إحباط وسخط في شوارع سورية 

تكتسي التظاهرات طابعاً معمماً، لكن تظل محلية بشكل أساسي 

بقلم جوزيف ضاهر

بعد 14 عامًا من حرب أهلية، سقط النظام الديكتاتوري للأسد في سورية في أواخر عام 2024. ومنذ ذلك الحين، ما زالت استعادة الأمن الاقتصادي والاجتماعي لمعظم السكان تراوح مكانها، ومعدل التضخم في حالة تفاقم، كما أن أجندة إعادة الإعمار التي تنتهجها الإدارة الجديدة تعود بالفائدة على الأغنياء أكثر من غيرهم. ورداً على ذلك، شهد هذا العام موجة احتجاجات، على حد تعبير جوزيف ضاهر.

منذ بداية العام، استمرت التظاهرات والإضرابات في أنحاء سورية. تتراوح المطالب بين مزيد من مشاركة سياسية وحقوق ديمقراطية (1)، وإدانة ما ترتكبه قوات الاحتلال الإسرائيلي من أعمال وانتهاكات في منطقة القنيطرة، والحق في التعليم في السويداء (2).

قامت الصحفية زينة شهلا بتوثيق ما يناهز ثمانين تظاهرة في أنحاء البلد بين شهري شباط/فبراير ونيسان/أبريل، وكان معظمها بسبب مظالم اجتماعية واقتصادية (3). وفي وقت لاحق، سجلت أسبوعية «قاسيون» تنظيم 34 تجمعاً وتظاهرة في 21 موقعاً في عدة محافظات ومدن وبلدات وجامعات سورية بين 18 و24 أيار/مايو 2026. ولا تزال الاحتجاجات مستمرة حتى وقت صياغة هذه السطور. 

منذ بداية عام 2026، ازدادت حدة السخط بسبب تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. وتُظهر استطلاعات رأي أُجريت في مناطق مختلفة من سورية تنامي السخط بشأن المسائل الاجتماعية والاقتصادية. ووفقًا لموقع سورية المتجددة: 

مع ذلك، بحلول شهر نيسان/أبريل، كان المزاج العام تغير (تجاه السلطات الحاكمة). كان التدهور الأشـد وضوحاً قائماً في المواقف بشأن الاقتصاد وقدرة الدولة على إدارته. إذ يعتقد 13% فقط أنها تبذل ما يكفي لمعالجة ارتفاع الأسعار، فيما يقول 66%  إن الجهود الحالية غير كافية. 

انعكس ذلك أيضًا عبر تصاعد حالات الإضراب والاحتجاجات ضد تدهور الظروف الشُّغلية والمعيشية. 

عملت السلطات الحاكمة في سورية على توطيد توجه سياسي-اقتصادي يشجع نموذجاً تجارياً متمحوراُ حول الربح قصير الأجل، على حساب القطاعات الإنتاجية في سورية. كان هذا التوجه الاقتصادي سائداً بالفعل أثناء حكم نظام الأسد السابق. وتُظهر معظم المشاريع الاستثمارية التي تقدمها دمشق للمستثمرين الأجانب هذا الاتجاه، وكذلك طبيعة الوعود الاستثمارية المقدمة إلى سورية منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 في مجالات السياحة والعقارات والخدمات المالية. مع ذلك، فإن معظم هذه الوعود لم تنفذ بعد. 

وفي الوقت نفسه، لم تتخذ أية تدابير لحماية الإنتاج الوطني، لا سيما الصناعة التحويلية والزراعة، بوجه منافسة المنتجات الأجنبية. بل على العكس تمامًا من ذلك، فإن تسريع عملية لبرلة التجارة يهدد وجودهما بشكل متزايد. في أواخر كانون الثاني/يناير 2025، خفضت دمشق الرسوم الجمركية على ما يفوق 260 منتجًا تركيًا. بلغ العجز التجاري بين سورية وتركيا مستوى قياسيًا وصل إلى 3.26 مليار دولار في عام 2025، وفقًا لبيانات المعهد التركي للإحصاء. يمثل ذلك ارتفاعًا بنسبة %86.5 مقارنة بعام 2024، عندما بلغ العجز 1.74 مليار دولار. 

ومن جهة أخرى، أعلن مسؤولو حكومة سورية مرات عديدة منذ استيلائهم على السلطة استعدادهم لبدء سيرورة خصخصة أصول الدولة، أو بالأقل تشجيع نموذج شراكة بين القطاعين العام والخاص لإدارتها. يشمل ذلك بوجه خاص خدمات أساسية مثل التعليم والصحة. وفي الآونة الأخيرة، انتشرت شائعات بشأن احتمال خصخصة بنوك تابعة للدولة. 

