كاثرين ماثيوز أبدجراف (1926–2018) في الجزائر
بقلم؛ مورا ماكرايت وإيلين مختفي
MAURA MCCREIGHT ET ELAINE MOKHTEFI
في العام 1957، في جبال شرق الجزائر، وجدت شابة نفسها محاصرة تحت نيران الطيران الفرنسي. سمعت طائرة تقترب من الخلف، محلقة على ارتفاع منخفض جدًا، على مستوى قمم الأشجار، لدرجة أنها تمكنت من رؤية الطيار والمدافع الرشاشة التي تبرز من حافة الأجنحة الأمامية. كانت تعلم أنه يتعين عليها أن تتجمد في مكانها، وأن تثبت جسدها، لكنها لم تستطع ذلك. فانطلقت إلى خندق ولجأت إلى وادٍ بينما كانت الطائرة تمر فوقها. انحنت جسدها، متوقعةً إطلاق النار. وصرخت: “يا إلهي، أنا خائفة!”
انحرفت الطائرة عن مسارها، ثم ابتعدت.
الشابة هي كاثرين أبدجراف، أمريكية. تتظاهر بأنها صحفية على أمل أن تُظهر للعالم، بواسطة الصور والأفلام، أن الشعب الجزائري يخوض حربًا ضد فرنسا الاستعمارية، ويكافح من أجل بقائه واستقلاله. إنها حرب بدأت منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام ولا تظهر أي بوادر على انتهائها. ولن تنتهي إلا بعد خمسة أعوام.
نشأت كاثرين في كاليفورنيا. وهي حساسة وذكية وذات بصيرة، وطويلة القامة جدًا بالنسبة لامرأة – ذات قوام منحوت. كما أنها فاتنة الجمال. اكتشفت كاثرين، في أثناء دراستها للتاريخ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، ابن خلدون، الفيلسوف وعالم الاجتماع العربي من القرن الرابع عشر، المولود في تونس. وقد أسرتها حياته وأفكاره. فمنذ عام 1955، تخلت عن موضوع أطروحة الماجستير الأولي ، وهو الدين في العصور الوسطى، لتتجه نحو الحقائق الملحة للسياسة الحديثة والديناميات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تشكل أساس نظريات ابن خلدون. وانغمست في تاريخ شمال إفريقيا، وانجذبت بشكل خاص إلى الجزائر: ماضيها وشعبها وحرب الاستقلال التي قلما تذكرها الصحافة الغربية.
انتقلت كاثرين بعد دراستها الجامعية إلى نيويورك لتكون أقرب إلى الأحداث الجارية وإلى معارفها والعمل الإنساني. تم توظيفها في منظمة اليونيسيف وسرعان ما اكتشفت المكتب الجزائري، وهو مقر صغير يقع على مقربة من الأمم المتحدة ويضم «جبهة التحرير الوطنية»، رأس رمح نشر المعلومات عن حرب الجزائر. تمثلت مهمة هذه المؤسسة الصغيرة، التي أسسها في عام 1955 حسين آيت أحمد ومحمد يزيد، في نشر المعلومات ودعم استقلال الجزائر، فضلاً عن إدانة فرنسا بجريرة العدوان والقتل والمعاناة التي ألحقتها بالشعب الجزائري. ولم تعتمد الأمم المتحدة قرارًا يعارض الاستعمار إلا في عام 1960. وكان لا بد من الانتظار عامًا آخر حتى دعت الهيئة نفسها إلى استقلال الجزائر.
ربما لم تكن كاثرين تدرك أن الطائرات التي كانت تحلق فوقها، وهي تخشى على حياتها، قد صُنعت في الولايات المتحدة ونُقلت إلى فرنسا للمساهمة في الحرب ضد الجزائر. لم يكن الكثيرون على علم بهذه المساعدة العسكرية في ذلك الوقت، لأنها نادرًا ما كانت تُذكر أو تُناقش.
ظلت مآثر كاثرين مجهولة لمدة ثمانية وستين عامًا. لم يُسمع عنها أبدًا تقريبًا، ولم يُعترف ببصيرتها، ولا بمهاراتها الفنية، ولا بإرادتها في المخاطرة بحياتها من أجل حرية الجزائر. لم يرَ العالم، ولا سيما الجزائر، صورها أو أفلامها قط، ولم يدرك أهميتها الجوهرية. يكشف عملها بشكل خاص عن مشاركة الشابات الجزائريات في جيش التحرير الوطني، وهو تكريم ليس فقط لشجاعتهن، بل أيضًا لكفاءتهن كممرضات عسكريات ومقدمات رعاية للسكان المحليين واللاجئين. «الجزائريون لا يعرفون معنى كلمة الخوف، وغياب الخوف لديهم أمر معدي»، كما كتبت لاحقًا .
تستحق قصة كاثرين أن تُروى. كانت مصممة على التسلل إلى المقاومة الجزائرية، ومستعدة لفعل أي شيء لتخليد نضال الشعب الجزائري وموته من أجل حريته. ولتحقيق مشروعها، كانت بحاجة إلى تمويل. تقدمت بطلب وظيفة وتم تعيينها كمدرسة للأدب الإنجليزي في مدرسة ثانوية للبنات في اسطنبول. كان هذا المنصب يضمن لها القرب من سواحل شمال إفريقيا، وراتبًا متواضعًا، وإجازة صيفية، ودخلًا كافيًا لتتمكن أخيرًا من شراء معدات التصوير الفوتوغرافي والكاميرات الفيلمية.
في منتصف القرن العشرين، كانت الطائرات التجارية قد بدأت للتو في تنظيم رحلات منتظمة عبر المحيط الأطلسي. كانت شركات الطيران تنشأ وتوضع جداول الرحلات. لكن منذ قرون، كان الناس يعبرون المحيط الأطلسي بالسفن. وكاثرين أيضًا. استقلت السفينة من نيويورك، دون أن تثبطها حقيقة أن عبور المحيط الأطلسي لم يكن سوى المرحلة الأولى من رحلتها إلى الجزائر. في الصورة، تقف على سطح السفينة العلوي، رافعة يدها في إيماءة حيوية، متأكدة من أن المصور سيخلد هذه اللحظة. على ظهر الصورة، بحبر أزرق-بنفسجي باهت، يمكن قراءة: «المغادرة من نيويورك، 1957″.

