“ما انقطعت حروب الشرق الأوسط قط عن كونها حروب نفط وإمبراطورية”

مقالات15 أبريل، 2026

مقابلة مع جلبير الأشقر

بشير أبو منة

يبيّن جلبير الأشقر، الأستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن، كيفية تشكيل النفط والقوة الأمريكية والتنافس الإقليمي لعقود من الصراعات في الشرق الأوسط، موضحًا سبب اندراج المواجهة مع إيران ضمن تقليد إمبراطوري راسخ.

لماذا يظل الشرق الأوسط منكوبا بالحرب إلى هذه الدرجة؟ في حوار أجراه بشير أبو منة، الأستاذ بجامعة كنت وعضو هيئة تحرير مجلة  Jacobin  الأمريكية التي نشرت المقابلة، يرى الأشقر، مترجم الحوار إلى اللغة الفرنسية، أن السبب يعود في المقام الأول إلى مكانة المنطقة المركزية في اقتصاد النفط العالمي، وإلى استراتيجيات القوى الكبرى الساعية للسيطرة عليها. ويتناول الأشقر في حديثه منطق التدخل الأمريكي، وحدود التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، واستراتيجية إيران في الصراع الجاري، إلى جانب التداعيات الإقليمية لتطور عقيدة واشنطن الإمبريالية .

بشير أبو منة: يستحيل الحديث عن الشرق الأوسط دون الكلام عن الحرب؛ إنها على الأرجح المنطقة الأكثر تمزقًا بالحرب منذ العام 1945. ففي الخمسة عشر عامًا الماضية وحدها، انحطت عدة انتفاضات عربية إلى حروب أهلية مديدة، فضلًا عن حرب إسرائيل الأبدية على الفلسطينيين. برأيك، ما الذي يجعل الحروب متفشية إلى هذا الحد في المنطقة؟

جلبير الأشقر: ما من شك أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد، مقارنةً بسائر مناطق العالم، الأكثر عرضة للنزاعات المسلحة منذ العام 1945، إذ شهدت عددًا كبيرًا من الحروب بين الدول والتدخلات العسكرية الأجنبية. وقد تصاعد هذ الصنف الأخير بنحو ملحوظ عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، حين شعرت الولايات المتحدة بحرية التدخل في المنطقة، بدءًا بحربها على العراق في العام 1991. ثم لحقت بها روسيا في عهد فلاديمير بوتين، مع تدخلها لدعم النظام السوري منذ العام 2015.

سبب انتشار هذه الحروب جليٌّ، متمثل فيما يسمى بـ”لعنة النفط“، أي امتلاك دول الخليج والمناطق المحيطة، منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، أكبر احتياطيات نفط في العالم، عالية الربحية وفضلا عن ذلك سهولة استخراجها النسبية.

يقع النفط، أو بنحو أدق الهيدروكربونات، باعتبار الغاز الطبيعي، في صلب سياسة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تجسّد اهتمام الإمبريالية الأمريكية الكبير بالمنطقة، بدعم من شركات النفط الكبرى، في توقف فرانكلين ديلانو روزفلت الشهير في البحر الأحمر في فبراير 1945، عائدا من مؤتمر يالطا حيث ناقش الحلفاء تشكيل عالم ما بعد الحرب.

وأعقب لقائه على متن سفينة USS Quincy مع الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة العربية السعودية، إنشاءُ قاعدة جوية أمريكية في الظهران، وسط حقول النفط السعودية التي كانت تستغلها شركة أرامكو (المعروفة آنذاك باسم شركة النفط العربية الأمريكية) والخاضعة آنذاك للسيطرة الأمريكية، في موقع استراتيجي في سياق الحرب الباردة.

