكية.

2- ولماذا ظلت وحدة اليسار الجذري رهينة هذا الفشل؟

من بين عناصر الفشل قد تكون بنيتها الطبقية (الحركة الماركسية – اللينينية) البورجوازية الصغيرة (الطلبة والتلاميذ) وما شابها من ليبرالية تنظيمية (زعامتيه) ومرجعياتها المستنسخة وآفاقها المختلفة.

وفي سياق مبادرات التوحيد. أُجِيبَ بما يسمى ” التجميع” (أي حشد كل من له علاقة بالتوجه “الماركسي”) فكانت النتيجة أن طغت أمراض البورجوازية الصغيرة (حلقية، انتهازية، زعامتية، ليبرالية..)، وبات التمترس في الطبقات المستغَلة شبه غائب.

إذا كان للطبقات المهيمنة مشروعها النيوليبرالي التبعي بطابعه المخزني وما يجره من ريع وامتيازات للطبقات الطفيلية فإن للتوجهات اليسارية الجذرية بدورها مشاريع طموحة تندرج في سيرورة الثورة الديمقراطية لكن أفقها الاشتراكي الذي قد يعطيها وضوحها ظل يعاني من ضبابية غامضة تحول دون وضع اللبنات الأساسية لبلورة المشروع الديمقراطي الثوري بأفقه الاشتراكي (وخاصة مسألة الوحدة الفوقية ذات الأمراض المشار إليها). إن الأفكار لوحدها ما غيرت يوما واقعا خاصة إذا بقيت بين المثقفين.

3- أما عن تمفصل التنظيم / النقابة، فقد استمر اليساريون الجذريون يتواجدون بالمركزيات النقابية بهدف الارتباط بنضالات العمال، إلا أن البيروقراطية المتربعة على قيادات النقابات حاربت بكل وحشية كل تواجد يتوخى الارتقاء بالوعي العمالي من وعي خبزي (اقتصادوي) إلى الوعي الطبقي، الذي وحده قادر على تحرر الطبقة العاملة من نير الاستلاب والاستغلال. وهكذا فالبيروقراطية النقابية تشكل حجر عثرة ضد كل طموح يساري إلى علاقات أفقية قد تتيح التضامن بين القطاعات وبالتالي قد تُسعف في التجذر.

4- مما سبق يمكن استخلاص ما يلي:

“المربي في حاجة إلى تربية” (أنظر أطروحات ماركس في نقد فيورباخ) أي إن أفق “الحركة الماركسية- اللينينية” (هنا) قد تعثرت (إلى الآن) في الارتباط بالطبقات التي لها مصلحة في التغيير. بله تأطير أنوية الهبَّات الشبابية بالتواجد بالمنصات والمواقع التي تبتغي مواكبة العمل النضالي بالمجتمع المدني وتكثيف الدعاية ضد التوجهات النيوليبرالية وزرع بذور الفكر الاشتراكي بشكل ممنهج ومتواصل.

إن حلقية الأحزاب اليسارية أي تقوقعها في الحزبية الضيقة بدل الرفع من أدائها من أحزاب صغيرة إلى فاعل سياسي جبهوي في الممارسة يدافع عن المصالح الجماهيرية.. وبالتالي المساعدة (كذلك) على التجذر – خاصة بمواقع الإنتاج والخطو نحو الأرقى.

5- أما بالنسبة للشباب وانطلاقا من مبادراته (20 فبراير وجيل-Z ) فهم قادرون على الحصول على المعلومة – أكثر مني – والتي قد تمكنهم من تحليل ونقد ممارساتهم العملية أي أن يتعلموا كيف يناضلون كمواطنين (لا ينبغي أن نُعلم الناس بل أن نُعلمهم كيف يتعلمون! كما أن من يلتفت كثيرا إلى الوراء لن يحسن السير!).