مصور مجهول، المغادرة من نيويورك، 1957، أرشيف ديغراف/أبديغراف.
إنها ايماءة منفردة لكنها مؤثرة. يكاد المرء يسمع صوتًا على الرصيف يصرخ: «كاثرين! اعتن بنفسك!» عند التأمل في هذه الصورة، نضع أنفسنا مكان صديق أو أحد الأحباء الذي بقي في مكانه، ممزقًا بين غريزة التمسك بها والعزم الصامت على تركها ترحل، حتى تبتعد السفينة.
يصل إلينا حماس كاثرين. لقد غادرت متجهةً إلى إيطاليا. سيستغرقها الأمر أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع للوصول إلى أقرب ميناء لروما. هناك، ستستقل سفينة أصغر تنقلها عبر البحر الأبيض المتوسط إلى تونس، حيث يُنتظر وصولها. أبلغ محمد يزيد وعبد القادر شندرلي، من مكتب الجبهة التحرير الوطني في نيويورك، مقر قيادتهم في تونس بوصولها الوشيك.
عند وصولها، استقبلها سائق وأخذها إلى وزارة الإعلام، حيث كان مكتب رئيس القسم جاهزًا لاستقبالها. وخلال محادثاتها مع الموظفين، أدركت التوقعات المتزايدة المرتبطة بدورها كصحفية – توقعات بدت لها مستعصية.
كل ما كنت أفكر فيه هو أنني آمل أن أكون، مع هذه الفرصة التي أتيحت لي فجأة، على مستوى المسؤولية، وأن أكتب مقالات جيدة يتم نشرها. إذا لم أتمكن من ذلك، سأشعر بأنني محتالة… ها أنا ذا، أنا، «آنسة لا شيء على الإطلاق»، مع مقالتين صغيرتين في مجلة وبعض الخربشات في الصحف في رصيدي، أُستقبلت بكل اللباقة والاحترام اللذين قد يتوقعهما فائز بجائزة بوليتزر، منذ أول يوم لي في تونس، في مكتب وزير مستعد لتوفير جميع وسائل الإعلام الحكومية تحت تصرفي… فجأة وجدت نفسي في وسط محيط، ولم يبق لي سوى أن أتعلم السباحة .
تزامنت رحلة كاثرين مع فترة قرر فيها القادة الجزائريون، إدراكًا تاما منهم لضرورة الحصول على دعم دولي، فتح مناطق البلد الداخلية للصحفيين من جميع أنحاء العالم. علمت كاثرين لاحقًا أن أربعة أمريكيين آخرين كانوا موجودين في الجزائر في الوقت نفسه، منتشرين على جبهات مختلفة. لم يلتقوا أبدًا، ولا حتى مع الأمريكية الأخرى، المصورة الصحفية ديكي شابيل، الأصلية من ولاية ويسكونسن، التي كانت تعمل مع كتيبة «سكوربيون» في جبال الأطلس. ومع ذلك، لقيت صورهم ومقالاتهم مصيرًا مشابهًا. كانت فرنسا، بدعم من الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى، تفرض رقابة على المعلومات المتعلقة بالحرب في الصحافة الغربية. وظل الرأي العام الأمريكي في جهل تام بالأحداث الكبرى التي كانت تجري على ساحل شمال أفريقيا.
