جلبير الأشقر متحايلا؟
بقلم، علي أموزاي
كتب الصديق وائل نصيح، معلِّقا على مقال لجلبير الأشقر [1]، تدوينة هذا نصها:
“جلبير الأشقر يمارس التحايل في مقالاته، بحيث تدور مضامينها حول فكرة بسيطة، مفادها أن الكيان يمتلك قوة تدميرية وعسكرية وبأن حركات المقاومة تغفل هذا التفوق… بكتاباته التي تتشابه، يريد تخويف كل حركات المقاومة على التجرؤ على قوى الاضطهاد والاستغلال. فكرة المقاومة في الأساس، تستند إلى أن المستعمر أو المحتل بالضرورة في موقع تفوق عسكري وتقني وحتى تاريخي… لو كان جلبير الأشقر ثوريا كما يدعي لما حشد كل هذا الوقت لكتابة مقالات تدعي الواقعية التي تخفي الدعوة للخنوع والاستسلام. جريدة المناضلة مدعوة للتحقق من مغزى كتابات الأشقر”.
تنطوي تدوينة الصديق وائل على حجتين جوهرتين:
1- التأكيد على تفوق الكيان الصهيوني (قوة تدميرية وعسكرية) غايتها تخويف كل حركات المقاومة على التجرؤ على قوى الاضطهاد والاستغلال؛
2- فكرة المقاومة، في الأساس، تستند إلى أن المستعمِر أو المحتل بالضرورة في موقع تفوُّق عسكري وتقني وحتى تاريخي.
والاستنتاج الذي يخلص إليه الصديق وائل هو أن الأشقر ليس ثوريا، كما يدعي، لأن مقالاته التي “تدعي الواقعية” تخفي الدعوة للخنوع والاستسلام. لذلك يدعو الصديق وائل جريدة المناضل- ة للتحقق من مغزى كتابات الأشقر. وهذا هو مغزى هذا المقال، الذي أتمنى أن يتلقى صدرا رحبا لدى الصديق وائل.
هل يدعو الأشقر إلى الخنوع والاستسلام؟
من غير استحضار مقالات عديدة للأشقر، وباقتصارنا على المقال المنتقَد من طرف الصديق وائل، ليس هناك ما يشير، لا من قريب ولا من بعيد، إلى أن الأشقر يدعو إلى “الخنوع والاستسلام”. بل بالعكس، وكأنه تكهَّن أن العديدين (وضمنهم الصديق وائل) سيتهمونه بذلك، أكد في مقاله الأخير ما يلي: “بادئ ذي بدء، لا بدّ هنا من التنويه بأن نقدنا ينطلق من الإقرار بشرعية مقاومة الاحتلال بكافة الطرق الضرورية. وقد سبق وأكدنا على قناعتنا أن ‘تجدد احتلال إسرائيل لجنوب لبنان يعيد إضفاء شرعية وطنية على مقاومة حزب الله له'”.
ما يناقشه الأشقر ليس شرعية المقاومة ولا ضرورتها. ما يناقشه الأشقر شيء آخر تماما، وهو ما قاله بالحرف في نفس المقال: “لكنّ شرعية المقاومة لا تغني عن مناقشة سبلها واستراتيجيتها. فالشرعية حكمٌ سياسي وأخلاقي، وليست حكماً عملياً، وطريق المقاومة معبّدة بالاستراتيجيات العقيمة والتوجّهات المؤدية إلى مآزق بدل أن تؤدي إلى التحرير المرجو، ولو انطلقت من أحسن النوايا. وأخطر خطأ استراتيجي يواجه خيارات المقاومة بوجه عام، إنما هو الاستخفاف بالعدو وسوء تقدير قوته، بل وما هو أخطر من قوته: استعداده لاستخدام هذه القوة بلا حدود”.
وهنا يستنتج الصديق وائل استنتاجه الخاطئ، من وجهة نظري، فحين يكتب الأشقر “أخطر خطأ استراتيجي يواجه خيارات المقاومة بوجه عام، إنما هو الاستخفاف بالعدو وسوء تقدير قوته، بل وما هو أخطر من قوته: استعداده لاستخدام هذه القوة بلا حدود”، يستنتج منه الصديق وائل، أن الأشقر إنما يدعو إلى “الخنوع والاستسلام”.