وصَفتُ المملكة العربية السعودية أحيانًا بالولاية الأمريكية الحادية والخمسون الفعلية، وهو وضع حظيت به في الواقع حتى قبل قيام دولة إسرائيل. فقد كانت المملكة، ومعها منطقة الخليج بأكملها، ولا تزال، في قلب الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية في النصف الشرقي من العالم، رغم المحاولات المتكررة للالتفاف على الحقيقة بادعاءات من قبيل أن «ليس من أجل النفط» أو «ليس من أجل بالنفط وحده».

تساءل الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، آلان غرينسبان ، معلقا على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، في مذكراته عن سبب «التحرج السياسي من الإقرار بما يعلمه الجميع: أن حرب العراق كانت إلى حد كبير حربًا من أجل النفط».

وبطبيعة الحال، لا تقتصر مسألة النفط على تأمين وصول الولايات المتحدة إلى نفط العراق أو الخليج، ولا هو بالأمر الرئيس بالنسبة للولايات المتحدة. ما في الرهان هو كتلة عائدات النفط المالية الهائلة التي تملكها دول الخليج (إذ تتجاوز أصول صناديقها السيادية 3 تريليونات دولار، أي نحو 40٪ من الإجمالي العالمي لهذه الصناديق)، والاستفادة من قوتها الشرائية الكبيرة، خصوصًا في تمويل المجمع الصناعي العسكري الأمريكي. والقصد أيضًا التحكم في وصول الدول الأخرى إلى موارد الهيدروكربونات في الخليج. وكما أشار ديفيد هارفي عن حق: «من يتحكم في الشرق الأوسط يتحكم في صنبور النفط العالمي، ومن يتحكم في هذا الصنبور يستطيع السيطرة على الاقتصاد العالمي، بالأقل في المدى المنظور«.

وهذا يبيّن أيضًا مدى خطأ الاعتقاد الشائع بأن تطور إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، إلى جانب صعود الصين، يعني تراجع أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن. إن قسما كبيرا من هذا الضرب من التعليقات الواهمة قد دار حول “الانعطاف نحو آسيا” في عهد إدارة أوباما. ما أغفلت هذه التعليقات إغفالا تاما هو أن التحكم في «صنبور نفط» الخليج يظل عنصرًا حاسمًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين، التي تجلب زهاء نصف وارداتها النفطية من هذه المنطقة. كما أن المشاريع المشتركة بين كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية ودول الخليج، والتي تقود إلى إنشاء مراكز بيانات مستهلكة للطاقة بإفراط، مستفيدة من وفرة التمويل والطاقة منخفضة الكلفة، تضيف بعدًا جديدًا يعزز الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة للولايات المتحدة.

وأخيرًا، في حالة إدارة ترامب، أسهمت مصالح عائلات ترامب وكوشنر وويتكوف الواسعة في دول الخليج في رفع مستوى اهتمام واشنطن بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عمومًا، وبالخليج بوجه خاص، إلى مستوى غير مسبوق، وهو ما انعكس في تركيز التدخلات العسكرية لدونالد ترامب هناك أكثر من أي منطقة أخرى في العالم.

  • بشير أبو منة: في الواقع، يندرج ترامب ضمن سلسلة ممتدة من الرؤساء الأمريكيين الذين جعلوا من استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمريكية. فما الدوافع المباشرة والأهداف السياسية بعيدة المدى وراء الهجوم الأمريكي على إيران؟ وما تفسير سياسة إدارة ترامب إزاء إيران؟

جلبير الأشقر: منذ الثورة الإيرانية عام 1979، التي أزاحت نظام الشاه حليف الولايات المتحدة الرئيس في المنطقة، أصبحت طهران مصدر ازعاج مستمر لواشنطن. بيد أن العلاقات بين البلدين اجتازت أطوارا متباينة، فمهما بدا الأمر غريبا، كانت ثمة فترات تعاون بين واشنطن وطهران بعد العام 1979. وفي الثمانينيات، دعمت الولايات المتحدة وإسرائيل جهود إيران الحربية ضد العراق في ما أصبح يعرف بـ«قضية إيران-كونترا»، إذ كان من مصلحتهما حينها إطالة الحرب بين دولتين اعتُبرتَا مارقتين تهددان مصالحهما. ثم ساندت إيران، عبر حلفائها العراقيين المتعاونين مع واشنطن، غزو الولايات المتحدة للعراق في العام 2003.

