المعهد العابر للقوميات يُنعي مُزن النيل. مُزن النيل تغادر عالمنا تاركة إرثًا سيعيش طويلًا

بقلوب مُثقلة بالأسى والإحساس بالفجيعة بلغنا نبأ وفاة مُزن النيل. تعجز الكلمات عن وصف صدمتنا وحزننا على رحيلها المفاجئ. مُزن التي وُلدت في أم درمان بالسودان في يونيو 1986 رحلت عن عالمنا في ريعان شبابها، عن عمر 39 عاماً. لقد تركت برحيلها فجوة هائلة، فهي إنسانة فريدة قلما تجود الأيام بمثلها. مُزن التي تركت ورائها أمها وأبيها كانت الأبنة الكبرى، ولها من الشقيقات والأشقاء ثلاثة (هم مصدر ومارين وملب) وزوجها أحمد. نتوجه إليهم بخالص تعازينا القلبية، وندعو لهم بالصبر والسلوان… البركة فيكم.

بقلم؛ حمزة حموشان – مريم أوراغ

في “الكل من أجل القضية”، يصوّر ويليام موريس موت الرفاق لا بوصفه مأساة شخصية، بل تضحية من أجل المستقبل. ويؤكد هذا المعنى أن الذين يموتون من أجل الحركة يظلون أحياءً عبر استمرار النضال. والحق أن مُزن، حتى قبل أن تبلغ الأربعين، كانت كاتبة معروفة، متعددة المواهب، واسعة النشر. وإذا نظرنا إلى إسهاماتها من منظور كمي، أمكن القول إنها عاشت حياة زاخرة بالعطاء. لكن هذا يبدو بلا معنى في هذه اللحظة؛ فوفاة إنسانة بهذه الروعة واللطف والشباب، في بداية مسار راسخ التكوين، ومع كل هذا القدر من الإمكانات، أمر مؤسف أشد الأسف، من الصعب استيعابه. يُقال إن الطيبين هم أول الراحلين. إن رحيلًا كهذا يتركنا في حالة من الفقد، ولذلك نختار الآن أن نُعايش هذا الإحساس بالفقد لا أن نرفضه. لقد رحلت مُزن. ونشعر بحزن عميق لفقدها. وبينما نذرف الدمع على ذكراها، نستحضر ما حققته من إنجازات.

لقد عرفنا مُزن من تعاملنا معها أثناء الموجة الثانية من الثورات العربية، وقد بدأت في السودان في ديسمبر 2018، ثم انتشرت إلى الجزائر والعراق ولبنان. إننا نتذكر تحليلها الحاد والدقيق، وشغفها البالغ، الذي رأيناه عبر عدة مناقشات جرت أثناء ندوات عبر الإنترنت نظمها المعهد العابر للقوميات أثناء فترة الجائحة (يونيو 2020) بعنوان “الربيع العربي مستمر: ثورات في زمن الجائحة“. ولقد كان التزامها بإحقاق الحرية للناس التزامًا صارمًا بلا تنازلات، ولقد أثّر فينا كل التأثير صوتها الحُرّ. من ثم دعوناها إلى الإسهام في كتاب جماعي قمنا بتحريره في 2021 بعنوان “الصحوة العربية: عقد الجماهير“، وكانت مُزن نادرًا ما ترفض المشاركة. لقد كان كرمها الروحي والفكري واضحًا لنا منذ البداية. وكان فصلها بعنوان “لماذا لم تسقط بعد؟ مراجعة لدروس الثورة السودانية” مقالًا متميزًا وهو مساهمة قيّمة ومعتبرة للنقاشات حول الثورة في السودان وخارج السودان.