كان الفرنسيون يصورون الحرب على أنها مجرد مظاهرات احتجاجية؛ وكان الشباب الفرنسيون الذين يذهبون إلى ساحة القتال مقتنعين بأنهم يؤدون خدمتهم العسكرية. وكما تكشف المؤرخة رافائيل برانش في كتابها *أبي، ماذا فعلت في الجزائر؟* ، وجد العديد من هؤلاء الشباب أنفسهم عالقين في حرب غير متوقعة، عاجزين في مواجهة العنف الذي كانوا سيشهدونه ويرتكبونه. ⁵ رغم أن جبهة التحرير الوطني كانت قد فتحت البلد للصحفيين الأجانب – الراغبين في الحصول على شهود موثوقين لتوثيق نضالهم – ظلت الدولة الفرنسية معقلاً للسيطرة الاستعمارية، الممتدة لتشمل جنودها أنفسهم، الذين لم يدركوا في كثير من الأحيان مشاركتهم في الحرب إلا بعد وصولهم إلى الخنادق.
انطلقت كاثرين بأسرع ما يمكن نحو الحدود التونسية-الجزائرية برفقة ثلاثة جنود من جيش التحرير الوطني. توقفوا في أحد المعسكرات، وتناولوا الغداء مع الرجال المتمركزين هناك، وعلموا أن وحدة عسكرية فرنسية قد اتخذت موقعًا لها على تلة تطل على المعسكر والوادي الذي كانت هي ووحدتها على وشك عبوره.
توجهت كاثرين ويوسف، وهو ضابط استخبارات في جيش التحرير الوطني يعمل متردما وحارسا شخصيا لها، بالسيارة إلى الحدود، التي لم يكن الفرنسيون قد قاموا بعد بتزويدها بأسلاك كهربائية. وعبروا الحدود سيرًا برفقة الجنود الثلاثة. ثم توجهوا نحو المقر الرئيسي للكتيبة الثانية في المنطقة الشرقية، حيث انضموا إلى الوحدة الطبية النسائية. وعلى قمة أحد التلال، انضموا إلى مجموعة الممرضات وقائد الكتيبة الثانية، الذي كان يراقب وحدة القوات الفرنسية على الجانب الآخر من الوادي. ورأى القائد أن الفرنسيين لا يعتزمون شن هجوم فوري.
انضم جنود وضباط آخرون إلى المجموعة. تناولوا العشاء في الداخل، حول طاولة طويلة، بصحبة بعض المدنيين المسنين والجنود غير النظاميين، الذين كانوا متشوقين لمقابلة الصحفية الأمريكية. ناموا على منصة كبيرة مع حوالي اثني عشر شخصًا آخرين. يُعطى كاثرين المزيد من القش وبطانية. يعلن النقيب أنه يمكنهم خلع أحذيتهم، حيث لا يوجد أي خطر من هجوم مفاجئ. في اليوم التالي، يكتشفون أن المفرزة الفرنسية قد انسحبت خلال الليل. تبدأ كاثرين في التقاط الصور وإجراء المقابلات.
في اليوم التالي، تذهب كاثرين مع الوحدة الطبية لقضاء يوم مع اللاجئين الذين يحتاجون إلى المساعدة. يعانون هؤلاء من الملاريا، وجروح الحرب، وآثار جسدية ناجمة عن ضربات تلقوها أثناء الهجوم وتدمير قريتهم على يد الجيش الفرنسي.
في صباح اليوم التالي، تعرضت وحدتهم لقصف من طائرة مقاتلة فرنسية، في هجوم عشوائي على أطراف الغابة حيث يقع مقر قيادة الفصيلة. بعد الهجوم، توجهت المجموعة إلى معسكر آخر. وأُقيمت عيادة طبية هناك. قامت كاثرين بتصوير الممرضات وهن يعملن، يعالجن الأطفال، ويقدمن لهم الأدوية، ويضمدن الجروح.