كما قامت وزارة المالية السورية بصياغة نظام ضريبي جديد قد يدخل حيز التنفيذ في مطلع عام 2027، مما قد يؤدي إلى مزيد من إضعاف المقدرات المالية للدولة وإيراداتها. وفي الواقع، فإن وجود هيكل ضريبي موحد وذي طابع غير تصنيفي، مع تطبيق ضريبة مماثلة على الشركات بشكل متساوٍ في جميع الكيانات التجارية بغض النظر عن حجمها، يفضي إلى إضعاف قدرة توسيع الوعاء الضريبي، كما أنه يمثل حالة انعدام مساواة جوهرية (4). وبالمثل، فإن قانون الاستثمار الجديد الذي صدر بموجب مرسوم رئاسي في حزيران/يونيو 2026 ينص على منح امتيازات كبيرة للمستثمرين، مثل إعفاء دائم من الضرائب على الدخل في المشاريع الزراعية والتعليمية، وتخفيضات قد تصل إلى 80% من الضرائب على الدخل في القطاعات الصناعية ذات الأولوية والموجهة للتصدير، وإعفاءات جمركية واسعة النطاق. بالإضافة إلى ذلك، يتمتع المستثمرون الأجانب بحقوق ملكية كاملة وتامة، فضلاً عن تصاريح إقامة قابلة للتجديد، وإمكانية ترحيل أرباحهم إلى الخارج دون قيود. 

يعكس النظام الضريبي الجديد في سورية وقانون الاستثمار الجديد الأولوية التي توليها السلطات الحاكمة للاستثمارات الواردة من الشركات الأجنبية الكبرى والأفراد ذوي الثروات الطائلة، فضلاً عن تشجيع استهلاك ذي طباع دينامي، بدلاً من تعزيز مقدرات البلد الإنتاجية. 

تتجلى هذه الدينامية أيضًا في الاعتماد على الرساميل والمساعدات الأجنبية، وعلى المقاولين المحليين، لتعزيز إعادة إعمار سورية وانتعاشها الاقتصادي عبر هبات أجنبية أو حملات لجمع تبرعات، مثل «صندوق التنمية السوري» ومبادرات أخرى خاصة بمناطق ومدن معينة. 

بالتوازي مع هذه السياسات التي تفضل لبرلة الاقتصاد ومصالح الرأسمال المال الكبير، قامت السلطات الحاكمة بإصدار جملة قرارات وتدابير تعزز دينامية تركيز السلطة في اقتصاد سورية. 

الإضرابات والاحتجاجات الشعبية 

أدت هذه الاحتجاجات إلى تعبئة مختلف شرائح المجتمع، لاسيما عمال قطاع النقل، والعمال والمزارعين والمدرسين والطلبة والمحامين والخبازين، مما يعكس تنامي سخط في جميع أنحاء البلد بسبب استمرار تراجع القوة الشرائية وتدهور الخدمات العامة. كما نددت بالفساد والمحسوبية، وانعدام الشفافية وعدم المشاركة في سيرورة صنع القرار. 

اندلعت الاحتجاجات في منتصف أيار/مايو، بداية في الرقة ودير الزور ودرعا، ثم امتدت إلى مناطق أخرى في البلد، بعد أن قامت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية بتحديد سعر الطن من القمح لمحصول عام 2026 بمبلغ 4600000 ليرة سورية (ما يناهز 333.30 دولارًا وفقًا لسعر الصرف غير الرسمي في 27 أيار/مايو). أثار هذا القرار سخطاً معمماً بين المزارعين، حيث تتراوح تكلفة إنتاج الطن الواحد من القمح حالياً بين 340 دولاراً وما يفوق 530 دولاراً. عقب هذه الاحتجاجات، أصدر الرئيس المؤقت أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم 120 لعام 2026، والقاضي بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 9000 ليرة سورية جديدة لكل طن قمح يسلمه المزارع إلى المؤسسة السورية للحبوب. وبفضل هذه الزيادة، أصبح سعر الطن من القمح يناهز 5500000 ليرة سورية، لكن يظل هذا السعر أدنى من مطالب المحتجين. 

