حَرْبُ فِيتْنَامِ وَتَعَاطَفُ الشَّبَابِ
في هذا الشهر من كل سنة تستعاد ذكرى العام الثوري بامتياز. العام 1968 ، حيث انتفض الشباب عبر العالم ضد النظام الرأسمالي ونزعته الامبريالية. في سياق حافل بالنضالات ضد صنوف القهر حيث شهد العام أيضا ربيع براغ الذي سحقته دبابات بيروقراطية الاتحاد السوفياتي… وكان العام مطبوعا باحتداد نضالات تحرر الشعوب المستعمرة، وبمقدمتها شعب فيتنام…
تعريفا بتأثير كفاح الشعب الفيتنامي على حركة الشباب الثائر عبر العالم ننشر مقتطفا من كتاب ثورة الطلاب 1968لمؤلفه د. بسام عبد المسيح ..
الكتاب صادر عن دار التكوين . الطبعة الأولى 2026.
———–
حَرْبُ فِيتْنَامِ وَتَعَاطَفُ الشَّبَابِ
مَا إِنِ انْتَهَتِ الْحَرْبُ الْكُورِيَّة حَتَّى بَدَأَتْ حَرْبُ فِيتْنَام ! كَانَتْ هَذِهِ الْحَرْبُ مَعَ حَرَكَةِ الْحُرِّيَّاتِ الْمَدَنِيَّة، وحَرَكَةِ حُرِّيَّةِ التَّعْبِيرِ هِيَ الْمُحَرِّك الأَسَاسِي لِجَذبِ الشَبَابِ إِلَى غِمَارِ السَّيَاسَةِ، وَالْكُوكتيل الَّذِي أَدَّى للانفجار !
كَانَتْ فِيتْنَامُ مُسْتَعْمَرَةً فَرَنْسِيَّةٌ، مُنْدُ النَّصْفِ الْأَخِيرِ مِنَ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، سَيْطَرَتْ عَلَيْهَا وَاعْتَبَرَتْهَا مَحْمِيَّةٌ مُنْدُ عَامٍ 1883. وَفِي عَامٍ 1905 ضَمَّتْ كُلاً مِنْ فِيتْنَامَ وَلاوس وَكَمَبُودْيَا وَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْمِنْطَقَةُ الْهَنْدَ الصَّينِيَّةَ. هَاجَمَتْهَا الْيَابَان مَعَ انْدِلاعِ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَقَضَتْ عَلَى نُفُوذِ فَرَنْسَا، وَعِنْدَهَا تَشَكَلَتْ جَبْهَةُ الْفِيتْ مِنْ الشَّيُوعِيَّة بَقِيَادَةِ الزّعِيمِ الْقَوْمِي هُو شِي مِنهْ لِمُقَاوَمَةِ الْغَزْوِ الْيَابَانِيِّ، الَّذِي أَعْلَنَ فِي الثَّانِي مِنْ سِبْتَمْبَرَ / أَيْلُول 1945 اسْتِقْلالَ فِيتَنَامِ الْأَمْرُ الَّذِي عَارَضَتْهُ فَرَنْسَا، وَعَادَتْ قُوَّاتُهَا إِلَى شَمَالِ فِيتْنَامِ بَعْدَ اسْتِسْلامِ الْيَابَانِ، فَقَادَ هو شي مِنْه ضِدَّهَا حَرْبَ عِصَابَات.