ما يناقشه الأشقر إذن ليس شرعية المقاومة ولا ضرورتها، بل استراتيجيتها وسبُلها، لذلك أنهى مقاله كالآتي: “فإن درساً أساسياً من عقودٍ من تجربة حروب التحرير يقوم على تفادي مواجهة أمامية مع جيش محتلّ يملك من القوة ما يزيد كثيراً عمّا لدى قوات التحرير، والاستعاضة عن ذلك بما يسمّى ‘حرب عصابات’ تضرب المحتلّ في نقاط ضعفه بلا هوادة بغية إنهاكه. وهذه الاستراتيجية هي التي أتاحت للمقاومة اللبنانية بهيمنة ‘حزب الله’ أن تُنهك المحتلّ الصهيوني وتدفعه إلى إنهاء احتلاله للجنوب اللبناني قبل خمس وعشرين سنة. أما الطريق الذي يسلكه الحزب اليوم فإنه طريق مسدود هو الآخر، لن يؤدي إلى تحرير الجنوب، ولو كان أكثر واقعية وشرعية من الوهم الخطير الذي يعمل به الحكم اللبناني في اتكاله على إدارة ترامب”.
أن نفهم من هذه الخاتمة أن الأشقر يدعو إلى “الخنوع والاستسلام”، إنما يعني أننا نقرأ ولا نفهم، أو نقرأ ونرفض أن نفهم… وهو ما أنا متأكد من أن الصديق وائل ليس مشمولا به.
أسلاف الأشقر “الخنوعين”
لا ينطلق الأشقر من اقتناعات شخصية، بل من دروس حركات المقاومة السالفة، الحركات الثورية التي كان لها قصب السبق في مواجهة الاستعمار والإمبريالية، وكل صنوف الاستغلال.
فهل التأكيد على أن “الاستخفاف بقوة العدو وسوء تقدير قوته” هو “خطأ استراتيجي” هو خاصية الأشقر، بما يجعله داعية لـ”الاستسلام والخنوع؟ الإجابة هي لا.
أعظم سلف للأشقر، والذي لا يمكن لأحد أن يشك في نواياه الثورية والمناهضة للإمبريالية، بله أن يُعتقَد في أنه يدعو إلى “الخنوع والاستسلام” هو أحد أهم قادة الثورة الروسية: فلاديمير لينين.
والسابقة هنا أقرب إلى ما يناقشه الأشقر: المقاومة الفلسطينية واللبنانية في وجه الكيان الصهيوني المدعوم من طرف الإمبريالية الإمبيرالية، وبالنسبة للينين: سابقة دفاع لينين الشرس لعقد “الصلح المنفرد” مع الإمبريالية الألمانية في وجه من كانوا ينادون بـ”الحرب الثورية” ضدها. وهنا يصطف الأشقر إلى جانب لينين، بينما يقف الصديق وائل في صف من كان لينين ينعتهم بأصحاب “الجملة الثورية”.
بماذا برَّر لينين دفاعه عن الصلح المنفرد مع الإمبريالية الألمانية؟ هذا ما قاله بالحرف (ضمن مبررات أخرى): “وواضح للجميع (باستثناء أولئك المنتشين كليا بخمرة الجملة) أن الإقدام على اصطدام انتفاضي أو حربي جدي من الجلي أنه لا تتوفر له القوى، من الجلي أنه لا يتوفر له جيش، إنما هو مغامرة لا تساعد العمال الألمان، بل تصعِّب نضالهم وتسهِّل أمور عدوهم، عدونا” [2].
“مغامرة لا تساعد العمال الألمان”، “تصعِّب نضالهم”، “تسهِّل أمور عدوهم، عدونا”، إنها عبارات وكأنها كُتبت بقلم الأشقر، ولا بد أن أسلاف الصديق وائل كانوا لينعتوا لينين بأنه “حشد كل هذا الوقت لكتابة مقالات تدعي الواقعية التي تخفي الدعوة للخنوع والاستسلام”.
وهاذا ما كان، فقد اتهمه معارضوه آنذاك، قائلين: “… فقط أولئك الذي لا يؤمنون بالثورة، فقط الانتهازيون يسعهم في ظل ثورتنا، التي هي أشد عمقا، أن يعارضوا الحرب الثورية” [3].
“واقعية” الأشقر، و”عقلانية” لينين
ورد في تدوينة الصديق وائل: “لو كان جلبير الأشقر ثوريا كما يدعي لما حشد كل هذا الوقت لكتابة مقالات تدعي الواقعية التي تخفي الدعوة للخنوع والاستسلام”.
