حرب بعيدة… لكن من يدفع الثمن
الاقتصاد المغربي يتعرض لصدمات عالمية، من الطاقة إلى الصادرات، دون أن يكون طرفًا مباشرًا في النزاعات.
بقلم؛ ق.م. المعطي
لا يحتاج المغرب إلى أن يكون ساحة حرب حتى يدفع كلفتها. فالتوترات في الشرق الأوسط، رغم بعدها الجغرافي، تمتد آثارها إلى عمق الاقتصاد المغربي. غير أن هذه الآثار لا تُختزل في كونها “صدمات خارجية”، بل تكشف حدود نموذج اندماج في الاقتصاد العالمي يظل، في جوانب أساسية منه، غير متكافئ.
في فترات الاستقرار، يمكن لهذا النموذج أن يخفي تناقضاته، بل وأن ينتج مؤشرات نمو معتبرة. أما في لحظات الأزمات، فإن تلك التناقضات تبرز بوضوح، وتتحول الروابط الخارجية من مصادر دعم إلى قنوات لنقل الصدمات.
أولى هذه الحقائق تتجلى في موقع المغرب ضمن تقسيم دولي للعمل يقوم على توزيع غير متكافئ لعناصر القوة الاقتصادية. فالمغرب نجح خلال العقود الأخيرة في الاندماج ضمن سلاسل إنتاج عالمية، خصوصًا في قطاعات صناعية موجهة للتصدير. غير أن هذا الاندماج ظل يعتمد، بدرجات متفاوتة، على مدخلات استراتيجية مستوردة—إذ يستورد المغرب أكثر من 90% من حاجياته الطاقية—إضافة إلى مواد كيميائية أساسية وتكنولوجيا، مما يجعل كلف الإنتاج محكومة بعوامل خارجية.
في هذا السياق، لا تظهر التبعية كحالة مطلقة، بل كعلاقة غير متجانسة: فهناك قطاعات حققت قدرًا من التموقع الدولي، لكنها تظل مرتبطة بشروط إنتاج وتسعير لا تتحكم فيها بالكامل. لذلك، حين ترتفع أسعار الطاقة أو تختنق سلاسل الإمداد، تنتقل الصدمة بسرعة إلى الداخل، عبر الأسعار وتكاليف الإنتاج، ومن ثم إلى القدرة الشرائية—كما تعكس ذلك موجات تضخم تجاوزت في بعض الفترات 6% خلال السنوات الأخيرة.
العلاقة مع أوروبا تقدم مثالًا واضحًا على هذا الاندماج غير المتكافئ. فالاتحاد الأوروبي يستحوذ على ما يفوق 60% من الصادرات المغربية، كما يمثل مصدرًا رئيسيًا للسياحة والاستثمار. هذا التشابك، الذي يُقدَّم غالبًا كرافعة للنمو، يتحول في أوقات الأزمات إلى قناة لانتقال الركود. فعندما يتباطأ الاقتصاد الأوروبي، يتراجع الطلب على الصادرات الصناعية المغربية، وتنخفض عائدات السياحة، وتتأثر تدفقات الاستثمار. هكذا، يجد الاقتصاد المغربي نفسه متأثرًا بدورات اقتصادية لم يساهم في تشكيلها.
في المقابل، تمثل العلاقة مع دول الخليج نمطًا مختلفًا من الارتباط، قائمًا بدرجة أكبر على التدفقات المالية—من استثمارات وودائع وتحويلات. غير أن هذه التدفقات لا تقوم، في الغالب، على تكامل إنتاجي طويل الأمد، بل تتسم بحساسية عالية تجاه التحولات الاقتصادية والسياسية. في سياق الأزمات أو الحروب، يمكن أن يُعاد توجيه هذه الموارد نحو أولويات داخلية لتلك الدول، ما يكشف محدودية الاعتماد عليها كمصدر تمويل مستقر.
غير أن أكثر ما تكشفه هذه اللحظة ليس فقط طبيعة العلاقات الخارجية، بل أيضًا حدود بعض “قصص النجاح” الصناعية نفسها. ففي قطاع الأسمدة، الذي يشكل أحد أعمدة الصادرات المغربية، تقود مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط منظومة إنتاجية ذات حضور عالمي، مستفيدة من احتياطات الفوسفاط الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب. غير أن هذه المنظومة تعتمد، في جزء حاسم منها، على استيراد الأمونيا—وهي مادة يتركز جزء مهم من إنتاجها العالمي في مناطق متأثرة بالتوترات—إذ يظل تأمينها خاضعًا لتقلبات الأسعار والأسواق الدولية.