لَمْ تُسَلِّمْ فَرَنْسَا بِسُهُولَة، وَسَعَتْ بَعْدَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى التَّحَالُفِ ِلاسْتِعَادَةِ السَّيْطَرَة عَلَى الْهِنْدِ الصَّينِيَّة ، خَاصَّةً بَعْدَ هَزِيمَةِ الْيَابَانِ. وَأَقْنَعَ الجنيرال شَارْلِ دِيغُولُ بِرِيطَانِيَا وَالصِّينَ بِالانْسِحَابِ مِنَ الْمِنْطَقَةِ، كَمَا عَقَدَ اتَّفَاقاً مَعَ الْفِيت مِنْ فِي 6 مارس / آذار 1946 تُعْلَنُ بِمُوجِبِهِ جُمْهُورِيَّةٍ فِيتْنَامِيَّة مُوَحَدَة، تُشَكِّلُ جُزْءاً مِنْ فِدْرَالِيَّةِ الْهِنْدِ الصينية، مَعَ السَّمَاحِ بِإِقَامَةِ قَوَاعِدَ فَرَنْسِيَّة دَائِمَة فِي هَانُوي. حَاوَلَ هُوَ شِي مِنْه التَّفَاوُضَ مَعَ فَرَنْسَا لِلْحُصُولِ عَلَى اسْتِقْلالِ تَامٌ لَكِنَّهُ فَشِلَ، وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّرَفَيْن لِتَنْتَهِي بَعْدَ هَزِيمَةِ فَرَنْسَا فِي الْمَعْرَكَةِ الشهيرة (دْيَانَ بْيَانْ فُو). وَخَرَجَ الْفَرَنْسِيُّونَ مِنْ فِيتْنَامَ عَامَ 1954 بَعْدَ أَنْ تَرَكُوهَا مُقَسَّمَةً إِلَى فِيتنام الشَّمَالِيَّة الشَّيُوعِيَّة وَيَحْكُمُهَا هُوَ شِي مِنْه، وَفِيتْنَامِ الْجَنُوبِيَّةَ الْمُعَارِضَةِ للشَّيُوعِيَّة. لَمْ تَكُنْ أَمْرِيكَا مُتَدَخِلَة فِي الْحَرْبِ بِشَكْلِ مُبَاشِر ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ بِتَمْوِيلِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْمَجْهُودِ الْحَرْبِيِّ الْفَرَنْسِي، كَجُزْءٍ مِنْ مُحَارَبَةِ الْمَدِّ الشُّيُوعِيِّ. وَبَعْدَ خُرُوجِ فَرَنْسَا ، اسْتَمَرَّتْ بِدَعْمِ الْجَنُوبِ، وَبَدَأَتْ تَتَوَرَّط تَدْرِيجِيَّا كُلَّمَا تَقَدَّمَ الشَّمَالِ وَانْتَصَرَ عَلَى الْجَنُوب، حَتَّى عَامٍ 1964 حَيْثُ اتَّخَذَ الرَّئِيسُ جُونْسُونُ الْقَرَارَ بِالدُّخُولِ فِي الْحَرْبِ، بَعْدَ هُجُومٍ مَزْعُومٍ مِنْ قُوَّاتِ الشَّمَالَ عَلَى خَلِيجَ تُونَكِينَ وَازْدَادَ التَّوَرُّطُ الأَمْرِيكِي تَدْرِيجياً، وَتَبْعَهُ زِيَادَةُ أَعْدَادِ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى مِن الْجَيْشِ الأَمْرِيكِيَّ؛ حَيْثُ بَلَغَ عَدَدُهُمْ عَامَ 1967 وَحْدَهُ 9,353 جُنْدِيَا، وَهَذَا يُمَثَلُ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ عَدَدِ الْقَتْلَى الأَمْرِيكَان خِلالَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ السَّابِقَةِ كُلُّهَا. وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ إِجْمَالِي عَدَدِ الْقَتْلَى فِي ذَلِكَ الْعَامِ 15,979 قتيلاً ، بِالإِضَافَةِ إِلَى 99,742 جَرِيحاً. كَانَتِ الصُّحُفُ الأَمْرِيكِيَّةِ تَضَعُ عَلَى صَفَحَاتِهَا الْأُولَى أَعَدَّادَ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى أَسْبُوعِيّاً، بِالإِضَافَةِ لِلنَّفَقَاتِ الَّتِي كَانَتْ تُقَدَّرُ بِ 2-3 مِلْيَارِ دُولارٍ أَسْبُوعِيّاً !
خِلالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، اسْتَمَرَّ تَطَوُّرُ الْوَعْيِ لَدَى الشَّبَابِ، وَتَوَجَّهُوا لانْتِقَادِ أَهْلِهِم وَنِظَامِهِم ! وَبَدَأَتِ الأُمُورُ تُصْبِحُ غَيْرَ قَابِلَة لِلاحْتِمَالَ فِي هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْغَنِيَّةِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّة خَاصَّةً. فَمِنْ جِهَةِ، يَرَى الْجِيلُ الشَّابُ أَنَّ الأَهْلَ وَالسُّلْطَةَ السَّيَاسِيَّةَ مَعَهُمْ مُنَافِقُونَ، فَهُمْ يَجْمَعُونَ الأَمْوَالَ الطَّائِلَة، وَيَشْكُونَ فِي أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُوا أَخَذُوهَا مِنْ آخَرِينَ و يَسْتَحقُونَهَا ؟ وكَذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكُومَاتِ كَانَتْ تُعَارِضُ اسْتِقْلَالَ وَنَهْضَةً دُوَلِ العَالَم الثالث الْمُسْتَعْمَرَة وَهَذَا كَانَ يُدَمِّرُ المبادئ الأَخْلاقِيَّةَ الَّتِي كَانُوا يَزْرَعُونَهَا فِي أَبْنَائِهِمْ. بَعْدَ حَرْبِ كُورْيَا ثُمَّ الْجَزَائِر وَبَعْدَهَا فِيتنام، أصْبَحَ الشَّبَابُ يَنْظُرُونَ إِلَى الْكِبَار بأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا شَيْئاً مِنْ مَآسِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ. لَمْ يَدْخُلُوا فِي تَحْلِيلِ أَسْبَابِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ فِي فِيتْنَام، وَمَا إِذَا كَانَ الْيَسَارُ الْفِيتْنَامِيُّ الشُّيُوعِيُّ مُلاماً بِأَفْعَالِهِ. كَانَ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ هُوَ دَائِماً عَلَى حَقٌّ، وَكَانَ الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ هُوَ أَبْيَض وَأَسْوَد ؛ الْخَيْرُ ضِدَّ الشَّرِّ رَغْمَ أَنَّ الْفِيتْنَامِيِّينَ الشَّمَالِيِّينَ الشَّيُوعِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا قِدِّيسين ، وَقَدْ قَامُوا بِالْعَدِيدِ مِنَ الْمَجَازِرِ أَيْضاً، وَلَكِنْ كَانَتْ دَائِماً نَظْرَةُ الشَّبَانِ لَهُمْ أَنَّهُمْ يُدَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَيْسَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ فَرْضَ نِظَامِهِم عَلَى الْجَنُوبِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى النِّظَامِ الرَّأْسْمَالِيِّ الْغَرْبِي! كَانُوا يُرَكِّزُونَ أَكْثَرَ عَلَى الْقَصْفِ الأَمْرِيكِي الشَّامِلِ، وَالْمَجَازِرِ الَّتِي كَانَتْ تَحْصُلُ بِسَبَبِ قَنَابِلِ النَّابَالْم ! كَانُوا يَرَوْنَ الشَّيُوعِيِّينَ مُقَاتِلِينَ مِنْ أَجْلِ الْحُرِّيَّةِ وَيَرَوْنَ فِي الْمُهَاجِمِينَ الأَمْرِيكَانَ مُمَثْلِينَ لِلإِمْبِرْيَالِيَّة !
كُلُّ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ لِلْحَرْبِ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْجِيلِ، تَضَافَرَت مَعَ مَجْهُودِ الْمُفَكِّرِينَ وَالْكُتَابِ وَالسِّينمائيين، الَّذِينَ شَكَلُوا الْكَادِرَ الثَّقَافِيِّ لِهَذِهِ الْحَرَكَة. وكَذَلِكَ انْضَمَّت كُوبَا إِلَى فِيتْنَام، الَّتِي أَصْبَحَتِ الْحَلِيفَ ضدَّ الإِمْبِرْيَالِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّة. خِلالَ ثَلاثِ أَوْ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ كَانَتْ خِلالَهَا أَمْرِيكَا بِقِيَادَةِ الرَّئِيسِ كِندِي الدَّاعِمِ لِحَرَكَةِ الْحُقُوقِ الْمَدَنِيَّةِ، وَأَمْرِيكَا الَّتِي تَسْعَى لِغَزْوِ الْفَضَاءِ، وَأَمْرِيكَا مَارْتِنَ لُوثَرْ كِينَ، كَانَتْ مِثَالِيَّةً بِنَظَرِ الشَّبَابِ. انْتَقَلَتْ تَحْتَ حُكْمِ الرَّئِيسِ جُونْسُونَ، الَّذِي دَخَلَ الْحَرْبَ عَلَى فِيتْنَامَ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، فِي مُخَيِّلَةِ الشَّبَانِ إِلَى صُورَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنِ الدِّكْتَاتُورِيَّةِ الْفَاشِيَّة. أَصْبَحَتْ أَمْرِيكا الشَّرِكَاتِ مُتَعَدِّدَةِ الْجِنْسِيَّاتِ، وَأَجْهِزَةِ الْمُخَابَرَاتِ (CIA) ، وَأَمْرِيكَا قَنَابِلِ النَّابَالْم، وَأَمْرِيكَا الدَّوْلَةِ الاسْتِهْلاكِيَّةِ وَدَوْلَةِ التَّمْيِيزِ الْعُنْصُرِي!