شهدت الفترة نفسها تظاهرات أخرى، خاصةً في محافظة الحسكة احتجاجًا على خفض حصص وقود المازوت المخصصة للمشاريع الزراعية، وفي منطقة ترحين، وهي منطقة قروية قريبة من حلب، حيث احتج أرباب مصافي النفط وعمالها على قرار إغلاقها نهائيًّا. طالب المتظاهرون أيضًا بالحصول على تعويض عادل يكفل لهم حدًا أدنى من مستوى معيشي، مع التأكيد على أن آلاف الأسر تعتمد على هذا القطاع كمصدر رئيسي للدخل. 

في شهر حزيران/يونيو، اندلعت إضرابات في شركة زنوبيا للسيراميك التابعة للقطاع الخاص (5) وفي منشآت ومصانع مجموعة مدار للمنظفات في منطقة الكسوة بالقرب من دمشق، حيث يعمل 4000 و4500 شخص في كل منهما على التوالي. كان المتظاهرون يطالبون بأجور عالية وظروف عمل أمثل. وبعد إضراب استمر أسبوعاً كاملاً، انتزع عمال شركة زنوبيا مكاسب عديدة من مطالبهم الرئيسية، لا سيما زيادة في الأجور (تشمل زيادة بقيمة 500000 ليرة سورية، بالإضافة إلى 200000 ليرة سورية تعويضاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة، ليبلغ المجموع 700000 ليرة سورية (ما يعادل 51.20 دولاراً في أواخر شهر حزيران/يونيو) وضمانات في مجال التغطية الصحية، لاسيما تأمين صحي، وتواجد طبيب في المصنع، وإتاحة سيارة إسعاف ومعدات السلامة في مكان العمل. 

احتج عمال معبر باب الهوى الحدودي شمال إدلب في أواخر يونيو/حزيران ضد فرض الإدارة نظام نوبات عمل مدتها 24 ساعة، وضد ظروف عمل غير عادلة. وعلى الرغم من تهديدات الإدارة بتسريح جماعي للعمال وإحلال آخرين مكانهم لكسر الإضراب، أصرّ العمال — ومنهم من يمتلك 14 عاماً كأقدمية — على مطالبهم بإقرار جدول عمل أكثر مرونة. ووفقاً لموقع «الحل نت» الإلكتروني، قامت الإدارة فعلاً بتشغيل عمال جدد، لكن ما يناهز 90% منهم استقالوا على الفور، لعجزهم على الاستمرار بسبب ظروف عمل قاسية وساعات عمل لا تنتهي. 

كما شهدت مدينة القامشلي أياما عديدة من الاحتجاجات في أواخر شهر حزيران/يونيو، تنديداً بارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع المعيشية، فضلاً عن انقطاعات التيار الكهربائي الناجمة عن ندرة الوقود. على سبيل المثال، نظم المحتجون اعتصامًا ضد ارتفاع أسعار المازوت، مطالبين بإلغاء هذا القرار وتحسين ظروفهم المعيشية، في ظل ما تشهده المنطقة من ارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والإنتاج. نظم عشرات المتقاعدين اعتصامًا أمام مكتب الضمان الاجتماعي بالمدينة، بدعوة من مجموعة المتقاعدين، للمطالبة بتسريع سداد معاشاتهم الشهرية ووضع حد للتأخيرات والتأجيلات التي تؤثر على مستحقاتهم. في أعقاب هذه التعبئات التي قام بها المتقاعدون، تم الإعلان رسميًا عن تشكيل «مجموعة المتقاعدين» في نهاية شهر حزيران/يونيو، دفاعاً عن حقوق المتقاعدين في التمتع بمستوى معيشي لائق، خاصة عن طريق حل المسائل المتعلقة بأجورهم وتأخير دفع مستحقاتهم. 

تأتي هذه الاعتصامات والتظاهرات في ظل سيرورة تضخم جامح تعاني منه منطقة الجزيرة السورية (شمال شرق سورية)، مع ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج الزراعي، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية — فضلاً عن استمرار رفع الشكاوى بشأن تدهور الخدمات وتكرر انقطاع التيار الكهربائي. على سبيل المثال، في منتصف شهر حزيران/يونيو، اندلعت اضطرابات اجتماعية في محافظة الرقة بسبب تأخر دفع الأجور واستمرار وضع العمال الاعتباري بوصفهم عمالاً «غير نظاميين» — دون حماية قانونية أو صون الاستقرار في العمل. أدت هذه الاحتجاجات إلى اندلاع مزيد من الإضرابات التي أثرت على قطاع الصرف الصحي في مناطق عديدة من المحافظة. 