والمقصود بـ”الواقعية” هنا أن الأشقر يشير إلى ضرورة الأخذ بالحسبان “أن الكيان يمتلك قوة تدميرية وعسكرية”، و”أن المستعمر أو المحتل بالضرورة في موقع تفوق عسكري وتقني وحتى تاريخي”. فهل هذه “الواقعية” حصرٌ على الأشقر؟ أم أن لدى لينين سابقة من هذا النوع؟
في رفضه الشديد لـ”الحرب الثورية” ضد الإمبريالية الألمانية، ساق لينين نفس الحجة. ففي سياق رفضه مقارنة روسيا الثورية (سنة 1918) مع فرنسا الثورية (سنة 1793)، كانت حجة لينين هي التالية: “تعبٌ من الحرب لا يصدَّق، لا وجود بعدُ لنظام اقتصادي جديد أرقى من رأسمالية الدولة المنظَّمة في ألمانيا، المجهَّزة بالأعتدة والتجهيزات الممتازة”. [4]. ورفضَ لينين محاكمةَ أنصار الحرب الثورية قائلا: “… يحاكم “الثوريون” المناحيس: يجب قبول القتال عندما يكون من الجلي أن إمبريالية ألمانيا… أقوى منا. إن “ثوريي” الشعور يحاكمون بصورة رائعة، يحاكمون بصورة ممتازة!”. [5].
وكان استنتاج لينين السياسي هو انتظار انتصار الثورة الألمانية، الذي سيجنب الثورة الروسية “غباوة الحرب الثورية”. وكان ثمن الانتظار هو توقيع صلح منفرد مع الإمبريالية الألمانية، وهكذا وصف لينين “الواقعي” ذلك الصلح: “إننا نُقْدِمُ على عقد معاهدة مُرهقة وعلى صلح منفرد، مع علمنا أننا الآن غير مستعدين بعدُ للحرب الثورية، وإنه ينبغي لنا أن نعرف كيف ننتظر… كيف ننتظر إلى أن نصبح أقوى من ذي قبل”. [6].
“عقد معاهدة مُرهقة”، “ينبغي لنا أن نعرف كيف ننتظر” “لأننا الآن غير مستعدين بعدُ للحرب الثورية”، “ننتظر أن نصبح أقوى من ذي قبل”… أليس هذا حشدا من لينين “لكل هذا الوقت لكتابة مقالات تدعي الواقعية التي تخفي الدعوة للخنوع”؟
ليست “واقعية” الأشقر، المذمومة من طرف الصديق وائل، سوى حفيدة أمينة لـ”عقلانية” لينين، الذي قال في وجه دعاة “الحرب الثورية”، أو كما وصفهم لينين “أصحاب الجمل الثورية”، ما يلي: “هل كل “مقاومة” للإمبريالية الألمانية تساعد، يا ترى، الثورة الألمانية؟ إن من يريد أن يفكر قليلا أو أن يتذكر على الأقل تاريخ الحركة الثورية في ورسيا، يرى بسهولة أن المقاومة العقلانية في وجه الرجعية هي وحدها التي تخدم الثورة. نحن نعرف وقد رأينا خلال نصف قرن من الحركة الثورية في روسيا طائفة من الأمثلة على مقاومة غير عقلانية في وجه الرجعية. ونحن، الماركسيين، قد افتخرنا دائما بكوننا قد حددنا، وفق حساب دقيق للقوى الجماهيرية وللعلاقات بين الطبقات، عقلانية هذا الشكل أو ذاك من أشكال النضال، وقلنا، ليس من العقلاني على الدوام القيام بانتفاضة، فالانتفاضة بدون مقدمات جماهيرية معينة إنما هي مغامرة”. [7].
حسن نصر الله الجلبيري/ اللينيني!
هذا التقييم لميزان القوى هو ما انتبه إليه حسن نصر الله، بعد أن كان بدوره في يوم من الأيام، نصيرا لـ”الجملة الثورية”، التي وصفها لينين بـ”السًكر برنين الكلمات”. فعند الاحتفال بالنصر التاريخي الذي أدّى إلى انسحاب الجيش الصهيوني من جنوب لبنان، قال نصر الله إن “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”. ولكن بعد ذك بست سنوات، عندما انتهزت الدولة الصهيونية فرصة العملية التي أجراها حزب الله عبر الحدود الجنوبية لخطف جنود إسرائيليين، كي تشنّ هجوماً فتاّكاً ومدمراً على لبنان بوجه عام ومناطق انتشار الحزب وحاضنته الشعبية بوجه خاص. يومها، تحوّل خطاب الأمين العام تحولاً جذرياً، وقد أعلن في 27 غشت 2006: “لو كنتُ أعلم أن عملية الخطف هذه ستؤدي
إلى حرب بهذا الحجم بنسبة واحد بالمئة، فقطعاً لما فعلنا لأسباب إنسانية وأخلاقية وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية”.
