أين اختفت جيل- زد؟

مقالات15 أبريل، 2026

بقلم؛ وائل المراكشي

أين اختفت جيل- زد؟ إنها في السجون وردهات المحاكم، دون نسيان ثلاثة شهداء في القبور (القليعة/ أكادير). هذا هو التفسير الجوهري، الأساسي، الممكن للإجابة عن السؤال. فقد كانت موجة القمع شرسة وواسعة بشكل لا يقاس بما كان من قبل من حراكات سياسية شهدها المغرب في العقدين الأخيرين. بل قال عن ذلك الصحفي علي أنوزلا: “هذه الحصيلة فاقت، من حيث السرعة والاتساع، حتى أكثر مراحل القمع سوادًا في تاريخ البلاد، من سنوات الجمر والرصاص إلى حرب الدولة على الإرهاب، مرورًا بـ”حراك الريف”. فقد شهد المغرب، منذ الاستقلال، محطات متتالية من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تفاوتت في حدّتها واتساع رقعتها”. [1]

إبان الحراك، تجاوز عدد المعتقلين خمسة آلاف (5780)، فقد صرحت النيابة العامة بـ”إخلاء سبيل 3300 شخصا”، في حين جرى تقديم “2480 شخصا أمام النيابات العامة لدى محاكم المملكة”، وتعدت الأحكام بالسجن مئات السنوات، ضمنها 162 سنة سجنا نافذا على 17 معتقلا بمحكمة الاستئناف بأكادير يوم 15 أكتوبر، وأخرى صدرت يوم 22 أكتوبر في حق 32 معتقلا بلغت 260 سنة سجنا نافذا [تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان- 24-10-2025]. وهذا غيض من فيض، ولا يزال الحبل على الجرار، إذ تستمر الدولة في متابعة المناضلين- ات بسبب تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان القمع “عشوائيا” حسب التعبيرات الحقوقية المعهودة. ولكن بالنسبة للدولة لم يكن الأمر كذلك. فقد كانت للاعتقالات “الكثيفة بما فيها العشوائية للمئات من المواطنين ضمنهم عدد كبير من القاصرين”، و”موجة الاعتقالات التعسفية التي طالت أيضا المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان”، كان لها هدفٌ سياسي واضح: منع توسَّع حراك جيل- زد ليشمل شرائحَ أوسع من الشعب. أمام “الغاية” لا تتورع الدولة في انتقاء “الوسيلة”. والدولة لا تعتهم كثيرا بالدقائق والتفاصيل القانونية، عندما ينهض الشعب إلى النضال، لأنه يقوم للنضال ضد ذلك “القانون” بالذات، القانون الذي “يحفظ هيبة الدولة” و”يضمن دوامَها”.

إن كان سعة وحدة القمع “غير معهودة”، إلا أن وظيفتها تظل واحدة. كما كان الحال مع حرَاك الريف: 306 سنوات سجنا في حق 46 معتقَلا. الوظيفة السياسية واضحة: ليس فقط قمع الحراك الجاري ومنع توسَّعه بشريا وجغرافيا وامتداده زمنيا، بل أيضا طحن عموده الفقري لدرء أي انبعاث له مستقبلا. ويشمل هذا الانتقامَ من كل من شاركَ أو دعا للمشاركة في الحراك (الريف- جردة وجيل زد).

هذا التاريخ من هزم الحراكات الاجتماعية والنضالات العمالية والكفاحات السياسية، تبيِّن أن جهاز القمع هو أكبر عقبة كأداء في وجه النضال. لذلك يُعتبر هزم ذلك الجهاز أولى المهام في وجه أي حركة نضال أو حَراك. فبدون أن يُهزم جهاز القمع هزيمة ناجزة، لا يمكن أن يمتد النضال ولا أن يشمل شرائح أوسع من الشعب. إن في التاريخ تجارب منيرة، وأقربها إلينا هي تجربة الثورة المصرية، فلولا هزيمة جهاز الشرطة وكل أدوات وزارة يوم 28 يناير 2011، لما تمكنَّت الثورة المصرية من النجاح ومن إجبار مبارَك على الرحيل.

وإن أول ما تقوم به الدولة، ومعها “النخب السياسية” التي تسقط ثمرة الثورة بين أيديها بعد أن أنضجتها الجماهير الشعبية بقتاليتها، هو إعادة بناء جهاز القمع ذاك، كي يتمكن من أداء وظيفتها التقليدية: إعادة الشعب إلى حظيرة الطاعة، كي تتفرغ الدولة، ومعها تلك النخب السياسية، لإعادة إحلال النظام، هذا النظام الذي يعني في الواقع العملي استغلال الشعب وقمعه.