وَبَدَأَتْ صُوَرُ تَشِي جِيفَارًا وَهُو شِي مِنْه تُزَيِّنُ غُرَفَ الطُّلابِ فِي الْجَامِعَاتِ. هَؤُلاءِ الشَّبَابُ الَّذِينَ رَفَضُوا الطَّرِيقَةَ السُّوفييتِيَّة، لَكِنَّهُمْ وَقَعُوا تَحْتَ سِحْرِ هَؤُلاءِ الثَّوْرِيِّينَ الرُّومَانْسِيِّينَ، وَالَّذِينَ كَانُوا يُمَثِّلُونَ الْمَارِكْسِيَّةَ اللَّينِينِيَّةَ فِي دُوَلِ الْعَالَمِ الثَّالِث !
طَالَبَ الرَّئِيسُ جُونْسُونُ بِرَفْعِ الضَّرَائِب لِتَمْوِيلِ الْحَرْبِ. تَرَافَقَ ذَلِكَ بشُحُ الْمَوَارِدِ اللازِمَة لِدَعْمِ الْبَرْنَامَج الاجْتِمَاعِي، الَّذِي قَرَّرَهُ تَخْلِيداً لِذِكْرَى رُوحِ الرَّئيس جُون كندِي ، وَالَّذِي يَقُومُ بِهِ عَادَةَ الْحِزْبُ الديمقراطي. وَكَذَلِكَ أَصَابَ الضَّغْطُ الْمَالِي بَرْنَامَجَ الْفَضَاء، الَّذِي تَتَنَافَسُ فِيهِ أَمْرِيكَا مَعَ الاتِّحَادِ السُّوفييتي، وَحَتَّى وَزَارَةُ الدَّفَاعِ كَانَتْ تُحَوِّلُ أَمْوَالاً في مِيزَانِيَّتِها، مِنَ الإِنْفَاقِ غَيْرِ الْمُلِحّ إِلَى التَّرْكِيزِ عَلَى مُتَطَلَّبَاتِ الْحَرْب.
فِي بِدَايَةِ عَامٍ 1968 ، طَالَبَ جُونَسُونُ الأَمْرِيكِيِّينَ بِتَخْفِيفِ السَّفَرِ لِلْخَارِجِ ، وَالسَّيَاحَةِ الْخَارِجِيَّة، وَذَلِكَ لِتَحْسِينِ مِيزَانِ الْمَدْفُوعَاتِ!
بدأ الطُّلابُ فِي الْجَامِعَاتِ يَرْفُضُونَ الْحَرْبَ فِي فِيتْنَامَ، لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُبَرَّرَة وَغَيْرَ أَخْلاقِيَّة، وَازْدَادَ الانْتِسَابُ لِلاتِّحَادِ الطَّلَابِي Students for a Democratic Society (طُلَابٌ مِنْ أَجْلِ مُجْتَمَعِ دِيمُقْرَاطِيّ SDS). اسْتَطَاعَت هَذِهِ الْحَرَكَةُ الْمُنَاهِضَةُ لِلْحَرْبِ عَامَ 1965 مِن جَمْعِ 20,000 مُشَارِكٌ فِي مُظَاهَرَةٍ فِي وَاشِنْطُن. وَكَذَلِكَ فِي 15 نِيسَانَ 1967، اسْتَطَاعَ تَجَمُّعُ حَرَكَاتٍ مُنَاهِضَةٍ لِلْحَرْبِ وَاللَّجْنَةُ الْوَطَنِيَّةُ مِنْ أَجْلِ إِنْهَاءِ حَرْبِ فِيتْنَام – وَهُوَ تَجَمُّعُ مِنَ النَّاشِطِينَ مِنْ أَجْلِ السَّلامِ وَمِنَ الْيَسَارِيِّينَ الْقُدَامَى وَحَرَكَةِ الْعُمَّالِ مِنْ أَجْلِ الْحُقُوقِ الْمَدَنِيَّة – مِنْ جَمْعِ عَشَرَاتِ الآلاف (100 – 400 أَلْفِ بِحَسَبِ التَّقْدِيرَاتِ مِنَ
المتظاهرين فِي مَدِينَةِ نُيُويُورك ، سَارُوا مِنَ الحَدِيقة المركزية (Central Park) إِلَى مَقَرِّ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَة خَلْفَ قِيَادَةِ مَارْتِنَ لُوثَرْ كِينْ !