فهل يعني ذلك أن حسن نصر الله لو تفادى القيام بعملية الخطف أخذا بعين الاعتبار أنها كانت ستؤدي “إلى حرب بهذا الحجم بنسبة واحد بالمئة… لأسباب إنسانية وخلاقية وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية”، فإن نصر الله سيكون آنذاك “واقعيا يدعو إلى الاستسلام والخنوع”، أم أنه سيكون “واقعيا” مثل الأشقر و”عقلانيا” مثل لينين، يتفادى الدخول في “مغامرة” غير محسوبة العواقب، “غباوة الحرب الثورية” بتعبير لينين، “لا تساعد الفلسطينيين واللبنانيين” إنما “تصعِّب نضالهم، وتسهِّل أمور عدوهم، عدونا”، إذا استعملنا كلمات لينين.
سوريا الممانِعة “الواقعية”
الحذر من الدخول في حرب غير متكافئة مع دولة صهيونية بحكومة من أشدها يمينية وتطرفا في تاريخها، هو أيضا أحد الأسباب التي دفعت نظام بشار إلى رفض عملية دعم الإسناد المحدودة التي باشرها حزب الله دعما لغزة. وكان هذا الرفض بنفس المبررات؛ أي “الواقعية”، وأخذ ميزان القوى بعين الاعتبار. فنزولا عند نصائح موسكو (بالأحرى أوامرها) القاضية بـ”ضرورة فصل مساره عن المسار الايراني، لانّ الانخراط في هذه المعركة سترتد عليه وسيكون على خطى حماس وحزب الله، اي سيتلقى تداعيات ذلك بتدمير بلاده”، فضَّل بشار الاستنكاف عن أي دعم لعملية إسناد حزب الله لمقاومة الفسطينيين في غزة.
لم يتعرَّض أحد لنظام بشار ويتهمه بأنه، ليس يدعو فقط إلى الاستسلام والخنوع، بل إنه يرفض كليا ما كان يسمى “وحدةَ الساحات”، رغم أن مبررات بشار انتهازية وبراغماتية؛ 1) تجنب حرب شعواء من إسرائيل ستؤدي إلى انهياره؛ 2- طاعة أوامر موسكو أحد حلفاء إسرائيل في المنطقة؛ 3) الرغبة في تسوية ترفع عنه العقوبات الغربية… إلخ.
الأولويات لدى الثوريين
ما هي الحجة الاستراتيجية في رفض لينين لـ”الحرب الثورية” ودفاعه عن “صلح منفرد” مع الإمبريالية، وبالتالي تفادي كل مغامرة حربية لا تأخذ بعين الاعتبار ميزان القوى القائم آنذاك. إنه مصير الجمهورية الاشتراكية السوفييتية. فقد كان أنصار “الحرب الثورية” يرفضون الصلح المنفرد بمبرر أنه خيانة لبولونيا وليتوانيا… إلخ. وكان جواب لينين على شكل سؤال: “أيُّهما أعلى: حقُّ الأمم في تقرير مصيرها أم الاشتراكية؟”، وأجاب قائلا: “الاشتراكية أعلى”، شارحا الفكرة كالتالي: “فهل يجوز، بسبب من انتهاك حق الأمم في تقرير مصيرها تسليم الجمهورية الاشتراكية السوفييتية لقمة سائغة وتعريضها لضربات الإمبريالية عندما يكون من الجلي أن الإمبريالية أقوى ويكون من الجلي أن الجمهورية السوفييتية أضعف؟ كلا، لا يجوز. فإن هذه ليست سياسة اشتراكية، بل سياسة برجوازية” [8].
