ضآلة مشاركة الشغيلة في مسيرات فاتح مايو: الأسباب والمسؤوليات

أجمعت الجرائد الصادرة يوم 2 مايو 2016، وانطباعات مناضلين منشورةُ هنا وهناك، على إبراز حجم المشاركة العمالية  الضئيل في مسيرات أول مايو. صحف رجال المال والأعمال مسرورة لهذا الوضع، فهو باعث على الإطمئنان فيما يخص مستقبل الأرباح، في جانبه المتعلق بإخضاع اليد العاملة.. لكن ابتهاج البرجوازيين مشوب بخوف من أن يجد الغضب العمالي قناة يعبر منها في أماكن العمل أو الشارع. وهذا خوف له ما يبرره، منه الإضرابات العفوية غير المؤطرة، ومنه انتشار التنسيقيات بقطاعات عديدة تابعة للدولة. وهذا الخوف هو الذي يحدو بالصحافة البرجوازية إلى مؤاخذة النقابات بضعف تأطير العمال وفقا لما ينص عليه دستور المملكة.

ليست ضآلة المشاركة العمالية مفاجئة بالنظر  إلى عوامل  عديدة نرى أهمها فيما يلي:

  1. معدل البطالة المرتفع الذي يضغط بقوة رهيبة على العاملين، مجبرا إياهم على قبول شروط عمل مهولة، مع خوف شديد من اي إقدام على الانضمام إلى تنظيم نقابي. ويعزز مفعول البطالة هذا امتناع المنظمات العمالية عن اي جهد لتنظيم العاطلين.
  2. استفحال هشاشة التشغيل، سواء في المقاولات الصغيرة (معظم نسيج الصناعة بالمغرب)، او حتى بالمقاولات الأكبر حيث اللجوء الى التشغيل عبر شركات السمسرة في اليد العاملة. ويعاون الدولة وارباب العمل في تعميم الهشاشة موقف المنظمات النقابية (قياداتها) الممتنعة عن أي نضال فعلي ضد الهشاشة التي دخلت حتى قلاعا نقابيا كالوظيفة العمومية حيث رضيت القيادات النقابية بإهداء عدد من المهام لشركات السمسرة في العمال (التنظيف، الحراسة، ..)، فيما تمكنت الحركة النقابية التونسية من إخراج شركات المناولة من مؤسسات الدولة.  
  3. سياسة الدولة الممنهجة في محاربة التنظيم النقابي، بإطلاق  يد أرباب العمل في طرد النقابيين، وسجنهم بالفصل 288 من القانون الجنائي، وشتى صنوف التهم الملفقة للمناضلين.  ويساعد الدولة في ذلك موقف القيادات النقابية الممتنعة عن تنظيم حملات تضامن حقيقية مع النقابيين ضحايا القمع ، سواء المطرودين لاسباب نقابية، او المسجونين بتهم ملفقة بالفصل  288 من القانون الجنائي. هذا علما أن الدولة التزمت في اتفاق مع “قياداتنا” النقابية بإعادة النظر في هذا الفصل منذ العام 2003. ويضاف إلى هذا ما يجري من محاكمات للنقابيين بتهم مفبركة، لعل أبرز مثال هو حالة نقابيي ونقابيات  شركة مصبرات ضحى بايت ملول، حيث يتابعون في عدة ملفات ملفقة بقصد الضغط، منها متابعة عضو بالمكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل. فاين الحملة الوطنية للتضامن مع  اكثر من 600 من عمال وعاملات  مصبرات ضحى المطرودين لاسباب نقابية منذ عام وشهرين (نعم 14 شهرا)؟ ومن قبل اين حملة التضامن مع التنظيم الكدشي المقتلع في ورزازات؟  
  4. سياسة القيادات النقابية المؤدية إلى هزائم متتالية تفقد العمال الثقة في منظماتهم، وحتى في جدوى التظاهر يوم فاتح مايو  لدرجة إلغائه السنة الماضية في سابقة لا مثيل لها عالميا (سابقة الاحتجاج بالامتناع عن الاحتجاج)، وهي سابقة صفق لها حتى أنصاف يساريين زائفين سائرين حتما مع البيروقراطية إلى مزبلة التاريخ.
  5. النقابة ضعيفة رغم أهوال الرأسمالية على العمال وأسرهم لأن نقابات المغرب (والمسؤولية على قياداتها وعلى من لا يكافح لبناء معارضة نقابية)  لا تقوم باي جهد لتنظيم القطاعات غير المنظمة، لا حملات استقطاب، ولا إعلام نقابي، ولا تنظيم للتضامن مع النضالات الجارية، بل تغاض واع عنها وتركها تختنق، ومن الامثلة الحديثة موقف قيادة الاتحاد المغربي للشغل من كفاح عمال شركة كراون Crown  للتلفيف المعدني، بالدار البيضاء و ايت ملول. المضربين منذ شهرين.  لا بل المصيبة الأعظم أن البروقراطية ترفض تنظيم قطاعات تدق باب النقابة، انها ترفض الحالات المفعمة بالمشاكل المعقدة، كعمال عقود الشغل المؤقت، وكل صنوف الهشاشة، وعمال الوحدات الانتاجية المفلسة .