ومن المفارقات أن الجيش الأمريكي نقل هؤلاء الحلفاء بشاحناته ونصبهم في السلطة. وكانت النتيجة أن إيران باتت أكبر مستفيد من الغزو، ليفوق نفوذها في العراق نفوذ الولايات المتحدة، ما يجعل العراق يُعتبر واحدًا من أبرز الإخفاقات في التاريخ الإمبراطوري الأمريكي، على غرار فيتنام.

لم يمنع الاتفاق النووي بين إدارة أوباما وطهران في 2015 إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي، مدعومة بتدخلها في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد منذ 2013، وسيطرة الحوثيين على شمال اليمن عام 2014. وقد استغلت طهران في الآن ذاته في هذا التوسع معاداة إسرائيل والولايات المتحدة، والولاء الطائفي الشيعي. انها المؤاخذة الرئيسة التي أبداها ترامب، وبنيامين نتنياهو، وممالك الخليج الرئيسة لأوباما، إذ لاموه على توقيع الاتفاق النووي في ذروة التوسع الإقليمي الإيراني، دون أي محاولة للحد منه، بل على العكس، عزّز الاتفاق وضع إيران الاقتصادي، ما سهّل سياستها الإقليمية.

وبالنظر إلى كل الأسباب السابقة، يمكن فهم الدافع القوي الذي يوجه سياسة ترامب تجاه إيران. إنه يسعى عبر هذا العدوان الجاري إلى فرض هيمنة على هذا البلد، ما يكمل، ويعزز بنحو كبير، السيطرة الأمريكية على الخليج وعموم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

  • بشير أبو منة : تبدو هذه الحرب تحقيقا لحلم نتنياهو. فهل تطابق أهداف الولايات المتحدة أهداف إسرائيل، أم أن ثمة فروقًا جوهرية؟

جلبير الأشقر: هناك طبعا نقاط التقاء ومواضيع اختلاف. فوجه التقارب واضح، حيث تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل – وليس فقط حكومة نتنياهو، بل مجمل النخبة الصهيونية الحاكمة – إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني. إذ ترى فيه إسرائيل تهديدًا وجوديًا يُعرض للخطر وضعها بما هي الدولة النووية الوحيدة في المنطقة، بينما تعتبر واشنطن امتلاك إيران للأسلحة النووية مستقبلاً وسيلة ردع محتملة، قادرة على تهديد حقول النفط العربية المجاورة، ما قد يؤدي إلى كارثة للمصالح الأمريكية والاقتصاد العالمي. كما يتفق الطرفان على ضرورة الحد من نفوذ إيران في المنطقة.

بيد أن ثمة أيضًا فروقا، وإن لم تكن جلية بقدر جلاء أوجه التلاقي. بوجه عام، لم يكن هناك أبدًا تطابق أهداف تام بين إسرائيل الولايات المتحدة. لنأخذ مثلا أول حرب إسرائيلية كبرى خدمت المصالح الأمريكية: حرب الأيام الستة في يونيو 1967، حين ضربت إسرائيل بقوة الدولتين العربيتين اللتين كانتا معارضتين بشدة للإمبريالية الأمريكية آنذاك – مصر بقيادة جمال عبد الناصر وسوريا بقيادة يسار حزب البعث القومي العربي. استغلت إسرائيل فرصة حرب 1967 لبسط سيطرتها على كامل فلسطين الانتداب البريطاني، من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، على حساب الأردن بشكل رئيس، وهو حليف أمريكي مخلص كان يدير الضفة الغربية بعد ضمها في العام 1949. وبالطبع، لم يكن هذا ما تصبو إليه واشنطن.

