الثورة جوهر الاشتراكية

مقالات15 أبريل، 2026

بقلم؛ سارة غارنهام

يزخر تاريخ المجتمعات الطبقية بالانتفاضات الثورية، غير أنّه لم يعرف أي نظام طبقي اخر من الاضطرابات الثورية ما عرفته الرأسمالية. فخلال نحو 250 عامًا من تاريخها، لم يمرّ عقد واحد دون اندلاع صراع ثوري في مكان ما، كما تتكرر بين الحين والآخر موجات من الثورات التي تمتد إلى عدة بلدان. وكان آخر هذه الموجات الربيع العربي سنة 2011، حين اندلعت الثورات تباعًا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

تتباين مآلات الثورات بدرجة كبيرة؛ فقد نجحت بعضها في إسقاط حكومات، وإلحاق الهزيمة بجيوش إمبريالية، وإنهاء أنظمة قمعية استمرت لقرون. كما أفرزت بعضُها أشكالًا جديدة من السيطرة الشعبية على المجتمع. في المقابل، تعرضت ثورات أخرى لقمعٍ وحشي قبل أن تحقق أي مكاسب. وكانت هناك ثورات كثيرة أسفرت عن نتائج متناقضة جمعت بين ملامح النصر والهزيمة.

بغضّ النظر عن مآلاتها، تفتح الثورات آفاقًا لا يتيحها أي شكل آخر من أشكال النضال. فالإصلاح البطيء والمتدرّج لا يستطيع زعزعة الأسس التي يقوم عليها النظام الاجتماعي القائم كما تفعل الثورات؛ إذ غالبًا ما يقتصر تأثيره على إدخال تعديلات محدودة على القوانين والسياسات. أمّا الاحتجاجات والإضرابات المنتظمة، فرغم قدرتها على تحقيق مكاسب جزئية وإسهامها في تنمية الوعي السياسي، فإنها بمفردها- حتى حين تتخذ طابعًا جماهيريًا- لا تُفضي إلى نشوء شكل جديد من أشكال المجتمع.

تتميّز الثورات بطابع نوعي مختلف؛ إذ يتعطّل سير الأعمال المعتاد، كما تتوقف السياسة والحياة اليومية على نحوها المألوف. وتمتد آثارها إلى كل مؤسسة وكل قطاع في المجتمع، بحيث يُدفع الجميع تقريبًا إلى اتخاذ موقف منها، بطريقة أو بأخرى.

حدّد الثوري الروسي فلاديمير لينين سمتين أساسيتين تميّزان الأوضاع الثورية: إذ تعجز الطبقة الحاكمة عن الاستمرار في الحكم بالأساليب القديمة، في حين يرفض المضطهَدون مواصلة العيش والخضوع لذلك الحكم بالشكل نفسه.

يتجسد عجز الطبقة الحاكمة عن مواصلة الحكم بالأساليب القديمة في اتساع نطاق تحدّي القوانين والأعراف القمعية. فيستولي الناس على الفضاءات العامة، ويحتلون المباني الحكومية، ويضربون عن العمل للانضمام إلى الحركة، ويشرعون في إدارة شؤون المجتمع بأنفسهم. عندئذٍ يتبدّى فقدان الطبقة الحاكمة لسيطرتها بوضوح. وخلال الثورة التونسية عام 2011، علّق أحد أرباب العمل على الوضع قائلاً: «نحن نشهد كل شيء في الوقت الحاضر: عمّال يطيحون بالمسؤولين الذين لا يرضون عنهم، ومواطنون لا يعترفون بأي سلطة في قرارات المحاكم، وحتى حكومة عاجزة عن قول “لا” للشوارع».

بعد الحرب العالمية الأولى ونجاح الثورة الروسية، اندلعت موجات من النضالات الثورية في أرجاء أوروبا، بما في ذلك في قلب الصناعات الكبرى في ألمانيا. وقد دفع هذا الوضع رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج Lloyd George  إلى مراسلة نظيره الفرنسي جورج كليمنصو  Georges Clemenceau، مؤكدًا أن «النظام القائم بكامله، على صعيده السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أصبح موضع تساؤل من قبل الجماهير من أقصى أوروبا إلى أقصاها».