ما يميز النموذج المغربي ليس فقط التفاوت، بل طابعه المركب، حيث تتجاور قطاعات صناعية متقدمة مع أنماط إنتاج هشة ضمن نفس البنية الاقتصادية. هذا التداخل لا يعكس مرحلة انتقالية، بل نتيجة نمط اندماج في الاقتصاد العالمي يقوم على إدخال عناصر حديثة دون إعادة تشكيل شاملة للبنية الإنتاجية. ويظهر هذا الطابع المركب أيضًا في صناعات مثل السيارات والطيران.
في قطاع السيارات، بلغت صادرات المركبات وحدها نحو 140 مليار درهم (حوالي 13.9 مليار دولار) في 2023، مع استمرار نمو الصادرات في 2026 (المغرب: صادرات السيارات – العربي الجديد2023). ورغم هذا الحجم الكبير، تظل الصناعة مرتبطة بشكل كبير بواردات المكونات والقرارات التشغيلية لشركات متعددة الجنسيات، ما يعكس استمرار درجة من التبعية ضمن حداثة ظاهرية.
وبطريقة مشابهة، يشهد قطاع الطيران والفضاء نموًا ملحوظًا، إذ يتكوّن من أكثر من 140 شركة تُشغّل نحو 25 ألف عامل، وتحقق صادرات جماعية تُقدَّر بين 26 و29 مليار درهم (≈2.8‑3 مليار دولار) في 2024‑2025 (مجلة صناعة المغرب: الصناعة الجوية في المغرب.. من الطموح إلى الريادة العالمية). ورغم اندماج هذا القطاع في سلاسل القيمة العالمية، يظل القرار الاستراتيجي والتمويل والتوريد متأثرًا بالفاعلين الدوليين، مما يجعل الحداثة الإنتاجية مقترنة بتبعية واضحة.
في هذا الإطار، لا يمكن اختزال البنية الاقتصادية في ثنائية “تبعية مطلقة” أو “سيادة كاملة”. فالمغرب يشغل موقعًا وسيطًا: اقتصاد مندمج في السوق العالمية، وقادر على التصدير وجذب الاستثمار، لكنه يظل، في الآن ذاته، عرضة لاختلالات خارجية لا يتحكم في شروطها.
ينعكس هذا الوضع أيضًا على طبيعة الفاعلين الاقتصاديين. فجزء من الرأسمال المحلي يستفيد من هذا الاندماج، سواء عبر الأنشطة التصديرية أو عبر قطاعات مرتبطة بالطلب الداخلي. غير أن جانبًا آخر يظل مرتبطًا بأنشطة ريعية أو شبه ريعية، ما يحد من دينامية التحول الإنتاجي. أما الدولة، فتتحرك ضمن هوامش محددة، حيث تسعى إلى الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، وضمان جاذبية الاستثمار، مع محاولة احتواء الآثار الاجتماعية للصدمات.
في أوقات الأزمات، يصبح هذا التوازن أكثر صعوبة: فالحفاظ على الاستقرار المالي قد يمر عبر سياسات تقشفية أو تقليص للدعم، بينما يؤدي ارتفاع الأسعار إلى ضغط متزايد على القدرة الشرائية. وهنا، تتحول الصدمات الخارجية إلى تحديات داخلية مباشرة.
بهذا المعنى، لا تخلق الحروب أزمات الاقتصاد المغربي بقدر ما تكشف حدوده. فهي تبرز أن نموذجًا قائمًا على اندماج غير متكافئ، وتخصص تصديري مرتبط بسلاسل قيمة خارجية، واعتماد نسبي على تدفقات مالية غير مستقرة، هو نموذج قادر على تحقيق النمو في الظروف العادية، لكنه يظل هشًا أمام الصدمات الكبرى.
لذلك، فإن الرهان لا يكمن فقط في تجاوز تداعيات الظرفية الدولية، بل في تعميق النقاش حول شروط الاندماج نفسه: كيف يمكن الانتقال من موقع متأثر بالدورات العالمية إلى موقع أكثر قدرة على امتصاصها؟ وكيف يمكن تعزيز التحكم في المدخلات الاستراتيجية، ورفع القيمة المضافة المحلية، وتنويع الشراكات الاقتصادية؟
دون هذا التحول، ستظل الأزمات العالمية تُترجم محليًا إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية، وسيبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات لا يملك أدوات كافية للتحكم فيها.
اقرأ أيضا