في الهجوم المستمر على إيران، يتضح التباين أكثر عندما يدعو نتنياهو إلى «تغيير النظام» ويدعم إعادة الملكية بقيادة رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطيح عام 1979، بينما يستبعد ترامب هذا الخيار تمامًا، كما استبعد زعيمة المعارضة اليمينية في فنزويلا، ماريا كورينا ماتشادو، بعد إطاحة نيكولاس مادورو. ويظهر الفرق بوضوح عند مقارنة موقف نتنياهو مع التصريح الطائش الذي أدلى به ترامب لشبكة فوكس نيوز في 6 مارس: «سيكون الأمر سهلًا جدًا. سيكون كما في فنزويلا. لدينا زعيمة رائعة هناك. إنها تقوم بعمل ممتاز، وسينجح الأمر كما في فنزويلا»، في إشارة إلى الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

كما أبدى ترامب انفتاحه على فكرة وجود حاكم ديني في إيران، قائلاً: «حسنًا، يمكن أن أكون كذلك، نعم، أعني، يتوقف الأمر على من هو الشخص. لا يزعجني وجود قادة دينيين. أنا أتعامل مع العديد من القادة الدينيين وهم رائعون». وعندما سُئل عما إذا كان يشترط وجود دولة ديمقراطية، أجاب شبكة CNN : «لا، أقول إنه يجب أن يكون هناك قائد عادل ومنصف، يقوم بعمل ممتاز، يعامل الولايات المتحدة وإسرائيل معاملة حسنة، ويتعامل مع دول الشرق الأوسط الأخرى – فجميعها شركاؤنا».

يكمن جوهر المشكلة في أن نتنياهو ومجمل نخبة السلطة الصهيونية سيرحبون بانهيار الدولة الإيرانية، بما يتوافق تمامًا مع مشروعهم القديم لتفكيك محيطهم الإقليمي. لكن انهيار الدولة الإيرانية، التي تشكل الأقليات العرقية نحو نصف سكانها، سيكون كارثة للمصالح الأمريكية في المنطقة، إذ سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي بأكمله، بدءًا من أقرب حلفاء واشنطن. هؤلاء الحلفاء يدعمون بالتأكيد الهدف الأمريكي في العدوان على إيران، لكنهم يرفضون بنفس القدر هدف إسرائيل، خاصة وأن الدول الاستبدادية التي يمثلون لا يمكن إلا أن تنزعج من دعوات نتنياهو الزائفة لـ«الديمقراطية» في إيران.

يتطلب فهم مذهب ترامب الإمبراطوري القديم-الجديد النظر إلى الدروس المستفادة من العراق، التي تنبه إليها. فقد أدى تفكيك واشنطن للدولة العراقية بعد احتلالها عام 2003 إلى فوضى مكنت إيران من الهيمنة على الأغلبية الشيعية العربية في البلد، وانتشرت حرب العصابات المناهضة لأمريكا بين العرب السنة، وتحولت لاحقًا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وكانت الخلاصة المستفادة أن الولايات المتحدة، بدلًا من «تغيير النظام» الذي دعا إليه المحافظون الجدد الذين سيطروا على وزارة الدفاع إبان ولاية جورج دبليو بوش الأولى بدعم من دونالد رامسفيلد وديك تشيني، يجب أن تفرض إرادتها على الأنظمة القائمة كما هي، بغض النظر عن طبيعتها.

يمكن قول إن الولايات المتحدة في عهد ترامب، في ولايته الثانية، تحولت إلى نسخة معاصرة من «سياسة المدفعية» في القرن التاسع عشر، حين كانت القوى العظمى تفرض إرادتها على الدول الأضعف بالتهديد بالقصف، أو تنفذه فعليًا إذا أبدت معارضة. لم يكن ثمة آنذاك أي اعتبار لطبيعة الحكومات، بل كان الهدف فرض المصالح الإمبريالية بالقوة القصوى على الدول الأضعف.