بينما تشعر الطبقة الحاكمة بتهديد قاتل، يختبر الشعب شعورًا معاكسًا تمامًا. فللمرة الأولى، أصبح الملايين من الذين عانوا من القمع قادرين على ممارسة قدر من السيطرة على حياتهم ومجتمعهم. وفي غضون أيام من اندلاع الثورة المصرية عام 2011، تحدّى الشعب حكم حسني مبارك القمعي، وأقام احتجاجات مستمرة في مختلف أنحاء البلاد، بما في ذلك احتلال جماهيري مدهش للساحة المركزية في القاهرة. واصفًا التجربة، قال أحد المتظاهرين: «كان الأمر كما لو أننا رفعنا رؤوسنا لأول مرة في حياتنا. رأينا الشمس ولن ننظر إلى الأسفل مجددًا».

في بودابست سنة 1956، أطلقت الشرطة النار على مظاهرة سلمية، ما أشعل شرارة حركة ثورية ضد الدولة المجرية الستالينية. وقد وصف المؤرخ الماركسي كريس هارمان التأثير الفوري للثورة على المشاركين فيها قائلاً إن “طاقات شعب كامل تحولت خلال دقائق من الانشغال بالحياة اليومية العادية إلى نقاشات حادة حول ما جرى للتو وما ينبغي فعله. وهكذا أصبحت السياسة العملية مسألة عامة يتداولها الجميع، وبدأت جماهير تُقدَّر بمليون ونصف المليون شخص تفكر في كيفية التحكم في مجتمعها والتصرف على هذا الأساس”.

في أغلب الثورات تتشكل لجان شعبية بهدف تنسيق النضال وتنظيمه بصورة أكثر فاعلية. وخلال الثورات العربية ظهرت لجان ثورية داخل الأحياء والمجتمعات المحلية. وفي بعض البلدان، مثل السودان عام 2019، أنشأ العمال أيضاً لجاناً نشطة في أماكن عملهم تولّت تنظيم الإضرابات وطرح المطالب. أما في المجر سنة 1956، فقد تأسست مجالس عمالية ثورية بعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع الثورة. ويشير هارمان مرة أخرى إلى “أن الشعب المجري، عندما مزّق بنية النظام القديم، استخدم هذه الهيئات الجديدة للسلطة الخاضعة لسيطرته المباشرة لبدء بناء نظام بديل، حيث انتقلت مهام مثل إدارة المصانع وتوزيع الغذاء وإصدار الصحف من أجهزة الدولة القديمة المتداعية إلى مؤسسات السلطة الشعبية الجديدة”.

من خلال تأسيس هذه اللجان، يبرهن الشعب أنه لا يملك فقط القدرة الإبداعية والتنظيمية اللازمة لإدارة المجتمع، بل إنه قادر أيضاً على القيام بذلك بصورة أكثر كرامة وديمقراطية وعقلانية مقارنة بالطبقة الرأسمالية.
ومع ذلك، ليست كل الثورات متشابهة؛ فهناك فرق أساسي بين الثورات التي تبقى في إطارها السياسي، مثل الانتفاضات العربية الأخيرة، وتلك التي تتحول إلى ثورات اجتماعية، كما حدث في المجر عام 1956.

تحتاج الثورات السياسية الى تغييرات في المجال السياسي، وغالباً ما تتمثل في إسقاط حكومات أو إبعاد شخصيات سياسية معينة، أو انتزاع حقوق ديمقراطية أوسع. أما الثورات الاجتماعية، فعلى العكس من ذلك، فهي تقوّض بنية النظام القديم من جذورها. إذ تمتد إلى أماكن العمل وإلى مجمل عملية الإنتاج، وتبتكر أساليب جديدة لتنظيم الحياة تؤثر في مختلف مجالات المجتمع. كما تنطوي على انتقال السلطة السياسية إلى طبقة أخرى تعيد تنظيم الاقتصاد والمجتمع بما يخدم مصالحها. وقد اضطرت الطبقة الرأسمالية نفسها إلى خوض هذا النوع من الصراع الثوري كي تطيح بالنظام الإقطاعي وتؤسس نظاماً جديداً قائماً على مبادئها.