حالات تسريح تعسفي واستمرار سن تدابير تقشف 

وفي الوقت نفسه، استمرت عمليات التسريح في وزارات عديدة طوال عام 2026، مما أدى إلى اندلاع مزيد من الاحتجاجات. وفي منتصف شهر حزيران/يونيو، نظم الأجراء المسرحون من الشركة العامة للخيوط القطنية بإدلب اعتصامًا للمطالبة بإقرار العدالة وإعادة تشغيلهم. 

لم تضع حكومة سورية حتى الآن معايير وتدابير جلية وقانونية ودقيقة بشأن التسريح من العمل أو التوقيف عنه، مما يؤدي إلى اذكاء الاتهامات بالتسريح التعسفي عن العمل. وقد أعربت منظمة حقوق الإنسان «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» عن بالغ قلقها بشأن مدى تطابق هذه الإجراءات مع الضمانات القانونية المنصوص عليها في نظام العاملين الأساسي الموحد في قطاع الدولة رقم 50 لعام 2004 (المواد من 132 إلى 139). علاوة على ذلك، نشرت المنظمة في حزيران/يونيو 2026 تقريرًا يورد حالات الفصل التعسفي والنقل القسري على أساس «خلفيات طائفية أو سياسية أو جندرية، أو معايير مرتبطة بالموقف من الانتفاضة السورية (عام 2011) أو الانتماء المناطقي والاجتماعي»، مما يثير مخاوف جدية بشأن استخدام عملية إعادة هيكلة الدولة كأداة للإقصاء وإعادة تشكيل القطاع العام بناءً على أسس غير مهنية. 

وفي الآونة الأخيرة، قامت الحكومة أيضًا بزيادة أجور مناصب معينة، لا سيما في المستويات الإدارية العليا أو في المناصب التي تُعتبر ذات «مكانة رفيعة»، في حين أن الغالبية الساحقة من العاملين لم تستفد من تدابير مماثلة. علاوة على ذلك، لا تزال الفوارق في الأجور قائمة داخل نفس الوزارة بالنسبة لمناصب مماثلة، حيث يتقاضى العمال الذين عُيّنوا من قبل السلطات الجديدة — والذين غالبًا ما كانوا ينتمون سابقًا إلى جماعة «هيئة تحرير الشام» (6) أو متحالفين معها — أجورًا أعلى (غالبًا بالدولار الأمريكي). 

واصلت سلطات دمشق خفض ما توزعه من أرغفة خبز مدعومة، من عشرة إلى ثمانية أرغفة لكل أسرة يوميًا، مع الإبقاء على السعر عند 4000 ليرة سورية. حددت الوزارة وزن رغيف الخبز بـ 1000 غرام، بعد أن كان 1050 غرامًا في السابق. وللتذكير، في كانون الأول/ديسمبر 2024، كان سعر رغيف الخبز المدعوم 400 ليرة سورية (لوزن 1100 غرام). أدت هذه الإجراءات إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي بين السكان الأكثر تعرضاً للهشاشة. 

رفض مشاريع العقارات الفاخرة وتهجير السكان 

وفي الوقت نفسه، اندلعت احتجاجات عديدة ضد مشاريع عقارية أدت إلى تهجير السكان المحليين وفقدان حقوق ملكيتهم أو انتقاصها. ففي حمص، تمكن سكان حي القرابيص من الضغط بنجاح على شركة «العمران» للتطوير العقاري، التي يوجد مقرها في الكويت، لإلغاء الجزء الخاص بالحي من مشروع «شارع النصر» الذي كان سيهدد ممتلكاتهم ويؤدي إلى إجلائهم من منازلهم. في مطلع أيار/مايو 2026، نظم سكان الأحياء المتضررون من المرسوم رقم 66 لعام 2012 في أحياء المزة وكفر سوسة وبساتين الرازي تظاهرة في دمشق. يعكس ذلك التوترات الاجتماعية والقانونية الدائرة بشأن مشاريع التنمية الحضرية الكبرى، لا سيما مشروع «ماروتا سيتي». ومن جهة أخرى، في ريف حلب، تظاهر سكان جبل عقيل احتجاجًا على مصادرة أراضيهم من قبل القاعدة العسكرية التركية. 