لا يقتصر الأمر إذن فقط على المطالبة بإطلاق سراح المعتقَلين من أجل “انفراج سياسي” كما تدعو إلى ذاك شتى صنوف المعارضة البرجوازية (ليبرالية ودينية). فالدولة أكثر حرصا على إحداث هذا “الانفراج السياسي” لأن هذا الانفراج يقوم بدور التنفيس عن “حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي”. هكذا كتب عن الأمر الصحفي علي أنوزلا- ذاته-: “في كل مرّة كانت السلطة تردّ بمزيج من العنف والانفتاح الجزئي” [2]… إن المرادَ من إطلاق سراح المعتقَلين- ات (وليس العفو عنهم- هن) هو عودتهم- هن واستئنافهم- هن للنضال، وليس تحقيق “انفراج سياسي”، تكون الدولة هي الوحيدة المستفيدة منه، إذ تُعِد العدة، دوما، لاستئناف قمع النضال مدى انطلق من جديد.

لذلك فليس المطلوب هو الاستمرار في هذه الدورة من القمع الشرس والانفتاح الجزئي، بل كسر تلك الدورة الجهنمية بشكل نهائي. ويتطلب هذا، أول ما يتطلب، تفكيكا كليا لجهاز القمع (العلنية منها والسرية)، والاقتصار على خدمات تنظيم المرور وحفظ الأمن مع إخضاع هذه الأخيرة لسلطة منتخَبة ديمقراطيا (البلديات)، وبالتالي فك ارتباطها مع السلطة التنفيذية غير المنتخَبة، أي وزارة الداخلية.

تقوم الدولة بقمع النضال (أي بعقابه)، بينما تحمي أجهزة القمع من أي عقاب. بدون محاسبة، ليس فقط المتورطين المباشرين في جرائم القمع، بل من أعطوا الأوامر ومن يستفيد من تلك الجرائم، لا يمكن أن نتحدث عن نهاية دورة “القمع/ الانفتاح الجزئي”. هناك سابقة “هيئة الإنصاف والمصالحة”، التي كانت خدعةً وتسوية/ مساومة بين الدولة وضحايا سنوات الرصاص، تسوية جرى بموجبها تبرئة المتورطين في جرائم القمع، بينما اقتصر الضحايا على تعويضات مادية ووعود (مثل سراب) بـ”توفير شروط عدم الإفلات من العقاب مستقبلا”… وهو ما لم يتم، أو تحقق عكسه، بتصريح آخر من علي أنوزلا: “قبل عشرين سنة، قدّم العهد الجديد نفسه كـ”عهد الإنصاف والمصالحة” لغسل الماضي الدموي لمغرب “سنوات الجمر والرصاص”. لكنّ المفارقة المرّة أن العهد نفسه، الذي بدأ بالاعتراف بجرائم الأمس، ينتهي اليوم بتكرارها بصورة لا تقل قسوة عن الماضي”. [3]

هذين المطلبين (تفكيك أجهة القمع ومحاسبة ومعاقبة كل المتورطين (المباشرين وغير المباشرين) هو ما سيضمن، ليس فقط إطلاق سراح معتقلي الحَرَاكات، وإنما أيضا تقدم نضال الشعب من أجل مجتمع ينعدم فيه كل قمع بوليس واستغلال اقتصادي واضطهاد ثقافي وقومي وجنسي… إلخ.

لم يُقضَ على النضال، بل جرى حبسه في ردهات المحاكم وأقبية السجون. ولأن هذه الأخيرة لا تعالج الأسباب الجذرية للنضال، ولا تستجيب للمطالب التي خرج من أجلها، فإن استئنافه حتمي لا محالة. وإن فكَّ سراح أسرى النضال الشعبي والعمالي سيكون إحدى نتائج ذلك الاستئناف: استئناف النضال وليس الاستئناف في المحاكم والتعويل على عطف المسؤولين عن ذلك القمع وطلب العفو منهم.

————-

[1]- علي أنوزلا (29-10-2025)، https://www.facebook.com/alianouzla.02/posts/pfbid0rKxdDKStcqLmPPLDMw1xHVkJDQydfeTyRq8gMmGzHbNDMxyohrFRW2r9kT1z3dZKl

علي أنوزلا (01-10-2025)، “حراك ‘جيل زد’ في المغرب… البساطة والجرأة”، https://www.alaraby.co.uk/opinion/حراك-جيل-زد-في-المغرب-البساطة-والجرأة.

[3]- علي أنوزلا (29-10-2025)، https://www.facebook.com/alianouzla.02/posts/pfbid0rKxdDKStcqLmPPLDMw1xHVkJDQydfeTyRq8gMmGzHbNDMxyohrFRW2r9kT1z3dZKl.

شارك المقالة

اقرأ أيضا