من أجل بناء مجتمع يقوم على أسس اشتراكية، لا بد من ثورة أوسع وأعمق من أي ثورة سابقة. فالثورة الاشتراكية لا تكتفي باستبدال أقلية حاكمة بأخرى، بل تهدف إلى إقامة مجتمع خالٍ من الانقسامات الطبقية. إنها تسعى إلى إنشاء مجتمع يخلو من الاستغلال والاضطهاد ، حيث يُوجَّه الإنتاج لتلبية حاجات البشر، وتكون الموارد خاضعة لرقابة جماعية وديمقراطية.

ان الطبقة العاملة هي القوة الاجتماعية الوحيدة القادرة على تحقيق هذا التحول الاشتراكي. فمن مصلحتها إنهاء ما تتعرض له من استغلال وقمع، عن طريق خوض نضالات ثورية ضد الطبقة الرأسمالية. وفي الوقت نفسه، لا تملك هذه الطبقة القدرة على استغلال أو قمع طبقة أخرى. ولهذا يتميز العمال في التاريخ بأن كفاحهم من أجل تحررهم الذاتي هو أيضاً كفاح من أجل إنهاء المجتمع الطبقي برمته و تحرر الإنسانية.

ليست كل الثورات تقودها الطبقة العاملة؛ فكثير منها يبدأ بقيادة قوى من الطبقة الوسطى التي تسعى إلى حشد فئات واسعة من السكان تحت شعار يُقدَّم غالباً بوصفه نضالاً من أجل روح الأمة.

ومع تعمّق مسار الثورات، تميل القوى أو القيادات الأكثر اعتدالاً إلى الاكتفاء ببعض الإصلاحات، بينما تسعى الفئات الأكثر راديكالية والأشد تعرضاً للاضطهاد إلى مواصلة النضال من أجل تغييرات أعمق. وعندما يتمكن العمال من الاضطلاع بدور قيادي أكبر، ويؤسسون منظمات مستقلة قادرة على تحديد مسار النضال واتخاذ قراراته، تزداد فرص تطور الحركة إلى ثورة اجتماعية. ويُعد توازن القوى داخل أي ثورة عاملاً حاسماً في هذه العملية؛ فوجود منظمات راديكالية وثورية، إلى جانب أعراف قوية لتنظيم العمال، يزيد من احتمال تطور الثورات في هذا الاتجاه.

شهد تاريخ الرأسمالية عدداً من الثورات العمالية، بدءاً من كومونة باريس عام 1871. وخلال القرن العشرين اندلعت ثورات عمالية في روسيا عامي 1905 و1917، وفي ألمانيا بين 1918 و1923، وفي الصين بين 1925 و1927، وفي إسبانيا بين 1936 و1937، وفي المجر عام 1956، وفي تشيلي عام 1973، وفي البرتغال بين 1974 و1975، وفي بولندا بين 1980 و1981.

وقد تميزت جميع هذه الثورات بدرجات مختلفة من سيطرة العمال على المجتمع. ففي بولندا عام 1980 مثلاً، قام آلاف العمال المضربين باحتلال آلاف أماكن العمل، وتحت قيادة لجنة إضراب حوض بناء السفن في غدانسك Gdansk استأنفوا الإنتاج وفق شروطهم الخاصة. كما عاد سائقو الترام وعمال السكك الحديدية المضربون إلى العمل بعد أن زيّنوا مركباتهم بملصقات كتب عليها: «نحن أيضاً مضربون، لكننا نعمل لتسهيل حياتكم». كذلك نظموا إعادة تشغيل المخابز ومصانع التعليب والخدمات الأساسية لتكون في خدمة العمال.

من السمات المهمة الأخرى للثورات العمالية تسليح الطبقة العاملة. ففي بعض الحالات، كما في إسبانيا والمجر، حدث ذلك بسرعة شبه فورية، بينما استلزم الأمر في أماكن أخرى نقاشات واسعة وجدية. وفي كلتا الحالتين تمثل هذه الخطوة نقطة حاسمة، إذ إن عجز الدولة الرأسمالية عن السيطرة على أجهزتها القمعية يؤدي إلى إضعافها بشكل كبير.