كاثرين أبدجراف، أغسطس 1957، أرشيف ديغراف/أبدجراف.
كان هؤلاء القرويون قد وصلوا قبل عدة أشهر، وأُقاموا في أكواخ شيدها لهم الجيش، تمامًا كما تفعل كاثرين والممرضات حاليًّا. الكوخ الذي تشغله النساء مغطى بأوراق خضراء ناعمة تحت طبقة من القش احتماء من المطر. وتتسع هذه الأكواخ لعشرة أشخاص.
في صباح اليوم التالي، انطلقت كاثرين مع الفريق الطبي. ووصلوا إلى وجهتهم عند حلول الظلام. وأعدت الممرضات وجبة من الخبز المسطح على لوح حجري. وعرض عليهم أحد المزارعين المحليين قضاء الليل في منزله. وعلى الرغم من احتجاجات الممرضات، استقرت العائلة في الخارج للنوم. وخلال الليل، سمعوا أصوات طلقات نارية في الأفق.
في الصباح، تلقوا تقريرًا عن الهجوم الفرنسي الذي وقع في الليلة السابقة. كانت خسائر العدو فادحة، في حين كانت الخسائر الجزائرية طفيفة. أوضح يوسف أن تكتيك جبهة التحرير الوطني يتمثل في توزيع الجنود على مساحة شاسعة، بينما يركز الفرنسيون قواتهم. وبذلك يصبح الفرنسيون هدفًا كبيرًا، في حين يتوزع الجزائريون كأفراد منفردين.
بعد المشاورة، نُظِّم عشاء جماعي، وغنى صبي صغير أغنية عن الكتيبة الثانية، أداها خصيصًا للضيف الأمريكي. ستظل كاثرين تتذكر لفترة طويلة صوته كاسراً صمت الليل.
وعند عودتهم إلى مقر الكتيبة، تعرضوا لقصف عنيف. كانت طائرات الاستطلاع تحلق فوق المنطقة على دفعات متتالية. اختبأ الفريق الطبي تحت الأشجار، ثابتًا كالتمثال. كانت الأشجار تقلّ تدريجيًا. كان يوسف قد أوضح أن الطائرات تطير بسرعة كبيرة لدرجة أن طياريها لا يستطيعون سوى رصد الحركات.
في الطريق، صادفت المجموعة فرقة من جيش التحرير الوطني تسير في الاتجاه المعاكس. كتبت كاثرين: «مع اقتراب الطائرات، ألتجئ إلى مأوى. تواصل الفرقة التقدم بخطى سريعة، دون أن تولي اهتمامًا للطائرات التي تمر فوقنا. أنا معجبة بشجاعتهم ورباطة جأشهم. مع كل مرور للطائرات، أتساءل إن كنت أشعر بالخوف. وبما أنني وجدت ملاذاً قبل أن تصل إليّ، فلا أشعر بالخوف. كان أكبر مخاوفي، منذ البداية، هو أن أشعر بالخوف بالذات. وحتى الآن، لم أشعر بالخوف ولو للحظة واحدة.”
بعد مرور الطائرات، وصلت الوحدة إلى مزرعة محاطة ببستان. هناك، يتجمع الفريق: الجنود والمقاتلون غير العسكريين والفلاحون المحليون. ستبقى الممرضات في المكان طوال الليل، لكن كاثرين ستواصل طريقها نحو تونس. «نتناول الكثير من التين الأرجواني الطازج»، تتذكر. «ثم نودع بعضنا البعض بعناق حار وقبلات ومصافحات. » وعند مغادرة الجبال، تعرضت كاثرين للهجوم المباشر الذي يفتتح هذه المروية. على الطريق المؤدي إلى تونس، صادفت شاحنات عسكرية فرنسية الوحدة أثناء انسحابها. فاختبأت كاثرين ويوسف والجنود الآخرون والبغل الذي كان يحمل كاثرين أحيانًا في الحقل الواقع أسفل الطريق، مستلقين على بطونهم دون حراك.
بعد عقود، عُثر في أرشيفها الخاص، الذي احتفظت به عائلتها بعد وفاتها في عام 2018، على ذكريات كاثرين في مظروف صغير يحمل عبارة “الجزائر – 1957“بخط متصل أنيق. وفي داخله توجد صور فوتوغرافية رقيقة مقاس 5 × 5 سم. للوهلة الأولى، تبدو الصور مرتبة بشكل عشوائي، لكن اتساق حجمها ودرجات ألوانها يشير إلى أنها تنتمي إلى سلسلة بصرية واحدة – نوع من اليوميات غير الرسمية. داخل المغلف توجد قائمة تعليقات مطوية، تبدأ بالعبارة «من اليسار إلى اليمين»، تليها سبعة عشر بنداً مرقماً. ورغم أن الصور غير مرتبة وأن بعض التعليقات لا تتطابق بوضوح، فإن قطع اللغز تترابط تدريجيًا. وما يبرز هو سرد بصري مؤثر: لحظات من الانتظار، والتدريب، والضحك، والتصميم الهادئ، بينما تقدم كاثرين ورفاقها المساعدة للمقاتلين والمدنيين على حد سواء.
تُظهر الصورة الأولى من السلسلة امرأتين، أكيلا والحاجة – وكلاهما ممرضتان ومقاتلتان في الوحدة الطبية لجيش التحرير الوطني– وهما تخرجان من مأوى مؤقت من الخشب والقش يُسمى غروبي. كانت كاثرين مستقرة في الماكي معهما في عندما التُقطت الصورة، كانت أكيلا قد أمضت عاماً في الخدمة، في حين أن هادجا لم تكن في الجبال سوى منذ ثلاثة أشهر. كانت هذه الملاجئ المؤقتة تتيح لهن فترة راحة قصيرة لتناول الطعام والاسترخاء قبل العودة إلى مهامهن.