وَفِي خَرِيفِ العَام نَفسهِ، تَظَاهَرَ أَكْثَرُ مِنْ 10,000 تَحْتَ شِعَار إيقافِ التَّجْنِيدِ لِلْحَرْبِ فِي فِيتْنَام، كَانَ مُعْظَمُهُمْ مِنَ الشَّبَابِ. تَحَوَّلَت الْمُظَاهَرَةُ إِلَى قِتَالٍ فِي الشَّوَارِعِ مَعَ عَنَاصِرِ الْأَمْنِ. وَكَذَلِكَ احْتَلَّ طُلاب جَامِعَةِ وَسَكُنْسِنْ قَاعَاتِ الْجَامِعَةِ، اعْتِرَاضاً عَلَى وُجُودِ شَرِكَةِ الْكِيمَاوِيَّات (Dow Chemical) لِلاعْتِرَاضِ عَلَى تَوْظِيفِ الْخِرِّيجين الْجُدد، حَيْثُ كَانَتْ هَذِهِ الشَّرِكَةُ تُنْتِجُ قَنَابِلَ النَّابَالْمِ الْمُسْتَخْدَمَةَ فِي فيتنام ! تَمَّ إِحْصَاءُ 71 مُظَاهَرَةٌ مُنَاهِضَةٌ لِلْحَرْبِ فِي الْجَامِعَاتِ الأَمْرِيكِيَّة، بَيْنَ شَهْرَيْ أَكْتُوبَر وَنُوفَمْبَر عَامَ 1967.
في السَّبْتِ الأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ تَشْرِينَ الأَوَّلِ عَامَ 1967، انْطَلَقَتْ مُظَاهَرَةٌ مُنَاهِضَةٌ لِلْحَرْبِ فِي وَاشِنْطُن الْعَاصِمَةِ، وَسَارَ الْمُتَظَاهِرُونَ مِنَ النُّصْبِ التَّذْكَارِي لأَبْرَاهَامْ لِنَكُولِنْ بِاتِّجَاهِ الْبِنْتَاغُونَ. شَارَكَ فِي الْمُظَاهَرَةِ الْعَدِيدُ مِنَ الطُّلابِ النَّاشِطِينَ ضِدَّ الْحَرْبِ فِي مُخْتَلِفِ الْجَامِعَاتِ، أَتَوْا مِنْ سَانْ فَرَانسيسكو ، وَمِنْ نُيُويُورْكَ، وَمِنْ مُدُنٍ كَبِيرَةٍ أُخْرَى وَكَذَلِكَ شَارَكَ فِيهَا الْعَدِيدُ مِنْ أَعْضَاءِ حَرَكَةِ الْحُقُوقِ الْمَدَنِيَّة. وَكَانَ أَيْضاً هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ الْمُفَكِّرِينَ الْمَعْرُوفِينَ أَمْثَالُ نُعُومْ تَشومسكي (Noam Chomsky)(1) وَالشَّاعِرُ رُوبِرْتُ لَول (Robert Lowell )(2) . اتَّهَمَ الْبَعْضُ أَعْضَاءَ الْحَرَكَةِ الْمُنَاهِضَةِ لِلْحَرْبِ، بِأَنَّهُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الشُّبَّانِ الْمُدَلَّلِينَ الْهَارِبِينَ مِنْ أَدَاءِ خِدْمَةِ الْجَيْشِ، لَكِنَّ الْوَضْعَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَالْعَدِيدُ مِنْ أَبْنَاءِ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى الْمُتَنَوِّرَةِ شَارَكُوا فِي الْمُظَاهَرَات وَصَفَهُمْ نُورْمَان مِيلَر Norman Mailer))(3) فِي كِتَابِهِ جُيُوشُ الظُّلام” (Armies of the Night) بِأَنَّهُمُ الْمُتَنَوِّرُونَ بِالْمُخَدِّرَات وَالثَّوْرِيُّونَ الشُّبَّانُ أَبْنَاءُ الطَّبَقَةِ الْمُتَوَسَطَة” ( the drug illuminated and revolutionary young of American middle class) ! فِي الأَسْبُوعِ الأَوَّل مِنْ عَامٍ 1968 ، ثُمَّ إِلْقَاءُ الْقَبْضِ عَلَى الدكتور بِنْجَامِينٌ سُبُوك (Benjamin Spock)(4) وَرَجُلِ الدِّينِ ولْيَامْ سْلُون كوف William Sloane Coffin (5) فِي جَامِعَةِ ييل Yale وَوُجْهَتَ إِلَيْهِمْ تُهْمَهُ التآمر لِتَحْرِيضِ الشَّبَابِ عَلَى رَفْضِ السَّحْبِ الإجباري لِلتَّجْنيد. وَبَعْدَ سَجْنهِمْ، ظَهَرَ فِي افْتِتَاحِيَّةِ صَحِيفَةِ نُيُويُورك تَايَمْزُ الْعُنْوَانُ التَّالِي: “إِنَّهُ مِنَ الْمُؤَثَرِ : أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ أَهَمُ الْمُعَارِضِينَ لِتَجْنِيدِ الشَّبَابِ لِلْقِتَالِ فِي فِيتْنَامَ ، أَنْ يَكُونَ طبيب أطفال وَرَجُل دين موجود فِي جَامِعَةٍ، وَالذِينَ هُمْ بشكل خاص يَدْعَمُونَ وَيُغَذِّون الْمَوْقِفَ الأَخْلاقِي فِي جِيلِ الشَّبَابِ فِي أَمْرِيكَا”.
فِي 30 كَانُونَ الثَّانِي 1968 ، شَنَّتْ قُوَّاتُ الْفِيتَكُونَغ هُجُوماً شَامِلاً وَمُفَاجِئاً عُرِفَ بِهُجُومٍ تِيت (Tet Offensive) (6). شَمَلَ الْهُجُومُ اقْتِحَامَ 36مِنْ عَوَاصِمِ الْمُقَاطَعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِنَ الْمَنَاطِقِ الْوَاقِعَة تَحْتَ حُكْمِ الْفِيتْنَامِيِّينَ الْجَنُوبِيِّين الْمَدْعُومِين مِنَ الْجَيْشِ الأَمْرِيكِيَّ، وَوَصَلُوا حَتَّى الْعَاصِمَةِ سَايْغُونُ وَسَيْطَرُوا عَلَى السِّفَارَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ الْمَحْمِيَّةِ بِشَكْلِ كَبِير ! حَارَبَتِ الْقُوَّاتُ الأَمْرِيكِيَّةُ بِعُنْفِ وَدَفَعَتْ ثَمَناً غَالِياً مِنَ الْقَتْلَى، حَتَّى تَسْتَطِيعَ اسْتِعَادَةَ السَّيْطَرَةِ عَلَى السِّفَارَةِ، وَطَرْدَ الْفِيتَكُونَغ مِنْ سَايْغُونَ وَقُدِّرَ فِي شَهْرِ آذَارَ أَنَّ عَدَدَ الْقَتْلَى مِنَ الْجَيْشِ الأَمْرِيكِيَّ، قَدْ تَجَاوَزَ عَدَدَ الْقَتْلَى فِي الْحَرْبِ الْكُورِيَّة (1950-1953) ، وَقَامَ الْجَيْشُ الأَمْرِيكِيُّ بِهُجُومٍ انْتِقَامِي عَلَى قَرْيَةِ مَاي لاي (My Lai) ، وَقَتَلُوا 128 مِنَ الْمَدَنِيِّين بَيْنَهُمُ الأَطْفَالُ وَالنِّسَاءُ انْتَشَرَ الْخَبَرُ إِلَى الصَّحَافَةِ وَأَدَّى ذَلِكَ لَانْتِشَارِ الْمُظَاهَرَاتِ الْمُعَارِضَة لِلْحَرْبِ عَلَى فِيتْنَام فِي مُعْظَمِ الْمُدْنِ الْكُبْرَى وَفِي هَذَا الشَّهْرِ ، أَعْلَنَ الرَّئِيسُ لِينْدُونُ جُونْسُونٌ بِخِطَابٍ مُتَلْفَز إِلَى الأُمَّةِ إِيقَافَهُ قَصْفَ فِيتْنَامَ الشَّمَالِيَّةِ، وَبِنَفْسِ الْوَقْتِ سَحْبَ تَرْشِيحِهِ مِنَ السَّبَاقِ الرِّئَاسِي مِنْ أَجْلٍ فَتْرَةٍ رِئَاسِيَّةٍ ثَانِيَة !