وفي الشهر نفسه، اندلعت تظاهرة في شمال الرقة احتجاجًا على خطة السلطات المحلية لهدم المساكن الواقعة شمال خط السكة الحديد، بذريعة «إعادة الإعمار والاستثمار». يزداد هذا الوضع إثارة للقلق خاصة في ظل تردد شائعات بشأن استثمارات سعودية وبناء مساكن من قبل شركة صينية على تلك الأراضي. تدعي التصريحات الرسمية أن الأرض في «ملكية الدولة»، ما يرفضه السكان، الذين يؤكدون امتلاكهم سندات نقل ملكية رسمية وغيرها من الوثائق القانونية. قام المتظاهرون أثناء التظاهرة، برفع شعارات مطالبة باستقالة المحافظ، الذي رفض إلغاء خطة إعادة الإعمار التي تؤثر على ما يناهز 3000 أسرة، معظمها من ذوي الدخل المنخفض والذين يعيشون في حالة فقر. وأكدوا مجدداً عزمهم على التوصل إلى حل عادل يضمن حقوقهم في السكن ويضع حداً لعمليات الإجلاء والهدم.

 إجمالاً، غالبًا ما تسعى هذه المشاريع العقارية إلى تلبية حاجات طبقة نخبوية قادرة على تحمل تكاليف مشاريع سكنية جديدة وباهظة الثمن ومراكمة الرأسمال، بدلاً من تنفيذ برامج إسكان وبنى تحتية تلبي حاجات شرائح واسعة من السكان — الذين يعانون حاليًا من تدهور ظروفهم المعيشية وانخفاض قوتهم الشرائية بوجه الإيجارات المرتفعة للغاية وأسعار العقارات الباهظة. على سبيل المثال، يُمثل مشروع «يعفور 963»، الذي أطلقته مجموعة «إنفست جروب أوفرسيز (IGO)» الشركة التي يملكها رجل الأعمال السوري-الإماراتي «موفق أحمد القداح»، أحد أبرز المشاريع العقارية، حيث تُطرح الشقق بأسعار ابتداءً من 300000 دولار. على غرار ذلك، تبلغ قيمة مشروع «أبيات هيلز»، الذي طرحته شركة أبيات للاستثمار العقاري والتطوير العقاري السعودية في ضواحي دمشق، في منطقتي قدسيا والبجاع، ما يفوق ملياري دولار، لبناء 22000 وحدة سكنية في مجمعات سكنية مؤمنة ومزودة بوسائل الراحة الحديثة. 

علاوة على ذلك، لا يزال البلد يعاني من نقص حاد في المساكن والبنية التحتية، مما يهدد سيرورات الاستقرار والانتعاش الاقتصادي — وهذا يثبط آمال تحقيق ظروف معيشية آمنة وكريمة، كما يحدّ من احتمالات عودة النازحين داخليًّا واللاجئين على حد سواء. وفقًا لخطة الاستجابة للحاجات الإنسانية لعام 2025 (HNRP)، «تعرض ثلث المخزون السكني في البلد للأضرار أو الدمار، في حين لا تزال البنية التحتية الحيوية، لاسيما الطرق وشبكات المياه والكهرباء وأنظمة الصرف الصحي، خارج الخدمة إلى حد كبير». 

استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة 

يعكس سخط السكان المتزايد الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يشهده البلد. 

يتراوح معدل الفقر في سورية بين 80% و90%، ويحتاج 16 مليون شخص إلى مساعدات طارئة للبقاء على قيد الحياة. هذا في بلد يناهز عدد سكانه 26 مليون نسمة. يواجه ما يفوق 7 ملايين شخص حدة انعدام الأمن الغذائي. وعلاوة على ذلك، وبسبب النقص الكبير في التمويل، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة في منتصف أيار/مايو 2026 أنه سيقلص نطاق عملياته في سورية عبر خفض مساعداته الغذائية الطارئة إلى النصف، أي من 1.3 مليون إلى 650 ألف شخص، وإنهاء برنامجه الوطني لدعم الخبز، الذي كان يدعم ملايين الأشخاص يوميًا. 

يأتي ذلك في سياق سوق عمل يعاني من اضطراب شديد، ومعدلات بطالة مرتفعة، خاصة بين الشباب في ظل انعدام آفاق اقتصادية. على الرغم من انعدام أرقام واضحة بشأن معدل البطالة في سورية، تتراوح التقديرات بين 14% وفقاً للبنك العالمي في عام 2025 و60% وفقاً لوزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار. بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن نسبة 83% من سوق العمل في سورية قد تشكل سوقاً غير رسمي، ما يعني انعدام الضمان الاجتماعي والحماية القانونية، وبالتالي تعريض ملايين العمال للاستغلال أو فقدان الدخل بشكل مفاجئ. كما أدت عودة السوريين، سواء اللاجئين أو النازحين داخلياً، إلى مناطقهم الأصلية، إلى زيادة الضغط على سوق العمل، غير القادرة على استيعابهم. أكدت المنظمة الدولية للهجرة أيضاً في أيار/مايو 2025 أن «انعدام الآفاق الاقتصادية والخدمات الأساسية كان يشكل التحدي الأكبر بوجه السوريين العائدين إلى مجتمعاتهم». 