كاثرين أبدجراف، أكيلا وهادجا يخرجن من «غروبي» الخاص بهن، وهي أكواخ مصنوعة من جذوع الأشجار والقش تشكل المأوى الوحيد المتاح في الجبال.
أكيلا والحاجةا ممرضتان متخرجات وتخدمان في الوحدة الطبية التابعة للكتيبة الثانية. كانت أكيلا في المقاومة منذ عام والحاجة منذ ثلاثة أشهر عند التقاط هذه الصورة، في أغسطس 1957. أرشيف ديغراف/أوبديغراف. ملاحظة: تم تعديل الصورة لزيادة الوضوح.
على الرغم من عدم ظهوره في الصورة، فإن «الغوربي» نفسه قد شُيد على الأرجح من قبل شبكة نساء محليات كنّ يدعمن المقاتلات من وراء الكواليس. إحدى هؤلاء النساء، عائشة كيماس، التي انضمت إلى المقاومة وهي في الرابعة والأربعين من عمرها، تحدثت عن هذا العمل السري في شهادة شفوية قائلة: «أحيانًا كنا نعد الطعام طوال الليل للمُجاهدات، المقاتلات. في الليل، كنّ ينمن ونحن كنا نسهر عليهن” 7 إن صورة كاثرين لا تقتصر على مجرد لحظة راحة، بل تلتقط تعقيد سياسة المقاومة، حيث شكّل عمل النساء، المرئي وغير المرئي، العمود الفقري لنضال ثوري غالبًا ما يتم طمسه.
بينما تظل عائشة والآخريات خارج إطار الصورة، تلتقط الصورة لحظة حميمية بين أكيلا، التي تصفها كاثرين بأنها أقرب رفيقة لها، والحاجة، التي تشهد ابتسامتها الشابة على بساطة صداقتهما. ترتدي كلتاهما الزي العسكري الرسمي، لكن حزام الحاجة – المزين بقنبلة يدوية مصغرة وسكين جيب – يوحي بالمسؤوليات الجسيمة التي كانتا تتحملانها. كان من المفترض أن تقوم هاتان المرأتان بالرعاية والقتال في آن واحد. في هذا المشهد الهادئ، تبدوان هادئتين، بل ومبتهجتين، ويستمد شعورهما بالأمان من قوة المجتمع المحيط بهما – وهو المجتمع الذي تنتمي إليه كاثرين، التي كانت تقف خلف العدسة.
تُظهر صورة أخرى في المغلف كاثرين أمام العدسة. وقد ظهرت كاثرين بنفسها في المشهد، حيث التقطت الصورة من على تلة مجاورة وانضمت إلى الحاجة، التي تعلمها كيفية التعامل مع قنبلة يدوية. تسلط الصورة الضوء على لحظة من التعلم المشترك والثقة. ويشهد موقف كاثرين اليقظ ونصائح الحاجة الصبورة على التعلم المتبادل والتضامن اللذين ميزا العلاقات بين النساء في المقاومة. من خلال التركيز على هذا التبادل، تتحدى صورة كاثرين الروايات البصرية السائدة عن البطولة في زمن الحرب – تلك التي تركز حصريًّا على القتال – وتسلط الضوء بدلاً من ذلك على الأفعال اليومية التي تنم عن الإحسان والتعاون. ومن خلال تصوير الحادة كمدربة ماهرة، ترفض الصورة أيضًا التمثيلات الاستعمارية والذكورية للنساء الجزائريات، اللواتي تم اختزالهن إلى مجرد رموز.

