“الدولة المتعاقدة من الباطن” هل تعيد دمشق إنتاج النموذج الإيراني؟

 

بقلم: مسلم عبد طالاس

  • ليست القضية في سوريا اليوم مجرد تغيير في الوجوه أو حتى في شكل النظام السياسي. فالأهم من ذلك بكثير أن البلاد تبدو وكأنها تدخل طوراً جديداً من إعادة تنظيم الاقتصاد السياسي: أي إعادة رسم العلاقة بين الرئاسة، والوزارات، والمال العام، والاستثمار، والثروة. والسؤال المركزي هنا ليس ما إذا كانت سوريا تتجه إلى اقتصاد سوق أو تبقى دولة مركزية، بل ما إذا كانت تنتقل إلى صيغة ثالثة: دولة تُبقي القرار السياسي مركزياً في يد الرئاسة، لكنها تنقل التنفيذ الاقتصادي الفعلي إلى مجالس وصناديق وهيئات موازية للدولة الرسمية، يُديرها المقربون من الرئيس ومحيطه. وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم «الدولة المُتعاقدة من الباطن» (الذي استخدمه كيفين هاريس لوصف الاقتصاد السياسي لإيران في ظلّ حكم الملالي)مفيداً لفهم جوانب مهمة من المشهد السوري.

لا يصف هذا المفهوم دولة ضعيفة أو مُنسحبة من الاقتصاد. على العكس، هو يصف دولة قوية سياسياً، لكنها لا تُدير الاقتصاد عبر وزاراتها وبيروقراطيتها المباشرة، بل عبر شبكة من كيانات شبه رسمية وشبه عامة تظل مرتبطة بمنظومة ولاية الفقيه سياسياً وتعمل لصالحها اقتصادياً. في الحالة الإيرانية، لم تنسحب الدولة من الاقتصاد بعد الثورة، بل أعادت توزيعه داخل بنية جديدة تجمع رجال الدين والمؤسسات شبه العامة والحرس الثوري، بحيث بقي القرار في القمة، في حين نُقل التنفيذ إلى متعهدين سياسيين واقتصاديين تابعين لها. ومن هنا، جاء الربط بين هذا النموذج وبين ما سُمي في الأدبيات بالخصخصة الزائفة: أي أن الخصخصة لا تؤدي إلى سوق تنافسية مُستقلة، بل إلى نقل الأصول والوظائف الاقتصادية إلى شبكات موالية للسلطة.

إذا نُظِر إلى سوريا من هذه الزاوية، فإن أكثر ما يلفت الانتباه ليس إلغاء منصب رئيس الوزراء أو تهميش الوزارات فقط، بل صعود بنية كاملة من المجالس والصناديق والهيئات العليا التي باتت تؤدي وظائف كانت تاريخياً من اختصاص وزارات الاقتصاد والمالية والإدارة. هنا يكمن جوهر التحوّل. فالمسألة ليست مجرد إصلاح إداري، بل نقل تدريجي لوظائف الدولة إلى بنية موازية أقرب إلى الرئاسة من قربها إلى الحكومة.

أول ما يجب الانتباه إليه هو أن إلغاء رئاسة الوزراء لم يكن مجرد تعديل دستوري رمزي. فوجود رئيس الوزراء يخلق عادة مستوى وسطياً بين القمة السياسية والجهاز التنفيذي. إلغاء هذا المستوى في الحالة السورية يعني أن الرئاسة لم تعد فقط أعلى سلطة سياسية، بل أصبحت أيضاً الممر المباشر للقرار الاقتصادي والإداري. وبذلك لم تعد الوزارات تُشكل مراكز مستقلة نسبياً لوضع السياسات، بل تحولت إلى وحدات تنفيذية أدنى، بينما انتقل التخطيط الفعلي والتنسيق إلى مؤسسات عليا مرتبطة بالقصر الرئاسي. وقد تجلى ذلك من خلال توسّع دور الأمانة العامة للرئاسة بشكل واضح. بما يُمكن اعتباره تفريغاً لمجلس الوزراء من قيمته السياسية المستقلة وتحويله إلى أداة تنفيذية لقرارات الرئاسة.

لكن هذا التفريغ لم يترك فراغاً، بل ملأته هياكل جديدة. وأهم هذه الهياكل، في تقديري، هو المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وما يتصل به من صناديق تنموية وسيادية. هنا تظهر النقلة الحقيقية، فبدلاً من أن تكون وزارة الاقتصاد أو وزارة المالية أو حتى مجلس الوزراء هي المؤسسات التي تضع السياسات الاستثمارية وتنسق التمويل وتُقرّر أولويات التنمية، صار هناك مركز بديل يتولى هذه الوظائف كلها تحت مُسمى التنمية أو إعادة الإعمار أو الإصلاح. وهذا التحوّل بالغ الأهمية لأن مصطلحات مثل التنمية والصندوق والمجلس الأعلى تبدو في ظاهرها تقنية ومحايدة، لكنها في الواقع تؤدي وظيفة سياسية واضحة: سحب القرار الاقتصادي من المؤسسات العامة التقليدية ونقله إلى دائرة ضيقة قابلة للسيطرة الشخصية.