القيادات لا يهمها ان ينمو التنظيم العمالي، لا كما ولا نوعا، إنها تخشى ارتقاء القوة العمالية خشيتها الموت، وهي تريدها ان تبقى في حدود تفاوض بها وتكسب بها التمثيلية لدى سيد نعمتها: جهاز الدولة البرجوازية.

     6. انعدام حياة داخلية ديمقراطية في النقابات ينفر العمال: لا يشعر الأعضاء بالنقابات  انهم في بيتهم، فالمسؤولون النقابيون (قاعدة وليس استثناء) يعاملون القاعدة النقابية دون اي اعتبار لضرورات الديمقراطية، انهم يفرضون الخط الرسمي للقيادة (خط التعاون الطبقي مع البرجوازية ودولتها) بكل السبل الممكنة، ويصل الضغط حد مطالبة العمال المناضلين بالتخلي عن مطالبهم واستئناف العمل (بمبرر ان نقاش المطالب سيأتي في ما بعد). هذا فضلا عن المؤامرات التي تحاك ضد المناضلين النقديين، ذوي الرأي المستقل والمتشبتين بمصلحة العمال. وسيجرنا التفصيل في امثلة هذه المؤامرات إلى الخروج عن موضوعنا.

رغم تراجع الإقبال العمالي على فاتح مايو، تحافظ  المسيرات على حد أدنى من المشاركة لأن العمال رغم كل شيء  يعون أن النقابة هي الممثل لكيانهم بوجه جبروت الرأسماليين ودولتهم، ولأن هجر قطاعات للنقابات يعوضه تدفق قطاعات أخرى مدفوعة بهمجية الاستغلال والقهر الطبقيين.

مسؤولية المنتسبين لقضية تحرر العمال

ما يسهل هجر العمال للنقابات  تعبيرا منهم عن الاستياء من سياسة القيادات هو انعدام قطب معارض داخل النقابات، قطب  يستقطب  غضب القاعدة النقابية إزاء تخلي القيادة عن مصالح القاعدة ويبلوره سياسيا.  فعبر تاريخ النقابة العمالية بالمغرب، إزاء سياسة القيادات النقابية، الموالية مباشرة للنظام مثلما فعل  المحجوب بن الصديق بالاتحاد المغربي للشغل، او التي تمارس سياسة “المعارضة المسؤولية” اي استعمال النقابة للضغط من اجل إصلاح نظام الملكية السياسي، مثلما فعل بوعبيد و تلامذته بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل، نهج اليسار، بوجه العموم، سياسة مسايرة للقيادة  النقابية طمعا في تمثيلية في الجهاز، وحفاظا على الوجود في النقابة بوجه خطر الطرد.  لم يتبلور بالنقابات العمالية قط يسار مدرك لمهام الثوريين الماركسيين في المنظمات العمالية. يعود هذا في قسم منه إلى  طبيعة قسم  من اليسار، اي كونه مجرد يسار لحركة وطنية برجوازية، تأثر بمناخ عالمي ساد في حقبة ما، لكنه أبعد ما يكون عن هوية بروليتارية. اما اليسار الشبيبي لمتم سنوات 60 ومطلع 70، فلا يبدو ان المسالة النقابية شغلت فكره وممارسته من منظور ثوري، لا سيما أن بدايته كانت مطبوعة بتقدير أن الاستيلاء على السلطة على رأس جدول  الأعمال، ولم يتحرر المتقدمون منه من منظورات التأسيس إلا ليسقطوا في سياسة مجاراة البيروقراطية النقابية.

إن وعي هذا الدرس التاريخي يبرز حجم الخسارة الناتجة اليوم عن تصفية تجربة التوجه الديمقراطي في الاتحاد المغربي للشغل، خسارة ستمتد تبعاتها سنوات عديدة.  اثبتت التجربة ببلدنا، سلبا مع الأسف،  صحة الدروس التاريخية للحركة العمالية العالمية في مجال العمل النقابي وعلاقته بالسياسي (ومعضلة البيروقراطية مسألة سياسية بامتياز)، ويجدر بنا، نحن المناضلون العماليون، استيعابها بعمق ( يوجد ملخص لها في الكتاب الصادر عن  جريدة المناضل-ة ، مسائل النضال النقابي: فهم ماركسي ثوري)، والاسترشاد بها في الممارسة اليومية مع ما يلزم من مهارة في مراعاة حقائق الواقع الملموس، مع ما تستتبع من مرونة تكتيكية.  

مصطفى البحري

Print Friendly, PDF & Email