  • بشير أبو منة: يرى العديد من المعارضين الأمريكيين لهجوم الولايات المتحدة وإسرائيل المشترك على إيران، سواء من اليسار أو اليمين أو اليمين المتطرف، أن هذا الهجوم غير مبرر، خاصة وأن إيران لا تشكل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة. ويستند هؤلاء المعارضون إلى الاعتقاد بأن واشنطن تتصرف لحساب إسرائيل. وتُعيد هذه الحرب طرح التساؤل حول مدى تأثير إسرائيل ولوبيها في تحديد السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وتحريفها، وما إذا كانوا يشوهونها. كيف ترى التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل وما هي الدوافع التاريخية والحالية الكامنة وراءه؟

جلبير الأشقر: بعد ما جرى شرحه عن الفروق بين واشنطن وإسرائيل، يصبح واضحًا أن ليس الذيل الإسرائيلي من يتحكم في الكلب الأمريكي. إن للدولتين مصالح متقاربة في مهاجمة إيران كما يحدث الآن، لكنهما لا تتشاركان نفس الأهداف. أما بشأن تصريح ماركو روبيو Marco Rubio الذي أثار جدلاً واسعًا حين قال: «كنا نعلم أن هناك عملية إسرائيلية، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأمريكية، وكنا نعلم أنه إذا لم نتحرك استباقيًا قبل هذه الهجمات فسنتكبد خسائر أكبر»، فقد أسيء تأويله بنحو كبير.

يجب، من أجل فهم هذا التصريح، أن نأخذ في الاعتبار أن أحد الركائز الأساسية في عقيدة ترامب الجديدة، التي تركز على «تغيير سلوك النظام» بدلًا من «تغيير النظام» نفسه – كما لخصها رئيس مجلس النواب، مايك جونسون Mike Johnson ، عند تعليقه على عمليات القرصنة التي نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا – يتمثل في استهداف قادة النظام المعتبرين عقبات أمام تعديل السلوك. وبما أنه لم يكن من ممكنا، و لا مجديا، اختطاف المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، يبقى الخيار الوحيد هو اغتياله، وهو فن برعت فيه إسرائيل والموساد، النظير الإسرائيلي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA). لذلك عولت واشنطن على شريكها الأصغر لتنفيذ هذه المهمة، وقد كشف تحقيق لصحيفة فاينانشال تايمز أن إسرائيل حددت يوم السبت كفرصة مناسبة بشكل خاص.

عندما اقتنعت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وإسرائيل بأن خامنئي سيعقد اجتماعًا صباح السبت في مكتبه قرب شارع باستور، بدا قتلُه مع وجود عدد كبير من كبار القادة الإيرانيين فرصة مناسبة جدًا. وقد مهد الجيش الأمريكي الطريق للطائرات المقاتلة الإسرائيلية لقصف مجمع خامنئي عبر شن هجمات إلكترونية تهدف إلى «تعطيل وإضعاف وإعاقة قدرة إيران على الرؤية والتواصل والرد»، وفقًا للجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية.

والآن، بزعم أن الذيل الإسرائيلي هو من يحرك الكلب الأمريكي، يسعى المحافظون – مثل جون ميرشايمر John Mearsheimer  وستيفن والت Stephen Walt وجناح حركة   MAGA المتمثل في تاكر كارلسون Tucker Carlson – إلى طمس حقيقة الإمبريالية الأمريكية وتحميل «اللوبي الإسرائيلي» المسؤولية، وأحيانًا، كما في حالة كارلسون، إلقاء اللوم على «اليهود» بشكل مباشر.