وهنا بالذات يجب تسليط الضوء على دور عائلة الرئيس ومحيطه المباشر. فالمشكلة ليست فقط في وجود مجالس وصناديق جديدة، بل في الطريقة التي تُدار بها. فعندما يكون المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية تابعاً مباشرة للرئاسة، ويكون الإشراف الفعلي عليه بيد شقيق الرئيس أو شخصيات من دائرته الضيقة، فإننا لا نكون أمام مؤسسة عامة بالمعنى الحديث، بل أمام مركز لتجميع السلطة الاقتصادية في بنية عائلية-رئاسية. الصندوق هنا لا يكون مجرد أداة تمويل، بل يُصبح قناة لإعادة توزيع العقود، والتحكم في أولويات الاستثمار، وتحديد من يدخل إلى السوق ومن يستبعد منها. وبذلك تتحول التنمية من سياسة عامة إلى آلية لإعادة إنتاج النخبة الحاكمة.

هذا الجانب هو ما يجعل المقارنة مع إيران ذات معنى. ففي إيران، لم تكن «البنياد» مؤسسات خيرية بالمعنى البسيط، بل أدوات لتجميع الموارد وإدارتها خارج الدولة البيروقراطية المباشرة، مع بقائها مرتبطة بمركز السلطة. ولم تكن قوة الحرس الثوري تكمن فقط في السلاح، بل في امتلاكه القدرة على دخول قطاعات الاقتصاد الكبرى عبر شركاته وشبكاته، بحيث أصبح التنفيذ الاقتصادي موزعاً بين مؤسسات تبدو منفصلة عن الدولة ولكنها في الحقيقة تعمل تحت سقفها السياسي. في سوريا، لا يوجد حتى الآن نظير مؤسسي مكتمل للحرس الثوري أو البنياد، لكن الصناديق والمجالس التنموية قد تؤدي وظيفة قريبة: إدارة المال العام والاستثمارات والأصول خارج الوزارات، ولكن لصالح الرئاسة ومحيطها.

وتتضح هذه الوظيفة أكثر عندما نربطها بإنشاء «الهيئة العامة للمنافذ» و«الهيئة العامة للتوريد»، إذ إن هاتين الهيئتين ليستا مجرد تحديث للإدارة، فالهيئة العامة للمنافذ تعني عملياً السيطرة على المعابر والتجارة والتدفقات الجمركية وسلاسل الإدخال والإخراج، أيّ على أحد أهم مفاصل الاقتصاد الحقيقي. أمّا الهيئة العامة للتوريد فتعني الإمساك بمسار الشراء العام والعقود والإنفاق والتعاقدات، وهي وظيفة كانت في صميم اختصاص وزارة المالية والإدارة الحكومية. عندما تنزع هذه الصلاحيات من الوزارات وتُعطى لهيئات جديدة مرتبطة بالرئاسة، فإننا نكون أمام إعادة تشكيل لمركز الثقل الاقتصادي في الدولة. الوزارات تبقى قائمة شكلياً، لكن مفاصل القوة المالية والتجارية تنتقل إلى مكان آخر.

هذا هو المعنى العملي لفكرة «الدولة المتعاقدة من الباطن»: ليس أن الدولة تختفي، بل أن الدولة الرسمية تُصبح واجهة، بينما تعمل الدولة الحقيقية عبر وكلاء وهيئات ومجالس وصناديق. هذه البنية الجديدة أكثر مرونة من الوزارة، وأقل خضوعاً للرقابة، وأكثر قابلية للسيطرة الشخصية. وهي أيضاً أكثر قدرة على عقد الصفقات السريعة، وإعادة توزيع الأصول، وإدارة التحالفات مع المستثمرين المحليين والإقليميين. وهذا ما يُفسر لماذا تكثر اليوم الهياكل الجديدة ذات الأسماء التنموية والاستثمارية: لأنها هي الشكل المؤسسي الأنسب لاقتصاد سياسي يُريد أن يجمع بين الرئاسوية الشديدة، والليبرالية الانتقائية، والسيطرة الشبكية على الموارد.