كاثرين أبدجراف، “الحاجة تُعلِّمني [أنا كاثرين] كيف أمسك قنبلة يدوية”، أغسطس 1957، أرشيف ديغراف/أبدجراف.
تكشف صورة أخرى من السلسلة عن لحظة أكثر خفة: كاثرين وأكيلا والأخضر ويوسف جالسون معاً في فسحة مشمسة، في انتظار عرض توضيحي لاستخدام البازوكا. محاطين بالنباتات المورقة والمناظر الطبيعية الوعرة، يبدون مسترخين. تنحني كاثرين نحو أكيلا بابتسامة دافئة؛ ويجلس الأخضر القرفصاء؛ بينما يستلقي يوسف، ويبدو مسترخياً. ورغم أن زيهم العسكري ومعداتهم المخفية تذكرنا بسياق الحرب، فإن الأجواء مشبعة بالثقة والتضامن الهادئ، الذي صقلته أيام طويلة من العمل المشترك والمخاطر التي واجهوها.

كاثرين أبدجراف، في انتظار وصول البازوكا، لاخدار وأنا وأكيلا ويوسف نسترخي، أغسطس 1957، أرشيف ديغراف/أبدجراف.
وإذا كانت هناك صورة تجسد جوهر ثورة قادتها النساء، فهي بالتأكيد الصورتان الأخيرتان في المجموعة. في الصورة الأولى، نرى صفاً من النساء يرتدين الزي العسكري خلف ضابطة. وهي صورة مأخوذة من الجانب. أما الصورة الأخيرة فتُظهر نفس المجموعة من النساء في الزي العسكري خلف الضابطة نفسها، في لقطة أمامية. لا حاجة إلى تعليق على هاتين الصورتين.
بعد انقضاء الأيام السبعة، التي كانت بمثابة عودتها إلى اسطنبول للتدريس، لم تعد كاثرين إلى الغابة، بل استغلت إجازتها للسفر إلى تونس لتدريس الإنجليزية للطلاب الجزائريين الذين رُفض قبولهم في الجامعات الفرنسية.
في عام 1958، كانت كاثرين موجودة في تونس عندما قصفت فرنسا قرية ساقية سيدي يوسف، الواقعة على مشارف تونس. تسبب القصف في أضرار جسيمة وأودى بحياة العديد من الضحايا الأبرياء، من بينهم أطفال في مدرسة ابتدائية. كان هذا الهجوم بمثابة تحذير موجه إلى تونس، المستقلة حديثا، بسبب دعمها لاستقلال الجزائر. انخرطت كاثرين بنشاط في التغطية الإعلامية لفظاعة هذه الأحداث وعواقبها عبر الإذاعة التونسية.
وعند عودتها إلى الولايات المتحدة، واصلت كاثرين، التي لا تزال متأثرة بشدة بقضية الاستقلال الجزائري، العمل التطوعي في المكتب الجزائري بنيويورك. شاركت في عدة مجموعات محاضرات وألقت محاضرات كلما أمكنها ذلك حول مآسي الاستعمار والنضال من أجل الاستقلال في الجزائر، مستندةً بشكل خاص إلى تجربتها البصرية والوثائق المتعلقة بإقامتها في المقاومة. وفي هذا المكتب التقت إيلين مختفي وكاثرين وأصبحتا صديقتين مدى الحياة.

