الفاشية اليوم: قوارب النجاة، و«الستيمبانك»، والاستعمار

الشباب و الطلبة28 يونيو، 2026

بقلم؛ نيك بوكستون

،يستكشف الأكاديميان المناضلان توسكانو Toscano وواليا Walia ، في هذه المقابلة الأولى الشيقة الصادرة ضمن State of Power 2026، الجذور التاريخية والديناميات الرأسمالية الحالية المؤدية إلى ازدهار الفاشية على نطاق عالمي، ويشرحان لماذا أصبحت الحرب ضد المهاجرين والمخدرات والمُفقَرين محورًا رئيسيًّا للتعبئة الفاشية.
نيك: ما الفاشية، وكيف تختلف اليوم عن مظاهرها السابقة؟
ألبرتو: هذا سؤال يزعجني قليلاً، لأنني أنتقد منذ أمد بعيد هوس العلوم السياسية بتعريف جامد للفاشية أو بقوائم معايير تتيح تحديد ما إذا كانت ظاهرة ما فاشية أم لا. وكأن ثمة دليل لتشخيص الاضطرابات السياسية حيث يكفي تحديد عدة خصائص أو عناصر. بعد قول هذا، يمكننا البدء في تناول ظاهرة الفاشية باعتبارها سياسة للهيمنة والتفوق والإقصاء تنشأ عن أزمات الديمقراطيات الانتخابية الجماهيرية.
إنه نهج عام جدًا آمل أن تتيح لنا التفكير في أوجه الاستمرارية والاختلاف بين أشكال الفاشية الأوروبية في فترة ما بين الحربين العالميتين والحركات أو الأنظمة الراهنة التي يمكن وصفها بالفاشية أو ذات الطابع الفاشي.
لا أدعي إلى تعريف جوهر الفاشية، بل إلى التفكير في الكُمون الفاشي أو السيرورات الفاشية، مستعيرا مصطلحا كانت أنجيلا ديفيس[¹] قد استخدمته في أواخر الستينيات وفي السبعينيات.
إذا توخينا رسم صورة عامة لما قد تعنيه الفاشية اليوم، فعلينا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار التحولات العميقة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدناها في القرن الذي انقضى منذ مسيرة موسوليني نحو روما [في أكتوبر 1922]. ثم علينا أن نواجه مسائل لم تكن ذات صلة بفاشيات ما بين الحربين العالميتين، لكنها الآن حاسمة تمامًا، مثل الكارثة المناخية.
هارشا: يكمن جوهر الفاشية ذاته في أيديولوجية استعلائية صريحة ، ركيزة لعنصريتها، وتمييزها الجنسي، ونظامها الأبوي، وكرهها للتحول الجنسي. هذه العناصر كلها متأصلة في النيوليبرالية والديمقراطيات الانتخابية. لكن الفاشية تتخذ توجهًا استعلائيا صريحًا ، تعبر عنه بنحو مغاير.
سيقول لنا الباحثون والباحثات من التراث الراديكالي الأسود إن الفاشية هي الاستعمار. وهذا أمر مهم، لأن تفسيرات عديد للفاشية تستند إلى أفكار أوروبية المركز وتعود إلى فترة ما بين الحربين العالميتين. يدلنا جورج جاكسون في الولايات المتحدة[2]، وتحليل جورج بادمور للفاشية الاستعمارية[3]، أو كتابات إيمي سيزير التنبؤية[4]، على أن أفضل طريقة لفهم الفاشية هي اعتبارها مرحلة من مراحل الاستعمار.
أعتقد أن هذه أهم طريقة لفهمها، باعتباره وجهًا من أوجه الاستعمار، سواء كان الوجه الإمبريالي للاستعمار أو الاستعمار القائم على إعادة التوطين في بلدان مثل كندا والولايات المتحدة.
الفاشية معادية دائما للثورة ومؤيدة للرأسمالية، برغم محاولاتها استمالة الطبقة العاملة. إنها تساير دائمًا الرأسمالية، حتى لو بدا العكس أحيانًا. لذا، في رأيي، تتمثل الركائز الأساسية الثلاث للفاشية في : التعبير الصريح عن أيديولوجية استعلائية، وجذورها في الاستعمار، وطبيعتها بما هي قوة معادية للثورة مصطفة مع الرأسمالية.
ربما تكمن الاختلافات الراهنة عن العصور السابقة في أن الفاشية، في أوروبا ما بين الحربين العالميتين، كانت تُفهم على أنها عودة إلى حقبة ماضية، قائمة على الحنين إلى سياسة معينة متشددة واستعلائية وإلى عصر انقضى. في المقابل، تُظهر الفاشية اليوم ميلًا أكثر وضوحًا نحو البقاء على غرار قارب نجاة، فيما نحن نواجه الأزمة المناخية. فهي أقل حنينًا إلى الماضي وأكثر كارثية، متجذرة في أفكار داروينية من نوع قارب النجاة.
الواقع الآخر المهم في العصر الحالي هو انتشار الفاشية المتزايد في جميع أنحاء العالم. نحن نعيش في عالم متعدد الأقطاب، سواء كان ذلك حقيقة واقعة أو مجرد تصور، حيث تتوسع القوى الإمبريالية أو شبه الإمبريالية بشكل كبير في بلدان الجنوب. وتمتد الاتجاهات الفاشية إلى ما وراء التقسيم القديم بين الشمال والجنوب، مدعومةً برأس المال ورأس المال العابر للأوطان.
نيك: في نظرك، ما الأسباب الرئيسة الكامنة وراء انبعاث السياسة الفاشية حاليا؟
ألبرتو: من الأسباب الرئيسة ما ذكره هارشا للتو، أي إطار قارب النجاة الذي تندرج ضمنه الحركات اليمينية المتطرفة والفاشية المعاصرة. إننا نجتاز، منذ الأزمة المالية العالمية في 2007/2008، وربما حتى قبل ذلك، حقبة مديدة من الركود الرأسمالي: تتلاشى التوقعات الاجتماعية والاقتصادية، ويتقلص الأجر الاجتماعي وشبكة الأمان الاجتماعي، في حين أن الجهود الرامية إلى تحسين المجتمع بروح أكثر مساواة أو شمولية قد سُحقت أو أُعيقت مرارًا– غالبًا على يد قوى تقدم نفسها على أنها ليبرالية، أو حتى اشتراكية ديمقراطية أو يسارية.
فرض رأي منتشر جدا نفسه مفاده أن الأمور لن تتحسن، وأن «الكعكة» آخذة في التقلص. حتى المتشككون في تغير المناخ غالبًا ما يكونون، ضمناً، واقعيين في ما يتعلق بالمناخ عندما يتحدثون، على سبيل المثال، عن سيناريوهات الهجرات الجماعية المروعة. في نهاية المطاف، لماذا قد تحدث تلك الهجرات الجماعية؟ آه، نعم، بالضبط بسبب ما يقولون إنه غير موجود.
لقد أدى النهب النيوليبرالي للتطلعات الاجتماعية إلى ترسيخ شعور بالهشاشة وبمستقبل مهدد، وهو ما أدى دوراً كبيراً في انتصارات اليمين المتطرف. وقد ولّد تياراً خفياً من الكلبية العميقة.
في النهاية، لديّ انطباع بأن غالبية الناس لا يصدقون تلك الرؤى الخطابية الكبيرة عن استعادة العظمة ، ولا تلك المستقبلات المفعمة بالازدهار أو الوفرة، بل إن ما يحركهم هو الوعد بالقدرة على الحفاظ على بعض المزايا المادية والرمزية داخل المجموعة العرقية أو القومية أو الدينية أو الطبقية التي ينتمون إليها.
يبدو أن ثمة اعتقادًا بأنه إذا استمر الوضع في التدهور بلا توقف، فربما يمكن كبح هذا المسار بسياسات إقصاء أو تراتب. وغالبًا ما تكون المزايا المتاحة مجرد مزايا رمزية بحتة، مثل إفقار الآخرين أو إهانتهم، وليس تحسين الوضع الخاص لمن يعتقد انه يستفيد من مزايا. وبالرجوع إلى مصطلح ويليام إدوارد بورغاردت دو بوا [المعروف باسم W.E.B. دو بوا، 1868 في غريت بارينغتون، الولايات المتحدة – 1963 في أكرا، غانا]، فإن «الأجور النفسية» قد ترتفع فيما تظل الأجور المادية راكدة. يتوافق مفهوم «لعبة المجموع صفر» هذا تمامًا مع الدور المركزي الذي تؤديه السياسات العنصرية والمعادية للأجانب والمهاجرين داخل اليمين المتطرف في جميع أنحاء العالم.
هارشا: أتفق تمامًا مع ما قال ألبرتو للتو. لقد تحول صعود التيارات الفاشية من مجرد شعور بالحنين إلى الماضي إلى مواجهة مع بؤس الحاضر، وقبل كل شيء، مع بؤس مجهول قادم. ليس ثمة انطباع أن الأمور تتحسن.
سواد الناس الأعظم في العالم واع بأزمة الرأسمالية. السؤال هو: ماذا يختارون أن يفعلوا حيال ذلك؟ ما تمنح التيارات الفاشية للناس، قبل كل شيء، هو الشعور بأنهم رابحون في عالم يتسم بعدم المساواة الشديد. وهذا الشعور بالنصر هو «الأجر النفسي»: إنه السادية، والحروب الثقافية، وشعور التفوق على الآخرين.
نيك: ماذا عن العلاقات بين رأس المال، ولا سيما نخب أرباب العمل، والقادة الفاشيين؟ في ظل النيوليبرالية، كانوا بالفعل هم الفائزون، فلماذا، إذن، وجدوا قضية مشتركة مع القادة الفاشيين؟
هارشا: أقول إن هناك أسبابًا عديدة. أحدها، بلا شك، هو أن النيوليبرالية تعمل بشكل جيد لصالح الرأسمالية، لكن على النيوليبراليين أيضًا أن يواجهوا السخط المتنامي لدى قطاعات متزايدة من المجتمع. تمنح التيارات اليمينية والفاشية بديلاً زائفًا للنيوليبرالية، ما يسمح للرأسمالية بالانبعاث وإنقاذ نفسها. يدرك العديد من النيوليبراليين جيدًا أن الفاشية يمكن أن تتيح واجهة مناهضة للرأسمالية لتقديم شيء ما للناس المحبطين من أزمات الرأسمالية، في حين أنها في الواقع تحافظ على الرأسمالية. وهذا، إذن، أحد الأسباب التي تدفع النيوليبراليين إلى الانحياز إلى القادة الفاشيين.
كما ينضم العديد من مديري الشركات، بما هم أشخاص يحظون بسلطة سياسية هائلة، إلى الأفكار الفاشية. وبعيدًا عن الولايات المتحدة، التي تُعد مثالًا واضحًا للغاية، يمكننا أن ننظر إلى الهند، حيث تتأثر الثروة المتوارثة عبر الأجيال والنيوليبرالية تأثرًا عميقًا بنظام الفئات Castes والعنصرية. المليارديرات، مثل أمباني [ريلاينس إندستريز] وأداني [مجموعة شركات تعمل في قطاعات الكهرباء والفحم ومحطات الموانئ والخدمات اللوجستية والأعمال الزراعية]، يؤمنون بأنفسهم بالتفوق القائم على نظام الفئات والعنصرية ضد المسلمين.
يشرف أمباني، أغنى رجل في الهند و النصير المتحمس لناريندرا مودي، على قناة أخبار تبث طوال اليوم تعليقات معادية للمسلمين لا أساس لها من الصحة. وبالتالي، ففي صفوف الطبقة الرأسمالية –مثل أمباني في الهند أو ماسك في الولايات المتحدة– ثمة من يستخدمون رؤوس أموالهم لدعم القادة الفاشيين لأنهم يؤمنون بصدق بهذه الأفكار، وليس بالضرورة لحماية مصالحهم الرأسمالية –على الرغم من أن القادة الفاشيين عادةً ما يحمون مصالحهم أيضًا، بطبيعة الحال–.
ألبرتو: إنها مسألة شائكة للغاية، لأن الوضع الحالي مغاير كثيرًا لوضع ظهور الفاشية بين الحربين العالميتين. آنذاك، انتهى الأمر بمعظم رأس المال الصناعي والمالي إلى دعم القادة الفاشيين بسبب الاضطرابات الاجتماعية الهائلة، والبطالة، والحركات العمالية والثورية واسعة النطاق التي تسببت في أزمة في تراكم رأس المال. لكن قرار النخبة هذا لصالح خيار سياسي متطرف ومُزعزع للاستقرار، مدفوع بحالة طارئة أو أزمة سياسية-اقتصادية، لا يتطابق مع وضعنا اليوم. نحن نجتاز حقبة ركود مديدة، ولكننا نمر أيضًا بعصر من الأرباح الهائلة لعدد قليل من الشركات الكبرى، لا سيما في قطاع عمالقة التكنولوجيا. وفضلا عن ذلك، دخلنا منذ 50 عامًا حقبة تتميز بتحرر كبير لرأس المال من قبضة الطبقة العاملة والرقابة التنظيمية والضرائب. واليوم يطرح سؤال كبير: ما الذي يريده الرأسماليون أكثر من ذلك؟
قد يكون أحد الأجوبة أننا لا نواجه رأس مال مقاول مجهول الهوية وعديم الملامح، بل بالأحرى طبقة من المليارديرات يمارسون سلطة سياسية شخصية على نطاق عالمي. إذا فكرنا في جيف بيزوس [أمازون]، أو إليسون [أوراكل]، أو ماسك [سبيس إكس]، فإن نزوات هذه الشخصيات وأيديولوجياتها الفردية لها عواقب تاريخية. أحيانًا يبدو أن الأمر لم يعد يتعلق بتحليل إحصائي أو اقتصادي كلي لمصالح الطبقة الرأسمالية ككل، بل بالأحرى بالتساؤل: ما هو التوجه السياسي لهؤلاء الستة أو السبعة أشخاص؟
وهكذا، عندما يتحدث ماسك مباشرةً في تجمع لحزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) أو “رابطة الدفاع الإنجليزية” (EDL)، فإنه لا يتحدث عمومًا باسم مصالح الطبقة الرأسمالية، بل بصفته من دعاة تفوق العرق الأبيض، بتاريخه الخاص وهواجسه الخاصة. نحن نعيش في عالم غير عقلاني لدرجة أن هذا النوع من السلطة الشخصية له وزن مفرط. شخص مثل ماسك لا يستطيع فقط التدخل مباشرة في السياسة الألمانية والبريطانية، بل يمكنه أيضًا تعطيل الأقمار الصناعية التي تساعد أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ضد الغزو واسع النطاق الذي تشنه روسيا على ذلك البلد.
لكن إذا ما حللنا عن كثب الأسباب التي أدت إلى انتخاب ترامب مرتين، فسنجد أنها لا تعود إلى المليارديرات في حد ذاتهم بقدر ما تعود، إلى حد كبير، إلى مجموعة هائلة من الرأسماليين الأكثر تواضعاً، مثل أصحاب المغاسل الآلية أو محطات الوقود، أو غيرهم ممن كانوا يُصنفون في السابق ضمن البرجوازية الصغيرة. إنها قصة رائعة ترويها ميليندا كوبر في كتابها الأخير، Counterrevolution: Extravagance and Austerity in Public Finance (Zone Books, 2024).
نيك: بما أنك بدأت الحديث عن هذا الموضوع، هل بوسعك التعمق قليلاً في الأساس الطبقي لحركات اليمين المتطرف وما الذي يعنيه هذا التحالف الذي يبدو متناقضاً بين أوليغارشيين مثل ماسك والشغيلة المستائين؟
ألبرتو: الأمر معقد، لأنه يتعين أولاً تمييز البعد الانتخابي – وهو الظاهرة الأوضح في صعود اليمين المتطرف – عن الحركات المتباينة جدا من بلد إلى آخر، كما هو الحال في الأرجنتين أو المجر أو الهند، والتي لا يمكن مقارنة قواعدها الاجتماعية والطبقية بسهولة. لذا سأحذر كثيراً من إصدار تأكيدات عامة للغاية.
ومع ذلك، أعتقد أن دور الطبقة العاملة الملموس في الحركات الفاشية المعاصرة جرت مبالغة قدره. خاصةً لأن الطبقة العاملة الصناعية، بمعنى الكلمة التقليدي، ليست كبيرة العدد بشكل خاص، لا في أوروبا ولا في الولايات المتحدة. كما يُلاحظ في العديد من التعليقات أو التحليلات اتجاه مثير للجدل يتمثل في اعتبار الافتقار إلى التعليم الجامعي بديلاً عن الطبقة الاجتماعية. وتبين أن الناخبين الجمهوريين في الولايات المتحدة، بغض النظر عن شهاداتهم الدراسية، كانوا ينتمون عادةً إلى الفئات ذات الدخل الأعلى، وكانوا في أغلب الأحيان ينتمون إلى البرجوازية الصغيرة أكثر من الطبقة العاملة؛ وعلى أي حال، لم يكونوا بالضبط جيشاً رجعيّاً من البروليتاريين.
بيد أن هذا لا يعني أن اليمين المتطرف، على الصعيد العالمي، لا يحشد عددًا كبيرًا من الأشخاص المنتمين إلى الطبقة العاملة بالمعنى الواسع، وهو أمر يقتضيه بالطبع الفوز في الانتخابات. لكن هذا لا يؤكد أيضًا فكرة أن الفاشية الجديدة هي نتاج انتفاضة مزعومة للطبقة العاملة.
هارشا: أنا مقتنعة تمامًا بأن الأمر لا يتعلق بتحالف، حيث إن النقابات الكبرى التي أبدت دعما رسيما للحركات الفاشية نادرة.
إن مفهوم الطبقة العاملة البيضاء المحبطة بحد ذاته هو صيغة خاصة بأوروبا وأمريكا الشمالية؛ ولا ينطبق على معظم المناطق الأخرى. و«الطبقة العاملة البيضاء» نفسها هي بناء مستمد من الاستعمار القائم على إعادة التوطين و/أو الدولة العرقية، وهو ما يفترض بياض طبقة عاملة هي، في الواقع، متعددة الأعراق.
من الأجدى أن نتساءل لماذا ينجذب أشخاص لديهم ما يخسرونه أكثر بكثير في مواجهة الفاشية إلى هذه الحركة أو يصوتون لصالحها. ما عدا بلدانا مثل الهند، حيث يجري تجنيد حقيقي ومخيف لعشرات الآف الأشخاص في ميليشيات فاشية ضخمة، تستند جاذبية الأفكار الفاشية إلى حد كبير إلى سخط عام وفردي ناجم عن النيوليبرالية. ولا يعني هذا بالضرورة أن كل شخص يتفق مع البرنامج بأكمله أو مع جميع السياسات الفاشية. اليوم، ربما تكون الولايات المتحدة هي مكان بروز هذه الظاهرة بأكبر قدر من الوضوح، مع كل هؤلاء الأشخاص الذين يقولون إنهم صوتوا لترامب لكنهم يشعرون الآن بالفزع من عمليات الاختطاف والإرهاب التي ترتكبها وكالة الهجرة والجمارك (ICE). وغالبًا ما يعني ذلك أيضًا أن الشخص يشعر بخيبة أمل من النظام الانتخابي والخيارات الزائفة المعروضة عليه. وكما قلت من قبل، فإن الناس ينجذبون بشدة إلى فكرة الفوز، حيث أن حياة الغالبية تزداد هشاشةً يوماً بعد يوم.
آخر ما أود تأكيده هو أن هوية الناس اليوم لم تعد تتحدد بالمفاهيم التقليدية والفوردية للطبقة. فمعظم الناس لا يبدأون حديثهم بقول أنا عامل أو أعمل في مصنع؛ بل عادةً ما يتبنون هويات أساسية أخرى. تعتمد الفاشية بشكل متزايد على بناء الهوية، مثل العنصرية ضد السود والعنصرية ضد المهاجرين، لتعبئة الناس حول هويات محددة. سواء كان بولسونارو، أو دوتيرتي (الفلبين)، أو ترامب، ثمj بناء هويتي واضح جدًا لماهية المواطن، قادر على جذب أي شخص، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية.
علاوة على ذلك، تعتمد الفاشية بقوة على خطاب معاد لمتعاطي المخدرات وللفقراء، ما يعزز صناعة السجون ويمنح الناس في الآن ذاته شعورًا بالتفوق على الآخرين: فحتى لو كان الشخص يشترك في المصالح الطبقية مع هؤلاء، فإنه يبدأ في اعتبار نفسه مختلفًا ومتفوقًا على بقية السكان. تعتمد هذه الفاشية المتنامية على الشعور الحقيقي بالصعوبات التي يواجهها الناس، لكنها تستخدمه كسلاح – مع لمسة من السيطرة الأخلاقية – لتفسير أن سبب تضرر الناس ليس النيوليبرالية ولا الرأسمالية، بل الآخرون الذين يعيشون على رعاية الدولة، أو يتعاطون المخدرات، أو يختلسون الموارد. وهكذا، فإن جاذبية الفاشية لا تستند أساسًا إلى هوية الناس كعاملين أو كجزء من الطبقة العاملة، بل إلى البناء الهويتي للمواطن المسؤول [المواطن المبدع: الذي يشكل مجتمعه، حتى بفضل الذكاء الاصطناعي]، والذي غالبًا ما يُعرَّف نفسه صراحةً بتعارض مع المهاجرين ومن يعيشون في فقر.
نيك: نجري هذه المحادثة بعد أيام قليلة فقط من الهجمات غير القانونية التي شنتها الولايات المتحدة على فنزويلا واختطاف مادورو وزوجته. كيف تفهمون العلاقة بين الفاشية والإمبريالية، وبمعنى أوسع، مع النزعة العسكرية والمجمع الصناعي-العسكري؟
ألبرتو: تناسب هنا العودة إلى مسألة الاستمرارية بين الاستعمار والفاشية التي تحدث عنها هارشا. هناك صيغة مفيدة مستمدة من دراسة السلطة الاستعمارية، مأخوذة من أعمال المؤرخ المتخصص في الدراسات التابعية راناجيت غوها، الذي يستخدم، في حواره مع غرامشي، صيغة «السيطرة دون هيمنة»، والتي أعاد جيوفاني أريغي استخدامها لاحقًا في كتابه آدم سميث في بكين: أصل وأسس القرن الحادي والعشرين (أكال، 2007). انها شكل السلطة الذي يتخذه الاستعمار، وهو يتحول بشكل متزايد إلى الشكل الافتراضي الذي تتخذه الإمبريالية المعاصرة.
لم تعد تُستشعر حاجة للحفاظ على مجموعة مستقرة نسبياً من التحالفات العالمية المنظمة هرمياً، مع وجود الولايات المتحدة في المركز. بل على العكس، هناك تصور مختلف تماماً لقوة الولايات المتحدة، التي تسعى إلى استخدام جهازها العسكري الضخم للانخراط في نهب ابتزازي صريح، حتى عندما لا يكون ذلك ضرورياً من وجهة نظر الاقتصادية.
ليست الولايات المتحدة بحاجة إلى نفط فنزويلا. فإنتاج فنزويلا النفطي الحالي يعادل إنتاج ولاية داكوتا الشمالية – وشركات مثل «شيفرون» موجودة هناك بالفعل. لكن جلي أن هناك حنينًا إلى شكل أكثر فظاظة من إمبريالية القرن التاسع عشر، يتسم بدرجة أكبر من النهب والابتزاز والسلب والقرصنة دون أي ستار. إنها استراتيجية تراكم فاشية صريحة. وبالنظر إلى احتياطيات نفط فنزويلا (الأعظم في العالم) والتنافس مع الصين، فهي أيضًا محاولة للسيطرة على الطاقة؛ محاولة تنفي تمامًا ذلك التحول الطاقي نفسه الذي تؤدي فيه الصين دورًا رئيسيًّا.
ليس ثمة أدنى محاولة لإضفاء مظهر شرعية على هذا الاستحواذ على الموارد. يتجلى الفرق بين حرب العراق التي شنها بوش و«انشغاله» المزعوم بشأن إرساء الديمقراطية، من جهة، وحالة فنزويلا، حيث يؤكد ترامب صراحةً ودون مواربة: «سوف نستولي على نفطهم» (وايداع الأموال في حسابات في الخارج أو في حسابات مناطق حرة يسيطر عليها ترامب بنفسه مباشرةً).
لم يعد هناك أي اهتمام بفكرة نشر القوة الناعمة الأمريكية، أو تعزيز التحولات الديمقراطية، أو إقامة تحالفات.
يشبه النموذج الإمبريالي الأمريكي الحالي إعادة تأويل ستيمبانك [واقع بديل بمعنى الخيال العلمي – مزيج بين البخار (steam) والسايبربانك (cyberpunk) –] للولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، ولكن مع «بالانتير» [بيتر ثيل] والذكاء الاصطناعي (AI)، بالإضافة إلى أيديولوجية تفوق العرق الأبيض الصريحة والمنتشرة في كل مكان. إذا قرأت استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، فستجد أن القسم المخصص لأوروبا يتسم بطابع رجعي هذياني: فهو يؤكد أن الدول الأوروبية لن تكون أوروبية بعد عشرين عامًا، مستندًا فقط إلى التصنيفات العرقية. ويشكل دعم أحزاب اليمين المتطرف جزءًا صريحًا من استراتيجية الدولة الأمريكية.
كما تنظر سياسة ترامب الخارجية إلى الحدود على أنها منيعة تمامًا في اتجاه واحد وقابلة للاختراق تمامًا في الاتجاه الآخر.
فهي تدمج الحرب على المخدرات، والحرب على الإرهاب، والحرب على الهجرة في حرب واحدة لا منتهية، متعددة الأوجه، وتكرارية، وهو ما يفسر ذلك السرد الذي يصور مادورو على أنه زعيم عصابة خيالية شريرة تنقل المخدرات والمهاجرين من السجون ومصحات الأمراض العقلية إلى الولايات المتحدة. يبدو أن ترامب كان يعاني من خلل عقلي دفعه إلى الاعتقاد بأن طالبي اللجوء يأتون من مصحات للأمراض العقلية. ها هو الهذيان والغباء اللذان نواجههما. كل هذا يندرج في سياق «مبدأ مونرو 2.0» (المعروف أيضًا باسم مبدأ دونرو، وهو اسم غبي بقدر ما يشير إليه)، الذي ينص على ضرورة السيطرة على نصف الكرة الغربي لمواجهة التهديدات المحدقة بالكيان السياسي الأمريكي ولضمان الحصول على موارد العناصر الأرضية النادرة والنفط وما إلى ذلك، التي تُعرض بصراحة وكأنها ملك للولايات المتحدة.
إنها شبكة معقدة من المناورات السياسية والاقتصادية بكل ما للكلمة من معنى، ومن سياسة القوة، والمصالح المادية، والمطالب الأيديولوجية الخيالية البحتة التي لا تخدم بالضرورة مصالح رأس المال الأمريكي ككل. هنا في الرهان إفراط في الأيديولوجية.
في الآن ذاته ، يود التيار العقلاني للنيوليبرالية، أي الحزب الديمقراطي، الذي لا يحقق سوى نجاح محدود للغاية، الرد من خلال ربط مصالح رأس المال بقضيته من أجل نسخته الأكثر اعتدالًا من الاستراتيجية الإمبريالية، بدلاً من هذا النوع الفظ للغاية.
هارشا: كما قلتُ آنفا، تتمثل أحد ركائز الفاشية في كونها معادية للثورة ومناهضة للشيوعية بشكل صريح؛ ولهذا علينا أن نفهم الهجمات الموجهة ضد فنزويلا من هذه الزاوية. نحن نعلم أن اليسار اللاتيني (بالمعنى الواسع ومن القاعدة، بعيدًا عن الأنظمة أو القادة الأفراد) هو أحد معاقل المقاومة للإمبريالية الأمريكية، وبشكل أكثر تحديدًا، للفاشية الأمريكية والهيمنة الأمريكية. ولا يزال هذا صحيحًا، على الرغم من أنه يجب ألا نمجد أو نتجاهل الانتقادات العديدة المشروعة والمستقلة التي يوجهها اليسار لمادورو.
وهكذا، تنسجم تصرفات الولايات المتحدة مع الرغبة في جعل اليسار اللاتيني يدرك مدى الهيمنة الأمريكية، وكذلك في إعادة تأكيد مبدأ مونرو العنصري الذي ينص على أن نصف الكرة الأرضية هذا هو لنا.
ثمة عنصر آخر يجب أخذه في الاعتبار هنا: منطقة البحر الكاريبي. فقد أدت منطقة البحر الكاريبي، ولا سيما ترينيداد وتوباغو، دورًا مهمًا في السماح بهذا الغزو وتعزيز الانتشار البحري الأمريكي. ولذلك، يجب عدم إغفال دور هذه المنطقة في تراكم الثروة لصالح الولايات المتحدة، لا سيما من خلال الطريقة التي يُستثمر بها رأس المال بشكل متزايد في الاقتصادات المرفئية. لقد رأينا كيف انتقلنا من استعمار الموارد البحت إلى تراكم الثروة عبر الاقتصاد اللوجستي والاقتصادات المرفئية، التي أصبحت أساسية لتراكم رأس المال العابر للأوطان.
ويجب أن نضيف إلى ذلك جميع المجمعات السياحية التي تصر المصالح الرأسمالية الأمريكية على بنائها في المنطقة. وبالتالي، فإن فنزويلا مهمة للولايات المتحدة ليس فقط بسبب مواردها، بل أيضًا بسبب طرق الوصول إلى منطقة البحر الكاريبي.
وأخيرًا، تروم هذه الخطوة أيضًا معاقبة خصوم الولايات المتحدة وأولئك الذين تعتبرهم منافسين على الصعيد العالمي، مثل دول مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). باختصار، المقصود توسيع الحدود الأمريكية، وضمان بقاء الولايات المتحدة قوة مهيمنة، ومعاقبة منافسيها الاقتصاديين، وقمع الحركات اليسارية. كل ذلك مع إخفاء هذه الإجراءات وراء كراهية الأجانب الموجهة ضد المهاجرين وخطاب الحرب على المخدرات والحرب على الإرهاب، وهو ما يعيدنا إلى بعض الركائز الأساسية للأيديولوجية الفاشية الحالية.
نيك: لماذا احتلت الحرب على المهاجرين، وكذلك الحرب ضد النوع الاجتماعي(الجندر)، مكانة مركزية لهذه الدرجة في المشاريع الفاشية في جميع أنحاء العالم؟ لماذا يتم استغلال هذه القضايا باستمرار وتحويلها إلى حملات إضفاء طابع الضحية والكراهية؟
هارشا: يقع ما يُسمى بـحروب النوع الاجتماعي في صميم الفاشية لأنها مشروع ذكوري بطبيعته. ذكوري بالمعنى الواسع: التلاقي بين الدولة القومية العسكرية، وسياسة «المنقذ»، وسياسة “الرجل القوي”، والترويج لأدوار جنسانية رجعية، وصعود “الفضاء الذكوري “(المانوسفير) [مجموعة المجتمعات الإلكترونية –المنتديات، والشبكات الاجتماعية– التي تروج لرؤى جامدة للذكورة وخطابات معادية للنسوية]، والتي تستند إلى الحفاظ على ثنائية الجنس وإعادة إنتاجها.
وفي هذا السياق، لا تقل الحرب ضد الأشخاص المتحولين جنسيًا أهمية بالنسبة للحركات الفاشية العالمية، من حيث الهيمنة الأبوية، عن الحرب ضد المهاجرين، الذين أصبحوا أحد المعالم العرقية الموحدة للطريقة التي تُصوِّر بها الفاشية نفسها. وإذا توخينا فهم الفاشية، ليس فقط في سياقات تفوق العرق الأبيض، بل في جميع أنحاء العالم، فيجب أن ندرك أن عمليات «التعريف العرقي» تتشكل بشكل مختلف حسب المكان. وفي جميع هذه السياقات المتنوعة للغاية، أصبح المهاجر هو الشخصية التي يمكن تطبيق العلامات العرقية عليها وفهمها بسهولة بالغة، أياً كانت المنطقة الجغرافية. وهكذا، فإن الفاشية تستند إلى أنظمة الآخرية هذه: ضد متعاطي المخدرات، وضد الأشخاص المتحولين جنسيًا والمهاجرين، الذين يصبحون أهدافًا متكررة لمختلف الفاشيين عبر الزمان والمكان.
كما تقدم العنصرية ضد المهاجرين إجابة محددة على تناقضات النيوليبرالية المتعلقة بأزمة الهجرة، لا سيما التناقض بين حدود يجب أن تكون مفتوحة أمام رأس المال ومغلقة أمام البشر. فالفاشية تسمح للرأسمالية بالاستمرار بضمان بقاء قوة العمل جامدة وثابتة بينما يتحرك رأس المال بحرية. وهذا أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل النيوليبراليين يعتمدون فعليًّا على الأيديولوجية الفاشية: فهي تضمن ألا تتحرك القوى العاملة إلا في ظل شروط معينة، وهو ما ينطوي عادةً على برامج لاستغلال العمال المهاجرين أو برامج العمالة المطلوبة [guest worker، Gastarbeiter]. مهما يقولون، ليس أن الفاشيين لا يريدون المهاجرين؛ بل إنهم يعتمدون على سياسة معادية للمهاجرين لتعزيز العنصرية وزيادة الاستغلال، وعدم الاستقرار، وهشاشة وضع المهاجرين في مواجهة الترحيل. ليست الغاية طرد جميع المهاجرين والمهاجرات، لأن النيوليبرالية ومصالح رأس المال والدولة بحاجة إليهم. بل المقصود بالأحرى تهيئة الظروف المواتية لمزيد من عدم الاستقرار والاستغلال، بينما يسعى رأس المال إلى تجزئة شرائح سكانية متزايدة العدد واستغلالها.
نيك: أود أن أختتم بطرح سؤالين. أولاً، أين ترون الشقوق وخطوط الانقسام ونقاط الضعف في المشروع الفاشي المزدهر ، والتي ينبغي للقوى التقدمية اليسارية أن تستغلها؟ وثانياً، ما هي الاستراتيجيات التي ينبغي أن يتبناها اليسار؟
ألبرتو: جيد أن نضع في اعتبارنا الطابع الرجعي، وحتى المضاد للثورة، لهذه الأشكال الفاشية، وهو أمر يصعب أحيانًا تمييزه في عصرنا هذا، الذي لا يتسم بالضبط براديكالية ثورية كبيرة. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن هذه الحروب الثقافية، وكذلك ما نشهد من أشكال قمع متطرفة، هي رد فعل على تحولات وأوجه تقدم اجتماعية حقيقية، وكذلك على التغيرات المتعلقة بـالحس السليم. وهكذا، على الرغم من أن رهاب المتحولين جنسيًّا ينطوي على شيءٍ من الشر والتهويل في آنٍ واحد، إلا أنه يمثل أيضًا ردًّا على نضالاتٍ اجتماعية وسياسية جادةٍ حول النوع الاجتماعي والجنسانية، والتي حققت، في الحياة الاجتماعية اليومية والعلاقات الإنسانية، تقدمًا تحويليًّا ملحوظًا في جوانب عديدة. وبالمثل، فإن الفاشية العالمية هي أيضًا رد فعل على العديد من حوادث الانتفاضة أو التمرد على مدار العقدين الأخيرين، مثل حركة «احتلوا» (Occupy)، والحركات المناهضة لسياسات التقشف في جنوب أوروبا، وثورات الربيع العربي، والانتفاضة المرتبطة بقضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، وما إلى ذلك.
وبالتالي، ليس اليمين المتطرف مجرد كابوس هذياني لمتعصبين بيض يقتصر على تحديد أعداء وحوش وكبش فداء؛ بل هو أيضًا رد فعل على تغييرات اجتماعية حقيقية وقوة اجتماعية حقيقية. لكن هذا لا يعني وجوب أن نتجاهل المشكلات الشائكة التي يطرحها هذا الأمر على اليسار، حيث إن اليمين المتطرف يستهدف بالضبط ما يحدده الراديكاليون أو الثوريون أو المناضلون وينتقدونه باعتباره «احتواءات ليبرالية للراديكالية»، مثل سياسات التنوع والمساواة والاندماج (DEI)، التي تبدو وكأنها بدائل للتغييرات الجذرية التي كانت تطالب بها في البداية الحركات الاجتماعية الثورية.
لكن هذا هو الميدان المعقد الذي نحن محكومون بالكفاح فيه.
علاوة على ذلك، أعتقد بصدق أننا بحاجة إلى سياسة تتجاوز مجرد التحريض الخطابي. علينا حشد الناس حول برامج تتيح لهم تغيير حياتهم بشكل مباشر في اتجاه بعيد عن الفقر والهشاشة والقلق. لذا، على الرغم من كل حدود مشاريع سياسية شعبية أو بلدية، حيث يمكن بناء أشكال من السلطة الشعبية تمنح الناس تجربة سيطرة تحويلية معينة على حياتهم اليومية،، فإن الأمر يستحق تكريس الطاقة لها. وإلا، فإما أن تتدخل في مجالات مثل السياسة الانتخابية الوطنية، حيث الميدان غير متكافئ ومثبط للهمم وحيث عادةً ما يحظى اليمين بميزة؛ أو أن تقتصر المعارضة على المدة —الوجيزة بالتأكيد، لكن الحيوية— التي تدوم فيها المواجهات أو العصيانات أو المظاهرات.
وأخيرًا، أعتقد أنه من المناسب أن نأخذ في الاعتبار أن حركات اليمين المتطرف ليست بشكل عام — باستثناء بعض الحالات مثل الهند —حركات جماهيرية ذات قاعدة شعبية منظمة ولا مكونات مؤسسية جوهرية يمكن مقارنتها بتلك القائمة في الحركات الفاشية التاريخية. فهي تنشأ إلى حد كبير، أو حتى حصريًّا، من مستوى هائل من الانفصال السياسي أو عدم الارتباط بالسياسة. وبرغم ما قد يكون لها من تأثير انتخابي كبير، عادة ما تكون ضعيفة جدًا في الشارع، أو حتى على المستوى الاجتماعي.
هارشا: عليّ أن أعترف بأنني لست متفائلًا جدًّا. أعلم أن لا أحد يريد سماع ذلك وأن الجميع بحاجة إلى مروية مُطَمئِنة، لكنني أعتقد أن المهمة هائلة. قد لا يكون اليمين موجودًا بما هو حركة، لكنه موجود بما هو قوة تبدو، في الوقت الحالي، عقبة كأداء.
تركز معظم نقاشات اليسار، لا سيما في الغرب، على ما إذا كانت الإمبراطورية الأمريكية تنهار أم لا. بصراحة، حتى لو انهارت، فلن يقنعني شيء بأن قوة شبه إمبريالية أخرى، مثل الهند، لن تظهر كقوة هيكلية مهيمنة مكلفة بالحفاظ على التراكم والإمبراطورية، تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة بعد تراجع القوى الأوروبية، حتى لو اتخذت شكلاً مختلفًا.
لذا، لستُ مقتنعا بأننا سنخرج منتصرين في مواجهة صعود الفاشية، وتراكم رأس المال، والأزمة المناخية، والعنف ضد المهاجرين، والاستعمار الفرعي والاستعمار على نطاق عالمي.
بالطبع، ما هو على المحك لا يزال هو نفسه: علينا بناء النزعة الأممية. علينا أن نفهم إلى أي مدى تقع الحدود في قلب جهاز العنف السجني والعسكري الذي يتوسع بسرعة في كل دولة قومية. فهي محور جميع السياسات الفاشية، وتمثل بشكل متزايد الوسيلة التي يتم بها إبراز وتطبيق القوة الناعمة في آسيا وأفريقيا والأمريكتين. لذلك يجب أن نكافح كل ذلك، وأكثر من ذلك بكثير؛ فمهمة اليسار، التي تتمثل في معارضة الإمبراطورية مع تقديم بدائل ملموسة وذات مغزى للناس، لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.
لكن الأمر يبدو الآن أصعب بكثير، في مواجهة قوى الإمبراطورية والعنف، والسيطرة التي تمارسها شركات التكنولوجيا العملاقة، وصعود قوى اليمين المتطرف على الصعيد العالمي، والمليارديرات الذين لا يتوقفون عن تكديس ثروات لا نهاية لها.
نيك: صحيح أنه من السهل الوقوع في الابتذال وإنهاء المقابلات بنبرة إيجابية زائفة؛ فكيف يمكننا أن نعيش هذه اللحظة بشكل أصيل وصادق، مع تضمين المبادئ التي تحدثت عنها، مثل التضامن؟ هل لديك أي ملاحظة ختامية في هذا الصدد؟
هارشا: يعجبني اهتمامك بالصدق. ستواصل النيوليبرالية تقديم نفسها على أنها ثقل موازن للفاشية؛ ولذلك، فإن السياسة اليسارية التي لا تقبل التنازلات تتطلب أن نكون صادقين بشأن ما ينتظرنا؛ وبشكل خاص، المواجهة مع كل من الليبرالية والفاشية، وكذلك ما سيتطلبه ذلك منا. لقد خيب الحزب الديمقراطي، كما قال ألبرتو، آمال الناس تمامًا ولم ينجح حتى في تنفيذ ما كان يهدف إليه.
ومع ذلك يمكننا، على الرغم من هذه الصورة القاتمة، إبراز بعض التغييرات، مثل وعي الجماهير بالدور الإمبريالي للصهاينة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك نهاية حقبة كانت فيها حركات التحرير الفلسطينية تُقمع وتُسكت على نطاق واسع في قلب الإمبراطورية ذاتها. علاوة على ذلك، يتفهم عدد متزايد من الناس الحقيقة المرة للإمبريالية والرأسمالية والحفاظ على النظام والحدود؛ وهو أمر ظل العديد من مناضلي اليسار يناضلون منذ ما لا يقل عن ثلاثين عامًا لإبرازه.
لكن ربما تكون مهمتنا الآن أكثر أهمية: فبمجرد أن يدرك الناس ذلك ويروا مدى انتشار هذا العنف، وأن الإمبراطورية لا تكترث بعدد الضحايا أو بالقانون الدولي، كيف يمكننا أن نضمن ألا ينجذبوا إلى أفكار فاشية، من نوع البقاء على قيد الحياة بأي ثمن أو قارب النجاة؟ لأن إقناع الناس بأن هذه القذارة ضارة قد يدفعهم في كثير من الأحيان إلى الرغبة في مجرد النجاة منها، حيث قد يبدو النضال ضدها أمراً عديم الجدوى. وهذا يجعل البدائل التي نبنيها ونخلقها على نطاق صغير وعلى المستوى المحلي أكثر أهمية، وذلك تحديداً لما تقدمه على المستوى النفسي والعلاقاتي: فهي تبقينا متصلين ببعضنا البعض وتحافظ على عقولنا حية وموجهة نحو التغيير.
أعتقد أيضًا ، على المستوى الأساسي، أن تغيير أنفسنا ومحاربة الفاشية يعني أن نفهم أنه ليس علينا أن نخاف من بعضنا البعض. هذا، في الأساس، هو ما تحاول الفاشية ترسيخه في كل شخص: الخوف من الآخرين. لذا، فإن أي مشروع يواصل تعزيز روابطنا الإنسانية وترابطنا، ويذكرنا بأنه لا داعي للخوف من بقية البشر على هذا الكوكب – باستثناء المليارديرات – هو دائمًا مشروع جدير بالثناء، مهما كانت الحقبة.
نيك: شكرًا جزيلاً لهارشا وألبرتو على الوقت الذي خصصاه لنا وعلى هذه المحادثة.

22/06/2027

هارشا واليا مناضلة وكاتبة من البنجاب مقيمة في فانكوفر، كندا، وتشارك منذ عقدين في الحركات المناصرة للعدالة للمهاجرين، وحقوق الشعوب الأصلية، والنسوية، ومكافحة العنصرية، وإلغاء الرق، وتحرير فلسطين، ومناهضة الرأسمالية.
وهي مؤسِّسة مشاركة لحركة «No one is Illegal» (لا أحد غير قانوني) التي تناضل من أجل العدالة للمهاجرين، ومؤلفة كتاب *Border and Rule: Global Migration, Capitalism, and the Rise of Racist Nationalism (هايماركت، 2021)
ألبرتو توسكانو هو ناقد ثقافي، ومنظر اجتماعي، وفيلسوف، ومترجم إيطالي. وهو أستاذ مشارك في كلية الاتصالات بجامعة سيمون فريزر (في منطقة فانكوفر)، ومؤلف كتاب Late Fascism: Race, Capitalism and the Politics of Crisis (فيرسو، 2023).
نيك بوكستون مؤسس ورئيس تحرير تقرير State of Power الصادر عن معهد TNI، بالإضافة إلى كونه محررًا مشاركًا لكتاب The Secure and the Dispossessed: How the military and corporations are shaping a climate-changed world (بلوتو، 2015)

مراجعة الترجمة الآلية : جريدة المناضل-ة
________
المراجع الأصلية، باللغة الإنجليزية.
انظر ديفيس، أنجيلا ي. (تحرير) (1971) If They Come in the Morning: Voices of Resistance. لندن: Orbach and Chambers Ltd.
https://socialhistoryportal.org/sites/default/files/raf/0419710000_01_0.pdf
https://www.marxists.org/archive/padmore/1938/fascism-colonies.htm
للحصول على نظرة عامة على أعماله، Oliviera, Dennis (2025) The Marxism of Aimé Césaire. Communist Review, publié le 11 septembre.
Cooper, Melinda (2026) Counterrevolution: Extravagance and Austerity in Public Finance. Princeton, NJ : Princeton University Press.
Arrighi, Giovanni (2007) Adam Smith à Pékin : origines et fondements du XXIe siècle (Akal, 2007)
مصدر:
https://vientosur.info/el-fascismo-hoy-botes-salvavidas-steampunk-y-colonialismo/

شارك المقالة

اقرأ أيضا