كما أدى ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية إلى تفاقم معدل التضخم، ما زاد من ارتفاع تكاليف معيشة السوريين. على الرغم من أن السلطات رفعت أجور ومعاشات القطاع العام بنسبة 200% في تموز/يوليو 2025، وبنسبة 50% إضافية في آذار/مارس 2026 — مما رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1256000 ليرة سورية شهريًّا (ما يناهز 96.6 دولارًا في نهاية حزيران/يونيو وفقًا لسعر الصرف في السوق السوداء البالغ 13000 ليرة سورية) — يظل ذلك بعيدًا كل البعد عن تأمين ظروف معيشية كريمة. وفقًا للمركز السوري لبحوث السياسات، «على المستوى المعيشي، وصل خط الفقر المدقع للأسرة إلى 3.34 مليون ليرة سورية شهرياً، في نيسان/أبريل 2026 (ما يناهز 252 دولاراً وفقاً لسعر الصرف في السوق السوداء البالغ 13250 ليرة سورية في نهاية نيسان/أبريل)، في حين بلغ خط الفقر الأدنى 5.26 مليون (397 دولاراً)، وخط الفقر الأعلى 7.26 مليون (548 دولاراً)». تعتمد شرائح واسعة من المجتمع على التحويلات المالية الواردة من أقاربهم في الخارج، حيث تناهز قيمتها 4 مليارات دولار سنويًّا، وفقًا لتقديرات صدرت في بداية هذا العام. 

من هذا المنظور، فإن ما يحتاجه شعب سورية ليس مجرد فرص عمل وحسب، بل أيضاً وظائف تتيح له العيش الكريم وتلبية حاجاته اليومية. وفي هذا السياق، فإن خفض الإعانات وزيادة أسعار السلع الأساسية لن يؤدي سوى إلى تفاقم الوضع وإبطال مفعول الزيادات في الأجور. 

حدود الحركات الاحتجاجية 

تمثل حركات الاحتجاج والمحاولات الرامية إلى تشكيل تنظيم ذاتي للعمال تقدماً إيجابياً، خاصة بعد سنوات من الحرب والديكتاتورية. فعلى سبيل المثال، أنشأ عمال مصنع زنوبيا لجنة إضراب، مؤلفة من أربعة أعضاء انتخبهم المضربون للتفاوض نيابة عنهم. 

على الرغم من الجوانب الإيجابية لهذه التظاهرات، فإن تأثيرها لا يزال محدوداً. بداية، تظل هذه الاحتجاجات محصورة جغرافياً، ومنعدمة التنسيق بين المناطق، باستثناء جزئي للتظاهرات ذات الصلة بأسعار القمح. لا يوجد تعاون وثيق بين شغيلة نفس القطاع — على سبيل المثال، بين مدرسي المدارس الحكومية الذين ينظمون تظاهرات في محافظات مختلفة. ما يتيح للسلطات في دمشق التعامل مع كل حركة على حدة والحد من تأثيرها على المشهد السياسي. 

ثانياً، لا تملك الحركات الاحتجاجية قنوات سياسية ووسائل تعبير، ويعود ذلك بوجه خاص إلى انعدام أحزاب سياسية أو شبكات سياسية جماهيرية قادرة على ترجمة مطالبها ودعواتها إلى العمل. علاوة على ذلك، وباستثناء عدد قليل من الأحزاب اليسارية التي تعاين هذه التظاهرات دون أن تقوم بدور فعال، لا تقوم الجهات السياسية وفعاليات المجتمع المدني بإيلاء هذه الحركات ما تستحقه من اهتمام. 

في هذا السياق، من المهم التأكيد على أن تنظيم العمال الذاتي والنضال لإقامة نقابات ديمقراطية ومستقلة وجماهيرية — لتعزيز التنسيق بين العمال والنقابات المستقلة عن الحكومة — أمران ضروريان لتحسين ظروف معيشة وعمل السكان، وإلى حد كبير، للدفاع عن الحقوق الديمقراطية. 

علاوة على ذلك، من الضروري بناء المنظمات الشعبية وتعزيزها—بدءًا من النقابات وصولاً إلى المنظمات النسوية والمدافعة عن حقوق النساء، بما في ذلك الجمعيات المحلية والأحزاب السياسية التقدمية والهياكل الوطنية—لتوحيدها. 

كما أن التنظيم الجماعي والديمقراطي للطبقات العاملة والشعبية يشكل أمثل وسيلة لمواجهة التوترات الطائفية والعرقية التي لا تزال تؤثر على المجتمع، ومقاومتها. غالبًا ما يتم تشجيع هذه التوترات أو تأجيجها، أو بالأقل عدم معالجتها بشكل جذري، من قبل الحكومة المركزية و/أو حلفائها السياسيين لصرف الانتباه عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر على السكان. على سبيل المثال، تزامنت التظاهرات الأخيرة المطالبة بإقرار العدالة بشأن الجرائم المرتكبة في عهد الأسد في سورية مع تصعيد الهجمات التي شنتها مجموعات مدنية والتحريض على الكراهية الطائفية في الفترة ما بين 13 و17 حزيران/يونيو 2026. لم تتمكن سلطات سورية حتى الآن من إرساء آلية لتعزيز سيرورة ذات طابع شامل لإقرار العدالة الانتقالية قد تتيح تقديم جميع المتورطين في جرائم الحرب، من أفراد ومجموعات، إلى المحاكمة. كان من الممكن أن تؤدي هكذا مقاربة دوراً حاسماً في كبح أعمال الانتقام وتخفيف حدة تصاعد التوترات الطائفية والعرقية. 

خاتمة 

مهما كانت القوة السياسية التي تولت السلطة بعد إطاحة الأسد، فإنها ورثت تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة. غير أن سياسات سلطات سورية الحالية أدت إلى تفاقم هذه الصعوبات بدلاً من حلها. وعلى الصعيد الاقتصادي، لم تتح المقاربة التي تعتمدها الطبقة الحاكمة الجديدة تحسين الظروف المعيشية لجزء كبير من السكان، بل أثرت سلباً على تعافي قطاعات الاقتصاد الإنتاجية. 

إن تزايد عدد التظاهرات منذ بداية العام، بسبب تدهور ظروف المعيشة والعمل فضلاً عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، يسلط الضوء على أوجه القصور في السياسات الاقتصادية الحالية، وقد يمثل تحذيراً لدمشق. 

يجب أن تقوم أي سيرورة انتعاش اقتصادي ناجحة وإعادة إعمار على انتقال سياسي شامل وديمقراطي يمنح مختلف قطاعات المجتمع — أحزاب سياسية، وجهات فاعلة اجتماعية مثل النقابات، والجمعيات المهنية، واتحاد المزارعين، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات النسوية، والجمعيات المحلية، إلخ — الوسائل اللازمة للمشاركة في سيرورات صنع القرار، بما في ذلك في المجال الاقتصادي. قد يتيح ذلك خلق الظروف اللازمة لأخذ مصالحها الجماعية بعين الاعتبار وتحقيق الاستقرار السياسي الضروري لاستدامة هذه السياسات. لذلك، يجب تنظيم انتخابات حرة وشفافة داخل النقابات والجمعيات المهنية والاتحادات الزراعية حتى تتمكن هذه القطاعات من اختيار ممثليها والدفاع عن مصالح أعضائها. 

وفي آخر المطاف، ينبغي أن تكون سيرورات تراكم الرأسمال وتوزيعه، والسياسات الاقتصادية، موضوع نقاش جماعي داخل المجتمع، وليس حكرًا على نخبة صغيرة في سدة الحكم.