كان كتاب ميرشايمر ووالت الشهير الأكثر مبيعًا عام 2007 يفسر غزو العراق الفاشل على هذا النحو، وكأن إدارة جورج دبليو بوش – التي كانت مشبعة بمصالح النفط وتضم أعضاء «مشروع القرن الأمريكي الجديد» الذين ضغطوا على بيل كلينتون من أجل هذا الغزو – كانت بحاجة إلى اللوبي الإسرائيلي لاستغلال الفرصة التي أتاحتها هجمات 11 سبتمبر 2001 لغزو العراق. هذا بينما كان العراق منهكًا تمامًا بعد ثماني سنوات من الحرب مع إيران، تلتها اثنتا عشرة سنة من الحظر القاسي والإجرامي فرضته الولايات المتحدة. في الواقع، كانت إسرائيل تفضل أن تهاجم الولايات المتحدة إيران في ذلك الوقت، وكانت بالتأكيد غاضبة بشدة لرؤية واشنطن تستقدم حلفاء طهران على دباباتها وتنصبهم في السلطة ببغداد.

تنبع «العلاقة الخاصة» بين واشنطن والدولة الصهيونية من كون الأولى تعتبر الثانية حارسًا للمصالح الأمريكية الإقليمية – حليفًا عسكريًا بالغ الفعالية، قادرًا على أن يحل محل واشنطن عندما تمنعها ظروف داخلية عن التدخل، أو أن يكمل جهودها بشكل مفيد، كما يظهر الآن في العدوان المشترك على إيران، وما شهدنا في العدوان السابق في يونيو الماضي. ولا يعدو ما تقدم واشنطن من مساعدات عسكرية لإسرائيل كونه فتاتًا قياسا بضخامة الميزانية العسكرية الأمريكية، وهو استثمار مربح جدًا مقارنة بالفائدة الحدية لنفس المبلغ إذا أُضيف إلى نفقات البنتاغون. وفي بعض الأحيان، يعزز عامل أيديولوجي هذا الدعم، كما كان الحال مع جو بايدن، الذي يُعد بالتأكيد الرئيس الأمريكي الأكثر صراحة وشراسة في صهيونيته، وفخورا بذلك.

  • بشير أبو منة: تقوم إيران، في ردها على العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، بما أعلنت دائمًا أنه واجبها: استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، حتى في دول الخليج. فما هي أهداف إيران في هذه الحرب؟ وهل سيظل نظامها الداخلي، غير الشعبي، صامدًا؟

جلبير الأشقر: أهداف إيران في توسيع الحرب لتشمل المنطقة بأسرها جلية جدًا، وقد جرى الإعلان عنها، في شكل تهديد، قبل وقت طويل من اندلاع العدوان. إنها الورقة العسكرية الوحيدة في متناول إيران في مواجهة العدوان، فبالإضافة إلى قصف إسرائيل والقوات الأمريكية المتاحة لها، تسعى لإحداث اضطراب في دول الخليج وصادراتها النفطية، ما يخلق ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد العالمي وعلى هذه الدول، ويجبرها بدورها على الضغط على واشنطن لوقف العدوان في أقرب وقت ممكن.

أما بقاء النظام الإيراني، فلا أرى في الوقت الحالي أي احتمال معقول لسقوطه. قد تعود الانتفاضة الشعبية ضد الحكومة بعد انتهاء الحرب، لكن يصعب تخيل الناس ينزلون إلى الشوارع في طهران تحت القصف. وحتى لو فعلوا، فلا توجد قوة معارضة منظمة في إيران قادرة على إطاحة الجمهورية الإسلامية. أظهر النظام الثيوقراطي، في مواجهة انتفاضة أواخر العام الماضي، وهي الأعظم منذ التي أطاحت الشاه في العام 1979، أنه مستعد لقتل آلاف لضمان بقائه. السيناريو الآخر الوحيد هو انقسام القوات المسلحة الإيرانية – مثل الانقسام بين الجيش النظامي وحرس الثورة، العمود الفقري العسكري للنظام – ما قد يؤدي إلى حرب أهلية نظير ما شهدت سوريا. وهذا بالضبط كابوس واشنطن، مع أنه حلم إسرائيل.