6- أما عن ” الإنتماء والإلتزام”

يرجع الفضل في تنامي الدفاع على الكرامة بالنسب لي إلى: بنت عمي (1956)، وهي طفلة يافعة، فتاة بدوية كبرت بين أحضان أسرتي وقد كانت شرسة في الدفاع على كرامتها بين سكان الحي (بريمة) وعنها تعلمت إثبات الذات والدفاع على الكرامة بالشجاعة اللازمة لاحترام الأخرين لي باحترامي لهم…

أمي بدورها ما توانت في الدفاع على أبنائها بضراوة. أما أبي فكان يتحاشى ما أمكن النزاعات لكنه علمنا (أنا وأخي وأختينا) قيما إنسانية تعتمد في ذات الوقت احترام الآخرين والإباء رغم الأسلوب التربوي القاسي في بعض الأحيان لكبح معلمي الابتدائي (1975) من خلال نصوص تزرع القيم الإنسانية كالتضامن والتمرد ضد الحيف والظلم وشحذ الهمم (حماس الاستقلال ومحاولة اغتيال بنعرفة بمسجد الحي بريمة).

في مغرب شمس يوم 23 مارس 1965 عاد أخي محمد إلى المنزل وهو يتألم من شدة كسر ساعده. علمت في ما بعد أن أحهزة القمع اقتحمت ثانوية بن يوسف (دار البارود) وكان تلاميذها قد أضربوا عن الدراسة، فلم ينج تلميذ من الضرب بهرواتها. (وهذه الثانوية معروفة تاريخيا كمعقل لمناضلي المقاومة ضد المستعمر وبعد ذلك ضد توجهات المخزن).

7- المخطط الثلاثي بالتعليم الإعدادي الذي كرسه المخزن في هذه الظرفية (منع فئة من التلاميذ من متابعة دراستهم الثانوية).

هذه بعض الظروف التي أججت الدفاع على النفس ضد كل ألوان الظلم والحيف وساعدتني بالارتقاء بوعيي الحسي والأخلاقي وتأهيله إلى الارتقاء فشيئا فشيئا إلى الوعي بالقضايا المجتمعية والانخراط في النضال المنظم وقد أطر وعيي الجنيني الانتماء إلى شبيبة “حزب التقدم والاشتراكية ” أواخر 1965 حينما انتقلت إلى الدار البيضاء لمتابعة الدراسة بثانوية بن العوام الفلاحية بعين السبع. ففي هذه الفترة، تركز اهتمامي على التكوين الفكري وخصوصا ما تعلق بالأيديولوجيا والنظرية الاشتراكية والسباحة بين أمواج هذه البيئة المجتمعية البعيدة كل البعد عن “أختها” المراكشية، وحينما التحقت بوزارة الفلاحة (1969) عدت إلى “الحمراء” حيث تم الاتصال بي من طرف رفاق بهذه المدينة للاستمرار في التكوين ونشر الفكر الاشتراكي (عن طريق توزيع مناشير) و”النشاط الثقافي” بدار الشباب “عرصة الحامض” حيث أسست إلى جانب بعض رواد هذه الدار جمعية “المنجل والقلم”. فانخرطنا في دعم الشباب لاجتياز الامتحانات والقيام بأنشطة ثقافية متنوعة (مسرح، عروض حول الكتب المقروءة…).

وفي غضون سنة 1969 طبخت الإمبريالية والصهيونية ما سمي بـ”مشروع روجرز” للشرق الااوسط (بالضبط في صيف 1969) حيث كان يبتغي تصفية المقاومة الفلسطينية. وقد تمت بموجبه إبادة عشرين ألف فلسطيني (20.000) على يد الملك حسين الأردني (أيلول الأسود). وقد سكت حزب “التقدم والاشتراكية” على هذه المذبحة حيث لم يدن المشروع الأمريكي.