يرفض الثوريون كل نظرة جزئية إلى النضال الثوري، ويضعون تحرر الشعوب ضمن إطار أعم وأشمل: التحرر الأممي. لذلك رفض الثوريون دوما إشعال حروب لتحرير قوميات صغيرة إذا كانت ستؤدي إلى حروب تكون كلفتها ملايين الضحايا. هذا ما كتبه لينين ذاته عن الأمر:
* “… خذوا أوضاع بولونيا الخاصة. فإن استقلالها “مستحيل” الآن دون حروب أوثورات. فإذا أيد المرء قيام حرب عامة في أوروبا من أجل مجرد استقلال بولونيا، كان من شر القوميين المتعصبين، وكان يعني بموقفه هذا أنه يضع مصالح عدد صغير من البولونيين فوق مصالح الملايين من الناس الذين سيعانون ويلات الحرب… فإن رفع شعار استقلال بولونيا الآن، في النسبة الراهنة بين قوى الدول الإمبريالية المجاورة، إنما يعني الوقوع في هاوية الطوباوية، والتخبط في لجة التعصب القومي الضيق، ونسيان المقدمة الضرورية لقيام ثورة عامة في أوروبا أو على الأقل لقيام الثورة الروسية والثورة الألمانية”. [9].
* “ولكننا لا نستطيع مع ذلك أن نؤيد حربا بين أمم كبيرة، أن نؤيد ذبح 20 مليونا من البشر، بغية احتمال تحرير أمة صغيرة، يتراوح عدد أبنائها من بين 10 و 20 مليون نسمة فقط. كلا، بكل تأكيد: وليس ذلك لأننا نمحو من برنامجنا المساواة التامة بين الأمم، بل لأنه من المهم إخضاع مصالح الديمقراطية في بلد واحد لمصالح الديمقراطية في عدة بلدان وفي جميع البلدان”. [10].
هذا المصير هو ما كان وراء تقييم الأشقر لأحداث السابع من أكتوبر، وهو يتفق تماما مع مقتطفي لينين أعلاه: ” ومن المحتمل جداً ألّا ترضى هذه الأخيرة هذه المرّة بأقل من تدمير القطاع إلى حد يفوق كل ما شاهدناه حتى اليوم، وذلك بغية إعادة احتلاله بأقل كلفة بشرية إسرائيلية ممكنة والتسبب في نزوح معظم سكانه إلى الأراضي المصرية، كل ذلك بحجة استئصال «حماس» منه استئصالاً كاملاً. لذا يُخشى بشدّة أن يجرف «طوفان الأقصى» في نهاية مطافه قطاع غزة بأكمله مثلما جرف الطوفان الطبيعي مدينة درنة الليبية قبل شهر، لكن على نطاق أوسع بكثير”. [11]
ماذا سيكون موقف لينين إذا رأى الإبادة الجماعية بغزة منذ أكتوبر 2023، التي هي أكبر بما لا يقاس من مذابح نكبة 1948، ألن يقول “لا نستطيع أن نؤيد مجزرة، أن نؤيد ذبح أكثر من 70 ألف غزيٍّ واحتلال أجزاء من سوريا وجنوب لبنان وحربين ضد إيران وقصف اليمن… إلخ، من أجل تحرير أمة صغيرة”؟ كان سيُعنَث لينين آنذاك بأنه “لو كان ثوريا كما يدعي لما حشد كل هذا الوقت لكتابة مقالات تدعي الواقعية التي تخفي الدعوة للخنوع والاستسلام”.
“وحدة الساحات” الفعلية: وحدة ساحات الشعوب لا أنظمة الاستبداد
“وحدة الساحات” إحدى شعارات النظام الإيراني وهلاله الشيعي بالمنطقة. الشعار صحيح، لكن مضمونه يختلف. فالنظام الإيراني يقصد بوحدة الساحات استعمال أذرعه في لبنان والعراق واليمن، من أجل مناوشة الإمبريالية للوصول إلى تسوية إقليمية. في حين أن وحدة الساحات الفعلية، التي ستضمن تحرر فلسطين وكل المنطقة، هو ما انطلق سنة 2011؛ أي سيرورة ثورية تُسقط أنظمة الاستبداد الإقليمية (العربية منها والإيرانية والتركية). ولكن وحدة الساحات هذه قد جرى تشتيتها بعنف من طرف الثورة المضادة، وأهم أقطابها النظام السوري، بدعم من إيران وحزب الله، وبعد ذلك روسيا. وحدة الساحات جرى القضاء عليها عندما وقف ضد انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019، واصفا إياها بـ”الفوضى المدعومة أمريكيا”. لقد كان تدخل إيران وحزب الله ضد الانتفاضة السورية، وبعدها الانتفاضة اللبنانية، فضلا عن الدور الإيراني في العراق، هو ما دمَّر وحدة فعل شعوب المنطقة، معوِّضا إياه بوحدة ساحات فوقية، بين نظام الملالي وأذرعه الطائفية، لما فيه مصلحة ذلك النظام، في تنافس حول النفوذ مع أنظمة رجعية عربية، بشكل يئِد كل طموح إلى تحرر شعبي إقليمي.