وهذا يفسر إصرار ترامب على محاولة التغيير من داخل الدولة، حتى أنه يفكر في التعاون مع «قادة دينيين» يدعمون المصالح الأمريكية. حاليًا، يبدو أن النظام الإيراني اختار المواجهة، باختيار مجتبى، نجل خامنئي، مرشدا أعلى جديدا. ما إذا كان ترامب سيحقق مطمحه، أم أن النظام الإيراني سيواصل صموده، يظل أمرًا قابلًا للتكهن، رغم أن المؤشرات الأولية تميل إلى الأمر الثاني.

  • بشير أبو منة : ماذا عن بلدك، لبنان؟ لم تكف إسرائيل عن قصفه منذ 7 أكتوبر، في حين بات حزب الله قوة ضعيفة جدًا عسكريًا وسياسيًا، بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من الدعم الشعبي الذي كان يحظى به إبان حرب العام 2006 ضد إسرائيل، خاصة بعد تدخله إلى جانب نظام الأسد الوحشي. يبقى السؤال: إلى أين يتجه حزب الله الآن؟

تعتبر إسرائيل حزب الله مجرد أداة مساعدة لطهران، بيد أنه في الآن ذاته حزب جماهيري مستند إلى نفس المزيج الأيديولوجي الذي تتبناه إيران: معاداة الصهيونية، معارضة الهيمنة الأمريكية، الطائفية الشيعية، والأصولية الإسلامية. وهذا يعني أن إسرائيل تسعى، كما فعلت في هجومها الموجه لتدمير حركة حماس، إلى القضاء على حزب الله عبر مرافقة الضربات المباشرة – بما في ذلك استهداف قادة الحركة في خريف العام 2024 – بتطبيق الاستراتيجية التقليدية لمكافحة التمرد المعروفة بـ«تجفيف المستنقع»، أي مهاجمة القاعدة الشعبية التي تدعم العدو لعزلها عنه ودفعها في النهاية للانقلاب عليه.

النسخة الإسرائيلية من هذه الاستراتيجية تُعرف باسم «مبدأ الضاحية»، في إشارة إلى ضاحية بيروت الجنوبية، التي تسكنها غالبية شيعية وتعرضت لقصف عنيف وتدمير جزئي إبان العدوان الإسرائيلي على حزب الله في العام 2006، شأنها شأن مناطق لبنانية أخرى ذات أغلبية شيعية مؤيدة للحزب. وتفرض إسرائيل هذا النهج مرة أخرى على لبنان، وبوحشية أكبر من العام 2006 أو 2024، بهدف دفع القوات الحكومية اللبنانية لإجبار حزب الله على تسليم أسلحته. ومن الصعب التنبؤ بكيفية انتهاء هذا الصراع، إذ يعتمد ذلك بشكل كبير على نتيجة العدوان الجاري ضد إيران.

اسمح لي بتعليق أخير بهذا الصدد. في حرب الإبادة الجماعية ضد غزة، المبررة بكونها حملة ضد حركة حماس، وكذلك في عدوانها الفتاك على لبنان الذي يستهدف حزب الله، تتصرف إسرائيل، في واحدة من مفارقات تاريخها المرة، بطريقة تقترب إلى حد كبير من ما يُعتبر أحد الأمثلة المبكرة للاستراتيجية المعروفة باسم «تجفيف المستنقع»: القمع الوحشي الذي مارسته الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي ضد الثورة اليهودية التي قادها سيمون بار كوخبا.

وكأن الدولة الصهيونية حريصة على محاكاة جميع مضطهدي اليهود عبر التاريخ، من العصور القديمة وحتى القرن العشرين، بممارسة معاملة مماثلة تجاه شعوب الشرق الأوسط. لقد تحقق بالفعل ما أشار إليه مؤسس الصهيونية السياسية، ثيودور هرتزل، بخصوص «التقليد الدارويني» للصهاينة تجاه أعداء اليهود.

 المصدر:

https://regards.fr/les-guerres-du-moyen-orient-nont-cesse-detre-des-guerres-de-petrole-et-dempire/

 نشرت الترجمة الفرنسية بالرابط أعلاه  يوم 14 مارس 2026

شارك المقالة

اقرأ أيضا