احالات

  1. من الأمثلة على ذلك الاعتصامان اللذان نظمهما «تجمع 17نيسان/ أبريل» في دمشق في نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو، تحت شعار «حقوق وكرامة». وشملت مطالبهم: التزام السلطات الانتقالية بمهامها وصلاحياتها في قيادة العملية الانتقالية، والعمل على تهيئة عملية انتقال سياسي حقيقية قائمة على حوار وطني جامع للوصول إلى الانتخابات، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم، ورفض إعادة إنتاج نظام الأسد وتعويم شخصياته، وتوسيع المشاركة السياسية من خلال انتخابات حرة للمجالس المحلية والنقابات، وتفعيل دور الأحزاب ورفض احتكار السلطة من قبل أي جهة أو فصيل، وتطبيق الحوكمة الرشيدة من خلال اعتماد الكفاءة والنزاهة والشفافية، وإيقاف فوضى التعيينات والصلاحيات، ومكافحة الفساد، وتجريم الخطاب الطائفي، وضمان قضاء مستقل وشفاف وعادل.
  2. أُطلقت حملة في أيار/مايو 2026 في محافظة السويداء لضمان حق آلاف الأطفال من المتقدمين للشهادتين الإعدادية والثانوية بالمحافظة في تقديم امتحاناتهم داخل المحافظة في بيئة آمنة ومستقرة. عارضت السلطات في دمشق ذلك حتى الآن، مطالبةً الأطفال بالانتقال إلى دمشق لتقديم امتحاناتهم.
  3. من مقال زينة شاهلا: «خلال الأشهر الثلاثة الفائتة، استطعنا رصد قرابة 80 وقفةً احتجاجية، أي بمعدل وقفة واحدة كل يوم تقريباً، في كل من دمشق وريفها وحلب ودير الزور والرقة وإدلب واللاذقية والحسكة والقنيطرة ودرعا وحماة وحمص، نفّذها طلاب، وسائقو سيارات أجرة، ومرضى زراعة الأعضاء، وأهالي مفقودين، وأصحاب بسطات، وسكان مناطق مدمرة تنتظر إعادة الإعمار، ومحامون، ومعلمون، وأصحاب محلات في أسواق معينة، إلى جانب وقفاتٍ تضمَّنت شرائح مختلفة بمطالب جامعة، مثل المطالب بالتراجع عن زيادة تعرفة الكهرباء، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتطبيق القانون، والتصدي للانفلات الأمني، ومحاربة الفساد، وكذلك التذكير ببعض مفاصل الثورة والحرب في سوريا». علاوة على ذلك، كانت محافظة السويداء، بوجه خاص، مسرح وقفات احتجاجية متكررة في أعقاب المذابح التي وقعت في تموز/يوليو الماضي، مع رفع مطالب مثل الحق في تقرير المصير، وعودة النازحين، والكشف عن مصير المختفين.
  4. لن تُفرض أي ضرائب على الزراعة، وعوائد الودائع المصرفية، وتداول الأسهم. وسيُطبق معدل ضريبي بنسبة 2% على السلع والخدمات التي يقدمها غير المقيمين. وسيبلغ معدل الضريبة 10% في قطاعات الصحة والتكنولوجيا والتعليم والصناعة، بينما سيتم فرض نسبة 15% على القطاعات الأخرى — بما في ذلك التجارة والخدمات. لن تُفرض ضريبة الدخل إلا عند تجاوز أول 60 مليون ليرة سورية (SYP) — أي ما يناهز 5310 دولارات. وبعد ذلك، سيُطبق معدل ضريبة بنسبة 6% على أول 5 ملايين ليرة سورية (442.5 دولارًا)، و8% على المبلغ الذي يتجاوز 5 ملايين ليرة سورية (442.5 دولارًا). من المقرر تطبيق إعفاءات على عمليات نقل ملكية أسهم الشركات، وإعادة تقييم الأصول الثابتة، والعوائد والفوائد على الودائع المصرفية، والصادرات المحلية من السلع والخدمات، والقطاع الزراعي والجمعيات التابعة له، ونفقات العلاج الطبي للأطفال، والتعليم، والإيجار، والفوائد على قروض الإسكان. أما بالنسبة للتبرعات التي تقدمها الشركات للأعمال الخيرية، فستستفيد من خصم ضريبي خاص. وفي الوقت نفسه، تم إصدار ضريبة على المبيعات، قد تكون بمثابة مقدمة لضريبة على القيمة المضافة، بمعدل 5% على السلع الأساسية.
  5. «زنوبيا» شركة خاصة متخصصة في تصنيع السيراميك والغرانيت ومواد البناء. وتمتلك الشركة مجمعين صناعيين: أحدهما في الكسوة، في ضواحي جنوب دمشق، حيث توجد مصانع عديدة، والآخر في المنطقة الصناعية في عدرا، على مشارف مدينة دمشق.
  6. هذا هو الاسم الجديد لـ«جبهة النصرة»، التي تأسست كفرع لتنظيم القاعدة في عام 2012. اتخذت الجماعة اسمها الحالي عندما انفصلت عن تنظيم القاعدة في عام 2017. وأصبح زعيمها، أحمد الشرع، رئيس سورية بعد قيادة تحالف لقوات المعارضة لإطاحة نظام الأسد في أواخر عام 2024.

23 تموز/يوليو 2026

رابط المقال  الأصلي: https://tempestmag.org/2026/07/frustration-and-anger-on-syrias-streets/ 

شارك المقالة

اقرأ أيضا