أمام هذا فإن ما سيجعل التحرر من الصهيونية والإمبريالية وأنظمة الاستبداد الإقليمية ممكنا ومتاحا، هي “واقعية” الأشقر و”عقلانية” لينين، هي ما يمنحنا أدوات لفهم الواقع المعقد للوضع الإقليمي. تلك الواقعية وهذه العقلانية التي تعتمد فقط على الشعوب ووحدتها.
أتفهم كليا دواعي الصديق وائل، فالعنف الصهيوني والإبادة التي بلغت مديات لم تبلغها من قبل، تجعل المرء يحس بالغضب الشديد. ولكن الاستراتيجية والتكتيك لا تبنى على الغضب، بل لا بد من “واقعية” الأشقر” و”عقلانية” لينين لاجتراح استراتيجية وتكيتيك كفيلين بتحرير، ليس فقط فلسطين، بل كل شعوب المنطقة. و”الشعور” هو أحد المعايير التي عمل لينين (وقبله ماركس) على تخليص الثورة والنضال منه مرة وإلى الأبد. وقد كتب عنه لينين ما يلي: “الشعور، الرغبة، الاستياء، السخط، ذلك هو المضمون الوحيد لهذا الشعار [أي “الحرب الثورية” في الوقت الحاضر، والشعار الذي يقتصر مضمونه على هذا هو الذي يسمى بالجملة الثورية”. [12]
قد يؤدي “الشعور” (الحماس والغضب) إلى أعمال مشهدية، تؤلم العدو في هذه النقطة أو تلك، لكنه لم يؤدِّ قطُّ يوما إلى التحرير، كل ما تؤدي إليه هو ما عبر عنه الأشقر بقول: ” فإذا أخذنا التفاوت العظيم بين قوى الطرفين بالحسبان كما يجب، بدل أن ننساق وراء العواطف كما يحلو للضعفاء الذين يتوقون إلى أعمال تتوخّى روعة المشهد (روعة هنا بمعنى الفزعة) تعويضاً عن ضعف الإمكانيات وتنفيساً للاحتقان، لا بدّ لنا أن ندرك أن عملية «طوفان الأقصى» سوف يصنّفها التاريخ في خانة اعتداءات «الحادي عشر من سبتمبر» التي خضّت أمريكا والعالم في عام 2001 أكثر مما في خانة ‘حرب أكتوبر 1973′”. [13]
أتمنى ألا يكون الصديق وائل من أصحاب “الجملة الثورية” الذين يفضلون “أعمالا تتوخى روعة المشهد نعويضا عن ضعف الإمكانيات وتنفيسا للاحتقان”، تلك “الجملة الثورية” التي وصفها لينين بـ”إن الجملة الثورية إنما هي تكرار الشعارات الثورية دون حسبان الحساب للظروف الموضوعية الناشئة عند وقوع انعطاف معني في الأحداث وعند ظهور وضع معني. الشعارات الممتازة، الجذابة، المسكرة- التي لا تربة تحتها- ذلك هو كنه الجملة الثورية”. [14]
===============
إحالات
[1]- جلبير الأشقر (14-05-2026)، “لبنان بين طريقين مسدودين: طريق الحزب”، https://www.almounadila.info/archives/27886?fbclid=IwY2xjawR1BrBleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeHkX6Sl4pMg8AFON72pXam39QdH_EfmUD3rfKWB4kjRVucyC55WJRl7uSGZ4_aem_yad8NmeUEHGLfQxozLqExA.
[2]- فلاديمير لينين، “المختارات- المجلد 7″، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدم- موسكو، 1977، ص 473.
[3]- فلاديمير لينين، نفسه، ص 469
[4]- نفسه، ص 469.
[5]- نفسه، ص 476.
[6]- نفسه، ص 475- 476.
[7]- نفسه، ص 472- 473.
[8]- نفسه، ص 477.
[9]- لينين، “المختارات- المجلد 6″، ص 127.
[10]- لينين، “المختارات- المجلد 6″، ص 120.
[11]- جلبير الأشقر (10-10-2023)، «طوفان الأقصى» ينذر بأن يجرف غزة، https://www.alquds.co.uk/طوفان-الأقصى-ينذر-بأن-يجرف-غزة/.
[12]- لينين، المختارات- المجلد 7″، ص 468.
[13]- الأشقر، مذكور.
[14]- لينين، “المختارات- المجلد 7″، ص 466.
اقرأ أيضا