قليلون هم من تمكنوا من تأمّل الثورة السودانية كما فعلت مُزن، لسبب جوهري وبسيط: أنها عاشت نظريةَ التحولات الثورية وممارستَها العملية. فمنذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018 في السودان، عملت مُزن وأسهمت بوصفها مرجعًا معرفيًا مع عدد من المنظمات والمبادرات السودانية القاعدية، بهدف تزويد الجمهور بالمعرفة اللازمة للمشاركة الفاعلة والمجدية في صنع القرار المتعلق بالمواردوالاحتياجات العامة. لقد كانت فانونيةً المذهب في الممارسة، تسير على خطى فرانز فانون الفكرية والنضالية؛ إذ كان تركيزها الحي وارتباطها العميق بالجماهير، بمعذبي الأرض، وبحياتهم ونضالاتهم، أمرًا استثنائيًا بحق. ويتصدر اهتمام مُزن بما يفعله الناس العاديون ويقولونه ويفكرون فيه، وإيمانها بأنهم هم من يصنعون تاريخهم بأيديهم، قلبَ كتاباتها الغزيرة. فالتحرر ليس مجرد نضال طويل الأمد تبصّره الممارسة العملية فحسب، بل لابد أيضًا أن ينهض على الثقة بالجماهير وبطاقتها الثورية على استنباط البديل التحرري. وقد أدّت مُزن، المثقفة العضوية، دورها في بلورة ما يلزم من فعل جماعي، مسترشدةً بالمهمة الضرورية المتمثلة في التثقيف السياسي، وفي تفتيح العقول،وتمكين شعبها بالمعرفة كي يتولى أموره بيده ويملك قدرًا من السيطرة على مصيره.

كانت مُزن حاضرة في كل مكان أثناء الثورة السودانية: من تقديم جلسات تعليمية وتدريبات وورش عمل قيّمة، حتى في الأوقات الخطرة، إلى الانخراط النشط في تنظيم المبادرات والفعاليات؛ إلى التحدث أمام الجمهور وتقديم التحليل، والهتاف في المظاهرات، فضلًا عن الكتابة والتحليل باللغتين العربية والإنجليزية. ومع بعض أصدقائها ورفاقها، أدركت سريعًا أن المعرفة العلمية يجب أن تتخذ الطابع الديمقراطي وأن تُسخَّر لخدمة تحرير شعبها. ولهذا كانت من المؤسسين المشاركين والمديرة التنفيذية لمركز “استناد – السودان“، وهو مركز بحثي ينشط في مجال الابتكار والعلوم والتكنولوجيا من أجل تنمية تتمحور حول الإنسان.

وفي أحدث إسهاماتها، “عودةٌ إلى المستقبل“، المقال الذي شاركت في تأليفه مع صديقها المقرّب قصي شيخ الدين، تعود مُزن إلى مفهوم الاعتماد على الذات ومشروعات التصنيع عند جوليوس نيريري، مقدّمة منظورًا تشتدّ الحاجة إليه في الجنوب العالمي المعاصر بشأن أهمية إعادة بناء رؤية تنموية تقوم على تقرير المصير والتضامن بين بلدان الجنوب. ولم يكن نيريري واحدًا من أكثر المفكرين السياسيين المناهضين للاستعمار أصالةً فحسب، بل قام أيضًا بالربط، على نحو صريح، بين مطالب أفريقيا واحتياجاتها باستراتيجية عالمية للتحرر وتقرير المصير لابد أن تواجه الإمبريالية؛ وهي رؤية تبنّتها مُزن بكل اقتناع. وكانت أيضًا متعاونةً وثيقة مع مختبر السياسات الصناعية الخضراء العالمية التابع للمعهد العابر للقوميات (TNI). ومن دون مبالغة، فقد ساعدتنا على إعادة صياغة ما نعنيه بالسياسة الصناعية الخضراء الشاملة والعادلة للجنوب، وعلى التعبير عنه بصورة أوضح. وفي أحد الاجتماعات التي ناقشت المصطلحات العربية الدقيقة المقابلة لكلمات مثل الصناعة والتصنيع والسياسة الصناعية والقطاع التصنيعي، ابتكرت حتى مصطلحًا جديدًا، في شهادة على ذكائها وإبداعها ورغبتها في أن تكون لنا كلماتنا الخاصة في لغاتنا نحن، كلمات متجذرة في واقعنا المحلي، يفهمها أهلنا ويحتضنونها. ونستذكر كلماتها القوية حين قالت: “وما الأخضر إن لم يكن متمحورًا حول الإنسان؟”