من هنا، يجب التعامل بحذر شديد مع الحديث عن «اقتصاد سوق» في سوريا الجديدة. صحيح أن هناك خطاباً واضحاً عن الخصخصة، وتشجيع الاستثمار، وتقليص القطاع العام، لكن السؤال الحاسم ليس: هل تباع الأصول؟ بل: لمن تنقل؟ إذا كانت النتيجة هي انتقال الموارد من احتكارات النظام القديم إلى مجالس وصناديق وشركات واجهة مرتبطة بالنظام الجديد، فنحن لسنا أمام تحرير اقتصادي، بل أمام خصخصة زائفة. وهذا ما تُوضّحه عمليات انتقال السيطرة على الأصول من «احتكارات المخلوف» إلى «شبكات الشرع»، مع استخدام التسويات الخاصة واللجان السرية بدل المسارات القضائية الشفافة. هنا لا تنتقل الثروة إلى المجتمع أو إلى سوق مفتوحة، بل إلى أوليغارشية جديدة.

والأهم أن هذه الأوليغارشية لا تبدو تجارية فقط، بل سياسية-عائلية-تكنوقراطية في آن واحد. فهي تضم أفراداً من عائلة الرئيس، وشخصيات من الدائرة الأمنية والإدارية الضيِّقة، وتكنوقراطاً صاعدين من التجربة الإدلبية، ورجال أعمال جدد مرتبطين بالحكم. هذه الصيغة تمنح النظام ميزة مزدوجة: فهي تسمح له بأن يُقدم نفسه باعتباره مصلحاً ومؤسسياً وتنموياً، وفي الوقت نفسه تضمن له ألا تخرج مفاصل الاقتصاد عن قبضته. وهذا يُشبه إلى حد بعيد ما حدث في إيران حين جرى الدمج بين الشرعية الأيديولوجية والسيطرة المؤسسية والشبكات الاقتصادية شبه الرسمية.

مع ذلك، من المهم ألا نقع في تبسيط مُخلٍّ، فسوريا ليست إيران تماماً، والنموذج لم يكتمل بعد. إذ ما تزال الدولة السورية الجديدة أكثر هشاشة، والاحتكار المركزي للعنف لم يُحسم نهائياً، والمؤسسات الجديدة ما تزال في طور التشكّل، ولم تصل بعد إلى الدرجة التي وصلت إليها المؤسسات الإيرانية من ترسّخ واستدامة. لكن هذا لا يُلغي الاتجاه العام. والاتجاه العام، في رأيي، واضح: سوريا تتحرك من دولة بيروقراطية مركزية إلى دولة شبكية رئاسية، تُدار فيها الموارد عبر صناديق ومجالس وهيئات موازية، أكثر مما تُدار عبر الوزارات.

هذا التحول بالغ الخطورة والأهمية في الوقت نفسه. خطورته أنه قد يُعيد إنتاج الاستبداد الاقتصادي في شكل أكثر حداثة ومرونة، بحيث لا يعود الاحتكار ظاهراً في الوزارة والبيروقراطية، بل في الصندوق والمجلس والهيئة. وأهميته أنه يفتح أعيننا على أن ما يُقدم بوصفه «إصلاحاً» قد يكون في الحقيقة إعادة تركيب للسلطة لا تفكيكاً لها. لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل تعود الدولة أم يتقدم السوق؟ بل: أي دولة تتشكّل؟ وأي سوق يُبنى؟ ولصالح من؟

من هذه الزاوية، تبدو سوريا بالفعل على طريق نموذج قريب من «الدولة المتعاقدة من الباطن»: دولة لا تتراجع عن الاقتصاد، لكنها لا تُديره عبر وزاراتها، بل عبر متعهدين سياسيين جدد، يتخذون شكل مجالس وصناديق وهيئات عليا، تتمركز كلها حول الرئاسة وتدور في فلكها. وإذا استمر هذا المسار، فإن أخطر ما سيحصل ليس فقط إعادة توزيع الثروة، بل إعادة تعريف معنى الدولة نفسها: من جهاز عام يخضع – ولو نظرياً – لقواعد مؤسسية، إلى شبكة سلطة تحتكر القرار والثروة باسم التنمية والإصلاح.

المصدر:

https://aljumhuriya.net/ar/2026/04/08/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%82%d8%af%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b7%d9%86/?fbclid=IwY2xjawRQWUFleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFFRnZERkdDbVVLaXpUd0xEc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHnzV7evFtkwpvDxEpX4YHU8xozwXiCIDaiHVn-7_nQVpC5oe0kbadsYnJvmw_aem_5MkN1XGjcAOUb9ptwUh5Fg#:~:text=%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%82%D8%AF%D8%A9%20%D9%85%D9%86,%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا