هدوء مؤقت قبل العاصفة: آفاق النضالات العمالية والشعبية والاجتماعية في إيران
بقلم؛ هوشانغ سيبير Houshang Sepehr
يمثل التوقيع مؤخرًا على مذكرة تفاهم بين الجمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة حدثًا معقدًا متعدد الأبعاد. ويكشف الفحص الدقيق للنص عن حجم الأزمات الداخلية التي يجتازها الطرفان. لا يعبر هذا الاتفاق عن إرادة حقيقية للسلام أو أن يمثل تسوية جوهرية لخلافاتهما التاريخية، بقدرما يبدو بالأحرى نتاجًا لمأزق سياسي، وعقبات هيكلية، وقيود ظرفية تثقل كاهل كل من الطرفين. هكذا، اختار قادة البلدين، بوجه صعوبات داخلية وخارجية متزايدة، تخفيف التوتر بشكل محدود، في شكل هدنة مؤقتة وتعليق مؤقت لمواجهتهما، دون الغاء أسبابها الجذرية.
بروتوكول التفاهم: منظورات أمريكية
يُبرز تحليل التصريحات الرسمية وشبه الرسمية لمسؤولي البلدين بوضوح هشاشة هذا البروتوكول وعدم استقراره. كما يكشف الخلافات العميقة التي تظل قائمة بين الطرفين بشأن تفسيره وطرق تنفيذه. لذا تظل آفاق تنفيذه على المدى الطويل، في ظل هذه الظروف، محفوفة بدرجة عالية جدًا من عدم اليقين، ويبدو مستقبله أكثر من أي وقت مضى متوقفًا على تطور ميزان القوى السياسي والإقليمي والدولي.
حاول دونالد ترامب، على الجانب الأمريكي من المعادلة، عرض بروتوكول التفاهم بما هو تتويج نجاح استراتيجي لا جدال فيه. فقد أكد صراحةً، في مقابلة مع موقع Axios نُشرت في 18 يونيو، أن قبول الجمهورية الإسلامية لهذا الاتفاق يعادل «استسلامًا غير مشروط». وشرح ذلك بقوله: «ربما تكون هذه المذكرة استسلامًا حقيقيًّا غير مشروط. أعتقد ذلك. انظروا، لم يعد لديهم جيش. جميع سفنهم في قاع البحر، 159 سفينة. هذا كل ما كان لديهم”. إنه يسع، بهذه الخطابة الخطاب المبالغ فيه والمتسم بطابع عسكري متعمد، إلى فرض قراءة لميزان القوى تجعله محسوما نهائياً لصالح الولايات المتحدة.
يبدو هذا الخطاب الانتصاري في الواقع محاولة لإخفاء تدبير ضغوط داخلية شديدة. إنه يسهم، بعرض الاتفاق على أنه انتصار كامل وأحادي الجانب، في ترسيخ صورة القوة والسيطرة السياسية، الموجهة إلى الساحة الدولية بقدر ما هي موجهة إلى استقرار المشهد السياسي الداخلي. وهكذا، فإن سرد قصة النجاح الدبلوماسي هذا يندرج ضمن منطق التواصل الاستراتيجي الرامي إلى تحويل دينامية التسوية والضغط إلى استعراض للقوة.
بعد نشر نص بروتوكول التفاهم هذا، تدفقت في الولايات المتحدة موجة انتقادات لاذعة من جانب مسؤولين جمهوريين كُثر، وكذلك بين مؤيدين تقليديين لدونالد ترامب. واعتبرت عدة أصوات محافظة هذا الوثيقة ضعيفةً بشكل خاص، إلى حد مقارنتها باتفاقيات سابقة مثل خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPoA)[1]. ويكشف هذا الخلاف الداخلي التوترات المستمرة داخل المعسكر الجمهوري حول الاستراتيجية الواجبة إزاء إيران، ويسلط الضوء على الصعوبات التي يواجهها الرئيس الأمريكي في تحقيق توافق سياسي مستدام حول هذا الملف.
استند دفاع دونالد ترامب، في مواجهة هذه الهجمات، إلى منطق براغماتي بحت، يركز على تقييم التكاليف والمنافع. فقد صرح في المقابلة ذاتها مع Axios قائلاً:
“يقولون لي: لماذا لم تكن أشد صرامة؟ لنفترض أنني كنت أشد صرامة وأن القصف استمر لمدة أسبوعين أو ثلاثة أخرى. ماذا كنا سنكسب ؟ مضيق هرمز ما كان ليُفتح أبداً.”
يبرر هبذه الحجج توقيع المذكرة لا باعتباره تنازلاً أيديولوجياً، بل حلاً استراتيجياً يروم تجنب تصعيد قد تخرج عواقبه الاقتصادية والجيوسياسية عن السيطرة. وكان قد صرح سابقاً، يوم الأربعاء 17 يونيو، بنبرة ساخرة ومشوبة بالتهكم: ” إذا نجح الأمر، فسأحصل على الفضل. وإذا لم ينجح الأمر، فسألقي باللوم على ج. د. [فانس]. ”
وقد فسّر بعض المراقبين هذه التصريحات بأنها تكشف تصدعات التي قد تنمو داخل الدائرة الرئاسية في حال تطور الوضع بنحو سلبي . وضمن هذا التأويل، قد يشكل التركيز على الحلول «البراغماتية» وعلى منع أي تصعيد خارج عن السيطرة ، أساسًا لإعادة توزيع المسؤوليات السياسية في حال فشل العملية.
وفي هذا السياق، يُشار أحيانًا إلى دور جي دي فانس في النقاش العام والإعلامي باعتباره شخصية قد تتعرض لانتقادات داخلية من المعسكر الجمهوري، إذا ما أسفر تنفيذ المذكرة عن نتائج تُعتبر غير كافية. ويرى بعض المحللين أن هكذا ديناميات قد تؤدي، في حال أزمة سياسية مطولة، إلى إضعاف موقعه في توازنات الحزب الجمهوري الداخلية والتأثير بشكل مداور على آفاقه في سباق الرئاسة لعام 2028، دون أن يمكن اعتبار هذه التطورات أمراً مؤكداً أو محدداً في هذه المرحلة.
إعادة تشكيل صعبة ومؤلمة للنظام الثيوقراطي ليصبح نظامًا عسكريًّا وأمنيًّا
وفي إيران أيضًا، يبدو أن توقيع مذكرة التفاهم هذه يعبر عن تغيير في النموذج السائد وإعادة تشكيل داخل الكتلة الحاكمة. ويبدو أن نواة النظام الصلبة تواجه الآن توترات هيكلية، نتيجة للتآكل التدريجي لمقدرتها على ضمان شرعيتها وفعاليتها الحكومية، في سياق تفاقم للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مستمر.
بهذا النحو، أسهم قبول هذا الاتفاق في إحياء تصدعات داخلية وتفاقم خلافات كامنة أصلاً بين مختلف التيارات داخل السلطة وقاعدتها الاجتماعية التقليدية.وبدلاً عن تأييد متجانس، تتبلور دينامية أكثر تبايناً، عبارة عن تحفظات وتعديلات وأشكال متنوعة من خيبة الأمل، ما يكشف هشاشة توازنات البنية السياسية الحالية.
في الليالي التي أعقبت الإعلان عن الاتفاق، أعربت بعض فئات أنصار الجمهورية الإسلامية، فضلاً عن القوى المنتمية إلى قاعدتها الأيديولوجية، التي نظمت تجمعات ليلية في الشوارع والساحات العامة، عن غضب عميق إزاء ما اعتبروه تخليًّا عن الشعارات الأساسية. وتجلت هذه التحركات في خطابات وشعارات لاذعة.
واتهم المشاركون، بوجه خاص، المسؤولين الحكوميين بالتنازلات وتجاوز الخطوط الحمراء الأيديولوجية، ما يعبر عن انقساماً بين جزء من القاعدة النضالية والخيارات السياسية التي تُتخذ على مستوى قمة الدولة. وتوضح هذه الردود التوترات الداخلية التي أثارها الاتفاق، والصعوبة التي يواجهها النظام في الحفاظ على تماسك الرواية السياسية المحيطة به.
وفي الان ذاته، كثفت بعض الفصائل داخل النظام نفسه، ولا سيما بين التيارات الأكثر تشددًا، انتقاداتها اللاذعة لفريق التفاوض. وتعبر هذه المواقف رعن غبة في النأي بالنفس عن محتوى الاتفاق وآثاره، في سياق يتحدد فيه أيضًا توزيع المسؤوليات السياسية.
وبالسعي إلى النأي بنفسها عن العواقب التي يُنظر إليها على أنها تراجع، تحاول هذه الشرائح من السلطة تجنب تحمل كلفة ذلك السياسية، ما يكشف منطقا داخليا للانسحاب وإعادة تحديد خطوط الانقسام داخل جهاز الدولة.
ورداً على هذا المناخ المتوتر والفوضوي، يشهد نشر رسالة فريدة جرى تأويلها على نطاق واسع على أنها تهدف إلى إخلاء المسؤولية، ونُسبت إلى مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى، على وجود شعور بعدم الاستقرار والارتباك على أعلى مستويات صنع القرار. ويبدو أن هذه الرسالة تروم أيضا، في الوقت الذي تقر فيه ضمناً بضرورة قبول هذا التسوية، إعادة توزيع التكاليف السياسية والرمزية المترتبة عليها.
ومن هذا المنظور، تُعزى مسؤولية التراجع، في إطار منطق إبعاد المسؤولية، إلى مسعود بيزشكيان، بصفته رئيسًا للجمهورية ورئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي. وتندرج هذه القراءة في إطار أسلوب خطابي غالبًا ما يرتبط بعلي خامنئي، حيث يقترن الحفاظ على مركز السلطة بإسناد المسؤوليات التنفيذية إلى جهات خارجية، ما يكشف التوترات الداخلية وآليات الإدارة السياسية للخلافات داخل جهاز الدولة.
على هذا النحو، تهدف هذه المناورة السياسية إلى إقامة آلية حماية رمزية، بغاية احتواء غضب القاعدة الأيديولوجية مع الحفاظ في الآن ذاته على توازنات السلطة الداخلية. كما تتيح، بإجراء إعادة توزيع مسبق للمسؤوليات، تعيين شخصية يمكنها، في حالة فشل سيناريو الاتفاق، تحمل الكلفة السياسية والمؤسسية لعواقب ذلك.
وفق هذا المنطق، يبدو إبعاد المسؤوليات التنفيذية المرتبطة بمسعود بيزشكيان أداة لتدبير التوترات الداخلية، تهدف إلى حماية نواة صنع القرار المركزية مع استيعاب الانتقادات الصادرة عن مختلف مكونات النظام. وبذلك، لا يتعلق الأمر بتوضيح المسؤوليات بقدر ما يتعلق باستراتيجية لتحقيق الاستقرار السياسي ببناء فضاء للمسؤولية المتباينة. وفي هذه الحالة، يتبنى مجتبى خامنئي نفس استراتيجية ترامب.
يرى بعض المحللين، خلف هذه المشاهد السياسية والإعلامية، أن تحولاً أعمق قد يكون جارياً داخل جهاز الدولة. ويبدو أن الكتلة العسكرية والأمنية الحاكمة، يجسدها بشكل خاص شخصيات مثل محمد باقر غالباف، رئيس البرلمان الإيراني، تتوصل تدريجياً إلى اقتناع بأن النظام قد دخل نوعا من المأزق الهيكلي.
وبناءً على هذا التفسير، يبدو أن قادة هذا الكتلة قد أدركوا المحدودية المتزايدة لتكرار الأطر الأيديولوجية القديمة، حيث لم تعد بعض الشعارات التاريخية مثل «الموت لأمريكا» أو «تدمير إسرائيل» كافية، بمفردها، لتلبية المتطلبات المادية والمؤسسية التي يواجهها النظام. وبعيدًا عن بعدها الرمزي، تعكس هذه التحولات ضغطًا أوسع نطاقًا: وهو ضغط الاستدامة الاقتصادية والإدارية لجهاز بيروقراطي وأمني واسع النطاق بشكل خاص.
ويبدو أن بقاء هندسة السلطة هاته واستمراريتها، التي غالبًا ما توصف بأنها متشعبة ومتضخمة، يعتمدان الآن على الوصول إلى موارد مالية ضخمة. والحال أن مقدرة تأمين هذه الموارد يبدو، في سياق يتسم بالعزلة الدولية واستمرار التوترات الجيوسياسية الشديدة، تبدو مقيدة بشكل متنام، ما يسهم في إعادة تحديد المتاح للنظام من هوامش مناورة.
ولهذا السبب، وفقًا لهذه القراءة، سيتمحور الصراع السياسي، وإعادة التشكيلات الداخلية التي قد تشهدها طهران في الستين يومًا القادمة، بشكل أساسي، حول تنافس متزايد بين شبكات السلطة المختلفة على الوصول إلى موارد مرحلة ما بعد الصراع وعائداتها. وستتركز الرهانات بنحو خاص على تقاسم المكاسب الاقتصادية التي قد ترتبط بتخفيف العقوبات، وعلى السيطرة على الدارات الاقتصادية الوطنية الرئيسية، فضلاً عن شروط إعادة اندماج البلد المحتملة في الأسواق المالية الدولية.
وفي هذا السياق، قد تكون فصائل النظام المختلفة منخرطة في دينامية إعادة تموضع تهدف إلى تعزيز مقدراتها على التأثير وتأمين الحصة الأكثر ملاءمة من المكاسب المتوقعة من تهدئة التوترات وتخفيف القيود الخارجية. ولا تعبر هذه التطورات عن انقطاع مفاجئ بقدر ما عن إعادة تشكيل تدريجية لتوازن القوى الداخلي، حيث تميل الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والسياسية إلى التداخل بشكل وثيق.
مساومات رضا بهلوي الدنيئة والإجرامية، فضلاً عن إحباط الملكيين
قد يكمن أحد أهم آثار هذه المذكرة غير المباشرة — والذي قد يكون دالا، بنظر بعض المراقبين—في إعادة تشكيل، بل وإضعاف، بعض فصائل المعارضة الإيرانية اليمينية المقيمة في الخارج. فقد قامت تيارات مثل الملكيين، وكذلك أنصار رضا بهلوي، في السنوات الأخيرة، ببناء جزء كبير من استراتيجيتهم السياسية على افتراض ممارسة أقصى قدر من الضغط الخارجي على الجمهورية الإسلامية. وكان هذا الضغط، من وجهة نظرهم، يجمع بين تشديد العقوبات الاقتصادية، ومواصلة سياسة العزل الدبلوماسي، و—بالنسبة لبعض الشرائح—الأمل في الحصول على دعم أكثر مباشرة من القوى الأجنبية، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل.
تندرج مساومات رضا بهلوي التافهة والإجرامية ، مقترنة بالإحباط المتزايد في الأوساط الملكية، ضمن دينامية تجذر سياسي تزداد وضوحًا. ومرة أخرى، يظل شعارهم دون تغيير ويُرفع دون أي غموض: “شكرًا ترامب، شكرًا بيبي”، احتفالًا بقصف إيران. نادرًا ما شهد التاريخ مرشحًا للعرش مرتبطًا بجريمة بهكذا الخطورة.
والحال أن هذا الاتفاق يوضح هشاشة هذا النهج الاستراتيجي الذي تتبعه التيارات التي تستغل شخصية رضا بهلوي. فقد أعطت القوى الخارجية، التي كانت هذه التيارات تعلق عليها جزءًا من آمالها، الأولوية في نهاية المطاف لمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية الخاصة، بدلاً عن منطق صريح يروم تغيير النظام في إيران.
وقد أسهم هذا التطور في إضعاف الآفاق السياسية لشرائح المعارضة في المنفى هذه، كاشفاً عن حدود استراتيجية قائمة بشكل أساسي على الديناميات الدولية. كما أبرز، وفقاً لبعض التحليلات، ضعف ترسخها الاجتماعي داخل البلد، فضلاً عن اعتمادها الهيكلي على ظروف خارجية يصعب السيطرة عليها أو توقعها.
وبحكم ابتعادها، لأسباب متعلقة بجذورها الاجتماعية، عن أي نهج يستتبع بناء نفوذ سياسي مستند إلى الديناميات الاجتماعية وتعبئة الشغيلة، والنساء والطلاب والقوى المعارضة الأخرى داخل البلد، فضلت هذه التيارات، على نطاق واسع، في السنوات الأخيرة، استراتيجية قائمة على العمل الدبلوماسي والضغط السياسي والسعي للحصول على الدعم من مراكز صنع القرار الأجنبية، ولا سيما في واشنطن وتل أبيب.
ترافق هذا التوجه أحيانًا، لدى بعض ممثليه أو مؤيديه الأشد راديكالية، مع موقف مؤيد لتكثيف الضغوط الخارجية، بل وحتى للتصعيد العسكري، على أمل أن يؤدي إضعاف النظام إلى تمهيد طريق إسقاطه.وأثار هذا الموقف جدلاً حاداً، حتى داخل المعارضة الإيرانية، حيث آخذه عدد من منتقديه على ربطه آفاق التغيير السياسي بتدخلات القوى الأجنبية الاستراتيجية وحساباتها، على حساب الديناميات الاجتماعية والشعبية الداخلية.
كما أبرز اتفاق إسلام أباد حدود هذه الاستراتيجية القائمة على إسناد التغيير السياسي إلى عوامل خارجية. فقد أظهر أن شخصيات مثل رضا بهلوي لا تشكل بالضرورة، من وجهة نظر القوى العظمى، أطرافًا فاعلة مركزية في مشروع سياسي مستدام، بل يمكن تعبئتها بشكل ظرفي في إطار استراتيجيات الضغط الدبلوماسي والإعلامي. وبمجرد أن دفع تطور ميزان القوى الإقليمي والدولي واشنطن إلى تفضيل مسار التفاوض، تم تهميش هذا الشكل من «المعارضة الخاضعة للوصاية الخارجية» إلى حد كبير وحُرم من جزء من وظيفته السياسية.
نفحة أوكسيجين للحركات الاجتماعية والمدنية في إيران
النتيجة أن ما من شيء يتيح الجزم، في ضوء العناصر المتاحة والتجارب السابقة، بأن مذكرة التفاهم هذه ستحظى باستقرار دائم. فالريبة المتجذرة المهيكلة منذ عقود لعلاقات البلدين، مقترنة بالطابع البراغماتي والظرفي، والانتهازي غالبا، للدوافع التي أدت إلى إبرامه، تحد بشكل كبير من أهميته الاستراتيجية.
يبدو هذا الاتفاق نتاجًا لتوازن قوى مؤقت وضرورات آنية خاصة بكل من الطرفين، أكثر من كونه خطوة نحو تطبيع دائم للعلاقات الثنائية. وبهذا المعنى، لا يستند إلى الأسس السياسية والمؤسسية والدبلوماسية المرتبطة عادةً بسلام دائم. إنه أشبه بهدنة تكتيكية، تتروم تدبير أزمة ما وإتاحة فترة راحة مؤقتة للأطراف الفاعلة، أكثر منه تسوية جوهرية للتناقضات التي لا تزال تضع واشنطن وطهران في مواجهة.
ومع ذلك، أدى حتى هذا الاتفاق الهش إلى إبعاد ظل الحرب الثقيل والمشلّ والمدمر مؤقتًا عن المجتمع الإيراني. ولا شك أن هذا أهم نتائجه. وبالنسبة للمجتمع المدني الإيراني، لا يمثل وقف الأعمال العدائية مجرد فترة راحة من الخسائر المادية والبشرية الناجمة عن صراع مفتوح قد يستمر لفترة طويلة؛ بل إنه يؤدي أيضًا إلى إضعاف إحدى الأدوات الرئيسة التي تستخدمها السلطة لإضفاء الشرعية على نفسها وممارسة السيطرة السياسية.
فمنذ عقود، دأبت السلطات على التذرع بخطر الحرب أو العدوان الأجنبي أو انعدام الأمن القومي لتبرير تعزيز جهاز القمع، وتقييد مجال الحريات العامة، وتأجيل أي استجابة جوهرية لمطالب الشعب الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية. وفي هكذا سياق، يحرم التخفيف المؤقت لهذا التهديد السلطة من حجة أساسية تتيح لها تعبئة الرأي العام حول «الوحدة الوطنية» وإزاحة الأزمات الداخلية إلى منزلة ثانوية.
وبالتالي، ستعاود صعوبات المجتمع الايراني الهيكلية— التضخم، والفقر، والبطالة، والفساد، والتفاوتات الاجتماعية، والتمييز ضد النساء، والقمع السياسي، وغياب الحريات الأساسية —الظهور بحدة متزايدة في صلب النقاش العام . و قد يؤدي الاختفاء النسبي لعامل الحرب إلى فتح مجال جديد للتعبير عن المطالب الاجتماعية المتراكمة على مدى السنوات الأخيرة، والمساهمة في إعادة وضع الصراعات التي تضع المجتمع في مواجهة الدولة في الصدارة، بدلاً من تلك التي تضعه في مواجهة خصوم خارجيين.
والآن، مع التراجع المؤقت لهذا التهديد الخارجي، يبدو أن إحدى الآليات الرئيسة لاحتماء النظام سياسيا آخذة في الضعف. فالدرع الأمني الذي كان مبررال حالة الطوارئ الدائمة والأولوية الممنوحة لمتطلبات الأمن القومي يبدو أقل صلابة مما كان. وبالتالي، فإن الفضاء السياسي والاجتماعي، الذي ظل لفترة طويلة خاضعًا لقيود بيئة تتسم باحتمال نشوب الحرب، قد يشهد انفتاحًا نسبيًا معينًا، حتى لو كان محدودًا وقابلًا للانعكاس.
يخلق انخفاض الضغوط النفسية والأمنية، المرتبطة بسياق المواجهة العسكرية، متنفساً جديداً للمجتمع. وهو يهيئ ظروفاً ملاءمة أكثر لإعادة تنظيم الفاعلين الاجتماعيين ولعودة المطالب المدنية إلى الظهور. وفي هذا الإطار، قد تتاح للشغيلة والموظفين والمتقاعدين والمعلمين والنساء والطلاب وفئات أخرى من المجتمع فرصة لإسماع مطالبهم خارج أجواء الطوارئ والتعبئة التي تفرضها الحرب.
بعد سنوات اتسمت بتراكم الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قد تتيح هذه الفترة للمطالب التي طالما قُمعت أو أُرجئت أو هُشت أن تعود إلى الساحة العامة بمزيد من الوضوح والاتساق والقوة. ودون استباق في تقدير حجم هذه التحركات أو شكلها، من المرجح أن يؤدي وقف الأعمال العدائية إلى تحويل محور النقاش السياسي: من التهديدات الخارجية إلى مشكلات المجتمع الإيراني الهيكلية.
وإن توقف القصف لا يعني بأي حال من الأحوال زوال أزمات الاقتصاد الايراني الهيكلية . فالفقر المدقع، والتضخم المستمر، والبطالة الهائلة، وتدهور ظروف معيشة الأسر المتواصل، فضلاً عن التمييز المنهجي القائم على النوع الاجتماعي أو الانتماء العرقي، لا تزال حاضرة بقوة وتستمر في إحداث آثارها في الحياة اليومية.
من هذا المنظور، ليس تعليق الأعمال العدائية الخارجية حلاً للتناقضات الداخلية، بل بالأحرى نقلا لميدان الصراع. وهو يمثل بداية مرحلة تتجلى فيها التوترات الاجتماعية والسياسية بشكل مباشر أكثر، وأقل تأثراً بمنطق الحرب. وتظهر العلاقات بين المجتمع والسلطة في هذه المرحلة بنحو أوضح ، وأكثر فورية، وربما أشد حدة.
يبدو، في هذا الإطار، أن أولويات السلطات لا تزال تركز على الحفاظ على أسس سلطتها وحماية الشبكات والمصالح التي تدعم بنية النظام. ويسهم هذا التوجه في الحفاظ على مستوى عالٍ من التوتر الهيكلي بين مطالب السكان الاجتماعية ومتطلبات الحفاظ على السلطة.
من هذا المنظور، وبينما تعيد فصائل السلطة وشبكات المصالح ذات الطابع الزبائني أو المافيوي داخل جهاز الدولة تنظيم صفوفها وإعادة تموضعها استعدادًا للتنافس على الوصول إلى الموارد والعائدات في البيئة الجديدة، تواجه مكونات المجتمع المختلفة وكذلك القوى التقدمية هي الأخرى ضرورة التكيف مع هذا الوضع الجديد.
يكمن التحدي، بالنسبة لهذه القوى، في مقدرة الاستفادة من التحولات الجارية من أجل الشروع في إعادة تشكيل اجتماعي وإعادة تنظيم أكثر فعالية لقواها. ولا يتعلق الأمر بدينامية عفوية بقدر ما هي عملية تفرضها تطورات ميزان القوى، التي تستلزم أشكالاً جديدة من التنظيم والتنسيق والتدخل في المجال الاجتماعي والسياسي.
يجد المجتمع الإيراني الحالي نفسه على أعتاب تحولات قد تكون حاسمة. وقد انعكس عبء الإخفاقات الاقتصادية بشكل مباشر على الطبقات الشعبية، ما دفع ظروف معيشة الملايين من الناس إلى مستويات تزداد صعوبة، بل وتصل إلى حد لا يطاق.
وفي مواجهة هذا الوضع، يميل النظام السياسي القائم، ذو الطابع الاستبدادي والمركزي بشدة، إلى تفضيل آليات الرقابة والحفاظ على النظام القائمة على تعزيز الجهاز القمعي. وفي هذا السياق، تتم إدارة التوترات الاجتماعية بشكل أساسي بواسطةالإجراءات القسرية وتكثيف ممارسات العقاب، ما يسهم في تفاقم أجواء المواجهة بين الدولة وجزء من المجتمع.
وعندما يشعر السكان بأن السبل القانونية والسلمية للتعبير عن مطالبهم الأساسية تتضاءل تدريجيًا، فمن المرجح أن يتخذ التزامهم السياسي شكلاً أشد تصميماً وقوة مما كان في المراحل السابقة، مصحوباً بزيادة في حدة الغضب والمطالبات تجاه الهياكل القائمة.
تشكل التجارب المتراكمة إبان دورات التعبئة السابقة، في هكذا دينامية، مكسبًا سياسيًا واجتماعيًا مهمًا. فعلى مدار جملة متتالية من الأحداث والمواجهات، تحول المجتمع الإيراني تدريجيًّا، حيث اكتسب خبرةً اجتماعيةً وسياسيةً، مع تطوير قراءة أكثر وضوحًا لعلاقات القوة الداخلية وآليات السلطة.
شكلت سلسلة الإضرابات في القطاعات الصناعية الرئيسة، والتعبئة المتقاعدين الوطنية للمتقاعدين (انظر على هذا الموقع المقال المنشور في 29 يونيو 2026)، والانتفاضة واسعة النطاق التي حملت شعار «المرأة، الحياة، الحرية”، فضلاً عن المثابرة الملحوظة التي أبداها المعلمون والمعلمات، والعاملون في قطاع الصحة، وأسر الضحايا، شكلت تجارب اجتماعية وسياسية بالغة الأهمية.
وقد أسهمت هذه النضالات المستمرة في تحقيق مكاسب مهمة على صعيد الوعي الجماعي، وهيكلة المطالب، والمقدرة التنظيمية. كما أسهمت في تكوين جيل أكثر جرأة ووعيًا بالتحديات الاجتماعية والسياسية التي يواجهها، فضلاً عن دوره الخاص في ديناميات التحول المستقبلية.
أصبحت هذه المكاسب المستمدة من التجارب الميدانية الآن جزءًا من ذاكرة المجتمع الجماعية، وتشكل أحد الدوافع الرئيسة لأشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي في المستقبل.
إن لدى المواطنين اليوم فهم أعمق للآليات التي تلجأ إليها المؤسسات الأمنية والإدارية لتقييد المطالب الاجتماعية والمهنية أو تحييدها أو تحويل مسارها. وتساهم هذه الخبرة المتراكمة في فهم أوضح لعلاقات القوة والقيود المؤسسية.
في هذا السياق، يبدو أن أي تقدم ملموس في المطالب، سواء كانت مهنية أو اجتماعية أو سياسية، متوقفا بشكل متزايد على مقدرة بناء أشكال من التضامن المستدام، وتطوير منظمات شبكية، والتنسيق بشكل أكثر تماسكًا بين الحركات الاجتماعية المختلفة. تدل هذه الدينامية على نضوج تدريجي لأساليب العمل الجماعي وهياكل التعبئة.
إن الربط بين شبكات الشغيلة ومنظمات المعلمين، والتقارب بين المدافعين عن حقوق المرأة والحركات الطلابية، فضلاً عن أشكال الدعم المتبادل بين مختلف فئات الموظفين، من شأنها أن تعزز بشكل كبير المقدرة على ممارسة الضغط الاجتماعي.
تحولات مجتمعية تزيد صعوبة التأطير الأيديولوجي
تندرج هذه التطورات في إطار جملة تحولات ديموغرافية واجتماعية وثقافية عميقة حدثت خلال العقود الأخيرة. فقد شهد النسيج الاجتماعي الإيراني، على مدار السنوات السبع والأربعين الماضية، تحولات مهمة وغالبًا ما تكون لا رجعة فيها، أثرت على أنماط التنشئة الاجتماعية والتوقعات السياسية وأشكال التعبير الجماعي.
تبدو مقدرات النظام على الرقابة والتوجيه الأيديولوجي، في هذا السياق، محدودة أكثر مما كانت. فقد أسهم انتشار إنترنت، وازدهار شبكات التواصل الاجتماعي، وتنويع قنوات المعلومات في إضعاف آليات الرقابة التقليدية واحتكار الدولة للسردية العامة. ويبدو، من ناحية أخرى، أن الأجيال الجديدة تنسجم، في حياتها اليومية وتصوراتها الاجتماعية، مع مرجعيات قيمية متنوعة بشكل متزايد، تتجاوز جزئيًا إطار الأيديولوجية الرسمية.
يمثل حضور المرأة المتزايد في المجالات الاجتماعية والتعليمية والمهنية، برغم العقبات القانونية والقيود المفروضة على الفضاء العام، عاملاً رئيسياً للتحول. إذ يضع هياكل تنظيم السلطة الأبوية والأطر التقليدية تحت الضغط، عبر إدخال ديناميات اجتماعية تضع أسسها تدريجياً موضع تساؤل.
يسهم توسيع نطاق وصول النساء إلى التعليم، والعمل والحياة الاجتماعية، في هذا السياق، في إعادة تعريف العلاقات الاجتماعية القائمة وتغيير التوازنات الثقافية التي تستند إليها بعض أشكال السلطة. ويندرج هذا التطور في إطار عملية أوسع نطاقاً لإعادة تشكيل المعايير الاجتماعية والتوقعات الجماعية.
وبالتوازي مع هذه التحولات، شهدت جغرافيا البلد البشرية تطورات مهمة. ويندرج تشكل مناطق واسعة من المساكن غير المستقرة على أطراف المدن الكبرى، تضم سكانًا يُقدَّر عددهم بأكثر من عشرين مليون نسمة، في سياق التحولات الاقتصادية العميقة، المرتبطة بنحو خاص بسياسات إعادة التوزيع غير المتكافئة للموارد، وديناميات الريع، فضلاً عن عمليات إضعاف البيئة والتخطيط الحضري غير المتوازن.
تتركز في هذه المناطق شبه الحضرية نسبة عالية من الشغيلة غير المستقرين، والعاطلين عن العمل، والسكان المستبعدين من الدوائر الاقتصادية الرسمية. وغالبًا ما تتسم هذه المناطق بمحدودية الإفادة إلى الخدمات العامة والبنى التحتية، ما يعبر عن أشكال بارزة من التفاوتات الإقليمية. كما يُنظر إلى هذه المناطق بما هي بؤر توتر اجتماعي شديد، حيث تتراكم الإحباطات الاقتصادية ومشاعر الإقصاء، ما يسهم في إعادة تشكيل العلاقات بين المركز والأطراف داخل المجتمع الإيراني.
وفي حال تمكنت هذه الفئة السكانية العريضة من التنسيق مع منظمات مستقلة، وتطوير وعي طبقي، والانخراط في أشكال تنظيمية منظمة، فقد تشكل عاملاً حاسماً في ديناميات التحول الاجتماعي والسياسي.
بيد أن هكذا تطورا سيتوقف على مقدرة بناء أطر تعبئة مستدامة، قادرة على تحويل حالات التشرذم الاجتماعي إلى قوة جماعية منظمة، قادرة على التأثير بشكل كبير على التوازنات الاجتماعية القائمة.
إن من شأن تنظيم قسم المجتمع هذا أن يغير بعمق مكانته في العلاقات الاجتماعية، حيث ينتقل من وضع ضحية ديناميات التطور المتفاوت إلى وضع الفاعل الجماعي المهيكل، القادر على التأثير بنحو وازن في العلاقات السياسية.
يمكن، في هكذا تشكل، وبتمفصل مع الطبقة العاملة الصناعية، أن تشكل قوة اجتماعية حاسمة قادرة على تغيير توازنات القوى القائمة والطعن في آليات الهيمنة والتحكم التي يمارسها جهاز الدولة. غير أن هذا المنظور يعتمد بشكل وثيق على الظروف الملموسة للتنظيم والتنسيق والتقارب بين مختلف مكونات المجال الاجتماعي.
لا يمكن فصل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن الحقوق الديمقراطية
في غياب وعي طبقي متطور بما فيه الكفاية (الأمر المرتبط بعوامل متعددة) وغياب هياكل تنظيمية مستقلة، قد تتجه الطاقة الاجتماعية المتراكمة في هذه المساحات الهامشية نحو مسارات غير مستقرة وربما خطيرة.
وإذا لم يتم توجيه هذه الشدة من الإحباط نحو آفاق جماعية منظمة وأهداف تقدمية، فقد تستغلها تيارات رجعية أو شعبوية أو انتهازية. وفي هكذا ظروف، تسعى قوى سياسية أو أيديولوجية مختلفة إلى استغلال حالات البؤس الاجتماعي والهشاشة الاقتصادية، من خلال حشد الخطابات المبسطة والشعارات الديماغوجية من أجل الاستفادة من الاستياء.
وهكذا، يمكن لهذا النوع من الديناميات أن يحرف الغضب الاجتماعي المتجذر إلى حد كبير عن أسبابه الهيكلية الرئيسية — المرتبطة بآليات الاستغلال والتفاوتات المنظومية — لإعادة توجيهه نحو أهداف تشوه معناه الأصلي. و قد تؤدي إعادة التركيب هذه، في بعض الحالات، إلى ظهور أشكال استبداد جديدة ، أو تفاقم الانقسامات الاجتماعية، أو حتى ترسيخ مشاريع سياسية إقصائية ومعادية للديمقراطية.
من هذا المنظور، يمثل الوجود المنظم لمناضلين/ت مدنيين وعماليين في هذه الفضاءات الاجتماعية، وفقًا لهذا التحليل، عاملًا حاسمًا في هيكلة التحركات. فهو يسهم في تجنب تشتت الطاقات الجماعية وتعزيز مقدرة الحركات الاجتماعية على صياغة مطالب متسقة، مع الحد في الآن ذاته من مخاطر الاستغلال السياسي من قبل القوى المعادية للديناميات الديمقراطية والاجتماعية.
يمكن النظر إلى مطالب الطبقات الاجتماعية المختلفة باعتبارها مكونات مترابطة ضمن نفس الكيان الاجتماعي. فالمطالب المتعلقة بالإسكان، والصحة، والتعليم المجاني والجيد، فضلاً عن أنظمة الحماية الاجتماعية الشاملة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحقوق المدنية والسياسية الأساسية.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن الحريات الأساسية مثل حرية التعبير، وحرية التنظيم المستقل، وحرية الاختيار الفردي، بما في ذلك في ما يتعلق باللباس. وهكذا تشكل هذه المطالب مجتمعة سلسلة متماسكة، حيث تعزز الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعضها بعضًا في إطار منطق تحرري واحد.
وتؤدي السياسة القمعية والأمنية التي يتبناها النظام في مواجهة المطالب النقابية، حتى أبسطها، إلى تسريع تسييس هذه الحركات الاجتماعية. وفي هذا السياق، تبدو السلطة مترددة تجاه أي شكل من أشكال الإصلاح، حيث تنظر إلى أدنى تنازل أو مرونة على أنه خطر من شأنه إضعاف، بل وزعزعة استقرار، البنية السياسية برمتها.
ويساهم هذا الانغلاق المؤسسي في توسيع نطاق المطالب، التي لم تعد تقتصر على المطالب القطاعية بل تميل، تدريجيًا، إلى الطعن في بنية النظام الشاملة. وبالتالي، فإن المطالب الأولية، التي تُطرح في إطار مهني أو اجتماعي، يمكن أن تتحول إلى احتجاج أوسع نطاقاً على آليات الحوكمة وتوزيع الموارد.
وفي هذا السياق، تتبوأ الحركة العمالية الإيرانية مكانة مركزية بشكل خاص في الديناميات الاجتماعية المعاصرة. ويتمتع الشغيلة في القطاعات الصناعية والخدمية والبتروكيماوية، من خلال توظيف أدوات مثل الإضراب ووقف الإنتاج، بقدرة محتملة على إحداث تأثير كبير على سير الاقتصاد. وهذا الموقع الاستراتيجي يجعلهم فاعلا رئيساً في ميزان القوى الاجتماعي، لكن دون حكم مسبق على الظروف الملموسة لتنظيمهم وتنسيقهم.
يعتمد ازدهار هذا الإمكان الاجتماعي إلى حد كبير على قدرته على التلاقي مع مكونات أخرى من الحركة الاجتماعية والتقدمية. ومن شأن التنسيق الأوثق مع تحركات النساء، ومنظمات المدرسين الوطنية، وجمعيات المتقاعدين، والحركات الطلابية، ونشطاء البيئة، فضلاً عن مختلف الشعوب التي تواجه أشكالاً من القمع القومي، أن يعزز تماسك هذه الديناميات ونطاقها.
من أجل تفكير استراتيجي
تكمن المسألة المركزية، ضمن هذه الرؤية، في بناء أشكال تنسيق وتقارب تتيح تجاوز تجزئة النضالات القطاعية، من أجل تشجيع ظهور فضاء مشترك للمطالب والعمل الجماعي. ومن شأن هكذا دينامية أن تشكل عاملاً حاسماً في قمدرة القوى الاجتماعية على التأثير في ميزان القوى القائم.
غالبًا ما يُقدَّم تشكيل جبهة موحدة لقوى العمل والطبقات العاملة، في بعض التحليلات، بما هو شرط استراتيجيًرئيس لتغيير ميزان القوى بشكل دائم لصالح الطبقات الشعبية. ويهدف هذا التقارب إلى تعزيز القدرة على العمل الجماعي وزيادة الوزن السياسي والاجتماعي للمطالب الصادرة عن مختلف شرائح عالم العمل.
وأخيرًا، فإن إعادة النظر في التطورات الأخيرة وتحليل طبيعة الاتفاقات المبرمة بين كتل السلطة تسلط الضوء على حقيقة تاريخية يصعب إنكارها، وفقًا لهذه المنظور: إن كلفة القرارات الاستراتيجية الرئيسية التي تتخذها الطبقات الحاكمة — سواء تعلق الأمر بالمغامرات العسكرية، أو الانخراط في حروب بالوكالة، أو سياسات العقوبات والحصار الاقتصادي، أو حتى التوقيع على تسويات ووقف إطلاق النار التكتيكي — غالبًا ما تتحملها الطبقات العاملة بشكل غير متناسب.
ويبدو أن السكان النشطين هم أول من يتعرض للعواقب الاجتماعية والاقتصادية والمادية للخيارات السياسية التي تُتخذ على مستويات مؤسسية ودولية بعيدة كل البعد عن تجاربهم اليومية. ويؤدي هذا التباين، بدوره، إلى تغذية توترات هيكلية مستمرة بين دوائر صنع القرار والواقع الاجتماعي الذي تؤثر عليه.
من هذا المنظور، تميل المكونات المختلفة لنظام السلطة — سواء كانت هياكل عسكرية وأمنية أو مراكز قرار أخرى — وكذلك الجهات الفاعلة التي تواجهها، إلى تحميل تكاليف استراتيجياتها للبقاء والتسوية والحفاظ على المصالح لأطراف أخرى. ومن ثم، تنعكس هذه التكاليف، بشكل غير متناسب، على ظروف معيشة الفئات السكانية الأكثر ضعفاً، ما يؤثر على حصولها على الموارد الأساسية، وعلى صحتها، وبشكل أوسع، على أمنها الاجتماعي.
يمثل الفهم الدقيق لتناقضات الحكم الداخلية، واعتماد تكتيكات نضال مناسبة للسياق التاريخي والاجتماعي، ضمن هذه الرؤية، شرطاً مسبقاً مهماً لتجاوز الأزمات الحالية. وغالباً ما يُصاغ التحدي الاستراتيجي لهكذا تماسك تنظيمي ولوعي طبقي أكثر تنظيماً على أنه إمكانية تغيير ميزان القوى القائم لصالح الطبقات الاجتماعية ذات الأغلبية.
ومن هذا المنطلق، يتعين الحد من سيطرة شبكات السلطة وتراكم الثروة التي يُنظر إليها على أنها مركزة في أيدي أقليات منظمة، مع فتح الطريق في الوقت نفسه أمام تحويل أعمق للنظام الاجتماعي والسياسي. ويحيل الهدف المتوخى إلى بناء إطار مؤسسي واجتماعي يُنظر إليه على أنه أكثر إنصافًا وديمقراطيةً واحترامًا لحقوق الأفراد الأساسية.
(30 يونيو 2026)
*****************************
[1] الاتفاق النووي الإيراني (بالإنجليزية: Joint Comprehensive Plan of Action أو JCPoA)، هو اتفاق تم توقيعه في فيينا، النمسا، في 14 يوليو 2015، من قبل الأطراف الثمانية التالية: إيران، ودول مجموعة P5+1 – الصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وألمانيا – بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي.
المصدر:
https://alencontre.org/ameriques/americnord/usa/une-accalmie-provisoire-avant-la-tempete-perspectives-de-luttes-ouvrieres-populaires-et-sociales-en-iran.html
مراجعة الترجمة الآلية : جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