(1) نُعُومْ تُشُومِسكي (Noam Chomsky) : وُلِدَ فِي 7-12-1928 لِعَائِلَةٍ يَهُودِيَّةٍ مُتَوَسطَةٍ فِي فِيلا دِلْفِيَا عَاصَرَ بدَايَةَ وَتَطَوُّرَ الْفِكْرِ النَّازِيِّ، وَكَانَ نَاشِطَ اجْتِمَاعِياً وَسِيَاسِيَّاً مُنْذُ شَبَابِهِ. عَمِلَ أُسْتَاذَا جَامِعِيَا فِي مَعْهَدِ مَا سَاتشوسِتْسَ لِلتَّكْنُولُوجِيَا (MIT) وَفِي جَامِعَةِ أَريزُونَا . وَلَهُ مُؤَلَّفَاتٌ عِدَّةٌ تَتَجَاوَزُ 150 كِتَاباً، فِي عِلْمٍ اللُّغَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ وَالسَّيَاسَةِ وَعِلْمِ الاجْتِمَاعِ وَالْفَلْسَفَةِ. وَيَعِيشُ حَالِيَّا فِي سَانَ بَالُو بِالْبَرَازِيلِ بَعْدَ أَنْ أُصِيبَ بِفَالِجِ عَامَ 2023.
(2) رُوبِرْت لُول Robert Lowell: (مارس 1917 – 12 سبتمبر 1977). شَاعِرٌ أَمِيرِكِي عُرِفَ بِمُنَاهَضَتِهِ لِلْحَرْبِ، حَيْثُ رَفَضَ الْمُشَارَكَةَ فِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ وَسُجِنَ لِهَذَا. كَمَا عُرِفَ بِرَفْضِهِ لِلْحَرْبِ عَلَى فِيتْنَامَ، وَمُشَارَكَتِهِ فِي الْعَدِيدِ مِنَ الْفَعَالِيَّاتِ وَالْمُظَاهَرَاتِ الْمُنَاهِضَةِ لِلْحَرْبِ مِنْ أَهَمَّ دَوَاوِينِهِ الشَّعْرِيَّةِ دِرَاسَاتُ الْحَيَاةِ ” (Life Studies) الَّذِي نُشِرَ عَامَ 1959 ، وَنَالَ الْجَائِزَةَ الْوَطَنِيَّةَ للشعر “National Book Award for Poetry” .
(3)نُورْمَانَ مِيلَرْ Norman Mailer : صَحَفِيٌّ وَرِوَائِي أَمِيرُكِيُّ . وُلِدَ فِي 31-1-1923 وتُوفِّيَ فِي2007-11-10. تَخَرَّجَ مِنْ جَامِعَةِ هَارْفَرْدَ كَمُهَنْدِسٍ مِيكَانِيكِي شَارَكَ بِالْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ ، وَذَهَبَ بَعْدَهَا لِمُتَابَعَةِ الدَّرَاسَةِ فِي جَامِعَةِ السُّورَبُونِ. لَهُ الْعَدِيدُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لاقَتْ نَجَاحاً كَبِيراً عِنْدَ الشَّبَابِ، مِثْلُ: الْحُلْمُ الأميركي (1965) ، وَ لِمَاذَا نَحْنُ فِي فِيتُنَامَ؟” (1967) ، وَجُيُوسُ الظَّلام” (1968) الَّتِي تَنَاوَلَتِ الْمُظَاهَرَاتِ السَّلْمِيَّةَ ضِدَّ حَرْبِ فِيتْنَامَ فِي وَاشْنْطُنَ فِي أَكْتُوبَرَ 1967 ، وَالَّتِي شَارَكَ فِيهَا مِيلَرٌ وَسُجِنَ خِلالَهَا.