كاثرين أبدجراف، مناضلات في الغابة، أغسطس 1957، أرشيف ديغراف/أبدجراف.
في سبتمبر 1962، استعادت كاثرين معدات التصوير الخاصة بها وتوجهت إلى الجزائر. التقت بإيلين في الجزائر وشاركتا شقة واحدة. التقطت كاثرين سلسلة رائعة من الصور التي خلدت أولى مظاهر الفرح المرتبطة بالحرية: أول صور للنساء الجزائريات وهن يدلين بأصواتهن في الانتخابات، نُشرت إحداها في مجلة TIME؛ والرئيس أحمد بن بلة وهو يحيي الحشود في الشارع؛ والعلم الوطني وهو يرفرف في مهب الريح! احتفلت الصديقتان معًا في الجزائر بالأحداث التي ميزت استقلال الجزائر.
زارت إيلين كاثرين في كاليفورنيا للمرة الأخيرة قبل وفاتها بفترة وجيزة في عام 2018. كانت ذاكرتها قد بدأت تتلاشى، لكنها كانت تعترف بكل سرور بأنها عاشت حياة استثنائية. وبالفعل…

كاثرين في الجزائر، سبتمبر 1962، أرشيف ديغراف/أوبديغراف.

كاثرين أبدجراف، نساء يقفن في طابور لتجربتهن الأولى كناخبات، سبتمبر 1962، أرشيف ديغراف/أبدجراف.

كاثرين أبدجراف (غير محددة)، في انتظار فتح مراكز الاقتراع، تنتظر النساء التصويت في أول انتخابات تشهد حق الاقتراع العام، TIME، 28 سبتمبر 1962.

كاثرين أبدجراف، أحمد بن بلة مع أطفال، سبتمبر 1962، أرشيف ديغراف/أبدجراف.

كاثرين أبدجراف، احتفالات في الجزائر، سبتمبر 1962، أرشيف ديغراف/أبدجراف.

مجهول، إيلين وكاثرين في الجزائر، سبتمبر 1962، أرشيف ديغراف/أبدجراف.

مجهول، إيلين وكاثرين في الجزائر، سبتمبر 1962، أرشيف ديغراف/أبدجراف.
قدمت مورا ماكرايت أطروحتها للدكتوراه في تاريخ الفن في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك (CUNY Graduate Center)، حيث أثبتت أن «المشروع الإعلامي الاستعماري» لعب دورًا حاسمًا في حث جبهة التحرير الوطني والجيش الفرنسي على تشكيل وإدامة مقولات رمزية مجندرة خلال حرب الجزائر (1954-1962). وهي تعمل في المركز الدولي للتصوير الفوتوغرافي (International Center of Photography) وباحثة مشاركة في معهد الدراسات الاجتماعية النقدية (Institute for Critical Social Inquiry) التابع لجامعة «نيو سكول» (New School).
إيلين مختفي ناشطة ومترجمة وكاتبة ورسامة أمريكية وجزائرية، ولدت في نيويورك.
بعد الحرب العالمية الثانية، انضمت إلى حركة الشباب من أجل السلام والعدالة في العالم، وأصبحت مديرة لمنظمة طلابية ناشطة. في عام 1951، انتقلت إلى فرنسا حيث عملت مترجمة ومترجمة فورية لمنظمات دولية في سياق فترة ما بعد الحرب. في عام 1960، انضمت إلى فريق صغير في نيويورك تابع لجبهة التحرير الوطني لتحرير الجزائرية (FLNA)، حيث قامت بأعمال الضغط لدى الأمم المتحدة لصالح الحكومة في المنفى وعملت من أجل استقلال الجزائر. وبعد تحقيق النصر في النضال من أجل الاستقلال، استقرت في الجزائر وعملت كصحفية ومترجمة حتى رحيلها القسري في عام 1974. وقد نُشرت مذكراتها، * الجزائر، عاصمة العالم الثالث: مقاتلو الحرية، الثوريون، الفهود السود *، عن دار «فيرسو بوكس» (Verso Books) في عام 2018.
المصدر : https://spectrejournal.com/lost-history
مراجعة الترجمة الآلية : جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