أحدث هذا الاصطفاف على موقف موسكو زلزالا داخل الحزب إياه ما أثار نقاشا بين المناضلين حول التحريفية والإنتظارية، كان من بين نتائجه ابتعاد العديد من الرفاق عن هذا الحزب والدخول في نقاشات تنتقد نهج الأحزاب الرسمية مما أفضى إلى ضرورة بلورة رؤية جديدة لسيرورة النضال التحرري تُوجت بأرضية عنوانها “سقطت الأقنعة لنفتتح الطريق الثوري”. وقد كانت نضالات الطبقة العاملة تعرف صمودا عظيما (خريبكة / قطارة ومناجم أخرى). كما عرف القطاع الفلاحي انتفاضات حول استيلاء الطبقة الحاكمة على الأراضي المسترجعة (أولاد خليفة بالغرب وتسلطانت بالحوز …). أضف إلى هذا كله المد الثوري بإفريقيا وأمريكا اللاتينية والمحاولتين الانقلابيتين (10 يوليوز و16 غشت 1971 و1972). وسيعرف التنظيم الذي تشكل حول الأرضية المشار إليها بـ”منظمة أ” ليتخذ إسما أخر هو “منظمة إلى الأمام” (في شهر غشت 1970) إلى جانب “منظمة 23 مارس”.

في هذه الشوط والأوضاع الداخلية والخارجية سارت هذه التنظيمات الجذرية السرية تقوم بالدعاية للفكر الماركسي اللينيني وتخوض نضالات طلابية وتلاميذية ضد التوجهات المخزنية.

وقد اعتبرت هذه الحركة الجذرية الناشئة “كمقدمة تكتيكية”: البورجوازية الصغيرة والطلبة والتلاميذ كجسر لإيصال فكرها ومنهجها إلى الطبقة العاملة والعمال الزراعيين. إلا أن آلة القمع باتت تحاول اجثتات هذه التنظيمات الجذرية منذ 1971 إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي دون توقف.

في فبراير 1975 سيتم اعتقالي مرة أخرى (المرة الأولى في يونيو 1971 ضمن ما سمي “محاكمة 33 مناضلاً”) كعضو بـ”منظمة إلى الأمام” (يمكن العودة إلى كتابات المناضلات والمناضلين حول التعذيب و”المحاكمات” أو ما سمي بـ”أدب المعتقلات والسجون”). بعد مغادرة السجن المركزي (القنيطرة) حيث قضيت ست سنوات، التحقت مباشرة بفرع “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بمراكش لمواصلة النضال من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والنقابيين والعسكريين وإرجاع المنفيين والكشف عن مصير المختطفين.

هنا واجب الوقوف عند نضالات عائلات المعتقلين السياسيين التي صارت تناضل للمرة الأولى في تاريخ المغرب المعاصر ضد الاعتقال السياسي، إذ صارت نضالاتها البذرة التي نمت فأثمرت من خلال الممارسة النضالية ضد القمع أرضية ضد الاعتقال السياسي تبلورت في نشأة إطار “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان”.

أخيرا يمكنني القول بأنني نشأت في بيئة تربوية تعليمية وأوضاع اجتماعية وعالمية علمتني التشبث بقيم الكرامة والحرية والانخراط في سيرورة تقدم نضالات الإنسان ضد الاستلاب والاستغلال بهدف خلق “الإنسان الاشتراكي“.

هكذا أرجو للشباب المنخرط في المسار التحرري التوفيق في شق آفاق نبيلة على درب “إلى الأمام” و”23 مارس”.

وإن مستقبل الكرامة على هذه الأرض لناظره لقريب بفضل المقاومة المستمرة…

الحسين الطوكي في 23 مارس 2026

مراجع لمزيد من الاستفادة والإفادة :

  • ” قضايا الخلاف وسط الحركة الماركسية – اللينينية المغربية وداخل منظمة إلى الأمام” ملف منشور على منصة التواصل.
  • La mémoire de l’autre لأبراهام السرفاتي ورفيقته كرستين ص 163.
  • ” منطق الطير” la conférence des oiseaux  لفريد الدين عطار.
  • Combat d’un homme de la ghauche عبد الله زعزاع
  • ” أوراق من تجربة اليسار ” كتاب النهضة ” لمحمد الحبيب طالب
  • Le petit berger qui devient communiste علي فقير

شارك المقالة

اقرأ أيضا