وفي العديد من الثورات العمالية تنشأ حالة تُعرف بالسلطة المزدوجة، حيث تتشكل هياكل سلطة عمالية تنافس جهاز الدولة القديم. ولم يكن هذا الأمر أكثر نضجاً في أي مكان أو زمان آخرين مما كان عليه في الأشهر التي سبقت انتفاضة أكتوبر في روسيا عام 1917. وقد وصف لينين هذه الحالة بقوله إن “السلطة المزدوجة تتجلى في وجود حكومتين: الأولى هي الحكومة الأساسية والفعلية للبرجوازية، أي «الحكومة المؤقتة» بقيادة لفوف ومن معه، التي تسيطر على أجهزة السلطة كافة؛ والثانية حكومة ذات سلطة موازية ومكمّلة تتمثل في مجلس بتروغراد لنواب العمال والجنود، هي لا تمتلك أجهزة الدولة الرسمية، لكنها تستند مباشرة إلى دعم أغلبية واضحة من الشعب، أي الجنود و العمال المسلحين”.

إن قدرة الطبقة العاملة على الاستيلاء على السلطة في هذه المرحلة هي التي تحدد ما إذا كان تحقيق الاشتراكية ممكناً أم لا. ويبين تاريخ الثورات دروساً عديدة، من أهمها أن الطبقة الحاكمة تتشبث بالسلطة بكل ما تملك من قوة ومكر و وحشية. ويصدق ذلك في مختلف مراحل الثورة، لكنه يصبح أكثر وضوحاً عندما يكون النظام الاجتماعي بأكمله مهدداً.

لم يحدث أن حُسمت حالة السلطة المزدوجة لصالح العمال إلا مرة واحدة ، وذلك في روسيا عام 1917. فقد تمكنت الطبقة العاملة من الاستيلاء على السلطة بقيادة الحزب البلشفي، الذي قاد انتفاضة جعلت مجالس العمال مؤسسات السيادة والسلطة. وقد حظيت هذه الانتفاضة بدعم واسع من طبقة عاملة تتمتع بوعي عالٍ، إلى جانب تأييد فئات أخرى من المضطهدين.

غير أن نجاح الاشتراكية على المدى البعيد يتطلب امتداد الثورات إلى نطاق عالمي. وكما أشار لويد جورج Lloyd George ، فقد ألهمت الثورة الروسية موجة من الانتفاضات المهمة في أوروبا ومناطق أخرى من العالم. لكن هذه الثورات هُزمت جميعها، وكان أهمها الثورة الألمانية. وفي ظل العزلة، لم تمتلك الطبقة العاملة الروسية القوة الاجتماعية الكافية لمواجهة القوة الاقتصادية والعسكرية الكاملة لرأس المال العالمي. وكان غياب أحزاب ثورية قوية بما يكفي في ألمانيا وغيرها، على عكس ما كان عليه الحال في روسيا، نقطة ضعف حاسمة.

هناك أمور واضحة وأخرى غير مؤكدة عندما يتعلق الأمر بالثورات. فمن المؤكد أن الظلم والتناقضات التي يولّدها الرأسمال تهيئ الظروف لظهور أوضاع ثورية، وأن الثورات تحمل في طياتها إمكانية النضال من أجل قلب النظام الاجتماعي، وأن الاشتراكية لا يمكن تحقيقها إلا عبر الثورة.

لكن السؤال عما إذا كانت الثورة قادرة على التحول من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي، أو على النجاح في إسقاط الطبقة الحاكمة، فهو أمر لا يمكن حسمه إلا عبر عوامل سياسية ذاتية، أهمها مستوى الوعي الطبقي، ووجود منظمات ثورية فعّالة، وفي نهاية المطاف توازن القوى السياسية.

وكما قالت الثورية الألمانية روزا لوكسمبورغ: “نصر الاشتراكية لن ينزل من السماء. لا يمكن تحقيقه إلا من خلال سلسلة طويلة من الاختبارات العنيفة بين القوى القديمة والجديدة، وبذلك تتعلم البروليتاريا العالمية أن تأخذ تاريخها بين يديها؛ وبدلاً من أن تظل كرة بلا إرادة، تصبح المقود الذي يقود الحياة الاجتماعية نحو هدفها التاريخي”.

مهمتنا هي أن نتعلم الدروس من سلسلة النضالات الثورية الطويلة التي خلفناها، وأن نبني القوى الثورية التي ستكون ضرورية للفوز في النضالات المستقبلية.

https://redflag.org.au/article/revolution-heart-socialism/

شارك المقالة

اقرأ أيضا