لم تكن مُزن تفكر في السودان وحده، بل كانت تفكر أيضًا في أفريقيا والمنطقة العربية والجنوب العالمي. وكانت تدخلاتها التي ربطت بين فلسطين والسودان مبتكرة وفريدة من نوعها، وقد اكتسبت أفكارها هذه أهمية خاصة أيضًا بالنظر إلى الكيفية التي جرى بها، عمدًا، وضع السودان في مواجهة فلسطين من قبل القوى الرجعية بهدف شقّ صف الحركة. وقد شكّل ظهور ما يُسمّى “أولمبياد الاضطهاد” محاولةً لتفكيك أشكال التضامن المناهض للإمبريالية، غير أن سياسات الهوية الليبرالية هذه تكشف كذلك عن جهل عنصري يتعامل مع العربي والأفريقي والأسود والمسلم بوصفها فئات منفصلة. أما مقالها “أن نخذل فلسطين بخذلاننا الثورة السودانية” – وهو أيضًا فصل في الكتاب المرتقب “نحو تحرير فلسطين: منظورات عالمية حول المقاومة المناهضة للاستعمار والتضامن“، من تحرير آبي باي وحمزة حمّوشان – فهو مما لا غنى عن قراءته. وفي هذا النص، تتناول مُزن النضالات المتقاطعة في البلدين في ظل ما يواجهه كلٌّ منهما من عنف إبادي. وعلى وجه الخصوص، تسلّط الضوء على التنافس على الاهتمام العام والعالمي في سياق الحربين المتزامنتين، وتفحص كيف تفرض هذه الديناميات تحديات على المنظمين الداعمين لكل من السودان وفلسطين في أنحاء العالم. كما تستخلص دروسًا مهمة حول سبل الانخراط في فعل سياسي فعّال، والعمل من أجل تحرر عابر للحدود وقابل للاستدامة.

وسواء تعلّق الأمر بأمميتها الثورية، أو نقدها للسياسات الصناعية السائدة والليبرالية، أو تركيزها على مسارات التنمية المتمحورة حول الإنسان، أو إعادة التفكير في المشروعات الهندسية، أو تطوير السياسة الزراعية في السودان، أو تعاونها في التنظيم المجتمعي خلال الثورة، فقد اشتركت جميع جهودها في هدف جوهري واحد: كيف يمكن لهذا العمل أن يكون في خدمة العدالة، وأن يُنجَز من خلال ممارسة تتمحور حول الناس؟ ويعبّر المثل السوداني “لالوب بلدنا ولا تمر الناس” عن هذا المعنى؛ فهو يشير إلى الثمرة الحلوة المُرّة لشجرة الصحراء، ويفيد أن القناعة بما نملكه خير من الركون إلى وعود مجردة تأتي من الخارج. وهنا يلتقي نهج مُزن الشامل في التفكير، ومنهجها الأصيل في هذه الدعوة السودانية الجميلة إلى الاعتماد على الذات والاستقلال السياسي.

ولم يكن تحليلها الرصين لتناقضات الثورات، وسؤالها الجوهري بشأن دور المؤسسة العسكرية والجماعات المسلحة ومن يملك البنى التحتية للاتصالات واللوجستيات، فضلًا عن تقييماتها للجان القاعدية، قادرًا على منع انقلاب أكتوبر 2021، لكنه كان كفيلًا بتفسيره. وقد كشفت قراءتها المُتبصّرة كيف صنعت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع الثورة المضادة، فيما أتاح توثيقها الشجاع رحبة سياسية كبيرة.

ولقد بدا ربيع 2023 كما لو أنه بداية النهاية لثورة السودان لعام 2018. لكنها لم تُحجم عن ممارسة النقد الذاتي، وأثبتت أن قول الأشياء بصوت جهوري هو، في الواقع، ما يجعلنا نفهم أوضاعنا على نحو أفضل. وحتى خلال الحرب المدمرة في السودان، لم تتوقف مُزن عن التفكير والتنظيم، رغم ما عانته من نزوح ونفي خارج وطنها. وفي عدد من منشوراتها، برزت بوضوح موضوعاتُ اضطلاعِ المجتمعات بمصائرها بأيديها وإطلاقِ مبادراتها الخاصة (بما في ذلك في مجالي الصناعة والتصنيع). وآخر ورقة كانت تضع اللمسات الأخيرة عليها لصالح المعهد العابر للقوميات تناولت التفكير في التصنيع من منظور المجتمعات المحلية في سياق الحرب. وسننشر هذه الورقة بعد وفاتها حرصًا على أن يستمر فكرها الأصيل والمحفّز على التأمل، رغم رحيلها.

من الضروري أن نتعلّم من فكر مُزن؛ لأنه يبيّن كيف تجد الجماهير، في خضم أشد الكوارث، السبل إلى إعادة تنظيم نفسها ومواصلة وجودها حين يكون لها هدف مشترك. ومن هذه الزاوية، تكتسب قراءة مُزن لسلوك الجماهير أهمية كبيرة؛ لأنها تُظهر كيف تمضي هذه الجماهير قدمًا عبر ظروفها الخاصة –التي ليست من اختيارها في أغلب الأحيان – وكيف تشق طريقها رغم ذلك. ولعل هذا أحد أعظم عناصر إرث مُزن الفكري. فتصورها الجذري والسخي متجذر في نضالات الناس اليومية التي تفتح مساحات لأفكار وتخييلات جديدة. وكانت ترى دورها بوصفها مثقفة جذرية، منخرطة أساسًا في حركات الناس ومعها، من أجل بلورة أفكار ومفاهيم جديدة في خدمة التحرر.

بالنسبة إليها، كانت “نحن” دائمًا “نحن” خلّاقة: “نحن” الفعل السياسي والممارسة، والتفكير والتزام المنطق السويّ. وقد جسّدت مُزن الفكرة القائلة إن المفكر لا يستطيع أن يكون منتجًا حقًا في رسالته إذا وقف في منتصف الطريق، من دون التزام بالتغيير الجذري الكامل. وقد كرّست حياتها القصيرة كلها لهذه القضية. ومن ثم، فقد منحتنا مُزن درسين مهمين جدًا في الحياة. أولهما أن تحليلها السياسي يخبرنا بأن الثورات، لكي تتاح لها فرصة، لا بد أن تستند إلى مقاومة منظَّمة ذاتيًا، وأن تبني اشتراكية من القاعدة إلى الأعلى. أما ثانيهما فهو أن الثوريين يجب أن يتمسكوا ببعضهم بعضًا، وألا يخشوا إظهار مواطن هشاشتهم؛ لأن رحيلها يعلّمنا أن الحياة هشة، وأنه ينبغي أن نعتز بها ونحتفي بها كلما أمكن، حتى نتقوّى بها على النضالات القادمة. يقول لنا موريس:

“لا تحزنوا إذن، ولا ترثوا، لأن العالم يبقى بعد حياتهم؛ فهم ما زالوا يمنحوننا الصوت والرؤيا، ويشدّون أيدينا للنضال”. صحيح أننا نستطيع أن نجد بعض السلوى في كتاباتها وفكرها، لكننا نحزن لفراقها أولًا.

لقد أحدثت صدمة الوفاة المفاجئة لمُزن أثرًا ممتدًا عبر الحركات المختلفة. وحتى إن كانت حياتها تساوي حيواتٍ عدة – كما يتضح من مختارات أعمالها في صفحتها بوصفها زميلةً في المعهد العابر للقوميات – فإن ذلك لا يخفف من وطأة رحيل شخص في أوج عطائه. وفي مصادفة لافتة، ذكّرنا الرحيل المبكر لمُزن برحيل مفكرين ثوريين آخرين في سن مبكرة، مثل فرانز فانون ووالتر رودني. فعندما رحل رودني، المفكر الغوياني والناشط الاشتراكي الوحدوي الأفريقي، عن عمر ناهز الثامنة والثلاثين، علّق كثيرون على مدى سبقه لعصره، في حياته كما في موته، وعلى أنه اختُطف باكرًا أكثر مما ينبغي. إن إدراك الإمكانات الهائلة لشخص كان لا يزال لديه الكثير والكثير ليقدّمه، لكن الموت حال دون تحقق ذلك كله، يملؤنا بحزن عميق. وتعبر قصيدة “قصيدة إلى والتر رودني“، المكرسة له، عن وداعنا لمُزن النيل؛ ومن هذا الأمل البريء بأن هذين المتمرّدين الملهمين معًا في مكان ما، منخرطين في حديث حي ومتدفق، نتشارك مقتطفًا قصيرًا من قصيدة إدوارد كاماو براثويت الحزينة إلى والتر رودني:

أن تصير إلى شظايا: جسدك

كالجزر التي أحببتها

كالبحر الذي آملت أن تشفيه

تجلب المساواة والعدالة لأخوتك

والاحتفالات الشجاعة لأخواتك، الهامسات

بأغنيات الجدات عن تاريخ النضال الذي يجب أن يُنصت إليه باحترام

إننا إذ ننعي مُزن النيل، نحتفل بحياتها ونسعى لأن يبقى إرثها الفكري حيًا، ومن ثم فسوف ننظم في المعهد العابر للقوميات في وقت قريب لقاءً تذكاريًا للاحتفاء بحياة وفِكر ونشاط مُزن النيل.

وداعًا يا مُزن، رحلتِ بجسدك وبقيت معنا ملء القلوب والعقول.

المصدر: المعهد العابر للقوميات يُنعي مُزن النيل | Transnational Institute

شارك المقالة

اقرأ أيضا