(4) بنجامين سبوك (Benjamin Spock) : طَبيبُ أَطْفَالِ أَمِيرِكِي، وُلِدَ فِي 2-5-1903 وَتُوُفِّيَ فِي .15-3-1998 . حَازَ عَلَى شَهَادَةِ الطِّبِّ مِنْ جَامِعَةِ كُولُومِنِيَا فِي نِيُويُورُكَ عَامَ 1929 . لَهُ مُؤَلَّفَاتٌ فِي تَرْبِيَةِ الأَطْفَالِ. خَالَفَ فِي كُتُبِهِ كُلَّ الأَسَالِيبِ الْقَدِيمَةِ الصَّارِمَةِ وَالْقَاسِيَةِ فِي التَّرْبِيَةِ. قَرَأَ كِتَابَهُ الأَوَّلَ الْمَنْشُورَ عَامَ 1946 مَلَابِينُ الأَمِيرِكِيينَ وَغَيْرُ الأَمِيرِكِيينَ (تُرْجِمَ لِلْعَرَبِيَّةِ فِي الْفَتْرَةِ الَّتِي عُرِفَتْ BABY BOOM) . اتَّهَمَهُ الْبَعْضُ بِتَأْثِيرِهِ عَلَى الْجِيلِ الَّذِي ثَارَ فِي السِّتِّينَاتِ ضِدَّ الثَّقَافَةِ السَّائِدَةِ (Counterculture) وَحَرْبِ فِيتْنَامَ اسْتَقَالَ مِنَ التَّدْرِيسِ فِي الْجَامِعَةِ لِيَتَفَرَّغَ لِحَرَكَةِ مُنَاهَضَةِ الْحَرْبِ، وَدَفْعِ الشَّبَابِ لِمُعَارَضَةِ السَّحْبِ الإِلْزَامِي لِلْجَيْشِ.
(5) وِلْيَمْ سْلُونْ كَافِنْ (William Sloane Coffin Ir ) : رَجُل دين مسيحي أميركي، وُلِدَ فِي 1-6-1924 وَتُوُفِّيَ فِي 12-4-2006 دَاعِيَةٌ سَلَامٍ وَنَاشِطٌ اجْتِمَاعِي عَمِلَ كَضَابِط بالـ CIA ، لَكِنْ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ دَوْرِ الْمُخَابَرَاتِ الأميركيَّةِ فِي الانْقِلابِ عَلَى حُكُومَةِ مُصَدَّقٍ فِي إِيرَانَ عَامَ 1953 ، اسْتَقَالَ وَعَادَ إِلَى جَامِعَةِ بِيلْ (Yale) ، لِيُصْبِحَ رَجُلٌ دِينِ، وَيَتَوَلَّى مَنْصِبَ رَجُلِ الدِّينِ فِي جَامِعَةِ بِيلٌ: نَاضَلَ ضِدَّ التَّمْيِيزِ الْعُنْصُرِيِّ وَالْفَصْلِ الْعُنْصُرِيِّ، وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ هَامٌ فِي تَنْظِيمٍ مُسَافِرِي الْحُرِّيَّةِ”. كَمَا نَاضَلَ مِنْ أَجْلِ وَقْفِ الْحَرْبِ عَلَى فِيتْنَامَ، وَشَجَّعَ السُّبَّانَ عَلَى الْعِصْيَانِ الْمَدَنِي، وَرَفْضِ التَّجْنِيدِ.
(6) هُجُومُ تِيت (Tet Offensive) : هُجُومُ مُتَزَامِنْ مِنْ قُوَّاتِ فِيتنَامَ الشَّمَالِيَّةِ، عَلَى مَراكزَ وَمُدْنِ مُخْتَلِفَةٍ، فِي الْمَنَاطِقِ الْمُسَيْطَرَ عَلَيْهَا، مِنْ قِبَلَ قُوَّاتِ فِيَتَنَامَ الْجَنُوبِيَّةِ الْمَدْعُومَةِ بِالْقُوَّاتِ الأَمِيرِكِيَّةِ . بَدَأَ هَذَا الْهُجُومُ خَلالَ احْتِفَالَاتِ رَأْسِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ، التي يحتفل بها الشعب الفيتنامي تحت اسم تيت ( TET)وحيث يكون الكثير منهم في عطلة. بدا الهجوم في 30 كانون الثاني 1968. شمل الهجوم أكثر من 100 مدينة، شارك فيه أكثر من 80 ألف مقاتل. تطلب تدخل أكثر من 200 ألف جندي أميركي لصد العجوم واستعادة السيطرة، كما أدى إلى آلاف القتلى من الجانبين، وعمليات انتقام كبيرة، وإصابات كبرة في صفوف المدنيين.
اقرأ أيضا

